← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

﴿خالدين فِيهِ﴾ أي في الوزر أو في احتماله المستمرِّ حالٌ من المستكن في يحملُ والجمعُ بالنظرِ إلى مَعْنى مَنْ لما أن الخلودَ في النار مما يتحقق حالَ اجتماعِ أهلِها كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر الثلاثةِ بالنظر إلى لفظها ﴿وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾ أي بئس لهم ففيه ضميرٌ مبهمٌ يفسّره حِمْلاً والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي ساء حملاً وِزرُهم واللامُ للبيانِ كما في هَيْتَ لك كأنه لما قيل ساء قيل لمن يقال هذا فأجيب لهم وإعادةُ يوم القيامة لزيادة التقريرِ وتهويلِ الأمر

стр. 3922

﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور﴾ بدل من يوم القيامة أو منصوبٌ بإضمار اذكُرْ أو ظرفٌ لمضمر قد حُذف للإيذان بضيق العبارةِ عن حصره وبيان حسبما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل وقوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وفدا وقرئ ننفخ بالنون على إسناد النفخِ إلى الآمرِ به تعظيماً له وبالياء المفتوحة على أن ضميره لله أو لإسرافيلَ ﵇ وإن لم يجْرِ ذكرُه لشهرته ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ﴾ أي يوم إذ ينفخ في الصور وذكرُه صريحاً مع تعيّن أن الحشرَ لا يكون إلا يومئذ للتهويل وقرئ ويُحشَر المجرمون ﴿زُرْقاً﴾ أي حالَ كونهم زُرْقَ العيون وإنما جعلوا كذلك لأن الزُّرقةَ أسوأُ ألوانِ العين وأبغضُها إلى العرب فإن الرومَ الذين كانوا أعدى عدوِّهم زُرقٌ ولذلك قالوا في صفة العدو أسودُ الكِبد وأصهبُ السِّبال وأزرقُ العين أو عُمياً لأن حدَقةَ الأعمى تزرقّ وقوله تعالى

стр. 3923

﴿يتخافتون بَيْنَهُمْ﴾ أي يخفِضون أصواتَهم ويُخفونها لما يملأ صدورَهم من الرعب والهول استئنافٌ ببيان ما يأتون وما يذرون حينئذ أو حالٌ أخرى من المجرمين أي يقول بعضُهم لبعض بطريق المخافتة ﴿إِن لَّبِثْتُمْ﴾ أي ما لبثتم في الدنيا ﴿إِلَاّ عَشْراً﴾ أي عشر ليال استقصار لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدةَ الآخرة أو لتأسفهم عليها لمّا عاينوا الشدائدَ وأيقنوا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطارِ واتّباعِ الشهوات أو في القمر وهو الأنسبُ بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعثَ الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعُدّونه من قبيل المُحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافاً به وتحقيقاً لسرعة وقوعِه كأنهم قالوا قد بُعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة

стр. 3924

طه ١٠٤ ١٠٨ وإلا فحالُهم أفظعُ من أن تمكّنهم من الاشتغال بتذكر أيامِ النعمة والسرورِ واستقصارِها والتأسف عليها

стр. 3925

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مدةُ لبثهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي أعد لهم رأياً أو عملاً ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ يَوْماً﴾ ونسبةُ هذا القولِ إلى أمثلهم استرجاع منه تعالى له لكن لا لكونه أقربَ إلى الصدق بل لكونه أدلَّ على شدة الهول

стр. 3926

﴿ويسألونك عَنِ الجبال﴾ أي عن مآل أمرِها وقد سأل عنه رجل من ثقيف وقيل مشركو مكةَ على طريق الاستهزاء ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً﴾ أي يجعلها كالرمل ثم يُرسل عليها الرياحَ فتُفرّقها والفاء للمسارعة إلى إلزام السائلين

стр. 3927

﴿فَيَذَرُهَا﴾ الضميرُ إما للجبال باعتبار أجزائها السالفة الباقيةِ بعد النسفِ وهي مقارُّها ومراكزُها أي فيذر ما انبسط منها وساوى سطحُه سطوحَ سائرِ أجزاءِ الأرض بعد نسف مانتا منها ونشزو إما للأرض المدلول عليها بقرينة الحالِ لأنها الباقيةُ بعد نسفِ الجبال وعلى التقديرين يذر الكلَّ ﴿قَاعاً صَفْصَفاً﴾ لأن الجبالَ إذا سُوّيت وجُعل سطحُها مساوياً لسطوح سائر أجزاءِ الأرض فقد جُعل الكلُّ سطحاً واحداً والقاعُ قيل السهلُ وقيل المنكشفُ من الأرض وقيل المستوى الصُّلْبُ منها وقيل مالا نباتَ فيه ولا بناء والصفصف الأض المستويةُ الملساءُ كأن أجزاءَه صفٌّ واحد من كل جهة وانتصابُ قاعاً على الحاليةِ من الضميرِ المنصوبِ أو هو مفعولٌ ثانٍ ليذر على تضمين معنى التصييرِ وصفصفاً إما حالٌ ثانية أو بدلٌ من المفعول الثاني وقوله تعالى

стр. 3928

﴿لَاّ ترى فِيهَا﴾ أي مقارّ الجبال أو في الأرض على ما مر من التفصيل ﴿عِوَجَا﴾ بكسر العين أي اعوجاجاً ما كأنه لغاية خفائِه من قبيل ما في المعاني أي لا تدركه إن تأملْتَ بالمقاييس الهندسية ﴿وَلا أَمْتاً﴾ أي نتُوءاً يسيراً استئنافٌ مبينٌ لكيفية ما سبق من القاع الصفْصَف أو حالٌ أخرى أو صفة لقاعاً والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن تأتي منه الرؤيةُ وتقديمُ الجارّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من طولٍ ربَّما يُخِلّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم

стр. 3929

﴿يومئذ﴾ أي يوم إذ نُسفت الجبالُ على إضافة اليوم إلى وقت النسْفِ وهو ظرفٌ لقوله تعالى ﴿يَتَّبِعُونَ الداعى﴾ وقيل بدلٌ من يَوْمَ القيامة وليس بذاك أي يتبع الناسُ داعي الله إلى المحشر وهو إسرافيلُ ﵇ يدعو الناسَ عند النفخةِ الثانية قائماً على صخرة بيتِ المقدس ويقول أيتها العِظامُ النخِرةُ والأوصالُ المتفرّقةُ واللحومُ المتمزّقة قومي إلى

стр. 3930

طه ١٠٩ ١١٢ عَرْض الرحمن فيُقبلون من كل أَوبٍ إلى صَوْبه ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يعوج له مدوعو ولا يعدِل عنه ﴿وَخَشَعَتِ الاصوات للرحمن﴾ أي خضعت لهيبته ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَاّ هَمْساً﴾ أي صوتاً خفياً ومنه الهميسُ لصوت أخفافِ الإبل وقد فُسر الهمْسُ بخفق أقدامِهم ونقلِها إلى المحشر

стр. 3931

﴿يومئذ﴾ أي يوم إذ يقع ما ذُكر منَ الأمورِ الهائلةِ ﴿لَاّ تَنفَعُ الشفاعة﴾ من الشعفاء أحداً ﴿إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن﴾ أن يشفع له ﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي ورضيَ لأجله قولَ الشافع في شأنه أو رضي قوله لأجله وفي شأنه وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وإنْ فُرِضَ صدورُها عن الشفعاء المتصدّين للشفاعة للناس كقوله تعالى فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين فالاستثناءُ كما ترى من أعم المفاعيل وأما كونُه استثناءً من الشفاعة على معنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن أن يشفع لغيره كما جوزوه فلا سبيل إليه لِما أن حُكم الشفاعةِ ممن لم يؤذَنْ له أن لا يملِكَها ولا تصدرُ هي عنه أصلاً كما في قوله تعالى لَاّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلَاّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً وقوله تعالى وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارتضى فالإخبارُ عنها بمجرد عدم نفعِها للمشفوع له ربما يوهم إمكانَ صدورِها عمن لم يؤذَنْ له مع إخلاله بمقتضى مقامِ تهويل اليوم وأما قوله تعالى وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة فمعناه عدمُ الإذنِ في الشفاعة لا عدمُ قبولها بعد وقوعها

стр. 3932

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما تقدمهم من الأحوال وقيل من أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما بعدهم مما يستقبلونه وقيل من أمر الآخرة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي لا تحيط علومُهم بمعلوماته تعالى وقيل بذاته أي من حيث اتصافُه بصفات الكمالِ التي من جملتها العلمُ الشاملُ وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعها فإنهم لا يعلمون جميع ذلك ولا تفصيلَ ما علموا منه

стр. 3933

﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم﴾ أي ذلت وخضعت خضوعَ العتاة أي الأُسارى في يد الملكِ القهارِ ولعلها وجوه المجرمين كقوله تعالى سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كفورا ويؤيده قوله تعالى ﴿وَقَدْ خاب من حمل ظلما﴾ قال ابن عباس ﵄ خسِر من أشرك بالله ولم يتُب وهو استئنافٌ لبيان ما لأجله عنت وجوهُهم أو اعتراضٌ كأنه قيل خابوا وخسِروا وقيل حالٌ من الوجوه ومَنْ عبارةٌ عنها مغنيةٌ عن ضميرها وقيل الوجوهُ على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل منهم ظلماً فقوله تعالى

стр. 3934

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ الخ قسم لقوله تعالى وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً لا لقوله تعالى وَعَنَتِ الوجوه الخ كما أنه كذلك على الوجه الأول أي ومن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في تفسيرِ قولِه تعالى مِنْ أنباء ما قد سبق ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فإن الإيمان شرطٌ في صحة الطاعاتِ وقَبول الحسنات ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْماً﴾ أي منْعَ ثوابٍ مستحَقٍ بموجب الوعد ﴿وَلَا هَضْماً﴾

стр. 3935

ولا كسْراً منه يَنْقُص أو لا يخاف جزاءَ ظلم وهضم إذا لم يصدُر عنه ظلمٌ ولا هضمٌ حتى يخافَهما وقرئ فلا يخَفْ على النهي

стр. 3936

﴿وكذلك﴾ عطفٌ على كذلك نَقُصُّ وذلك إشارةٌ إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبثة عما سيقع من أحوالِ القيامةِ وأهوالِها أي مثلَ ذلك الإنزالِ ﴿أنزلناه﴾ أي القرآنَ كلَّه وإضمارُه من غير سبق ذكرِه للإيذان بنباهة شأنِه وكونِه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان ﴿قرآنا عَرَبِيّاً﴾ ليفهمه العربُ ويقفوا على ما فيه من النظم المعجزِ الدالِّ على كونِه خارجاً عن طَوْق البشرِ نازلاً من عند خلاّق القُوى والقدر ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيدِ﴾ أي كررنا فيه بعضَ الوعيد أو بعضاً من الوعيد حسبمَا أشيرَ إليهِ آنِفاً ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي كي يتقو الكفرَ والمعاصيَ بالفعل ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ اتعاظاً واعتباراً مؤدياً بالآخرة إلى الاتقاء

стр. 3937

﴿فتعالى الله﴾ استعظامٌ له تعالى ولشئونه التي يُصرّف عليها عبادَه من الأوامر والنواهي والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ أي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِه وأحواله ﴿الملك﴾ النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يُرجى وعدُه ويُخشَى وعيدُه ﴿الحق﴾ في ملكوته وألوهيتِه لذاته أو الثابتُ في ذاته وصفاته ﴿وَلَا تعجل بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ﴾ أي يتِمَّ ﴿وَحْيُهُ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا ألقى إليه جبريلُ ﵇ الوحيَ يتبعه عند تلفظ كل حرفٍ وكل كلمةٍ لكمال اعتنائِه بالتلقّي والحِفظ فنُهيَ عن ذلك إثرَ ذكرِ الإنزال بطريق الاستطرادِ لِما أن استقرارَ الألفاظِ في الأذهان تابعٌ لاستقرار معانيها فيها وربما يَشغَل التفظ بكلمة عن سماع ما بعدها وأُمر باستفاضة العلمِ واستزادتِه منه تعالى فقيل ﴿وَقُلْ﴾ أي في نفسك ﴿رَّبّ زِدْنِى عِلْماً﴾ أي سل الله زيادةَ العلمِ فإنه الموصلُ إلى طِلْبتك دون الاستعجالِ وقيل إنه نهُي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتيَ بيانُه وليس بذلك فإن تبليغَ المُجملِ وتلاوتَه قبل البيان مما لا ريب في صحته ومشروعيّتِه

стр. 3938

﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من تصريف الوعيدِ في القرآن وبيانِ أن أساسَ بني آدمَ على العصيان وعِرْقُه راسخٌ في النسيان مع ما فيه من إنجاز الموعودِ في قوله تعالى كذلك نقصُّ عليك من أنباء مَا قَدْ سَبَقَ يقال عَهدِ إليه المِلكُ وعزم عليه وتقدّم إليه إذا أمره ووصاه والمعهودُ محذوفٌ يدل عليه ما بعده واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ وأُقسِم أو وبالله أو تالله لقد أمرناه ووصّيناه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا الزمانِ ﴿فَنَسِىَ﴾ أي العهدَ ولم يعتنِ به حتى غفلَ عنه أو تركه ترك المسي عنه وقرئ فنُسِّيَ أي نسّاه الشيطان ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾

стр. 3939

طه ١١٦ ١١٩ تصميمَ رأيٍ وثباتَ قدم في المور إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطانُ ولَما استطاع أن يغُرّه وقد كان ذلك منه ﵇ في بدء أمره من قلبل أن يجرّب الأمورَ ويتولّى حارَّها وقارَّها ويذوقَ شَرْيَها وأريها عنِ النبيِّ ﷺ لو وُزنت أحلامُ بني آدمَ بحِلْم آدمَ لرجح حِلْمُه وقد قال الله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وقيل عزماً على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمّد وقوله تعالى وَلَمْ نَجِدْ إن كان من الوجود العلميّ فله عزماً مفعولا قُدّم الثاني على الأول لكونه ظرفاً وإن كان من الوجود المقابلِ للعدم وهو الأنسبُ لأن مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ وليس في الإخبار بكون العزْم المعدومِ له مزيدُ مزيةٍ فله متعلقٌ به قُدّم على مفعوله لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعوله المنَكّر كأنه قيل ولم نصادِفْ له عزماً وقوله تعالى

стр. 3940

﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ﴾ شروعٌ في بيان المعود وكيفيةِ ظهور نسيانِه وفُقدانِ عزمِه وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبيُّ ﷺ أي واذكر وقتَ قولِنا لهم وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرِها فإن الوقتَ مشتملٌ على تفاصيل الأمورِ الواقعةِ فيه فالأمرُ بذكره أمرٌ بذكر تفاصيلِ ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتملٌ على أعيان الحوادثِ فإذا ذكر صارت الحوادثُ كأنها موجودةٌ في ذهن المخاطب بوجوداتها لعينية أي اذكر ما وقع في ذلك الوقتِ منا ومنه حتى يتبين لك نسيانُه وفقدانُ عزمِه ﴿فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ﴾ قد سبق الكلامُ فيه مراراً ﴿أبى﴾ جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن الأخبار بعدم سجودِه كأنه قيل ما بالُه لم يسجُدْ فقيل أبى واستكبر ومفعول أبى إما محذوفٌ أي أبى السجودَ كما قوله تعالى أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين أو غيرُ مَنْويَ رأساً بتنزيله منزلة اللازم أي فعل الإباءَ وأظهره

стр. 3941

﴿فَقُلْنَا﴾ عَقيبَ ذلك اعتناءً بنصحه ﴿يا آدم إِنَّ هذا﴾ الذي رأيتَ ما فعل ﴿عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ أي لا يكونَنّ سبباً لإخراجكما مِنَ الجنة والمرادُ نهيُهما عن أن يكونا بحيث يستبب الشيطانُ إلى إخراجهما منها بالطريق البرهاني كما في قولك لا ارينك ههنا والفاءُ لترتيب موجبِ النهى على عداوته لهما أو على الإخبار بها فتشقى جوابٌ للنهي وإسنادُ الشقاء إليه خاصةً بعد تعليقِ الإخراجِ الموجبِ له بهما معاً لأصالته في الأمور واستلزامِ شقائِه لشقائها مع ما فيه من مراعاة الفواصل وقيل المرادُ بالشقاء التعب في تحصيل مبادئ المعاشِ وذلك من وظائف الرجال

стр. 3942

﴿إن لك ألا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تعرى﴾ ﴿وأنك لا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾ تعليلٌ لما يوجبه النهيُ فإن اجتماعَ أسبابِ الراحة فيها ممَّا يوجبّ المبالغةَ في الإهتمام بتحصيل

стр. 3943

مبادئ البقاءِ فيها والجِدّ في الانتهاء عما يؤدّي إلى الخروج عنها والعدول عن التصريح بأن له ﵇ فيها تنعّماً بفنون النعمِ من المآكلِ والمشاربِ وتمتعاً بأصناف الملابسِ البهية والمساكنِ المرْضيةِ مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها ما لا يَخْفى إلى ما ذكر من نفْي نقائِضها التي هي الجوعُ والعطشُ والعُرْي والضُحِيّ لتذكير تلك الأمورِ المنْكرة والتنبيهِ عَلى ما فَيها من أنواع الشِّقوةِ التي حذّره عنها ليبالغَ في التحامي عن السبب المؤدي إليها على أن الترغيبَ قد حصل بما سوّغ له من التمتع بجميع ما فيها سوى ما استنثى من الشجرة حسبما نطق به قوله تعالى ويا آدم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وقد طُوي ذكرُه هَهُنا اكتفاءً بما ذكر في موضع آخرَ واقتصر على ما ذكر من الترغيب المتضمن الترهيب ومعنى أَن لا تَجُوعَ فِيهَا الخ أن لا يصيبَه شيء من الأمور الأربعة أصلا فغن الشبع والري والكسوة والكن قد تحصُل بعد عروض أضدادِها بإعواز الطعام والشرابِ واللباس والمسكنِ وليس الأمر فيها كذلك بل كلُّ ما وقع فيها شهوةٌ وميلٌ إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن يصل إلى حد الضرورة ووجهُ إفرادِه ﵇ بما ذكر ما مر آنفاً وفصلُ الظمأ عن الجوع في الذكر مع تجانُسهما وتقارنِهما في الذكر عادةً وكذا حالُ العُرْي والضَّحْو المتجانسين لتوفية مقامِ الامتنان حقَّه بالإشارة إلى أن نفي كلُّ واحد من تلك الأمور نعمةٌ على حيالها ولو جمُع بين الجوعِ والظمأ لربما تُوهم أن نفيَهما نعمةٌ واحدةٌ وكذا الحال في الجمع بين العُرْي والضَّحْو على منهاج قصة البقرة ولزيادة التقريرِ بالتنبيه على أن نفي كل واحد من الأمور المذكوره مقصوده بالذات مذكوره بالأصالة لا أن نفيَ بعضها مذكورة بطريق والتبعية لنفي بعضٍ آخرَ كما عسى يُتوهم لو جمع بين كلَ من المتجانسين وقرىء إنك بالكسر والجمهورُ على الفتح بالعطف على أن لا تجوع وصحة وقوع الجملة بأن المفتوحة اسماً للمكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيقِ مع امتناع وقوعِها خبراً لها لما أن المحذور احتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة لا اجتماعَ فيما نحن فيه لاختلاف مناطِ التحقيقِ فيما في حيز هما بخلاف ما لو وقعت خبراً لها فإن اتحادَ المناطِ حينئذ مما لا ريبَ فيه بيانُه أن كلَّ واحد من المكسورة والمفتوحة موضوعةٌ لتحقيق مضمونِ الجملة الخبريةِ المنعقدةِ من اسمها وخبرِها ولا يخفى أن مرجِعَ خبريّتها ما فيها من الحُكم الإيجابي أو السلبيِّ وأن مناطَ ذلك الحكمِ خرها لا اسمُها فمدلولُ كلَ منهما تحقيقُ ثبوتِ خبرِها لا سمها لا ثبوتِ اسمِها في نفسها فاللازمُ من وقوع الجملةِ المصدرة بالمفتوحة اسماً للمكسورة تحقيقُ ثبوتِ خبرها لتلك الجملةِ المؤولة بالمصدر وأما تحقيقُ ثبوتِها في نفسها فهو مدلولُ المفتوحةِ حتماً فلم يلزَم اجتماعُ حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعاً وإنما لم يجوّزوا أن يقال إن أن زيدا قائم حق مع اختلاف المناطِ بل شرطوا الفصلَ بالخبر كقولنا إن عندي أن زيادا قائم للتجافي عن صورة الاجتماعِ والواوُ العاطفة وإن كانت نائبة عن الكسورة التي يمتنع دخولُها على المفتوحة بلا فصل وقائمةً مقامَها في إفضاء معناها وإجراء أحكامِها على مدخولها لكنها حيث لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق لم يلزم من دخولها على المفتوحة اجتماع حرفي التقحيق أصلاً فالمعنى إن لك عدمَ الجوعِ وعدمَ العُري وعدَم الظمأ خلا أنه لم يقتصِرْ على بيان أن الثابتَ له ﵇ عدمُ الظمأ والضَّحْو مطلقاً كما فُعل مثلُه في المعطوف عليه بل قُصد بيانُ أن الثابتَ له ﵇ تحقيقُ عدمها فوُضِع موضعَ الحرفِ المصدريّ

стр. 3944

سورة طه الآية ١٢٠ ١٢٣ المحصن إنّ المفيدةُ له كأنه قيل إن لك فيها عدمَ ظمئك على التحقيق

стр. 3945

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان﴾ أي أنهى إليه وسوسته أو أسرها إليه ﴿قَالَ﴾ إما بدل من وسوس أن استئناف وقع وجوابا عن سؤالٍ نشأَ منْهُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ في وسوسته فقيل قال ﴿يا آدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ أيْ شجرةٍ مَنْ أكلَ منها خلّد ولم يمُت أصلاً سواءٌ كان على حاله أو بأن يكون ملَكاً لقوله تعالى إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين ﴿وَمُلْكٍ لَاّ يبلى﴾ أي لا يزول ولا يختلّ بوجه من الوجوه

стр. 3946

﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوآتهما﴾ قال ابن عباس ﵄ عَرِيا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجُهما ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ قد مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعراف ﴿وعصى آدم رَبَّهُ﴾ بما ذكر من أكل الشجرة ﴿فغوى﴾ ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المأمورُ به أو عن الرَّشَد حيث اغتر بقول العدو العدوّ وقرىء فغوي من غوي الفصيل إذا أُتخم من اللبن وفي وصفه ﵇ بالعصيان والغَواية مع صغر زلّتِه تعظيمٌ لها وزجرٌ بليغ لأولاده عن أمثالها

стр. 3947

﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ أي اصطفاه وقربه إليه بالجمل على التوبة والتوفيقِ لها من اجتبى الشيءَ بمعنى جباه لنفسه أي جمعه كقولك اجتمعتُه أو من جبى إليّ كذا فاجتبيته مثل جليب على العروس فاجتليتها وأصلُ الكلمة الجمعُ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ مزيدُ تشريفٌ له ﵇ ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي قبِل توبتَه حين تاب هو وزوجتُه قائلين رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين وإفرادُه ﵇ بالاجتباء وقَبولِ التوبة قد مرّ وجهُه ﴿وهدى﴾ أي إلى الثبات على التوبة والتمسكِ بأسباب العصمة

стр. 3948

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى قبِل توبته وهداه كأنه قيل فماذا أمره تعالى بعد ذلك فقيل قال له ولزوجته ﴿اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ أي انزِلا من الجنة إلى الأرض وقوله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ من ضمير المخاطب في اهبِطا والجمعُ لما أنهما أصلُ الذرية ومنشأُ الأولاد أي مُتعادِين في أمر المعاشِ كما علي الناسُ من التجاذُب والتحارُب ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى﴾ من كتاب ورسول ﴿فَمَنِ اتبع هُدَاىَ﴾ وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعِه ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا ﴿وَلَا يشقى﴾ في الآخرة

стр. 3949

سورة طه الآية

стр. 3950

١٢٤ - ١٢٨ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾ أي عن الهدى الذاكرِ لي والداعي إليّ ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ في الدنيا ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ ضيقاً مصدرٌ وصف به ولذلك يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ وقرئ ضنكى كسَكْرى وذلك لأن مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدنيا وهو متهالكٌ على ازديادها وخائف من انتقاصها بخلاف المؤمنِ الطالبِ للآخرة مع أنه قد يضيق الله بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وقال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمنوا واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض وقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمنوا إلى قوله تعالى لَاكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم وقيل هو الضَّريعُ والزقومُ في النار وقيل عذاب القبر ﴿ونحشره﴾ وقرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف والجزمِ عطفاً على محل فإن له معيشةً ضنكاً لأنه جواب الشرط ﴿يَوْمَ القيامة أعمى﴾ فاقدَ البصر كما في قوله تعالى وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا لا أعمى عن الحجة كما قيل

стр. 3951

﴿قَالَ﴾ استئناف كما مر ﴿رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ أى في الدنيا وقرئ أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط لكونه جديراً بالتغيير لكونه رأسَ الآية ومحلَّ الوقف

стр. 3952

﴿قَالَ كذلك﴾ أي مثلَ ذلك فعلتَ أنت ثم فسره بقوله تعالى ﴿أَتَتْكَ اياتنا﴾ واضحةً نيِّرةً بحيث لا تخفى على أحد ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ أي عَمِيتَ عنها وتركتها ترْكَ المنسيِّ الذي لا يُذكر أصلاً ﴿وكذلك﴾ ومثلَ ذلك النسيانِ الذي كنت فعلته في الدنيا ﴿اليوم تنسى﴾ تترك في العمى والعذاب جزاءً وفاقاً لكن لا أبداً كما قيل بل إلى ما شاء الله ثم يزيله عنه فيرى أهوالَ القيامة ويشاهد مقعدَه من النار ويكون ذلك له عذاباً فوق العذاب وكذا البَكَم والصمَمُ يزيلهما الله تعالى عنهم أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا

стр. 3953

﴿وكذلك﴾ أي مثلَ ذلك الجزاءِ الموافقِ للجناية ﴿نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ﴾ بالانهماك في الشهوات ﴿ولم يؤمن بآيات رَبّهِ﴾ بل كذبها وأعرض عنها ﴿وَلَعَذَابُ الأخرة﴾ على الإطلاق أو عذابُ النار ﴿أَشَدُّ وأبقى﴾ أي من ضنْك العيشِ أو منه ومن الحشر على العمى

стр. 3954

﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من قوله تعالى وكذلك نجزي الآية والهمزةُ للإنكار التوبيخي والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقام واستعمالُ الهداية باللام إما لتنزيلها منزلةَ اللام فلا حاجة

стр. 3955

سورة طه الآية ١٢٩ إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبيينِ والمفعولُ محذوف وأياً ما كان فالفاعلُ هو الجملة بمنصوبها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين لرسوله الله ﷺ والمعنى أغَفلوا فلم يَفعل الهدايةَ لهم أو فلم يبيَّن لهم مآلُ أمرِهم كثرة أهلا كنا للقرون الأولى وقد مرَّ في قولِه أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا الآية وقيل الفاعلُ الضميرُ العائد إلى الله ويؤيده القراءةُ بنون العظمة وقوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنَا الخ إما معلِّقٌ للفعل سادٌّ مسدَّ مفعولِه أو مفسّرٌ لمفعوله المحذوف هكذا قيل والأوجهُ أن لا يلاحظ له مفعولٌ كأنه قيل أفلم يفعلِ الله تعالى لهم الهدايةَ ثم قيل بطريق الالتفاتِ كم أهلكنا الخ بياناً لتلك الهدايةِ ومن القرون في محل النصب على أنه وصفٌ لممُيِّزِكَم أي كم قرناً كائناً من القرون وقوله تعالى ﴿يَمْشُونَ فِى مساكنهم﴾ حالٌ من القرون أو من مفعول أهلكْنا أي أهلكناهم وهم في حال أمنٍ وتقلّبٍ في ديارهم أو من الضميرِ في لهم مؤكدٌ للإنكار والعاملُ يهد والمعنى أفلم يهد لهم إهلا كنا للقرون السالفة من أصحاب الحِجْر وثمودَ وقُريّات قوم لوطٍ حالَ كونهم ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكِهم مع أن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق فيعتبروا لئلا يحِل بهم مثلُ ما حل بأولئك وقرىء يُمْشَوْن على البناء للمفعول أي يمكنون من المشي ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ تعليلٌ للإنكار وتقريرٌ للهداية مع عدم اهتدائِهم وذلك إشارةٌ إلى مضمون قوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنَا الخ وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعْد منزلتِه وعلوِّ شأنه في بابه ﴿لَايَاتٍ﴾ كثيرةً عظيمةً واضحاتِ الهداية ظاهراتِ الدِلالة على الحق فإذن هو هادوا إيما هادٍ ويجوز أن تكون كلمةُ في تجريدية فافهم ﴿لأُوْلِى النهى﴾ لذوي العقولِ الناهيةِ عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه كفارُ مكّة من الكفر بآياتِ الله تعالى والتعامي عنها وغيرِ ذلك من فنون المعاصي وفيه دلالةٌ على أن مضمونَ الجملة هو الفاعلُ لا المفعول وقوله تعالَى

стр. 3956

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حِكمة عدمِ وقوعِ ما يُشعر به قوله تعالى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الآية من أنْ يصيبَهم مثلُ ما أصاب القرونَ المهلَكة أي ولولا الكلمةُ السابقةُ وهي العِدَةُ بتأخير عذابِ هذه الأمةِ إلى الآخرة لحكمة تقتضيه ومصلحةٍ تستدعيه ﴿لَكَانَ﴾ عقابُ جناياتِهم ﴿لِزَاماً﴾ أي لازماً لهؤلاء الكفرةِ بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعةً لزومُ ما نزل بأولئك العابرين وفي التعرض لعنواب الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ تلويحٌ بان ذلك لتأخير لتشريفه ﵇ كما ينبىء عنه قوله تعالى وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ واللِّزامُ إما مصدرٌ لازمٌ وُصِف به مبالغةً وإما فِعالٌ بمعنى مِفْعل جُعل آلةَ اللزوم لفَرْط لزومه كما يقال لِزازُ خصم ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ على كلمةٌ أي ولولا أَجَلٍ مسمًّى لأعمارهم أو لعذابهم وهو يومُ القيامة ويومُ بدر لما تأخر عذابُهم أصلاً وفصلُه عما عطف عليه للمسارعة إلى بيان جوابِ لولا وللإشعار باستقلال كلَ منهما بنفي لزومِ العذابِ ومراعاةِ فواصل الآي الكريمةِ وقد جوّز عطفُه على المستكن في كان العائدِ إلى الأخذ العاجلِ المفهومِ من السياق تنزيلاً للفصل بالخبر منزلةَ التأكيد أي لكان الأخذُ العاجلُ وأجلٌ مسمى لازمَين لهم كدأب عاد وثمود

стр. 3957

سورة طه الآية ١٣٠ ١٣١ وأضرابِهم ولم ينفرد الأجلُ المسمى دون الأخذِ العاجل

стр. 3958

﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخيرَ عذابِهم ليس بإهمال بل إمهالٍ وأنه لازمٌ لهم البتةَ فاصبِرْ على مَا يَقُولُونَ من كلمات الكفرِ فإن علمه ﵇ بأنهم معذبون لا محالة مما يسلّيه ويحمِلُه على الصبر ﴿وَسَبّحْ﴾ ملتبساً ﴿بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ أي صلِّ وأنت حامدٌ لربك الذي يبلّغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقِه أو نزهه تعالى عما ينسوبه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيعِ حامداً له على ما ميّزك بالهدى معترفاً بأنه مولى النّعم كلِّها والأولُ هو الأظهرُ المناسبُ لقوله تعالى ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ الخ فإن توقيت التنزيه غيرُ معهودٍ فالمرادُ صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني صلاتي الظهرِ والعصر لأنهما قبل غروبِها بعد زوالها وجمعها لمناسبة قوله تعالى قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ صلاة العصر ﴿ومن آناء الليل﴾ أي من ساعاته جمع إِنًى بالكسر والقصر وآناء بالفتح والمد ﴿فَسَبّحْ﴾ أي فصلِّ والمرادُ به المغربُ والعشاء وتقديم الوقت فيهما لاختصاصهما بمزيد الفضلِ فإن القلبَ فيهما أجمعُ والنفسَ إلى الاستراحة أميلُ فتكون العبادةُ فيهما أشقَّ ولذلك قال تعالى إن ناشئة الليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴿وَأَطْرَافَ النهار﴾ تكريرٌ لصلاة الفجر والمغرِب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزيةٍ ومجيئُه بلفظ الجمع لأمن من الإلباس كقول من قال ظَهراهما مثلُ ظهورِ التُّرسين أو أمرٌ بصلاة الظهر فإنه نهايةُ النصفِ الأول من النهار وبدايةُ النصف الأخيرِ وجمعُه باعتبار النصفين أو لأن النهارَ جنسٌ أو أمرٌ بالتطوع في أجزاء النهار ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاءَ أن تنال عنده تعالى ما ترضَى به نفسُك وقرىء تُرضَى على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يُرضيك ربك

стр. 3959

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي لا تطل نظر هما بطريق الرغبة والميل ﴿إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ من زخارف الدنيا وقوله تعالى ﴿أزواجا منهم﴾ أي أصناما من الكَفَرة مفعول متّعنا قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاعتناء به أو هو حالٌ من الضميرِ والمفعولُ منهم أي إلى الذي متعنا به وهو أصنافُ وأنواعُ بعضِهم على أنه معنى من التبعيضة أو بعضاً منهم على حذف الموصوفِ كما مر مراراً ﴿زَهْرَةَ الحياة الدنيا﴾ منصوبٌ بمحذوف يدل عليه متعنا أي أعطينا أو به على تضمين معناه أو بالبدلية من محل به اومن أزواجاً بتقدير مضافٍ أو بدونه أو بالذم وهي الزينةُ والبهجةُ وقرىء زهَرةَ بفتح الهاء وهي لغة كالجهَرة في الجهْرة أو جمعُ زاهر وصفٌ لهم بأنهم زاهر والدنيا لتنعُّمهم وبهاءِ زِيِّهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهّاد ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ متعلقٌ بمتعنا جيء به للتنفير عنه ببيان سوءِ عاقبتِه مآلاً إثرَ إظهارِ بهجتِه حالاً أي لنعاملهم معاملةَ من يبتليهم ويختبرُهم فيه أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه ﴿وَرِزْقُ رَبّكَ﴾ أي ما ادخّر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى ﴿خَيْرٌ﴾ مما منحهم في الدنيا لأنه مع كونه

стр. 3960

سورة طه الآية ١٣٢ ١٣٤ في نفسه أجلَّ ما يتنافس فيه المتنافسون مأمونُ الغائلةِ بخلاف ما منحوه ﴿وأبقى﴾ فإنه لا يكاد ينقطع نفْسُه أو أثرُه أبداً كما عليه زهرة الدينا
следующие страницы →