Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾ إضرابٌ عن اتخاذ اللهوِ بل عن إرادته كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأنُنا أن نُغلّب الحقَّ الذي من جملته الجِدُّ على الباطل الذي من قبيله اللهوُ وتخصيصُ شأنِه هذا من بين سائر شئونه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من الوعيد ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المَحْكية وقد استُعير لإيراد الحقِّ على الباطل القذفُ الذي هو الرمْيُ الشديدُ بالجِرم الصُّلْب كالصخرة وَلمَحْقه للباطل الدمغُ الذي هو كسرُ الشيء الرِّخْوِ الأجوفِ وهو الدِّماغ بحيث يشق غشاءَه المؤدّيَ إلى زُهوق الروحِ تصويراً له بذلك وقرىء فيدمغَه بالنصب وهو ضعيف وقرىء فيدمُغه بضم الميم ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي ذاهب بالكلية وفي إذا الفجائية والجملة الاسميةِ من الدِلالة عَلى كمالِ المسارعةِ في الذهاب والبطلان مالا يخفى فكأنه زاهقٌ من الأصل ﴿وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ﴾ وعيدٌ لقريش بأن لهم أيضاً مثلَ ما لأولئك من العذاب والعقاب ومن تعليليةٌ متعلقةٌ بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ أو بمحذوف هو حال من الويل أومن ضميره في الخبر وما إما مصدرية أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي واستقر لكم الويلُ والهلاكُ من أجل وصفِكم له سبحانه بما لا يليقُ بشأنه الجليلِ أو بالذي تصفونه به من الولد أوكائنا مما تصفونه تعالى به
стр. 3992
﴿وله من في السماوات والأرض﴾ استئنافٌ مقررٌ لما قبله من خلقة تعالى لجميع مخلوقاتِه على حكمة بالغةٍ ونظامٍ كامل وأنه تعالى يُحِق الحقَّ ويُزْهق الباطل أي له تعالى خاصة جميعُ المخلوقات خلقاً ومُلكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتةً وتعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لأحد في ذلك دخلٌ ما استقلالاً أو استتباعاً ﴿وَمَنْ عِندَهُ﴾ وهم الملائكةُ ﵈ عبّر عنهم بذلك إثرَ ما عبّر عنهم بمن في السموات تنزيلالهم لكرامتهم عليه عزوعلا وزُلْفاهم عنده منزلةَ المقربين عند الملوك بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبرُه ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي لا يتعظمون عنها ولا يُعدّون أنفسهم كبيراً ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ولا يكلون ولا يعبون وصيغةُ الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور للتنبيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة كا أن نفيَ الظلاّمية في قوله تعالى وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ لإفادة كثرةِ الظلم المفروضِ تعلقُّه بالعبيد لا لإفادة نفي المبالغة في الظلم مع ثبوت أصلِ الظلم في الجملة وقيل من عنده معطوف على من الأولى وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في مَن فِى السموات والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى وجبريل وميكال فقوله تعالى لَا يَسْتَكْبِرُونَ حينئذ حال من الثانية
стр. 3993
﴿يُسَبّحُونَ الليل والنهار﴾ أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظّمونه ويمجدونه دائماً وهو استئنافٌ
стр. 3994
وقعَ جوابا عما نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا يصنعون في عباداتهم أوكيف يعبدون فقيل يسبحون الخ أوحال من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ أي لا يتخلل تسبيحَهم فترةٌ أصلاً بفراغ أو بشغل آخر
стр. 3995
﴿أم اتخذوا آلهة﴾ حكايةٌ لجناية أخرى من جناياتهم بطريق الإضرابِ والانتقال من فن إلى فن آخر من التوبيخ إثرَ تحقيق الحق ببيان أنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة وأنهم قاطبةً تحت ملكوته وقهره وأن عبادَه مذعنون لطاعته ومثابرون على عبادته منزِّهون له عن كل مالا يليقُ بشأنِه من الأمور التي من جملتها الأندادُ ومعنى الهمزة في أم المنقطعة إنكار الواقع وقوله تعالى ﴿مّنَ الأرض﴾ متعلقٌ باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأيا ما كان فالمرادُ هو التحقيرُ لا التخصيصُ وقوله تعالى ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي يَبعثون الموتى صفةٌ لآلهةً وهو الذي يدور عليه الإنكارُ والتجهيلُ والتشنيع لانفس الاتخاذ فإنه واقعٌ لا محالة أي بل أتخذوا آلهةً من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم يُنشِرون الموتى كلا فإن ما اتخذوها آلهةً بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً لكنهم حيث ادَّعَوا لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الإنشارَ ضرورةَ أنه من الخصائص الإلهية حتماً ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشيرَ إليهِ من التنبيه على كمال مباينةِ حالهم للإنشار الموجبةِ لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى أَفِى الله شَكٌّ وقوله تعالى أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون فإن تقديمَ الجارِّ والمجرورِ للتنبيه على كمال مباينةِ أمرِه تعالى لأن يُشَك فيه ويُستهزأَ به ويجوز أن يُجعلَ ذلك من مستتبعات ادّعائِهم الباطلِ لأن الألوهيةَ مقتضيهٌ للاستقلال بالإبداء والإعادة فحيث ادَّعَوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادعوا لها الاستقلالَ بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدّعين لأصل الإنشار
стр. 3996
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَاّ الله﴾ إبطالٌ لتعدد الإله بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته وإيرادُ الجمع لوروده إثرَ إنكار اتخاذِ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلاً في الإستدلال وكذا فرض كونها فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفةٌ لآلهة ولا مساغَ للاستثناء لاستحالة شمول ما قبلَها لما بعدَها وإفضائِه إلى فساد المعنى لدلالته حينئذ على أن الفسادَ لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل لأنه متفرّع على الاستثناء ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غيرِ موجب أي لو كان في السموات والأرض آلهةٌ غيرُ الله كما هو اعتقادُهم الباطل ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي لبطلتا بما فيهما جميعاً وحيث انتفى التالي عُلم انتفاء المقدم قطعا بيان الملازمة أن الإلهية مستلزِمةٌ للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييراً وتبديلاً وإيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها وهو محالٌ لاستحالة وقوعِ المعلولِ المعيّن بعلل متعددة وإما بتأثير واحدٍ منها فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعاً واعلم أن جعلَ التالي فسادَهما بعد وجودِهما لِما أنه اعتُبر في المقدم تعددُ الآلهةِ فيهما وإلا فالبرهانُ يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق فإنه لو تعدد الإله فإنْ توافقَ الكلِّ في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت
стр. 3997
سورة الأنبياء الآية ٢٣ ٢٤ تعاوقت فلا يوجد موجودٌ أصلاً وحيث انتفى التالي تعيّن انتفاءُ المقدّم والفاء في قوله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ الله﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي فسبحوه سبحانه اللائقَ به ونزهوه عمَّا لا يليقُ به من الأمور التي من جملتها أن يكون له شريط في الألوهية وإيرادُ الجلالة في موضع الإضمارِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ الألوهيةَ مناطٌ لجميع صفاتِ كمالِه التي من جملتها تنزّهُه تعالى عما لا يليق به ولتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة وقوله تعالى ﴿رَبُّ العرش﴾ صفةٌ للاسم الجليل مؤكدة لتنزهه عزوجل ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ متعلق بالتسبيح أي فسبحوه عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهةٌ
стр. 3998
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ استئنافٌ ببيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزةِ سلطانه القاهرِ بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسألَه عما يفعل من أفعاله إثرَ بيانِ أن ليس له شريكٌ في الإلهية ﴿وهم﴾ أي العباد ﴿يسألون﴾ عما يفعلون نقيراً
٢٤ - وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبَدون ففيه وعيدٌ للكفرة
стр. 3999
﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلهة﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من إظهار بُطلانِ كون ما اتخذوه آلهةً آلهةً حقيقةً بإظهار خلوها عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشارُ وإقامةُ البرهان القاطعِ على استحالة تعدد الإله على الإطلاق وتفرّدِه سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلانِ اتخاذِهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله عزسلطانه وتبكيتُهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيقُ أن جميع الكتب السماويةِ ناطقةٌ بحقية التوحيد وبطلانِ الإشراك والهمزةُ لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه ومن متعلقةٌ باتخذوا والمعنى بل أُتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شئونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور خلودهم عن خواصّ الألوهية بالكلية ﴿قُلْ﴾ لهم بطريق التبكيتِ وإلقامِ الحجر ﴿هَاتُواْ برهانكم﴾ على ما تدّعونه من جهة العقل والنقلِ فإنه لا صحةَ لقولٍ لا دليلَ عليه في الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأنِ الخطير وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهاناً ضربٌ من التهكم بهم وقوله تعالى ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى﴾ إنارةٌ لبرهانه وإشارةٌ إلى أنه مما نطقت به الكتبُ الإلهية قاطبةً وشهِدت به ألسنةُ الرسلِ المتقدمة كافةً وزيادةُ تهييجٍ لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالِ عجزِهم أي هذا الوحيُ الواردُ في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطعِ العقليّ ذكرُ أمتي أي عظنهم وذكرهم الأمم السافة قد أقمتُه فأقيموا أنتم أيضاً برهانَكم وقيل المعنى هذا كتابٌ أُنزل على أمتي وهذا كتابٌ أنزل على أمم الأنبياءِ ﵈ من الكتب الثلاثةِ والصحفِ فراجعوها وانظُروا هل في واحد منها غيرُ الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ففيه تبكيتٌ لهم متضمن لإثبات نقيضِ مُدّعاهم وقرىء بالتنوين والإعمال كقوله تعالى أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مسغبة يقيما وبه وبمن الجارة على أن مع اسمٌ هو ظرف كقبلٍ وبعْدٍ وقوله تعالى ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الحق﴾
стр. 4000
سورة الأنبياء ٢٥ ٢٧ إضرابٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بيان أنه لا ينجح فيهم المحاجة بإظهار حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل ﴿فَهُمُ﴾ لأجل ذلك ﴿مُّعْرِضُونَ﴾ أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عمَّا هُم عليهِ من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البينات والحجج أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية والنقلية وقرىء الحقُّ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وسِّط بين السبب والمسببِ تأكيداً للسببية وقوله تعالى
стр. 4001
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ أَنَاْ فاعبدون﴾
٢٥ - استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية وأجمعت عليه الرسلُ ﵈ وقرىء يوحى على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضارا لصورة الوحي
стр. 4002
﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار
٢٦ - بُطلانِها وبيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون الملائكةُ بناتُ الله تعالى ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناس العرب جهينة وبني سلمةَ وخُزاعةَ وبني مَليحٍ يقولون ذلك والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ماسواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ ﴿سبحانه﴾ أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السبحان مصدر من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبيحَه على أنه علمٌ للتسبيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحَه وقوله تعالى ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه كأنه قيل ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى ﴿مُّكْرَمُونَ﴾ مقربون عنده وقرى مكرمون بالتشديد وفيه تنبيهٌ على منشأ غلطِ القوم وقوله تعالى
стр. 4003
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول﴾ صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى أي
٢٧ - لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى فأسند السبق إليهم منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون مالا يقوله الله تعالى وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والنجافى عن التكرار وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلبة بعد المغالبة فأتى يتوهم صدور عنهم ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ بيان لتبيعتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه كأنه قيل هم بأمره يقولون وبأمره
стр. 4004
سورة الأنبياء ٢٨ ٣٠ يعملون لا بغير أمره أصلاً فالقصرُ المستفادِ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر
٢٨ - غيرِه
стр. 4005
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ استئنافٌ وقع تعليلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده فإن لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لايزالون يراقبون أحوالهم فلا يقدرون على قول أو عمل بغير أمره تعالى ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارتضى﴾ أن يشفعَ له مهابةً منه تعالى ﴿وَهُمْ﴾ مع ذلك ﴿من خشيته﴾ عزوجل ﴿مشفقون﴾ مر تعدون وأصلُ الخشية الخوفُ مع التعظيم ولذلك خص بها العلماءُ والإشفاق الخوفُ مع الاعتناء فعند تعديتِه بمن يكون معنى الخوف فيه أظهرَ وعند تعديته
٢٩ - بعلى ينعكس الأمر
стр. 4006
﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي من الملائكة الكلامَ فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم ﴿إِنّى إله من دونه﴾ متجاوزا إياه تعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ الذي فُرض قولُه فرضَ مُحال ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ كسائر المجرمين ولا يغني عنهم ما ذُكر من صفاتهم السنية وأفعالِهم المَرْضية وفيه من الدِلالة على قوة ملكوتِه تعالى وعزة جبروتِه واستحالةِ كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ماتوهمه أولئك الكفرة مالا يخفى ﴿كذلك نَجْزِى الظالمين﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكد لمضمون ما قبله أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ نجزي الذين يضعون الأشياءَ في غير مواضعِها وبتعدون أطوارَهم والقصرُ المستفادُ من التقديم معتبرٌ بالنسبة إلى النقصان
٤٠ - دون الزيادة أي لا جزاءً أنقصَ منه
стр. 4007
﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ﴾ تجهيل لهم تتقصيرهم في التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الدالةِ على استقاله تعالى بالألوهية وكن جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوتِه والهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر وقرىء بغير واو الرؤية قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلموا ﴿أن السماوات والأرض كَانَتَا﴾ أي جماعتا السمواتِ والأرضين كما في قوله تعالى إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أن تَزُولَا ﴿رَتْقاً﴾ الرتْق الضمُّ والالتحامُ والمعنى إما على حذف المضافِ أو هو بمعنى المفعولِ أي كانتا ذواتي رتق أو مر توقتين وقرىء رتقا شيئا تقا أي مرتوقاً ﴿ففتقناهما﴾ قال ابن عباس ﵄ في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماءَ إلى حيث هي وأقرّ الأرض وقال كعب خلق الله تعالى السمواتِ والأرض ملتصقين ثم خلق ريحاً فتوسطتها ففتقتْها وعن الحسن خلق الله تعالى الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كيئة الفِهْر عليها دخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما وقال مجاهد والسدي كانت السموات مرتتقة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات وكذلك الأرضُ كانت مرتفعة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين وقال ابن عباس في
стр. 4008
سورة الأنبياء ٣١ ٣٣ رواية عطاء وعليه أكثرُ المفسرين إبن السمواتِ كانت رتْقاً مستويةً صُلبة لا تمطر والأرضُ رتْقاً لا تُنبت ففتق السماءَ بالمطر والأرضَ بالنبات فيكون المراد بالسموات السماءَ الدنيا والجمعُ باعتبار الآفاقِ أو السمواتِ جميعاً على أن لها مدخلاً في الأمطار وعلمُ الكفرةِ الرتْقَ والفتقَ بهذا المعنى مما لا سِترةَ به وأما بالمعاني الأُوَل فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمها إما بطريق النظر والتفكير فغن الفتق عارض مفترق إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من العلماء ومطالعةِ الكتب ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ﴾ أي خلقنا من الماء كلَّ حيوان كقوله تعالى والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء وذلك لأنه من أعظم موادِّه أو لفرْط احتياجِه إليه وانتفاعِه به أو صيرنا كلَّ شيء حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ وحقُّ الخبر عند كونه ظرفاً أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحِّحٌ محض لامر جح وقرىء حيًّا على أنه صفةُ كلَّ أو مفعولٌ ثانٍ والظرفُ كما في الوجه الأول قُدّم على المفعول للاهتمام به والتشوق إلى المؤخر ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكار لعدم إيمانِهم بالله وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات الآفافية والأنفسيةِ الدالةِ على تفرده بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورةً تحت ملكوته وقدرتِه والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكارُ السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون
стр. 4009
﴿وَجَعَلْنَا فِى الأرض رَوَاسِىَ﴾ أي جبالاً ثوابتَ جمعُ راسية مِنْ رسَا الشيءُ
٣١ - إذَا ثبت ورسَخ ووصفُ جمع المذكر يجمع المؤنثِ في غيرِ العقلاءِ مما لا ريب في صحته كقوله تعالى أَشْهُرٌ معلومات وأياما معدودات ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي كراهةَ أن تتحرك وتضطرب بهم أولئلا تميدَ بهم بحذف اللام ولا لعدم الإلباس ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض وتكريرُ الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان حقَّه أو في الرواسي لأنها المحتاجةُ إلى الطرق ﴿فِجَاجاً﴾ مسالكَ واسعةً وإنما قدم على قوله تعالى ﴿سُبُلاً﴾ وهو وصفٌ له ليصير حالاً فيفيد أنه تعالى حين خلقَها كذلك أو ليبدل منها سبلاً فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسعها اللسابلة مع ما فيه من التوكيد ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي إلى مصالحهم ومَهمّاتهم
стр. 4010
﴿وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ من الوقوع بقدرتنا القاهرةِ أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم
٣٢ - بمشيئتنا أو من استراق السمعِ بالشُهُب ﴿وَهُمْ عن آياتها﴾ الدالةِ على وحدانيته تعالى وعلمِه وحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه التي بعضُها محسوسٌ وبعضُها معلومٌ بالبحث عنه في علمَي الطبيعة والهيئة ﴿مُّعْرِضُونَ﴾ لا يتدبرون فيها فيبقَون على ما هم عليه من الكفر والضلال وقوله تعالَى
стр. 4011
﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس﴾
٣٣ - القمر اللذين هما آيتاهما بيانٌ لبعض تلك الآياتِ التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب
стр. 4012
سورة الأنبياء ٣٤ ٣٦ لتأكيد الاعتناءِ بفحوى الكلام أي هو الذي خلقهن وحده ﴿كُلٌّ﴾ أي كلُّ واحدٍ منهما على أن التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يجْرون في سطح الفلك كالسبْح في الماء والمرادُ بالفَلَك الجنسُ كقولك كساهم الخليفةُ حُلّةً والجملة حالٌ من الشمس والقمر وجاز انفرادُهما بها لعدم اللَّبْس
٣٤ - والضميرُ لهما والجمعُ باعتبار المطالعِ وجُعل الضميرُ واو العق لأن السباحة حالُهم
стр. 4013
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد﴾ أي في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكونية والتشريعية ﴿أفَإن مِتَ﴾ بمقتضى حكمتِنا ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ نزلت حين قالوا انتربص به ريبَ المَنون والفاءُ لتعليق الشرطيةِ بما قبلها والهمزةُ لإنكار مضمونِها بعد تقرّر القاعدةِ الكلية النافية لذلك بالمرة والمرادُ بإنكار خلودِهم ونفيه إنكارُ ما هو مدارٌ له وجوداً وعدما من شماتنهم بموته ﷺ فإن الشماتةَ بما يعتريه أيضاً مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل كأنه قيل أفإن
٣٥ - متَّ فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك وقوله تعالى
стр. 4014
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت﴾ أى ذائقة مرارة مفارقها جسدَها برهانٌ على ما أنكر من خلودكم ﴿وَنَبْلُوكُم﴾ الخطابُ إما للناس كافة بطريق التلوينِ أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يبلوكم ﴿بالشر والخير﴾ بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أولا ﴿فِتْنَةً﴾ مصدرٌ مؤكد لنبلوَكم من غير لفظِه ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ لا إِلى غيرِنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال فهو على الأول وعد ووعيدٌ وعلى الثاني وعيدٌ محضٌ وفيه إيماءٌ إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاءُ والتعريضُ للثواب والعقاب وقرىء يُرجعون بالياء على الالتفات
стр. 4015
٢٦ - ﴿وَإِذَا رَاكَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي المشركون ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَاّ هُزُواً﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه ﵇ على اتخاذهم إياه هُزواً لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادرُ كأنه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى أَنِ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يوحى إِلَىَّ في سورة الأنعام ﴿أهذا الذى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ﴾ على إرادةِ القولِ أيْ ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم بسوء كما في قوله تعالى سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ الخ وقوله تعالى ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون﴾ في حيز النصبِ على الحالية من ضمير القول المقدرِ والمعنى أنهم يعيبون عليه ﵊ أن يذكُرَ آلهتَهم التي لا تضُرّ ولا تنفع بالسوء والحالُ أنهم بذكر الرحمن المنْعِم عليهم بما يليقُ بهِ من التوحيد أوبإرشاد الخلق بإرسال الرسل وإنرال الكتب أو بالقرآن كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار فالضمير الأول مبتدأ خبره كافرون وبذكر متعلق بالخبر والتقدير وهم كافرون بذكر الرحمن والضمير الثاني تأكيدٌ لفظيٌّ للأول
стр. 4016
سورة الأنبياء (٣٤ ٣٦) فوقع الفصلُ بين العامل ومعموله بالمؤكدو بين المؤكِّد والمؤكَّد بالمعمول
стр. 4017
﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ جُعل لفرْطِ
٣٧ - استعجالِه وقلة صبره كأنه مخلوقٌ منه تنزيلاً لما طُبع عليه من الأخلاق منزلةَ ما طبع منه من الأركان إيذاناً بغاية لزومِه له وعدم انفكاكه عنه ومن عجلته مبادرتُه إلى الكفر واستعجالُه بالوعيد رُوِيَ أنَّها نزلتْ في النضر بن الحرث حين استعجل العذابَ بقوله اللهم إِن كَانَ هَذا هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ الآية وعن ابن عباس ﵄ أن المراد بالإنسان آدمُ ﵇ وأنه حين بلغ الروحُ صدرَه ولم يتبالغْ فيه أراد أن يقوم وروي أنه لما دخل الروع في عينيه نظر إلى ثما رالجنة ولما دخل جوفَه اشتهى الطعامَ وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يومَ الجمعة قبل غروبِ الشمس فأسرعَ في خلقه قبل غيبتِها فالمعنى خُلق الإنسان خلقاً ناشئاً من عجل فذكرُه لبيان أنه من دواعي عجلته في الأمور والأظهر أنَّ المرادَ بِهِ الجنسُ وإن كان خلقُه ﵇ سارياً إلى أولاده وقيل العجلُ الطينُ بلغة حِمْير ولا تقريب له ههنا وقوله تعالى ﴿سأريكم آياتي﴾ تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن رسول الله ﷺ إلى المستعجِلين بطريق التهديدِ والوعيد أي سأريكم نقِماتي في الآخرة كعذاب النار وغيره ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالإتيان بها والنهي عما جُبلت عليه نفوسُهم ليُقعِدوها عن مرادها
стр. 4018
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ أي وقت مجيء الساعة التي كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالا لمجيتة بطريق الاستهزاء والإنكار كا يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيين وقتِه بطريق الإلزام كما في سورة الملك ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في وعدكم بأنه يأتينا والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين الذين يتلون الآياتِ الكريمةَ المنبئةَ عن مجيء الساعة وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ عليه حسبما حُذف في مثلِ قولِه تعالى فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فإن قولهم متى هذا الوعد استبطاء منهم للموعود وطلبٌ لإتيانه بطريق العجَلة فإن ذلك في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً كأنه قيل فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين
стр. 4019
﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ﴾ استئنافٌ
٣٩ - مَسوقٌ لبيان شدةِ هول ما يستعجلونه وفظاعةِ ما فيهِ من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه وإيثارُ صيغةِ المضارعِ في الشرط وإن كان المعنى على المُضِيّ لإفادة استمرارِ عدم العلم فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل بل يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً بحسبِ المقامِ كما في قولِك لو تحسن إلي لشكرتك فإن المعنى أن انتفاءَ الشكر لاستمرار انتفاءِ الإحسان لا لانتفاء استمرارِ الأحسان ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ للتنبيهِ بما في حيزِ الصلة على علّة استعجالِهم وقوله تعالى ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ مفعول يعلم وهو عبارةٌ عن الوقت الموعودِ الذي كانوا
стр. 4020
سورة الأنبياء (٤٠ ٤١) يستعجلونه وإضافتُه إلى الجملة الجارية مَجرى الصفة التي حقَّها أن تكونَ معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف عند المخاطب أيضاً مع إنكار الكفرة لذلك للإبذان بأنه منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغ عنها وجوابُ لو محذوفٌ أي لو لم يستمر عدم عليهم بالوقت الذي يستعلجونه بقولهم متى هذا الوعد من الحين الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب وتخصيصُ الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القُدّام والخَلْف لكونهما أشهرَ الجوانب واستلزامِ الإحاطة بهما الإحاطةَ بالكل بحيثُ لا يقدرُون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ من جهة الغير في دفعها الخ لما فعلُوا ما فعلُوا من الاستعجال ويجوز أن يكون يعلم متروكَ المفعول مُنزّلاً منزلةَ اللازم أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى حِينٍ الخ استئنافٌ مقرر لجهلهم ومبينٌ لاستمراره إلى ذلك الوقت
٤٠ - كأنه قيل حين يرون ما يرَوْن يعلمون حقيقةَ الحال
стр. 4021
﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ عطف على لا يكفون أي لا يكفّونها بل تأتيهم أي العدَةُ أو النار أو الساعة ﴿بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي تغلبهم أوتحيرهم وقرىء الفعلان بالتذكير على أن الضمير للوعد أو الحين وكذا الهاء في قوله تعالى ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ بتأويل الوعد بالنار أو العِدة والحينِ بالساعة ويجوز عَودُه إلى النار وقيل إلى البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي يمهلون ليستريحوا طرفةَ عين وفيه تذكيرٌ لإمهالهم في الدنيا
стр. 4022
﴿ولقد استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ عن استهزائهم به ﷺ في ضمن الاستعجال وعِدةٌ ضمنيةٌ بأنَّه يُصيبُهم مثلُ ما أصاب المتسهزئين بالرسل السالفةِ عليهم الصلاة والسلام وتصديرُها بالقسم لزيادة تحقيقِ مضمونها وتنوينُ الرسل للتفخيم والتكثير ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ له أي وبالله لقد استُهزىء برسل أولي شأنٍ خطيرٍ وذوي عدد كثير أوحل أو نحوُ ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر والحَيْق ما يشتمل على الإنسان من مكروهِ فِعْلِه وقوله تعالى ﴿بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ﴾ أي من أولئك الرسلِ ﵈ متعلق بحاق وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى ﴿مَّا كَانُوا به يستهزؤون﴾ للمسارعة إلى بيان لحوقِ الشرّ بهم وما إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل والضمير المجرورُ عائدٌ إليها والجار متعلق بالفعل وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ أي فأحاط بهم الذين كانوا يستهزئون به حيث أُهلكوا لأجله وإما مصدريةٌ فالضمير المجرور راجعٌ حينئذ إلى جنس الرسول المدلولِ عليه بالجمع كما قالوا ولعل إيثارَه على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاءُ استهزائهم بكل واحدٍ واحدٌ منهم ﵇ لا جزاءُ استهزائهم بكلهم من حيثُ هو كلٌّ فقط أي فنزل بهم جزاءُ استهزائهم على وضع السبب موضع السبب إيذاناً بكمال الملابسةِ بينهما أو عينُ استهزائهم إن أريد بذلك العذابُ الأخرويُّ بناء على تجسم الأعمال فإن الأعمالَ الظاهرةَ في هذه النشأةِ بصور عرضيةٍ تبرُز في النشأة الآخرة بصور جوهريةٍ مناسبةٍ لها في الحسن والقبح
стр. 4023
وعلى ذلك بني الوزن وقد مر تفصيله في سورة الأعراف وفي قولِه تعالَى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أنفسكم الآية إلى آخرها
стр. 4024
﴿قُلْ﴾ خطابٌ لرسول الله ﷺ إثرَ تسليته بما ذكر من مصير أمرِهم إلى الهلاك وأمرٌ له عليهِ
٤٢ - السَّلامُ بأنْ يقولَ لأولئك المتسهزئين بطريق التقريع والتبكيت
﴿مَن يكلؤكم﴾ أي يحفظكم ﴿بالليل والنهار مِنَ الرحمن﴾ أي بأسه الذي تستحقون نزولَه ليلا أو نهار أو تقديم الليل لما أن الدواهيَ أكثرُ فيه وقوعاً وأشدُّ وقعاً وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلئهم ليس إلا رحمتُه العامةُ وبعد ما أُمر ﵇ بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور حسبما تقتضيه حالُهم لأنهم بحيث لولا أن الله تعالى يحفظهم في المَلَوَيْن لحل بهم فنون الآفاتِ فهم أحقاد بأن يكلفوا الاعترافَ بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك أُضرب عن ذلكَ بقولِه تعالَى ﴿بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ ببيان أن لهم حالاً أخرى مقتضيةً لصرف الخطابِ عنهم هي أنهم لا يُخطِرون ذكرَه تعالى ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسَه ويعدّوا ما كانوا عليه من الأمن والدعَةِ حفظاً وكَلاءةً حتى يسألوا عن الكالِىءِ على طريقة قول من قال عوجوا فحيوا النعمى دمنة الدار ماذا تحيون من نُؤْيٍ وأحجارِ وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيرادِ اسمِ الرب المضافِ إلى ضميرهم المنبىء عن كونهم تحت ملكوتِه وتدبيره وتربيتِه تعالى من الدلالة على كونهم في الغايةِ القاصيةِ من الضلالة والغيّ مالا يخفى وكلمةُ أم في قوله تعالى
стр. 4025
﴿أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا﴾ منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقالِ عما قبله من بيان أن جهلَهم بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفِهم الناشىءِ عن إعراضهم عن ذكر ربهم بالكلية إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادِهم الحفظَ إليها والهمزةُ لإنكار أن يكون لهم آلهةٌ تقدر على ذلك والمعنى ألهم آلهةٌ تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا أوحفظنا أو من عذابٍ كائنٍ من عندنا فهم معوّلون عليها واثقون بحفظها وفي توجيه الإنكارِ والنفي إلى وجود الآلهةِ الموصوفةِ بما ذكرَ من المنع لا إلى نفس الصفةِ بأن يقال أم تمنعهم آلهتُهم الخ من الدِلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود فضلاً عن رتبة المنع مالا يخفى وقولع عزوعلا ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نصرَ أنفسِهم وَلَا هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضِّحٌ لبُطلان اعتقادِهم أي هم لا يستطيعون أن ينصُروا أنفسهم ولا يُصحَبون بالنصر من جهتنا فكيف يتوهم أن ينصُروا غيرهم وقوله تعالى
стр. 4026
﴿بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ إضراب عما توهما ببيان أن الداعيَ
٤٤ - إلى حفظهم تمتيعُنا إياهم بما قدر لهم من الأعمال أو عن الدِلالة على بطلانه بيان ما أوهمهم ذلك هو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارُهم فحسِبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ماهم عليه
стр. 4027
سورة الأنبياء (٤٥ ٤٧) ولذلك عقّب بما يدل على أنه طمعٌ فارغٌ وأمل كذاب حيث قيل ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي ألا ينظرون فلا يَرَوْنَ ﴿أَنَّا نَأْتِى الأرض﴾ أي أرضَ الكفرة ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا وهو تمثيلٌ وتصويرٌ لما يخربه الله عزوجل من ديارهم على أيدي المسلمين ويُضيفها إلى دار الإسلام ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ على رسُولِ الله ﷺ والمؤمنين والفاء لإنكار ترتيب الغالبيةِ على ما ذكر من نقص أرضِ الكفرةِ بتسليط المسلمين عليها كأنه قيل أبعدَ ظهورِ ما ذكر ورؤيتِهم له يتوهم غلَبتُهم كما مر في قوله تعالى أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وقولِه تعالى قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء وفي التعريف تعريضٌ بأن المسلمين هم المتعيِّنون للغلَبة
٤٥ - المعروفون بها
стр. 4028
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم﴾ بعد ما بُيّن من جهته تعالى غايةُ هول ما يستعجله المستعجلون ونهايةُ سوءِ حالهم عند إتيانه ونُعيَ عليهم جهلُهم بذلك وإعراضُهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار وغيرُ ذلك من مساوي أحوالهم امر ﷺ بأن يقول لهم إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة ﴿بالوحى﴾ الصادق الناطقِ بإتيانها وفظاعةِ ما فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذرَكم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحمٌ للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمانُ برهانيٌّ لا عياني وقوله تعالى ﴿ولا يسمع الصم الدعاء﴾ إما من تتمة الكلامِ الملقّن تذييلٌ له بطريق الاعتراض قد أُمر ﵇ بأن يقوله لهم توبيخاً وتقريعاً وتسجيلاً عليهم بكمال الجهلِ والعِناد واللامُ للجنس المنتظمِ للمخاطبين انتظاماً أولياً أو للعهد فوضَعَ المُظهرَ موضعَ المُضمر للتسجيل عليهم بالتصامّ وتقييدُ نفي السماعِ بقوله تعالى ﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ مع أن الصمَّ لا يسمعون الكلام إنذاراً كان أو تبشيراً لبيان كمال شدةِ الصّمَمِ كما أن إيثارَ الدعاء الذي هوعبارة عن الصوت والنداءِ على الكلام لذلك فإن الإنذارَ عادة يكون بأصواب عالية مكررة مقارنة لهيآت دالةٍ عليه فإذا لم يسمعوها يكون صَممُهم في غايةٍ لا غايةَ وراءَهَا وإما من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ ويؤيده القراءةُ على خطاب النبيِّ ﷺ من الإسماع بنصب الصمُّ والدعاءَ كأنَّه قيلَ قُلْ لَهُم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم وقرىء بالياء أيضاً على أن الفاعلَ هو ﵇ وقُرِىءَ على
٤٦ - البناءِ للمفعولِ أي لا يقدِرُ أحدٌ على إسماع الصمِّ وقوله تعالى
стр. 4029
﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ﴾ بيان لسرعة تأثرِهم من مجيء نفس العذابِ إثرَ بيان عدمِ تأثرِهم من مجيء خبرِه على نهج التوكيدِ القسميِّ أي وبالله لئن أصابهم أدنى إصابة أدنه شيءٍ من عذابِهِ تعالَى كما ينبىء عنه المس والنفحة بجوهرها وبنائها فإن أصل النفخ هبوبُ رائحة الشيء ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ ليدْعُنّ على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترِفُنّ
٤٧ - عليها بالظلم وقوله تعالى
стр. 4030
﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ بيانٌ لما سيقع عند إتيانِ ما أُنذروه أي نقيم الموازين
следующие страницы →