← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

﴿جنات عَدْنٍ﴾ بدلٌ من الدرجات العلى أو بيان وقد مر أنّ عدْناً علمٌ لمعنى الإقامة أو لأرض الجنة فقوله تعالى ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ حال من الجنات وقولُه تعالَى ﴿خالدين فِيهَا﴾ حال من الضمير في لهم والعاملُ معنى الاستقرارِ أو الإشارةِ ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذُكر من الدرجات العُلى ومعنى البُعدِ لما مر من التفخيم ﴿جَزَاء مَن تزكى﴾ أيْ تطهرَ من دنس الكفرِ والمعاصي بما ذُكر من الإيمان والأعمالِ الصالحةِ وهذا تحقيقٌ لكون ثوابِه تعالى أبقى وتقديمُ ذكرِ حال المجرمِ للمسارعة إلي بيان أشدّية عذابِه ودوامِه رداً على ما ادعاه فرعونُ بقوله أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى هذا وقد قيل هذه الآياتُ الثلاثُ ابتداءُ كلامٍ من الله قالوا ليس في القرآن أن فرعونَ فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به ولم يثبُت في الأخبار

стр. 3887

﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى﴾ حكايةٌ إجماليةٌ لما انتهى إليه أمرُ فرعونَ وقومِه وقد طُويَ في البين ذِكرُ ما جرى عليهم من الآيات المفصّلات الظاهرةِ على يد موسى ﵊ بعد ما غلب السحرةَ في نحوٍ من عشرينَ سنةً حسبما فُصِّل في سورة الأعراف وتصديرُها بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها وأنْ في قولِه تعالَى ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ إما مفسرةُ لأن الوحيَ فيه معنى القول أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ والتعبيرُ عنهم بعنوان كونِهم عباداً له تعالى لإظهار المرحمةِ والاعتناءِ بأمرهم والتنبيهِ على غاية قُبح صنيعِ فرعونَ بهم حيث استعبدهم وهم عباده وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل أي وبالله لقد أوحينا إليه ﵊ إن أسرِ بعبادي الذين أرسلتُك لإنقاذهم من مَلَكة فرعونَ أي سربهم من مصرَ ليلاً ﴿فاضرب لَهُمْ﴾ أي فاجعل أو فاتخذْ لهم ﴿طَرِيقاً فِى البحر يَبَساً﴾ أي يابساً على أنه مصدر وُصف به الفاعل مبالغةً وقرئ يَبْساً وهو إما مخففٌ منه أو وصفٌ كصعب أو جمعُ يابس كصحْب وصف به الواحد للمبالغة أو لتعدّده حسبَ تعدّدِ الأسباط ﴿لَاّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ حالٌ من المأمور رأى آمِناً من أن يُدركَكم العدوُّ أو صفةٌ أخرى لطريقا والعائد محذوف وقرئ لا تخَفْ جواباً للأمر ﴿وَلَا تخشى﴾ عطف على لا تخاف داخلٌ في حُكمهِ أيْ ولا تخشى الغرقَ وعلى قراءة الجزم استئنافٌ أي وأنت لا تخشى أو عطفٌ عليه والألفُ للإطلاق كما في قوله تعالى وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا وتقديم نفي الخوفِ المذكورِ للمسارعة إلى إزاحة

стр. 3888

طه ٧٨ ٨٠ ما كانوا عليه من الخوف العظيمِ حيث قالوا إنا لمدرَكون

стр. 3889

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي تبِعهم ومعه جنودُه حتى لحِقوهم يقال أتْبعتُهم أي تبِعتُهم وذلك إذا كانوا سبقوك فلحِقتهم ويؤيده أنه قرئ فاتّبعهم من الافتعال وقيل المعنى أتْبعهم فرعونُ نفسَه فحذف المفعولُ الثاني وقيل الباءُ زائدةٌ والمعنى فأتبعهم فرعون جنوده أي سافهم خلفهم وأياً ما كان فالفاءُ فصيحةٌ مُعرِبة عن مُضمر قد طُوي ذكرُه ثقةً بغاية ظهورِه وإيذاناً بكمال مسارعة موسى ﵊ إلى الامتثال بالأمر أي ففعل ما أُمر بهِ من الإسراء بهم وضرْب الطريقِ وسلوكِه فأتبعهم فرعونُ بجنوده براً وبحراً رُوي أن موسى ﵊ خرج بهم أولَ الليل وكانوا ستَّمائةٍ وسبعين ألفاً فأخبر فرعونُ بذلك فاتّبعهم بعساكره وكانت مقدمتُه سبعَمائة ألف فقص أثرهم فلحِقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ضرب ﵊ بعصاه البحرَ فانفلق على اثني عشر فرِقاً كلُّ فرق كالطود العظيم فعبر موسى ﵊ بمن معه من الأسباط سالمين وتبِعهم فرعونُ بجنوده ﴿فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي علاهم منه وغمرهم ما غرمهم من الأمر الهائلِ الذي لا يُقَادرُ قدرُهُ ولا يُبلغ كُنهُه وقيل غشِيهم ما سُمِعَت قِصتُه وليس بذاك فإن مدارَ التهويلِ والتفخيمِ خروجُه عن حدود الفهم والوصفِ لا سماعُ قصته وقرئ فغشّاهم من اليم ما غشاهم أي غطاهم ما غطاهم والفاعلُ هو الله عز وعلا أو ما غشاهم وقيل فرعونُ لأنه الذي ورّطهم للهلكة ويأباه الإظهارُ في قوله تعالى

стр. 3890

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أي سلك بهم مسلَكاً أداهم إلى الخَيبة والخُسران في الدين والدنيا معاً حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الهائلِ الدنيويّ المتصل بالعذاب الخالدِ الأخروي وقوله تعالى ﴿وَمَا هدى﴾ أي ما أرشدهم قطُّ إلى طريق موصلٍ إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ لإضلاله وتأكيدٌ له إذ رُبّ مضِلٍ قد يُرشد من يُضِلّه إلى بعض مطالبِه وفيه نوعُ تهكمٍ به في قوله وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَاّ سَبِيلَ الرشاد فإن نفيَ الهدايةِ عن شخص مُشعرٌ بكونه ممن يُتصور منه الهدايةَ في الجملة وذلك إنما يُتصور في حقه بطريق التهكم وحملُ الإضلالِ والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقامُ بيانِ سَوْقه بجنوده إلى مساق الهلاكِ الدنيوي وجعلُهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاءِ منه مما لا يقبله العقل السليم

стр. 3891

﴿يا بني إسرائيل﴾ حكايةٌ لما خاطبهم الله تعالى بعد إغراقِ فرعونَ وقومِه وإنجائِهم منهم لكن لا عَقيب ذلك بل بعد ما أفاض عليهم من فنون النعمِ الدينية والدنيوية ما أفاض وقيل هو إنشاءُ خطابٍ للذين كانوا منهم في عهد النبيِّ ﷺ على معنى أنه تعالى قد منّ عليهم بما فعل بآبائهم أصالة وبهم تبَعاً ويردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى وما أَعْجَلَكَ الآية ضرورةَ استحالةِ حملِه على الإنشاء فالوجهُ

стр. 3892

طه ٨١ ٨٣ هو الحكايةُ بتقدير قلنا عطفاً على أوحينا أي وقلنا يا بني إسرائيل ﴿قَدْ أنجيناكم مّنْ عَدُوّكُمْ﴾ فرعونَ وقومِه حيث كانوا يبغونكم الغوائلَ ويسومونكم سوءَ العذاب يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وقرئ نجيناكم ونجيتُكم ﴿وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن﴾ بالنصب على أنه صفة للمضاف وقرئ بالجرّ للجوار أي واعدناكم بواسطة نبيكم إيتان جانبِه الأيمنِ نظراً إلى السالك من مصرَ إلى الشام أي إتيانَ موسى ﵊ للمناجاة وإنزالَ التوراة عليه ونسبت المواعدة إليهم مع كونها لموسى ﵊ نظراً إلى ملابستها إياهم وسِراية منفعتِها إليهم وإيفاءً لمقام الامتنان حقَّه كما في قوله تعالى وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم حيث نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطبين مع أن المخلوقَ المصوّر بالذات هو آدمُ ﵊ وقرئ واعدتُكم ووعدناكم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ أي الترنجبين والسماني حيث كان ينزل عليهم المنُّ وهم في التيه مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاع ويبعب الجنوب عليهم السماء فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه كما مر مراراً

стр. 3893

﴿كُلُواْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان إباحة ما ذكر لهم وإماما للنعمة عليهم ﴿مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم﴾ أي من لذائذه او حلالاته وقرئ رزقتكم وفي البدء بنعمة الإنجاءِ ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن النظم ولطف الترتيب مالا يخفى ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره والتعدّي لما حُدّ لكم فيه كالسرَف والبطَر والمنع من المستحِق ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى﴾ جواب للنهي أي فتلزمَكم عقوبتي وتجبَ لكم من حلّ الدَّينُ إذا وجب أداؤه ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى﴾ أي تردّى وهلك وقيل وقع في الهاوية وقرئ فيحُلَّ بضم الحاء من حل يحُل إذا نزل

стр. 3894

﴿وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ﴾ من الشرك والمعاصي التي من جملتها الطغيانُ فيما ذكره ﴿وآمن﴾ بما يجب الإيمان به ﴿وعمل صالحا﴾ أي علم صالحاً مستقيماً عند الشرع والعقلِ وفيه ترغيبٌ لمن وقع منه الطغيانُ فيما ذكر وحثٌّ على التوبة والإيمان وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ أي استقام على الهدى إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ لم يسئمر عليه بمعزل من الغفران وثم للتراخي الرتبي

стр. 3895

﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يا موسى﴾ حكايةٌ لما جرى بينه تعالى وبين موسى ﵊ من الكلام عند ابتداءِ موافاته الميقاتَ بموجب المواعدةِ المذكورة أي وقلنا له أي شئ أعجلك منفرداً عن قومك وهذا كما ترى سؤالٌ عن سبب تقدمه على النقباء مَسوقٌ لإنكار انفرادِه عنهم لما في ذلك بحسب الظاهر من مخايل إغفالهم وعدمِ الاعتداد بهم مع كونه مأموراً باستصحابهم وإحضارهم معه لا لإنكار نفسَ العجلة الصادرةِ عنه ﵊ لكونها نقيصةً منافية للحزم اللائقِ بأولي العزم ولذلك أجاب عليه

стр. 3896

طه ٨٤ ٨٦ الصلاة والسلام بنفي الانفرادِ المنافي للاستصحاب والمعية حيث

стр. 3897

﴿قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى﴾ يعني إنهم معي وإنما سبقتهم بخُطاً يسيرة ظننتُ أنها لا تُخِل بالمعية ولا تقدح في الاستصحاب فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقةِ أصلاً وبعد ما ذكر ﵊ إن تقدّمَه ذلك ليس لأمر منكر ذكَر أنه لأمر مَرضيّ حيث قال ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى﴾ عنّي بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك وزيادةُ ربِّ لمزيد الضراعةِ والابتهال رغبةً في قَبول العذر

стр. 3898

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ اعتذاره ﵊ وهو السرُّ في وروده على صيغة الغائبِ لا أنه التفاتٌ منَ التكلمِ إلى الغَيبة لما أن المقدرَ فيما سبق من الموضعين على صيغة التكلم كأنه قيل من جهة السامعين فماذا قال له ربه حينئذ فقيل قال ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أي ابتليناهم بعبادة العِجل من بعد ذهابك من بينهم وهم الذين خلقهم مع هارون ﵊ وكانُوا ستَّمائة ألفٍ ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشرَ ألفاً والفاءُ لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى ﵊ بعجَلته لكن لا لأن الإخبارَ بها سببٌ موجبٌ للإخبار به بل لِمَا بينهما من المناسبة المصحِّحة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث إن مدارَ الابتلاءِ المذكور عجَلةُ القوم فإنه روي أنهم أقاموا على ما وصّى به موسى ﵊ عشرين ليلةً بعد ذهابه فحسَبوها مع أيامها أربعين وقالوا قد أكملنا العدةَ وليس من موسى ﵊ عينٌ ولا أثر ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامرى﴾ حيث كان هو المدبرَ في الفتنة فقال لهم إنما أخلفَ موسى ﵊ ميعادَكم لما معكم من حُلِيّ القوم وهو حرامٌ عليكم فكان من أمر العجل ما كان فاخبره تعالى بوقوع هذه الفتنةِ عند قدومه ﵊ إمَّا باعتبار تحققِها في علمه تعالى ومشيئتِه وإما بطريق التعبيرِ عن المتوقَّع بالواقع كما في قوله تعالى وَنَادَى أصحاب الجنة ونظائرِه أو لأن السامريَّ كان قد عزم على إيقاع الفتنةِ عند ذهاب موسى ﵊ وتصدّى لترتيب مبانيها وتمهيدِ مباديها فكانت الفتنةُ واقعةً عند الإخبار بها وقرئ وأضلُّهم السامريُّ على صيغة لتفضيل أي أشدُّهم ضلالاً لأنه ضالٌّ ومُضلٌّ والسامريُّ منسوبٌ إلى قبيلة من بني إسرائيلَ يقال لها السامرة وقيل كان عِلْجاً من كَرْمان وقيل من أهل باجرما واسمُه موسى بنُ ظفر وكان منافقاً قد أظهر الإسلام وكان من قوم يبعدون البقر

стр. 3899

﴿فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ﴾ عند رجوعِه المعهود أي بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة لا عَقيبَ الإخبار بالفتنة فسببيةُ ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوعِ المستفادِ من قوله تعالى

стр. 3900

طه ٨٧ ﴿غضبان أَسِفًا﴾ لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلةً عليه حقيقةً فإن كونَ الرجوعِ بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهرو لا يذهبُ الوهمُ إلى كونه عند الإخبار بالفتنة كما إذا قلتَ شايعتُ الحُجاجَ ودعوتُ لهم بالسلامة فرجعوا سالمين فإن أحداً لا يرتاب في أن المراد رجوعُهم المعتادُ لا رجوعُهم إثرَ الدعاء وأن سببيةَ الدعاءِ باعتبار وصفِ السلامة لا باعتبار نفس الرجوعِ والآسِفُ الشديدُ الغضبِ وقيل الحزين ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على سؤالٍ ناشىءٍ من حكايةِ رجوعِه كذلك كأنه قيل فماذا فعل بهم فقيل قال ﴿يا قوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حسنا﴾ بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى والهمزةُ لإنكار عدم الوعدِ ونفيِه وتقريرِ وجودِه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي وعَدكم بحيث لا سبيلَ لكم إلى إنكاره والفاء في قوله تعالى ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾ أي الزمان للعطف على مقدر والهمزةُ لإنكار المعطوفِ ونفيه فقط أي أوعدكم ذلك فطال زمانُ الإنجاز فأخطأتم بسبيه ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ﴾ أي يجبَ ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ شَدِيدٍ لا يقادَر قدرُه كائنٌ ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ أي من مالك أمرِكم على الإطلاق ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى﴾ أي وعْدَكم إياي بالثبات على ما أمرتُكم به إلى أن أرجِع من الميقات على إضافة المصدر إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبيحِ حالِهم فإن إخلافَهم الوعدَ الجاريَ فيما بينهم وبينه ﵇ منْ حيثُ إضافتُه إليه ﵇ أشنعُ منه من حيث إضافتُه إليهم والفاءُ لترتيب ما بعدها على كل واحدٍ من شِقَّي الترديد على سبيل البدلِ كأنه قيل أنسيتم الوعدَ بطول العهد فأخلفتموه خطأً أم أردتم حلولَ الغضب عليكم فأخلفتموه عمْداً وأما جعلُ الموعدِ مضافاً إلى فاعله وحملُ إخلافه على معنى وجدانِ الخلُف فيه أي فوجدتم الخُلفَ في موعدي لكم بالعَود بعد الأربعين فما لا يساعده السباقُ ولا السياق أصلاً

стр. 3901

﴿قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ أي وعدنا إياك الثابت على ما أمرتَنا به وإيثارُه على أن يقال موعدَنا على إضافة المصدرِ إلى فاعله لما مر انفاً ﴿بِمَلْكِنَا﴾ أي بأن ملكنا أمور نايعنون أنالو خُلّينا وأمورَنا ولم يسوّل لنا السامريُّ ما سوله مع مساعدة بعضِ الأحوالِ لما أخلفناه وقرئ بمِلْكنا بكسر الميم وضمِّها والكلُّ لغاتٌ في مصدر ملَكتُ الشيءَ ﴿ولكنا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم﴾ استدراكٌ عما سبق واعتذارٌ عما فعلوا ببيان منشأ الخطأ وقرئ حلمنا بالتخفيف أي حمَلْنا أحمالاً من حُليِّ القِبْط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصرَ باسم العُرس وقيل كانوا استعاروها لعبد كان لهم ثم لم يردّوها إليهم عند الخروجِ مخافةَ أن يقفوا على أمرهم وقيل هي ما ألقاه البحرُ على الساحل بعد إغراقهم فأخذوها ولعل تسميتهم لها أوزاراً لأنها تبعاتٌ وآثامٌ حيث لم تكن الغنائمُ تحِلّ حينئذ ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي في النار رجاءً للخلاص عن ذنبها ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي فمثلَ ذلك القذف ﴿أَلْقَى السامرى﴾ أي ما كان معه منها وقد كان أراهم أنه أيضاً يُلقي ما كان معه من الحُليّ فقالوا ما قالوا على زعمهم وإما كان الذي ألقاه التربةَ التي أخذها من أثر الرسولِ كما سيأتي روي أنه قال لهم إنما تأخر موسى عنكم لما معكم من الأوزار فالرأي أن نحفِرَ

стр. 3902

طه ٨٨ ٩٠ حفيرةً ونسجّر فيها ناراً ونقذفَ فيها كلَّ ما معنا ففعلوا

стр. 3903

﴿فَأَخْرُجْ﴾ أي السامريُّ ﴿لَهُمْ﴾ للقائلين ﴿عِجْلاً﴾ من تلك الحُلِيّ المُذابة وتأخيرُه مع كونه مفعولاً صريحاً عن الجار والمجرور لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يُخِلّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم فإن قوله تعالى ﴿جَسَداً﴾ أي جُثةً ذا دمٍ ولحمٍ أو جسداً من ذهب لا روحَ له بدلٌ منه وقوله تعالى ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ أي صوتُ عجلٍ نعتٌ له ﴿فَقَالُواْ﴾ أي السامريُّ ومن افتُتن به أولَ ما رآه ﴿هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِىَ﴾ أي غفَل عنه وذهب يطلُبه في الطور وهذا حكايةٌ لنتيجة فتنةِ السامريّ فعلاً وقولاً من جهته تعالى قصداً إلى زيادة تقريها ثم ترتيبِ الإنكار عليها لا من جهة القائلين وإلا لقيل فأخرج لنا والحملُ على أن عدولَهم إلى ضمير الغيبة لبيان أن الإخراجَ والقولَ المذكورَيْن للكل لا للعابدة فقط خلافُ الظاهر مع أنه مُخلٌّ باعتذارهم فإن مخالفةَ بعضهم للسامري وعدَم افتتانِهم بتسويله مع كون الإخراجِ والخطاب لهم مما يهون مخالفته للمعتذرين فافتتانهم بعد ذلك أعظمُ جنايةً وأكثر شناعةً وأما ما قيل من أن المعتذرين هم الذين لم يعبُدوا العجلَ وأن نسبة الإخلافِ إلى أنفسهم وهم برآء منه من قبيلِ قولِهم بنُو فلان قتلُوا فلاناً مع أن القاتل واحد منهم كأنهم قالوا ما وجد الإخلافِ فيما بيننا بأمر كنا نملِكه بل تمكنت الشبهةُ في قلوب العبَدةِ حيث فعل السامريُّ ما فعل فأخرج لهم ما أخرج وقال ما قال فلم نقدِرْ على صرفهم عن ذلك ولم نفارقهم مخافةَ ازديادِ الفتنة فيقضي بفساده سباقِ النظمِ الكريم وسياقه وقوله تعالى

стр. 3904

﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ الخ إنكار وتقيح من جهته تعالى الحال الضالّين والمُضلّين جميعاً وتسفيهٌ لهم فيما أقدموا عليه من المنكَر الذي لا يشتبه بطلانُه واستحالتُه على أحد وهو اتخاذُه إلها والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألا يتفكرون فلا يعلمون ﴿ألا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي أنه لا يرجِعُ إليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً فكيف يتوهّمون أنه إله وقرئ يرجَع بالنصب قالوا فالرؤية حينئذ بصرية فإن الناصبة لا تقع بد أفعالِ اليقين أي ألا ينظرون فلا يُبصرون عدمَ رجْعِه إليهم قولاً من الأقوال وتعليقُ الإبصار بما ذُكر مع كونه أمراً عديما للتنبيه على كمال ظهورِه المستدعي لمزيد تشنيعِهم وتركيكِ عقولِهم وقوله تعالى ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾ عطف على لا يرجعُ داخلٌ معه في حيزِ الرؤية أي أفلا يرون أنه لا يقدرُ على أنْ يدفعَ عنهم ضرًّا أو يجلُبَ لهم نفعاً أو لا يقدرُ على أنْ يضرَّهم إن لم يعبدوه أو ينفعَهم إن عبدوه

стр. 3905

﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هارون مِن قَبْلُ﴾ جملةٌ قسميةٌ مؤكدة لما قبلها من الإنكار والتشنيع ببيان عُتوِّهم واستعصائِهم على الرسول إثرَ بيان مكابرتهم لقضية

стр. 3906

طه ٩١ ٩٣ العقولِ أي وبالله لقد نصح لهم هرون ونبّههم على كُنه الأمرِ من قبل رجوعِ موسى ﵇ إليهم وخطابِه إياهم بما ذكر من المقالات وقيل من قبل قولِ السامري كأنه ﵇ أو وما أبصره حين طلع من الحفيرة توهم منهم الافتتان به فساع إلى تحذيرهم وقال لهم ﴿يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي أُوقِعتم في الفتنة بالعجل أو أُضللتم به على توجيه القصر المستفادِ من كلمة إنما إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدّعيه القومُ لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخرَ على معنى إنما فُعل بكم الفتنة لا الإرشادُ إلى الحق لا على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ بكسر إن عطفاً على إنما إرشادٌ لهم إلى الحق إثرَ زجرهم عن الباطل والتعرّضُ لعنوان الربوبيةِ والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق كما أن التعرضَ لوصف العجل للاهتمام بالزجر عن الباطل أي إن ربكم المستحقَّ للعبادة هو الرحمن لا غيرُ والفاء في قوله تعالى ﴿فاتبعونى﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من مضمون الجملتين أي إذا كان الأمرُ كذلك فاتبعوني في الثبات على الدين ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِى﴾ هذا واترُكوا عبادةَ ما عرفتم شأنه

стр. 3907

﴿قالوا﴾ في جواب هرون ﵇ ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ على العجل وعبادته ﴿عاكفين﴾ مقيمين ﴿حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ جعلوا رجوعَه ﵇ إليهم غايةً لعُكوفهم على عبادة العجلِ لكن لا على طريق الوعدِ بتركها عند رجوعِه ﵇ بل بطريق التعليل والتسويق وقد دسوا تحت ذلك أنه ﵇ لا يرجِع بشيء مبين تعويلاً على مقالة السامريّ روي أنهم لما قالوه اعتزلهم هرون ﵇ في اثني عشر ألفاً وهم الذين لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى ﵇ وسمع الصياحَ وكانوا يرقُصون حول العجل قال للسبعين الذين كانوا معه هذا صوتُ الفتنة فقال لهم ما قال وسمع منهم ما قالوا وقولُه تعالى

стр. 3908

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ جوابهم لهرون ﵇ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ موسى لهرون ﵉ حين سمع جوابهم له وهل رضيَ بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد فقيل قال له وهو مغتاظٌ قد أخذ بلحيته ورأسه ﴿يَا هارون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ بعبادة العجل وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالةِ الشنعاء

стр. 3909

(ألا تَتَّبِعَنِ) أي أن تتّبعَني على أن لا تريدة وهو مفعولٌ ثانٍ لمنع وهو عامل في إذ أيُّ شيءٍ منعك حين رؤيتك لضلالهم أن تتبعني في الغضب لله تعالى والمقاتلة مع من كفر به وقيل المعنى ما حملك على أن لا تتبعني فإن المنع عن الشيء مستلزمٌ للحمل على مقابله وقيل ما منعك أن تلحقَني وتُخبرَني بضلالهم فتكونَ مفارقتُك مزْجرةً لهم وفيه أن نصائح هرون ﵇ حيث لم تزجُرْهم عما كانوا عليه فلأن لا تزجُرَهم مفارقتُه إياهم عنه أولى والاعتذارُ بأنهم إذا علموا أنه يلحقه ويخبره القصة يخافون رجوعَ موسى ﵇ فينزجروا عن ذلك بمعزل من حيز القبول كيف لا وهم قد صرحوا بأنهم عاكفون عليه إلى حين رجوعه عليه السلام

стр. 3910

طه ٩٤ ٩٦ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ أي بالصلابة في الدين والمحاماةِ عليه فإن قوله له ﵉ اخلفني متضمن الأمر بهما حتماً فإن الخلافةَ لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخف لو كان حاضراً والهمزةُ للإنكار التوبيخي والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألم تتبعني أو أخالفتني فعصيت أمري

стр. 3911

﴿قال يا ابن أُمَّ﴾ خَصّ الأمَّ بالإضافة استعظاماً لحقها وترقيقاً لقلبه لا لما قيلَ من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهورَ على أنهما كانا شقيقين ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى﴾ أي ولا بشعر رأسي روي أنه ﵇ أخذ شعرَ رأسِه بيمينه ولحيتَه بشماله من شدة غيظِه وفرْطِ غضبِه لله وكان ﵇ حديداً متصلّباً في كل شيء فلم يتمالكْ حين رآهم يعبدون العجلَ ففعل ما فعل وقوله تعالى ﴿إِنّى خَشِيتُ﴾ الخ استئنافٌ سيق لتعليل موجبِ النهي ببيان الداعي إلى ترك المقاتلةِ وتحقيقِ أنه غيرُ عاصٍ لأمره بل ممتثلٌ به أي إني خشيتُ لو قاتلت بعضَهم بعض وتفانَوا وتفرقوا ﴿أَن تَقُولَ فرقت بين بني إسرائيل﴾ برأيك مع كونهم أبناءَ واحد كما ينبأ عنه ذكرُهم بذلك العنوان دون القوم ونحوِه وأراد ﵇ بالتفريق ما يستتبعه القتالُ من التفريق الذي لا يرُجى بعده الاجتماعُ ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ يريد به قولُه ﵇ اخلُفني في قومي وأصلح الخ يعني إني رأيت أن الإصلاحَ في حفظ الدَّهْماءِ والمداراةِ معهم إلى أن ترجِع إليهم فلذلك استأنيتُك لتكون أنت المتدارِكَ للأمر حسبما رأيت لا سيما وقد كانُوا في غاية القوةِ ونحن على القلة والضّعف كما يعرب عنه قوله تعالى إِنَّ القوم استضعفونى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى

стр. 3912

(قَالَ) استئنافٌ وقع جوابا عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد الفسادِ إلى السامري واعتذار هرون ﵇ كأنه قيل فماذا صنع موسى ﵇ بعد سماع ما حُكي من الاعتذارين واستقرارِ أصل الفتنة على السامري فقيل قال موبخاً له هذا شأنهم ﴿فما خطبك يا سامري﴾ أي ما شأنُك وما مطلوبُك مما فعلت خاطبه ﵇ بذلك ليُظهر للناس بُطلانَ كيدِه باعترافه ويفعلَ به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالاً للمفتونين به ولمن خلفهم من الأمم

стр. 3913

(قَالَ) أي السامريُّ مجيباً له ﵇ ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ بضم الصاد فيما وقرئ بكسرها فى الأول وفتحِها في الثاني وقرئ بالتاء على الوجهين على خطاب موسى ﵇ وقومِه أي علمتُ ما لم يعلمه القوم وفطن لما لم يفطَنوا له أو رأيت ما لم يرَوه وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله وكذلك سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى لا سيما على القراءة بالخطاب فإن ادعاءَ علمِ ما لم يعلمه موسى ﵇ جرأةٌ عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف ادعاءِ رؤيةِ ما لم يره

стр. 3914

طه ٩٧ ﵇ فإن مما يقع بحسب ما يتفق وقد كان رأى أنَّ جبريلَ ﵇ جاء راكبا فرسا وكان كلما رفع الفرسُ يديه أو رجليه على الطريق اليبس يخرج من تحته النباتُ في الحال فعرف أن له شأناً فأخذ من موطئه حفنةً وذلك قوله تعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ وقرئ من أثر فرسِ الرسولِ أي من تربة موطئ فرسِ الملَك الذي أُرسل إليك ليذهبَ بك إلى الطور ولعل ذكرَه بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقِفْ عليه القومُ من الأسرار الإلهية تأكيداً لما صدّر به مقالتَه والتنبيهِ على وقت أخذ ما اخذ والقبضة المرة من القبض أُطلقت على المقبوض مرةً وقرئ بضم القاف وهو اسمُ المقبوض كالغرفة والمضغة وقرئ فقبصْت قبصة بالصاد المهملة والأول للأخذ بجميع الكف والثاني بأطراف الأصابع ونحوُهما الخضْمُ والقضم فَنَبَذْتُهَا أي في الحُليّ المُذابة فكان ما كان ﴿وكذلك سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى﴾ أي ما فعلتُه من القبض والنبذ فقوله تعالى ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ المذكور بعده ومحلُّ كذلك في الأصلِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر محذوف والتقديرُ سولت لي نفسي تسويلاً كائناً مثلَ ذلك التسويلِ فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً لإفادة تأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارة من افخامة فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك التزيين البديع زيت لي نفسي ما فعلتُه لا تزييناً أدنى منه ولذلك فعلتُه وحاصلُ جوابه أن ما فعله إنما صدر عنه بمحض اتباعِ هوى النفسِ الأمارة بالسوء وإغوائِها لا بشيء آخرَ من البرهان العقليّ أو الإلهامِ الإلهي فعند ذلك

стр. 3915

﴿قَالَ﴾ ﵇ ﴿فاذهب﴾ أي من بين الناس وقولُه تعالى ﴿فإن لك في الحياة﴾ الخ تعليلٌ لموجب الأمرِ وفي متعلقةٌ بالاستقرار في لك أي ثابتٌ لك في الحياة أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الكاف والعاملُ معنى الاستقرارِ في الظرف المذكورِ لاعتماده على ما هو مبتدأٌ معنى لا بقوله تعالى ﴿أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ لِمَكان أي أن ثابت لك كائناً في الحياة أي مدةَ حياتك أن تفارقَهم مفارقةً كلية لكن لا بحسب الاختيارِ بموجب التكليفِ بل بحسب الاضطرار الملجئ إليها وذلك أنه تعالى رماه بداء عَقام لا يكاد يمَسّ أحداً أو بمسه أحدٍ كائناً مَنْ كان إلا حما من ساعته حُمّى شديدةً فتحامى الناسَ وتحامَوْه وكان يصيح بأقصى طَوقه لا مساس وحرم عليهم ملاقته ومواجهتُه ومكالمتُه ومبايعتُه وغيرُها مما يُعتاد جرَيانُه فيما بين الناسِ من المعاملات وصار بين الناس أوحشَ من القاتل اللاجئ إلى الحَرم ومن الوحش النافِر في البرية ويقال إن قومَه باقٍ فيهم تلك الحالةُ إلى اليوم وقرئ لا مَساسِ كفَجارِ وهو علمٌ للمسّة ولعل السرَّ في مقابلة جنايتِه بتلك العقوبةِ خاصة ما بينهما من مناسة لتضاد فإنه لما أنشأ الفتنةَ بما كانت ملابستُه سبباً لحياة الموات عوقب مما يُضادُّه حيث جُعلت ملابستُه سبباً للحمّى التي هي من أسبابُ موتِ الأحياء ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً﴾ أي في الآخرة ﴿لَّن تُخْلَفَهُ﴾ أي لن يُخلفَك الله ذلك الوعدَ بل ينجزه لك البتةَ بعد ما عاقبك في الدنيا وقرئ بكسر اللام والأظهر أنه من أخلفتُ الموعدَ أي وجدته خلفا وقرئ

стр. 3916

طه ٩٨ ٩٩ بالنون على حكاية قوله ﴿وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ أي ظلِلْتَ مقيماً على عبادته فحُذفت اللامُ الأولى تخفيفاً وقرئ بكسر الظاءِ بنقل حركةِ اللام إليها ﴿لَّنُحَرّقَنَّهُ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ بالنار ويؤيده قراءةُ لنُحْرِقنه من الإحراق وقيل بالمِبْرد على أنه مبالغةٌ في حرق إذا بُرد بالمِبرَد ويعضده قراءة لنَحْرُقنه ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ﴾ أي لنذرينه وقرئ بضم السين ﴿فِي اليم﴾ رمادا أو مبرودا كأنه هباءٌ ﴿نسفاً﴾ بحيث لا يبقى منه عينٌ ولا أثرٌ ولقد فعل ﵇ ذلك كلَّه يشهد به الأمرُ بالنظر وإنما لم يصرح به تنبيهاً على كمال ظهورِه واستحالةِ الخُلْف في وعده المؤكّدِ باليمين

стр. 3917

﴿إِنَّمَا إلهكم الله﴾ استئناف مَسوقٌ لتحقيق الحقِّ إثرَ إبطالِ الباطل بتلوين الخطابِ وتوجيه إلى الكل أي إنما معبودُكم المستحقُّ للعبادة الله ﴿الذى لَا إله﴾ في الوجود لشيءٍ من الأشياءِ ﴿إِلَاّ هُوَ﴾ وحده من غير أن يشاركه شيءٌ من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوه التي من جملتها أجكام الألوهية وقرئ الله لَا إله إِلَاّ هو الرحمن ربُّ العرش وقوله تعالى ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً﴾ أي وسع علمُه كلَّ ما مِن شأنه أن يُعلم بدلٌ من الصلة كأنه قيل إنما إلهكم الله الذى وسع كل شىء علما لا غيرُه كائناً ما كان فيدخل فيه العِجْلُ دخولا أوليا وقرئ وسّع بالتشديد فيكون انتصابُ عِلْماً على المفعولية لأنه على القراءة الأولى فاعلٌ حقيقةً وبنقل الفعل إلى التعدية إلى المفعولين صار الفاعل مفعولا أول كأنه قيل وسِع علمُه كلَّ شيء وبه تم حديث موسى ﵇ المذكورُ لتقرير أمر التوحيدِ حسبما نطقت به خاتمتُه وقوله تعالى

стр. 3918

﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ خوطب به النبيِّ ﷺ بطريق الوعدِ الجميل بتنزيل أمثالِ ما مر من أنباء الأممِ السالفة وذلك إشارةٌ إلى اقتصاص حديثِ موسى ﵇ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه نعت لمصدر مقدر أي نقصُّ عليك ﴿من أنباء مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من الحوادث الماضيةِ الجارية على الأمم الخاليةِ قصًّا مثلَ ذلك القَصِّ المارِّ والتقديمُ للقصر المفيدِ لزيادة التعيين ومِنْ في قولِه تعالَى مِنْ أَنْبَاء في حيز النصبِ إما على أنه مفعول نقص باعتبار مضمونه وإما على أنه متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ للمفعول كما في قوله تعالى وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ أي جمْعٌ دون ذلك والمعنى نقص عليك بعض من أنباء ما قد سبق أو بعضاً كائناً من أنباء ما قد سبق وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قوله تعالى وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ الخ وتأخيرُه عن عليك لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أي مثلَ ذلك القصِّ البديعِ الذي سمِعتَه نقصّ عليك ما ذكر من الأنباء لا قصًّا ناقصاً عنه تبصِرةً لك وتوفير لعلمك وتكثيرا لمعجزاتك وتذكر للمستبصرين من أمتك ﴿وَقَدْ اتيناك مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾ أي كتاباً منطوياً على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقا بالتفكر والاعتبار وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بآتيناك وتنكير ذكر للتفخيم وتأخيرِه عن الجارّ والمجرور لما أن مرجِعَ الإفادةِ في الجملة كونُ المؤتى من لدنه تعالى ذكراً عظيماً وقرآناً كريماً جامعاً لكل كمالٍ لا كون ذلك الذكر مؤتى من لَدْنه مع ما فيه من نوع طول بما بعده من

стр. 3919

طه ١٠٠ ١٠٣ الصفة فتقديمُه يذهب برونق النظمِ الكريم

стр. 3920

﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن ذلك الذكرِ العظيم الشأنِ المستتبِع لسعادة الدارين وقيل عن الله ومَنْ إما شرطيةٌ أو موصولةٌ وأياً ما كانت فالجملةُ صفةٌ لذكراً ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي المعرِضُ عنه ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً﴾ أي عقوبةً ثقيلةً فادحة على كفره وسائرِ ذنوبه وتسميتُها وِزراً إما لتشبيهها في ثِقلها على المعاقَب وصعوبةِ احتمالها بالحِمْل الذي يفدَح الحاملَ وينقُض ظهرَه أو لأنها جزاءُ الوِزْر وهو الإثمُ والأولُ هو الأنسبُ بما سيأتي من تسميتها حِملاً وقوله تعالى

стр. 3921

﴿خالدين فِيهِ﴾ أي في الوزر أو في احتماله المستمرِّ حالٌ من المستكن في يحملُ والجمعُ بالنظرِ إلى مَعْنى مَنْ لما أن الخلودَ في النار مما يتحقق حالَ اجتماعِ أهلِها كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر الثلاثةِ بالنظر إلى لفظها ﴿وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾ أي بئس لهم ففيه ضميرٌ مبهمٌ يفسّره حِمْلاً والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي ساء حملاً وِزرُهم واللامُ للبيانِ كما في هَيْتَ لك كأنه لما قيل ساء قيل لمن يقال هذا فأجيب لهم وإعادةُ يوم القيامة لزيادة التقريرِ وتهويلِ الأمر

стр. 3922

﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور﴾ بدل من يوم القيامة أو منصوبٌ بإضمار اذكُرْ أو ظرفٌ لمضمر قد حُذف للإيذان بضيق العبارةِ عن حصره وبيان حسبما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل وقوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وفدا وقرئ ننفخ بالنون على إسناد النفخِ إلى الآمرِ به تعظيماً له وبالياء المفتوحة على أن ضميره لله أو لإسرافيلَ ﵇ وإن لم يجْرِ ذكرُه لشهرته ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ﴾ أي يوم إذ ينفخ في الصور وذكرُه صريحاً مع تعيّن أن الحشرَ لا يكون إلا يومئذ للتهويل وقرئ ويُحشَر المجرمون ﴿زُرْقاً﴾ أي حالَ كونهم زُرْقَ العيون وإنما جعلوا كذلك لأن الزُّرقةَ أسوأُ ألوانِ العين وأبغضُها إلى العرب فإن الرومَ الذين كانوا أعدى عدوِّهم زُرقٌ ولذلك قالوا في صفة العدو أسودُ الكِبد وأصهبُ السِّبال وأزرقُ العين أو عُمياً لأن حدَقةَ الأعمى تزرقّ وقوله تعالى

стр. 3923

﴿يتخافتون بَيْنَهُمْ﴾ أي يخفِضون أصواتَهم ويُخفونها لما يملأ صدورَهم من الرعب والهول استئنافٌ ببيان ما يأتون وما يذرون حينئذ أو حالٌ أخرى من المجرمين أي يقول بعضُهم لبعض بطريق المخافتة ﴿إِن لَّبِثْتُمْ﴾ أي ما لبثتم في الدنيا ﴿إِلَاّ عَشْراً﴾ أي عشر ليال استقصار لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدةَ الآخرة أو لتأسفهم عليها لمّا عاينوا الشدائدَ وأيقنوا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطارِ واتّباعِ الشهوات أو في القمر وهو الأنسبُ بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعثَ الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعُدّونه من قبيل المُحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافاً به وتحقيقاً لسرعة وقوعِه كأنهم قالوا قد بُعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة

стр. 3924

طه ١٠٤ ١٠٨ وإلا فحالُهم أفظعُ من أن تمكّنهم من الاشتغال بتذكر أيامِ النعمة والسرورِ واستقصارِها والتأسف عليها

стр. 3925

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مدةُ لبثهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي أعد لهم رأياً أو عملاً ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ يَوْماً﴾ ونسبةُ هذا القولِ إلى أمثلهم استرجاع منه تعالى له لكن لا لكونه أقربَ إلى الصدق بل لكونه أدلَّ على شدة الهول
следующие страницы →