← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ متعلقٌ بمضمر ينساق إليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل فعلنَا مَا فعلنَا منْ الأمر والإظهارِ لنُريَك بذلك بعضَ آياتنا الكبرى على أن الكبرى صفةٌ لآياتنا أو نريَك بذلك من آياتنا ما هي كُبرى على أن الكبرى مفعول ثان لنريك من آياتنا متعلق بمحذوف هو حال من ذلك المفعولِ وأياً ما كان فالآيةُ الكبرى عبارةٌ عن العصا واليدِ جميعاً وأما تعلقُه بما دل عليه آيةٌ أي دلّلنا بها لنريك الخ أو بقوله تعالى واضمم أو بقوله تُخْرِجُ أو بما قُدّر من نحو خذ ودونك كما قال بكلٍ من ذلك قائل فيؤدّي إلى عَراء آيةِ العصا عن وصف الكِبَر فتدبر

стр. 3817

﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ﴾ تخلّصٌ إلى ما هو المقصودُ من تمهيد المقدمات السالفةِ فُصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته أي اذهبْ إليه بما رأيتَه من الآيات الكبرى وادْعُه إلى عبادتي وحذّره نَقِمتي وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ طغى﴾ تعليلٌ للأمرِ أو لوجوب المأمورِ به أي جاوز الحدَّ في التكبر والعتوّ والتجبر حتى تجاسر على

стр. 3818

طه ٢٥ ٢٧ العظيمة التي هي دعوى الروبية

стр. 3819

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قبل فماذا قال ﵊ حين أُمر بهذا الأمر الخطيرِ والخطبِ العسير فقيل قال مستعينا بربه ﴿رَبّ اشرح لِى صَدْرِى﴾

стр. 3820

﴿وَيَسّرْ لِى أَمْرِى﴾ لما أُمر بما أُمر به من الخطب الجليلِ تضرّع إلى ربِّه وأظهر عجْزَه بقوله ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وسأله تعالى أن يوسعّ صدرَه ويفسَحَ قلبه ويجعله عليماً بشؤون الحق وأحوالِ الخلق حليما حمولا يستقل ما عَسَى يرِدُ عليه مِنْ الشدائد والمكاره بجميل الصبرِ وحسن الثبات ويتلقّاها بصدر فسيحٍ وجأش رابط وأن يسّهل عليه مع ذلك أمرَه الذي هو أجلُّ الأمور وأعظمُها وأصعبُ الخطوب وأهولُها بتوفيق الأسبابِ ورفع الموانعِ وفي زيادة كلمة لي مع انتظام الكلامِ بدونها تأكيدٌ لطلب الشرح والتيسير بإيهام الشروح والميسّر أولاً وتفسيرِهما ثانياً وفي تقديمها وتكريرِها إظهارُ مزيدِ اعتناءٍ بشأن كل من المطلوبَيْن وفضلِ اهتمامٍ باستدعاء حصولهما له واختصاصِهما به

стр. 3821

﴿واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِى﴾ رُوي أنَّهُ كانَ في لسانِه ﵊ رُتّةٌ من جمرة أدخلها فاه في صغره وذلك أن فرعون حمله ذاتَ يوم فأخذ لحيته ينتفها لما كانَ فيها من الجواهر فغضب وأمر بقتله فقالت آسيةُ إنه صبيٌّ لا يفرق بين الجمر والتمر والياقوت فأُحضِرا بين يديه فأخذ الجمرةَ فوضعها في فيه قيل واحترقت يده فاجتهد فرعونُ في علاجها فلم تبرأ ثم لما دعاه قال إلى أي ربّ تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عَجزْتَ عنه واختلف في زوال العُقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ومن لم يقل به احتج بقوله تعالى هُوَ أَفْصَحُ مِنّى وقوله تعالى وَلَا يَكَادُ يُبِينُ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حلَّ عُقدة لسانه بالكلية بل حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام ولذلك نكرّها ووصفها بقوله مّن لّسَانِى أي عقدةً كائنة من عُقَد لساني وجعل قوله تعالى

стр. 3822

﴿يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ جوابَ الأمر وغرضا من الدعاء فيحلها في الجملة يتحقق إيتاءُ سؤله ﵊ والحقُّ أن ما ذكر لا يدل على بقائها في الجملة أما قوله تعالى هُوَ أَفْصَحُ مِنّى فلأنه ﵊ قاله استدعاءا لحل كما ستعرفه على أن أفصحيّتَه منه عليهما الصلاة والسلام لا تستدعي بقاءها اصلا بل تستدعي عدمَ البقاءِ لما أن الأفصيحة توجب ثبوتَ أصلِ الفصاحة في المفضول أيضاً وذلك منافٍ للعقدة رأساً وأما قوله تعالى وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فمن باب غلوِّ اللعين في العتوّ والطغيان وإلا لدل على عدم زوالِها أصلاً وتنكيرُها إنما يفيد قِلتها في نفسها لا قِلَّتها باعتبار كونِها بعضاً من الكثير وتعلقُ كلمة مِن في قوله تعالى من لّسَانِى بمحذوف هو صفةٌ لها ليس بمقطوع به بل الظاهرُ تعلُّقها بنفس الفعل فإن المحلولَ إذا كان

стр. 3823

طه ٢٩ ٣٤ متعلقا بشيء ومتصلاً به فكما يتعلق الحلُّ به يتعلق بذلك الشيء أيضاً باعتبار إزالتِه عنه أو ابتداءِ حصوله منه

стр. 3824

﴿واجعل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى هارون أَخِى﴾ أي موازرا يعاونني في تحمّل أعباء ما كُلّفتُه على أن اشتقاقَه من الوِزْر الذي هو الثِقَلُ أو ملجأً أعتصمُ برأيه على أنه من الوَزَر وهو الملجأ وقيل أصله أَزير من الأزْر بمعنى القوة فعيل بمعنى فاعل كالعشير والجليسِ قُلبت همزتُه واواً كقلبها في مُوازِر ونصبُه على أنه مفعولٌ ثان لا جعل قُدّم على الأول الذي هو قوله تعالى هرون اعتناءً بشأن الوزارة ولي صلةٌ للجعل أو متعلقٌ بمحذوف هو حال من وزيراً إذ هو صفةٌ له في الأصل ومن أهلي إما صفةٌ لوزيراً أو صلة لا جعل وقيل مفعولاه لي وزيراً وهرون عطفُ بيانٍ للوزير ومن أهلي كما مر من الوجهين وأخي في الوجهين بدل من هرون أو عطفُ بيان آخرَ وقيل هما وزيراً من أهلي وبي وتبيين كما في قوله تعالى وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ورُدّ بأن شرطَ المفعولين في باب النواسخِ صحةُ انعقاد الجملةِ الاسمية ولا مساغَ لجعل وزيراً مبتدأً ويُخبر عنه بما بعده

стр. 3825

﴿اشدد بِهِ أَزْرِى﴾ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى﴾ كلاهما على صيغة الدعاءِ أي أحكِمْ به قوتي واجعله شريكي في أمر الرسالة حتى نتعاونَ على أدائها كما ينبغي وفصلُ الأول عن الدعاء السابق لكمال الاتصالِ بينهما فإن شدَّ الأزْر عبارةٌ عن جعله وزيراً وأما الإشراكُ في الأمر فحيث كان من أحكام الوزارة توسّطَ بينهما العاطف

стр. 3826

﴿كَىْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ غايةٌ للأدعية الثلاثةِ الأخيرة فإن فعل فيها كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثِراً لفعل الآخر ومضاعفاً له بسبب انضمامِه إليه مكثرٌ له في نفسه أيضاً بسبب تقويتِه وتأييدِه إذ ليس المرادُ بالتسبيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلَوات حتى لا يتفاوت حالُه عند التعدد والانفرادِ بل ما يكون منهما في تضاعيف أداءِ الرسالة ودعوةِ المَرَدة العُتاة إلى الحق وذلك مما لا ريب في اختلاف حالِه في حالتي التعددِ والانفراد فإن كلاًّ منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحقِّ ما لا يكاد يصدر عنه مثلُه في حال الانفراد وكثيراً في الموضعين نعتٌ لمصدر محذوف أو زمانٍ محذوف أي ننزّهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعالِ التي منْ جُملتها ما يدّعيه فرعونُ الطاغيةُ ويقبَلُه منه فئتُه الباغية من ادّعاء الشِرْكةِ في الألوهية ونصفُك بما يليق بك من صفات الكمالِ ونعوتِ الجمال والجلال تنزيها

стр. 3827

طه ٣٥ ٣٨ كثيراً أو زماناً كثيراً من جملته زمانُ دعوةِ فرعون وأوانُ المُحاجّة معه وأما ما قيل من أن المعنى كي نصليَ لك كثيراً ونحمَدَك ونُثنيَ عليك فلا يساعده المقام

стр. 3828

﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي عالماً بأحوالنا وبأن ما دعوتُك به مما يُصلحنا ويفيدنا في تحقيق ما كُلّفتُه من إقامة مراسم الرسالة وبأن هرون نِعمَ الرِّدْءُ في أداء ما أُمرت به والباءُ متعلقة ببصيراً قُدّمت عليه لمراعاة الفواصل

стр. 3829

﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ أي أُعطيتَ سُؤْلك فُعْلٌ بمعنى مفعول كالخبز والأُكْل بمعنى المخبوز والمأكول والإيتاءُ عبارةٌ عن تعلق إرادتِه تعالى بوقوع تلك المطالبِ وحصولِها له ﵇ البتة وتقديرِه إياها حتماً فكلُّها حاصلةٌ له ﵇ وإن كان وقوعُ بعضها بالفعل مترقباً بعدُ كتيسير الأمر وشدِّ الأزْر وباعتباره قيل سنشُدّ عضُدَك بأخيك وقوله تعالى ﴿يا موسى﴾ تشريفٌ له ﵇ بشرف الخِطاب إثرَ تشريفِه بشرف قَبول الدعاء وقوله تعالى

стр. 3830

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله وزيادةِ توطينِ نفس موسى ﵇ بالقبولِ ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعمِ التامة من غير سابقةِ دعاءٍ منه وطلبٍ فلأَن يُنعِم عليه بمثلها وهو طالبٌ له وداعٍ أَوْلى وأحرى ونصديره بالقسم لكمال الاعتناءِ بذلكَ أي وبالله لقد أنعمنا ﴿مَرَّةً أخرى﴾ أي في وقت غيرِ هذا الوقت لا أن ذلك مؤخّرٌ عن هذا فإن أخرى تأنيت آخَرَ بمعنى غير والمرةُ في الأصل اسمٌ للمرور الواحدِ ثم أُطلق على كل فعلة واحدة من الفَعَلات متعديةً كانت أو لازمة ثم شاع في كل فرد واحدٍ من أفراد ماله أفرادٌ متجددةٌ متعددة فصار علماً في ذلك حتى جُعل معياراً لما في معناه من سائر الأشياء فقيل هذا بناء المرة ويقرب منها الكرّةُ والتارَةُ والدفعة والمراد بها ههنا الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما سيأتي ذكرُه من المنن العظيمة الكثيرة وقوله تعالى

стр. 3831

﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى﴾ ظرفٌ لمننّا والمرادُ بالإيحاء إما الإيحاءُ على لسان نبيَ في وقتها كقوله تعالى وإذا أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين الآية وإما الإيحاءُ بواسطة الملَك لا على وجه النبّوة كما أوحيَ إلى مريم وإما الإلهام كما في قوله تعالى وأوحى رَبُّكَ إلى النحل وإما الإرادة في المنام والمرادُ بما يوحى وسيأتي من الأمر بقذفه في التابوت وقذْفِه في البحر أيهم أولاً تهويلاً له وتفخيماً لشأنه ثم فُسّر ليكون أقرَّ عند النفسِ وقيل معناه ما ينبغي أن يوحى ولا يُخَلَّ به لعِظم شأنه وفرْطِ الاهتمام به وقيل مالا يُعلم إلا بالوحي وفيه أنه لا يلائم المعنيين الأخيرين للوحي إذ لا تفخيمَ لشأنه في أن يكون مما لا يُعلم إلا بالإلهام أو بالإرادة في المنام

стр. 3832

طه ٣٩ ٤٠ وأنْ في قولِه تعالَى

стр. 3833

﴿أَنْ اقذفيه فِى التابوت﴾ مفسِّرةٌ لأن الوحيَ من باب القول أو مصدرية محذف منها الباء أي بأن اقذفيه ومعنى القذف ههنا الوضعُ وأما في قوله تعالى ﴿فاقذفيه فِى اليم﴾ فالإلقاءُ وهذا التفصيلُ هو المرادُ بقوله تعالى فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليم لا القذفُ بلا تابوت ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾ لما كان إلقاءُ البحرِ إياه بالساحل أمراً واجبَ الوقوع لتعلق الإرادةِ الربانية به جُعل البحرُ كأنه ذو تمييزٍ مطيعٍ أُمر بذلك وأُخرج الجوابُ مُخرجَ الأمر والضمائرُ كلُّها لموسى ﵇ والمقذوفُ في البحر والمُلقى بالساحل وإن كان هو التابوتَ أصالةً لكنْ لما كان المقصودُ بالذات ما فيه جعل التابوت تابعا له في ذلك ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ جوابٌ للأمر بالإلقاء وتكريرُ العدو للمبالغة والتصريحِ بالأمر والإشعارِ بأن عداوتَه له مع تحققها لا تؤثر فيه ولا تضرُه بل تؤدي إلى المحبة فإن الأمرَ بما هو سبب للهلاك صورةً من قذفه في البحر ووقوعِه في يد عدو الله تعالى وعدوِّه مشعرٌ بأن هناك لُطفاً خفياً مندرجاً تحت قهرٍ صوريّ وقيل الأولُ باعتبار الواقعِ والثاني باعتبار المتوقَّع وليس المرادُ بالساحل نفس الشاطئ بل ما يقابل الوسطَ وهو ما يلي الساحلَ من البحر بحيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون لما روي أنها جَعلتْ في التابوت قُطناً ووضعتْه فيه ثم قيّرتْه وألقتْه في اليم وكان يشرَع منه إلى بستان فرعون نهرٌ صغير فدفعه الماءُ إليه فأتى به إلى بِرْكة في البستان وكان فرعونُ جالساً ثمّةَ مع آسية بنت مزاحم بأمر به فأُخرج ففُتح فإذا هو صبيٌّ أصبحُ الناس وجهاً فأحبه عدوُّ الله حباً شديداً لا يكاد يتمالك الصبرَ عنه وذلك قوله تعالى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى﴾ كلمةَ مِنْ متعلقةٌ بمحذوف هو صفة لمحبةً مؤكدةٌ لما في تنكيرها من الفخامة الإضافيةِ أي محبةً عظيمة كائنةً مني قد زرعتُها في القلوب بحيث لا يكاد يصبِر عنك من رآك ولذلك أحبك عدوُّ الله وآلُه وقيل هي متعلقةٌ بألقيت أي أحببتُك ومن أحبه الله تعالى أحبته القلوبُ لا محالةَ وقولُه تعالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى﴾ متعلقٌ بألقيتُ معطوفٌ على علة له مُضمَرةٍ أي ليتعطف عليك ولنربي بالحنوّ والشفقة بمراقبتي وحِفظي أو بمضمرة مؤخّرٍ هو عبارةٌ عما قبله من إلقاء المحبةِ والجملةُ مبتدَأةٌ أي ولتصنع على عيني فعلتُ ذلك وقري ولِتُصْنعْ على صيغة الأمر بسكون اللام وكسرها وقرئ بفتح التاء والنصب أي وليكونَ عملُك على عين مني لئلا يخالَفَ به عن أمري

стр. 3834

﴿إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ﴾ ظرفٌ لتُصنعَ على أن المرادَ به وقتٌ وقع فيه مشيُها إلى بيت فرعونَ وما ترتب عليه من القول والرجْعِ إلى أمها وتربيتِها له بالبر والحُنوّ وهو المِصداق لقوله تعالى وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى إذ لا شفقةَ

стр. 3835

أعظمُ من شفقة الأم وصنعُها على موجب مراعاتِه تعالى وقيلَ هو بدلٌ من إذ أوحينا على أن المرادَ به زمانٌ متّسعٌ متباعدُ الأطراف وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله تعالى فنجيناك مِنَ الغم الخ فإن جميع ذلك من المنن الإلهية ولا تعلق لشيء منها الصنع المذكور وأما كونُه ظرفاً لألقيت كما جُوّز فربما يوهم أن إلقاءَ المحبة لم يحص قبل ذلك ولا ريب في أن معظمَ آثارِ إلقائِها ظهر عند فتحِ التابوت ﴿فَتَقُولُ﴾ أي لفرعون وآسيةَ حين رأتهما يطلبان له ﵇ مرضعةً يقبل ثديَها وكان لا يقبل ثدياً وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحاكية الحالِ الماضية ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ﴾ أي يضمه إلى نفسه ويربّيه وذلك إنما يكون بقَبوله ثديَها يروى أنه فشا الخبر بمصر أن آلَ فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضع ثديَ امرأة واضطروا إلى تبليغ النساء فخرجت أختُه مريمُ لتعرِف خبرَه فجاءتهم متنكّرة فقالت ما قالت وقالوا ما قالوا فجاءت بأمه فقبل ثديها فالفاء في قوله تعالى ﴿فرجعناك إلى أُمّكَ﴾ فصيحةٌ معربةٌ عن محذوف قبلها يُعطَف عليه ما بعدها أي فقالوا دُلّينا عليها فجاءت بأمك فرجعناك إليها ﴿كَى تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بلقائك ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ أي لا يطرأَ عليها الحزنُ بفراقك بعد ذلك وإلا فزوالُ الحزن مقدمٌ على السرور المعبَّر عنه بقُرّة العين فإن التخليةَ متقدّمةٌ على التحلية وقيل ولا تحزنَ أنت بفقد إشفاقها ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ هي نفس القِبْطيّ الذي استغاثه الإسرائيليُّ عليه ﴿فنجيناك مِنَ الغم﴾ أي غمِّ قْتلِه خوفاً من عقاب الله تعالى بالمغفرة ومن اقتصاص فرعونَ بالإنجاء منه بالمهاجَرة إلى مدين ﴿وفتناك فُتُوناً﴾ أي ابتليناك ابتلاءً أو فتوناً من الابتلاء على أنه جمعُ فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحُجوز في حجزة وبُدور في بَدْرة أي خلصناك مرة أخرى وهو إجمالُ ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقةِ الأُلاّف والمشْي راجلاً وفقْدِ الزاد وقد روي أن سعيدَ ابن جبير سأل عنه ابنَ عباس ﵄ فقال خلّصناك من محنة بعد محنة ولد في عام كان يُقتل فيه الوِلْدانُ فهذه فتنةٌ يا ابنَ جبير وألقتْه أمُّه في البحر وهمّ فرعونُ بقتله وقتلَ قِبْطياً وآجَرَ نفسه عشر سنين وضلّ الطريقَ وتفرّقت غنمُه في ليلة مظلمة وكان يقول عند كلِّ واحدةٍ فهذه فتنةٌ يا ابنَ جبير ولكن الذي يقتضيه النظمُ الكريم أن لا تُعدَّ إجارةُ نفسه وما بعدها من تلك الفُتون ضرورةَ أن المرادَ بها ما وقع قبل وصولِه ﵇ إلى مدين بقيضة الفاء في قوله تعالى ﴿فلبثت سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إذْ لا ريبَ في أن الإجارةَ المذكورة وما بعدها مما وقع بعد الوصولِ إليهم وقد أشير بذكر لُبثه ﵇ فيهم دون وصولِه إليهم إلى جميع ما قاساه ﵇ في تضاعيف تلك السنينَ العشْر من فنون الشدائد والمكاره التى كلُّ واحد منها فتنةٌ وأيُّ فتنة ومدينُ بلدةُ شعيب ﵊ على ثماني مراحل مصرَ ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ إلى المكان الذين أُونس فيه النارُ ووقع فيه النداءُ والجُؤار وفي كلمة التراخي إيذانٌ بأن مجيئَه ﵇ كان بعد اللَّتيا وَالتى من ضلال الطريق وتفرُّقِ الغنم في الليلة المظلمةِ الشاتية وغيرِ ذلك ﴿على قَدَرٍ﴾ أي تقديرٍ قدّرتُه لأن أكلك وأستنبئَك في وقت قد عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدَرِ غير مستقدم ولا مستأجر وقيل على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء ﵈ وهو رأسُ أربعين سنةً وقوله تعالى ﴿يا موسى﴾ تشريفٍ له ﵊ وتنبيهٌ على انتهاء الحكايةِ التي هي تفصيلُ المرةِ الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولا

стр. 3836

طه ٤١ ٤٤ وقوله تعالى

стр. 3837

﴿واصطنعتك لِنَفْسِى﴾ تذكير لقوله تعالى وأنا اخترتك وتمهيدٌ لإرساله ﵇ إلى فرعون مؤيّداً بأخيه حسبما استدعاه بعد تذكير المنن السابغة السابقة تأكيداً لوثوقه ﵇ بحصول نظائرِها اللاحقة وهذا تمثيلٌ لما خوّله عز وعلا من الكرامة العظمى بتقريب الملِكِ بعضَ خواصّه واصطناعِه لنفسه وترشيحِه لبعض أمورِه الجليلة والعدولُ عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى وفتناك ونظيرَيه السابقين تمهيدٌ لإفراد لفظِ النفسِ اللائقِ بالمقام فإنه أدخلُ في تحقيق معنى الاصطناعِ والاستخلاص أي اصطفيتُك برسالاتي وبكلامي وقوله تعالى

стр. 3838

﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ أي وليذهبْ أخوك حسبما استدعيتَ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما هو المقصودُ بالاصطناع ﴿بآياتي﴾ أي بمعجزاتي التي أرَيتُكَها من اليد والعصا فإنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آياتٌ شتى كما في قوله تعالى فيه آيات بينات مَّقَامُ إبراهيم فإن انقلاب العصا حيواناً آيةٌ وكونَها ثعباناً عظيما لا يقادَر قدرُه آيةٌ آخرى وسرعةَ حركتِه مع عِظم جِرْمه آيةٌ أخرى وكونَه مع ذلك مسخراً له ﵇ بحيث كان يُدخل يده في فمه فلا يضره آيةٌ أخرى ثم انقلابُها عصاً آيةٌ أخرى وكذلك اليدُ فإن بياضها في نفسه آيةٌ وشعاعَها آيةٌ ثم رجوعُها إلى حالتها الأولى آيةٌ أخرى والباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابُهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسّكين بها في إجراء أحكامِ الرسالة وإكمالِ أمر الدعوة لا مجردُ إذهابِها وإيصالها إليه ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ لا تفتُرا ولا تقصّرا وقرئ لا تِنيا بكسر التاء للاتباع ﴿فِى ذِكْرِى﴾ أي بما يليق بي من الصفات الجليلةِ والأفعال الجميلة عند تبليغِ رسالتي والدعاءِ إليّ وقيل المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكرَ يقع على جميع العبادات وهو أجلُّها وأعظمُها وقيل لا تنسَياني حيثما تقلبتما واستمِدّا بذكري العونَ والتأييدَ واعلما أن أمراً من الأمور لا يتأتى ولا يتسنّى إلا بذكري

стр. 3839

﴿اذهبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ جمعهما في صيغة أمر الحاضرِ مع غَيبة هارون إذ ذاك للتغليب وكذا الحالُ في صيغة النهي روي أنه أوحي إلى هارونَ وهو بمصر أن يتلقّى موسى ﵉ وقيل سمِع بإقباله فتلقاه ﴿إِنَّهُ طغى﴾ تعليلٌ لموجب الأمر والفاء في قوله تعالى

стр. 3840

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيّناً﴾ لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليينَ القولِ مما يكسِر سَوْرةَ عنادِ العُتاة ويُلين عريكةَ الطغاة قال ابن عباس ﵄ لا تُعنّفا في قولكما وقيل القولُ اللين مثل هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فإنها دعوةٌ في صورة عَرْض ومَشورة ويرده ما سيجئ من قوله تعالى فَقُولا إِنَّا رَسُولَا رَبّكَ الآيتين وقيل كنِّياه وكان له ثلاثُ كُنًى أبو العباس وأبو الوليد وأبو مُرّة وقيل

стр. 3841

طه ٤٥ ٤٧ عِداه شباباً لا يهرَم ويبقى له لذةُ المطعم والمشرب ومنكح ومُلكاً لا يزول إلا بالموت وقرئ لَيْنا ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ بما بلغتُماه من ذكري ويرغب فيمار رغّبتماه فيه ﴿أَوْ يخشى﴾ عقاب ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحال من ضمير التثنية أي فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيّناً راجين أن يتذكر أو يخشى وكلمةُ أو لمنع الخُلوّ أي باشِرا الأمرَ مباشرةَ مَنْ يرجو ويطمع في أن يُثمر علمه ولا يخيبَ سعيُه وهو يجتهد بطَوْقه ويحتشد بأقصى وُسْعه وجدوى إرسالِهما إليه مع العلم بحاله إلزامُ الحجة وقطعُ المعذرة

стр. 3842

﴿قَالَا رَبَّنَا﴾ أُسند القولُ إليهما مع أن القائلَ حقيقة هو موسى ﵊ بطريقِ التغليبِ إيذاناً بأصالته في كل قولٍ وفعلٍ وتبعيّةِ هارونَ ﵇ له في كلِّ ما يأتي ويذر ويجوز أن يكون هارونُ قد قال ذلك بعد تلاقيهما فحَكى ذلك مع قولِ موسى ﵇ عند نزولِ الآية كما في قوله تعالى يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات فإن هذا الخطابَ قد حُكي لنا بصيغة الجمع مع أن كلاًّ من المخاطَبين لم يخاطَب إلا بطريق الانفرادِ ضرورةَ استحالةِ اجتماعِهم في الوجود فكيف باجتماعهم في الخطاب ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ أي يعجَلَ علينا بالعقوبة ولا يصبِرَ إلى إتمام الدعوةِ وإظهارِ المعجزة من فرَط إذا تقدّم ومنه الفارِطُ وفرسٌ فارِطٌ يسبِق الخيل وقرئ يُفرِطَ من أفرطه إذا حمله على العجلة أي نخاف أن يحمِله حاملٌ من الاستكبار أو الخوف على المُلك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب ﴿أَوْ أَن يطغى﴾ أي يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءتِه وقساوته وإطلاقُه من حسن الأدب وإظهارُ كلمة أن مع سَداد المعنى بدونه لإظهار كمالِ الاعتناء بالأمرِ والإشعارِ بتحقق الخوفِ من كل منهما

стр. 3843

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤال الناشىءِ من النظم الكريم ولعل إسناد الفعلِ إلى ضمير الغَيبة للإشعار بانتقال الكلامِ من مساق إلى آخرَ فإن ما قبله من الأفعال الواردةِ على صيغة التكلم حكايةٌ لموسى ﵇ بخلاف ما سيأتِي من قولِه تعالى فلنا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاعلى فإن ما قبله أيضاً واردٌ بطريق الحكاية لرسول الله ﷺ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهما ربُّهما عند تضرُّعِهما إليه فقيل قال ﴿لَا تَخَافَا﴾ ما توهمتما من الأمرين وقوله تعالى ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾ تعليلٌ لموجب النهي ومزيدُ تسليةٍ لهما والمرادُ بالمعية كمالُ الحفظ والنُّصرة كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿أَسْمَعُ وأرى﴾ أي ما جري بينكما وبينه من قول وفعلٍ فأفعلُ في كل حال ما يليق بها من دفع ضُرّ وشر وجلب نفعٍ وخير ويجوز أن لا يُقدَّر شيءٌ على معنى أنني حافظُكما سميعاً بصيراً والحافظ الناصرُ إذا كان كذلك فقد تم وبلغت النُّصرةُ غايتها

стр. 3844

﴿فَأْتِيَاهُ﴾ أُمِرا بإتيانه الذي هو عبارةٌ عن الوصول إليه بعدما أمر بالذهاب إليه فلا تكرار وهو عطف على لا تخافا باعتبار

стр. 3845

طه ٤٨ ٤٩ تعليلِه بما بعده ﴿فَقُولا إِنَّا رَسُولَا رَبّكَ﴾ أُمرا بذلك تحقيقاً للحق من أول الأمر ليعرِف الطاغيةُ شأنَهما ويبني جوابُه عليه وكذا التعرضُ لربوبيته تعالى له والفاء في قوله تعالى ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسرائيل﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونَهما رسوليْ ربِّه مما يوجب إرسالَهم معهما والمرادُ بالإرسال إطلاقُهم من الأسر والقسر وإخراجُهم من تحت يدِه العاديَةِ لا تكليفُهم أن يذهبوا معه معهما إلى الشام كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُعَذّبْهُمْ﴾ أي بإبقائهم على ما كانُوا عليهِ من العذاب فإنهم كانوا تحت مَلَكَة القِبْط يستخدمونهم في الأعمال الصعبة الفادحة من الحفر ونقْلِ الأحجار وغيرهما من الأمور الشاقةِ ويقتُلون ذكورَ أولادِهم عاماً دون عام ويستخدمون نساءَهم وتوسيطُ حكمِ الإرسال بين بيان رسالتِهما وبين ذكرِ المجيء بآية دالةٍ على صحتها لإظهار الاعتناءِ به مع ما فيه من تهوين الأمرِ على فرعون فإن إرسالَهم معهما من غير تعرّض لنفسه وقومِه بفنون التكاليف الشاقةِ كما هو حكمُ الرسالة عادةً ليس مما يشُقّ عليه كلَّ المشقة ولأن في بيان مجيءِ الآية نوعَ طُولٍ كما ترى فتأخيرُ ذلك عنْهُ مُخِلٌّ بتجاوُب أطرافِ النظمِ الكريم وأما ما قيل من أن ذلك دليلٌ على أن تخليصَ المؤمنين من الكفرة أهمُّ من دعوتهم إلى الإيمان فكلا ﴿قد جئناك بآية مّن رَّبّكَ﴾ تقريرٌ لما تضمنه الكلامُ السابق من دعوى الرسالةِ وتعليلٌ لوجوب الإرسالِ فإن مجيئَهما بالآية من جهته تعالى مما يحقق رسالتهما ويقررها ويوجب الامتثالَ بأمرهما وإظهارُ اسمِ الربِّ في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطبِ لتأكيد ما ذُكِرَ من التقريرِ والتعليل وتوحيدُ الآيةِ مع تعدّدها لأن المرادَ إثباتُ الدعوى ببرهانها لا بيانُ تعدّد الحجةِ وكذلك قوله تعالى قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ وقولُه تعالى أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ وأما قوله تعالى فأت بآية إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فالظاهرُ أن المرادَ بها آيةٌ من الآيات ﴿والسلام﴾ المستتبِعُ لسلامة الدارين من الله تعالى والملائكةِ وغيرهم من المسلمين ﴿على مَنِ اتبع الهدى﴾ بتصديق آياتِ الله تعالى الهاديةِ إلى الحق وفيه من ترغيبه في اتباعهما على ألطف وجهٍ مالا يخفى

стр. 3846

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا﴾ من جهة ربنا ﴿أَنَّ العذاب﴾ الدنيويَّ والأخروي ﴿على مَن كَذَّبَ﴾ أي بآياته تعالى ﴿وتولى﴾ أي أعرض عن قَبولها وفيه من التلطيف في الوعيد حيث لم يصرَّحْ بحلول العذاب به مالا مزبد عليه

стр. 3847

﴿قال﴾ أي فرعون بعدما أتياه وبلَّغاه ما أُمرا به وإنما طوي ذكره للإيجاز والإشعارِ بأنهما كما أُمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من غير تلعثم وبأن ذلك منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة إلى التصريح به ﴿فَمَن ربكما يا موسى﴾ لم يُضِف الربَّ إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله تعالى إِنَّا رَسُولَا رَبّكَ وقوله تعالى قد جئناك بآية مّن رَّبّكَ لغاية عتوِّه ونهاية طُغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسِلَ لابد أن يكون رباً للرسول أو لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن قالا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين كما وقعَ في سورةِ الشعراء والاقتصار ها هنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصودُ والفاءُ لترتيب السؤال على ما سق من كونهما رسولَيْ ربِّهما أي إذا كنتما رسولَي ربكما فأخبرا من ربكما الذي

стр. 3848

طه ٥٠ ٥١ أرسلكما وتخصيصُ النداء بموسى ﵊ مع توجيه الخطابِ إليهما لما أنه الأصلُ في الرسالة وهارونُ وزيرُه وأما ما قيل من أن ذلك لأنه قد عرف أن له ﵊ رُتّةً فأراد أن يُفحِمه فيردُّه ما شاهده منه ﵊ من حسن البيانِ القاطعِ لذلك الطمع الفارع وأما قوله وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فمن غلوّه في الخُبث والدعارة كما مر

стр. 3849

﴿قَالَ﴾ أي موسى ﵊ مجيباً له ﴿رَبَّنَا﴾ إما مبتدأٌ وقوله تعالى ﴿الذى أعطى كل شىء خلقه﴾ خبرُه أو هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ والموصولُ صفتُه وأياً ما كان فلم يريدا بضمير المتكلم أنفسَهما فقط حسبما أراد اللعينُ بل جميعَ المخلوقاتِ تحقيقاً للحق ورداً عليه كما يُفصح عنه مَا في حيزِ الصلةِ أي هو ربُّنا الذي أعطى كل شئ من الأشياء خلقَه أي صورتَه وشكلَه اللائقَ بما نيط به من الخواصّ والمنافِع أو أعطى مخلوقاتِه كل شئ تحتاج هي إليه وترتفق به وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به أو أعطى كلَّ حيوان نظيرَه في الخلق والصورة حيث زوّج الحصان بالفرس والبعيرَ بالناقة والرجلَ بالمرأة ولم يزوِّج شيئاً من ذلك بخلاف جنسه وقرئ خَلَقه على صيغة الماضي على أن الجملة صفةٌ للمضاف أو المضافِ إليه وحَذفُ المفعولِ الثاني إما للاقتصار على الأول أي كلَّ شيء خلقه الله تعالى لم يحرِمْه من عطائه وإنعامِه أو للاختصار من كونه منوياً مدلولاً عليه بقرينة الحالِ أي أعطى كل شىء خلقه الله تعالى ما يحتاج إليه ﴿ثُمَّ هدى﴾ أي إلى طريق الانتفاع والاتفاق بما أعطاه وعرّفه كيف يَتوصّل إلى بقائه وكماله إما اختياراً كما في الحيوانات ولمّا كان الخلقُ الذي هو عبارةٌ عن تركيب الأجزاءِ وتسويةِ الأجسام متقدماً على الهدايةِ التي هي عبارةٌ عن إيداع القُوى المحرِّكةِ والمدْرِكة في تلك الأجسامِ وُسِّط بينهما كلمةُ التراخي ولقد ساق ﵊ جوابَه على نمط رائقٍ وأسلوب لائقٍ حيث بين أنه تعالى عالمٌ قادرٌ بالذات خالقٌ لجميع الأشياء مُنعِمٌ عليها بجميع ما يليق بها بطريق التفضلِ وضمّنه أن إرسالَه تعالى إلى الطاغية من جملة هداياته تعالى إياه بعد أن هداه إلى الحق بالهدايات التكوينيةِ حيث ركّب فيه العقلَ وسائرَ المشاعرِ والآلاتِ الظاهرةِ والباطنة

стр. 3850

﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الاولى﴾ لما شاهر اللعين مانظمه ﵊ في سلك الاستدلالِ من البرهان النيّر على الطراز الرائِع خاف أن يُظهر للناس حقية مقالاته ﵊ وبُطلانَ خرافات نفسِه ظهوراً بيّناً فأراد أن يصرِفه ﵊ عن سننه إلى مالا يعنيه من الأمور التي لا تعلُّقَ لها بالرسالة من الحكايات ويشغَلَه عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوعُ غفلةٍ فيتسلق بذلك إلى أن يدّعيَ بين يدي قومه نوعَ معرفة فقال ما حالُ القرونِ الماضية والأممِ الخالية وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة فأجاب ﵊ بأن العلمَ بأحوالهم مفصّلةً مما لا ملابسة له بمنصِب الرسالة وإنما علمُها عند اللَّهُ وأما ما قيل من أنه سأله عن حال مَنْ خلا من القرون وعن شقاء من شقيَ منهم وسعادةِ من سعِد فيأباه

стр. 3851

طه ٥٢ ٥٣ قوله تعالى

стр. 3852

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّى﴾ فإن معناه أنه من الغيوب التي لا يعلمُها إلا الله تعالى وإنما أنا عبدٌ لا أعلم مها إلا ما علّمنيه من الأمور المتعلقة بما أُرسلت به ولو كان المسؤولُ عنه ما ذكر من الشقاوة والسعادةِ لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلِم ومن تولى فقد عُذّب حسبما نطق به قوله تعالى والسلام الآيتين ﴿فِى كتاب﴾ أي مُثْبتٍ في اللوحِ المحفوظِ بتفاصيلِه ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ تمثيلاً لتمكنه وقرره في علم الله عزل وجل بما استحفظه العالَم وقيده بالكَتَبة كَما يلوحُ بهِ قولُه تعالى ﴿لَا يَضِلُّ رَبّى وَلَا يَنسَى﴾ أي لا يخطئ ابتداءً ولا يذهب علمه بقاء بل ثابتٌ أبداً فإنهما مُحالان عليه سبحانه وهو على الأول لبيان أن إثباتَه في اللوح ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداءً أو بقاءً وإظهارُ ربي في موقع الإضمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقريرِ والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن الربوبيةَ مما يقتضي عدمَ الضلالِ والنسيانِ حتماً ولقد أجاب ﵊ عن السؤال بجواب عبقري بديعٍ حيث كشف عن حقيقة الحقِّ حجابَها مع أنه لم يخرُجْ عما كان بصدده من بيان شئونه تعالى ثم تخلّص إليه حيث قال بطريق الحكايةِ عن الله لما سيأتي من الالتفات

стр. 3853

﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ على أن الموصولَ إما مرفوعٌ على المدح أو منصوبٌ عليه أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي جعلها لكم كالمهد تتمهدونها أو ذاتَ مهدٍ وهو مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ وقرئ مِهاداً وهو اسمٌ لما يُمْهد كالفِراش أو جمعُ مهد أي جعل كلَّ موضع منها مهداً لكل واحد منكم ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي حصّل لكم طرقاً ووسّطها بين الجبال والأودية والبراري تسلُكونها من قُطْر إلى قطر لتقضُوا منها مآربَكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ هو المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أيْ بذلكَ الماءِ وهو عطفٌ على أنزل داخلٌ تحت الحكاية وإنما التُفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيهِ منَ الدلالةِ عَلى كمال القدرةِ والحكمة والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مُطاعٍ عظيمِ الشأن تنقاد لأمره وتُذعِن لمشيئته الأشياءُ المختلفة كما في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وقولِه تعالى أَم مَّنْ خلقِ السمواتِ والأرضِ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ خلا أن ما قبل الالتفاتِ هناك صريحُ كلامِه تعالى وأما ها هنا فحكايةٌ عنه تعالى وجَعْلُ قوله تعالى فأخرجا بِهِ هو المحكيَّ مع كون ما قبله كلَام موسى ﵊ خلافُ الظاهر مع أنه يفوّت حينئذ الالتفاتَ لعدم اتحادِ المتكلم ﴿أزواجا﴾ أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقترانِ بعضِها ببعض ﴿مّن نبات﴾ بيانٌ أو صفةٌ لأزواجاً أي كائنة من نبات وكذا قوله تعالى ﴿شتى﴾ أي متفرقة جمعُ شتيت ويجوزُ أن يكونَ صفةً لنبات لما أنه في الأصل مصدرٌ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ يعني أنها شتّى مختلفةٌ في الطعم والرائحة والشكل والنفع بعضُها صالح للباس على اختلاف وجوهِ الصلاح وبعضُها للبهائم فإن من تمام نعمته تعالى

стр. 3854

طه ٥٤ ٥٦ أن أرزاقَ عبادِه لما كان تحصّلها بعمل الأنعامِ جعل علَفها مما يفضُل عن حاجاتهم ولا يليق بكونه طعاماً لهم وقوله تعالى

стр. 3855

﴿كُلُواْ وارعوا أنعامكم﴾ حال من ضمير فأخرجنا على إرادةِ القولِ أيْ أخرجنا منها أصنافَ النباتِ قائلين كلوا وارعَوا أنعامَكم أي معدّيها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من شئونه تعالى وأفعاله وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الكمال والتنكيرُ في قوله تعالى ﴿لَايَاتٍ﴾ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً جليلةً واضحةَ الدِلالة على شئون الله تعالى في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ وعلى صحة نبوةِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ﴿لأُوْلِى النهى﴾ جمع نُهْية سمّي بها العقلُ لنهيه عن اتباع الباطلِ وارتكاب القبائح كما سمّي بالعقل والحِجْر لعقله وحَجْره عن ذلك أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل التي من جملتها ما يدّعيه الطاغية ويقبله منه فئتُه الباغية وتخصيصُ كونها آياتٍ بهم مع أنها آياتٌ للعالمين باعتبار أنهم المنتفعون بها
следующие страницы →