Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
﴿ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى باركنا فيها للعالمين﴾ أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياءِ بُعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعُهم التي هي مبادي الكمالات والخيراتِ الدينية والدنيويةِ وقيل كثرةُ النعم والخِصْبُ الغالب روي أنه ﵇ نزل بِفلَسطين ولوطٌ ﵇ بالمؤتفكة وبينهما مسيرةُ يومٍ وليلة
стр. 4062
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي عطيةً فهي حالٌ منهما أو ولدٌ ولدٌ أو زيادةٌ على ما سأل وهو إسحق فتختص بيعقوبَ ولا لَبْس فيه للقرينة الظاهرةِ ﴿وَكُلاًّ﴾ أي كلَّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة لا بعضَهم دون بعض ﴿جَعَلْنَا صالحين﴾ بأن وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا فصاروا كاملين
стр. 4063
﴿وجعلناهم أَئِمَّةً﴾ يقتدى بهم في أمور الدين إجابةً لدعائه ﵇ بقوله وَمِن ذُرّيَتِى ﴿يَهْدُونَ﴾ أي الأمة إلى الحق ﴿بِأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك وإرسالِنا إياهم حتى صاروا مكملين ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾ ليحثوّهم عليه فيتم كمالهم بانضمام العملِ إلى العلم وأصلُه أن تفعل الخيراتِ ثم فعلا الخيرات وكذا قوله تعالى ﴿وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ﴾ وهو من عطف الخاصِّ على العام دَلالةً على فضله وإنافتِه وحُذفت تاءُ الأقامة المعوّضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مَقامة ﴿وَكَانُواْ لَنَا﴾ خاصة دون غيرنا ﴿عابدين﴾ لا يخطر ببالهم غيرُ عبادتنا
стр. 4064
سورة الإنبياء (٧٤٧٨)
стр. 4065
﴿وَلُوطاً﴾ قيل هو منصوبٌ بمضمر يفسره قوله تعالى ﴿آتيناه﴾ أي وآتينا لوطاً وقيل باذكُرْ ﴿حُكْمًا﴾ أي حكمةً أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم بالحق ﴿وَعِلْماً﴾ بما ينبغي علمُه للأنبياء ﵈ ﴿ونجيناه مِنَ القرية التى كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث﴾ أي اللّواطةَ وُصفت بصفة أهلها وأُسندت إليها على حذف المضاف وإقامتها مُقامه كما يُؤذِن به قوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين﴾ فإنه كالتعليل له
стр. 4066
﴿وأدخلناه فِى رَحْمَتِنَا﴾ أي في أهل رحمتِنا أو في جنتنا ﴿إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى
стр. 4067
﴿وَنُوحاً﴾ أي اذكر نوحاً أي خبرَه وقوله تعالى ﴿إِذْ نادى﴾ أى دعا الله تعالى على قومه بالهلاك ظرف للمضاف المقدر أي اذكر نبأَه الواقعَ وقت دعائه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هؤلاء المذكورين ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي دعاءَه الذي من جملته قولُه إني مغلوبٌ فانتصر ﴿فنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ وهو الطوفانُ وقيل أذيّةُ قومِه وأصلُ الكرب الغمُّ الشديد
стр. 4068
﴿ونصرناه﴾ نصراً مستتبِعاً للانتقام والانتصار ولذلك قيل ﴿مِنَ القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وحملُه على فانتصر يأباه ما ذكر من دعائه ﵇ فإن ظاهرَه يوجب إسنادَ الانتصارِ إليه تعالى مع ما فيه من تهويل الأمر وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء﴾ تعليلٌ لما قبله وتمهيد لما بعده من قوله تعالى ﴿فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ فإن الإصرارَ على تكذيب الحقِّ والانهماكَ في الشر والفساد مما يوجب الإهلاك قطعا
стр. 4069
﴿وداود وسليمان﴾ إما عطفٌ على نوحاً معمولٌ لعامله وإما لمضمر معطوفٍ على ذلك العامل بتقدير المضاف وقوله تعالى ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ ظرفٌ للمضاف المقدر وصيغةُ المضارعِ حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي اذكر خبرَهما وقت حُكمِهما ﴿فِى الحرث﴾ أي في حق الزرعِ أو الكرم المتدلّي عناقيدُه كما قبل أو بدلُ اشتمال منهما وقوله تعالى ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ أي تفرّقت وانتشرت ﴿فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ ليلاً بلا راعٍ فرَعَتْه وأفسدتْه ظرفٌ للحكم ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أي لحُكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما فإن الإضافةَ لمجرد الاختصاص المنتظمِ لاختصاص القيامِ واختصاصِ الوقوع وقرىء لحكمهما ﴿شاهدين﴾ حاضرين علماً والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ للحكم ومفيدٌ لمزيد الاعتناء بشأنه
стр. 4070
سورة الإنيباء (٧٩)
стр. 4071
﴿ففهمناها سليمان﴾ عطفٌ على يحكمان فإنه في حكم الماضي وقرىء فأفهمناها والضمير والضميرُ للحكومة أو الفُتيا روي أنه دخل على داودَ ﵇ رجلان فقال أحدهما إن غنَمَ هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدتْه فقضى له بالغنم فخرجا فمرّا على سليمان ﵇ فأخبراه بذلك فقال غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين فسمعه داودُ فدعاه فقال له بحق البنوة والأبوة إلا أخبرتَني بالذي أرفقُ بالفريقين فقال أرى أن تُدفع الغنَمُ إلى صاحب الأرض لينتفعَ بدرها ونسلِها وصوفِها والحرثَ إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعودَ إلى ما كان ثم بترادا فقال القضاءُ ما قضيتَ وأمضى الحُكْمَ بذلك والذي عندي أن حكمها ﵇ كان بالاجتهاد فإن قول سليمان ﵇ غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين ثم قولُه أرى أن تُدفع الخ صريحٌ في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبتّ القولَ بذلك ولما ناشده داودُ ﵉ لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهره بدء أو حرم عليه كتمُه ومن ضرورته أن يكون القضاءُ السابقُ أيضاً كذلك ضرورةَ استحالة نقضِ حكم النصِ بالاجتهاد بل أقول والله تعالى أعلم إن رأْيَ سليمان ﵇ استحسانٌ كما ينبىء عنه قوله أرفقُ بالفريقين ورأيَ داودَ ﵇ قياسٌ كما أن العبدَ إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبي حنيفة إلى المجنيِّ عليه او يفديه وببيعه في ذلك أو يفديه عند الشافعي وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرثِ وقيمة الغنمِ تفاوتٌ وأما سليمانُ ﵇ فقد استحسن حيث جعل الانتفاعَ بالغنم بإزاء مافات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول مُلكُ المالك عن الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزولَ الضررُ الذي أتاه من قِبله كما قال أصحابُ الشافعيِّ فيمن عصب عبداً فأبَقَ منه أنه يضمن القيمةَ فينتفعَ بها المغصوبُ منه بإزاء ما فوّته الغاصبُ من المنافع فإذا ظهر الآبقُ ترادّا وفي قوله تعالى ففهمناها سليما دليلٌ على رجحان قولِه ورجوعِ داودَ ﵇ إليه مع أن الحكمَ المبنى على الإجتهاد لاينقض باجتهاد آخرَ وإن كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتِنا على أنه ورد في الأخبار أن داودَ ﵇ لم يكُنْ بتّ الحم في ذلك حتى سمع من سليمان ما سمع وأما حكم المسئلة في شريعتنا فعند أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى لاضمان إن لم يكن معبا سائقٌ أو قائد وعند الشافعي يجب الضمانُ ليلاً لا نهاراً وقوله تعالى ﴿وكلا آتينا حُكْماً وَعِلْماً﴾ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ سليمانَ ﵇ بالتفهيم من عدم كون حكم داودَ ﵇ حكماً شرعياً أي وكلُّ واحد منهما آتينا حكماً وعلماً كثيراً لاسليمان وحده وهذا إنما يدل على خطأَ المجتهدِ لا يقدح في كونه مجتهداً وقيل بل على أن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ وهو مخالفٌ لقوله تعالى ففهمناها سليمان ولولا النقلُ لاحتمل توافقُهما ما على أنَّ قولَه تعالى ففهمناها سليمان لإظهار ما تفضّل عليه في صِغره فإنه ﵇ كان حينئذ ابن إحدى عشْرة سنةً ﴿وسخرنا مع داود الجبال﴾ شروعٌ في بيان ما يختص بكل منهما من كرامته تعالى إثرَ بيان كرامتِه العامة لهما ﴿يُسَبّحْنَ﴾ أي يقدسن الله عزوجل معه بصوت يتمثل له أو يخلقُ الله تعالى فيها الكلامَ وقيل يسِرْن معه بأن السباحة
стр. 4072
سورة الإنبياء (٨٠ ٨٣) وهو حال من الجبال أو استئناف مبين لكيفية التسخيرِ ومع متعلقةٌ بالتسخير وقيل بالتسبيح وهو بعيد ﴿والطير﴾ عطف على الجيال أو مفعولٌ معه وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ والخبر محذوفٌ أي والطيرُ مسخراتٌ وقيل على العطف على الضمير في يسبحن وفيه ضعفٌ لعدم التأكيد والفصلِ ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾ أي من شأننا أن نفعل أمثالَه فليس ذلك ببِدْعٍ منا وإن كان بديعاً عندكم
стр. 4073
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ أي عملَ الدِّرْعِ وهو في الأصل اللباسُ قال قائلهم ... إلبَسْ لكل حالة لَبوسَها ... إما نعيمَها وإما بوسَها ...
وقيل كانت صفائح فحلقها وسرَدها ﴿لَكُمْ﴾ متعلقٌ بعلّمنا أو بمحذوف هوصفة لَبوس ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي اللبوسُ بتأويل الدرع وقرىء بالتذكير على أن الضمير لداودَ ﵇ أو للّبوس وقرىء بنون العظمة وهو بدلُ اشتمال من لكم بإعادة الجارّ مبينٌ لكيفية الاختصاصِ والمنفعةِ المستفادةِ من لام لكم ﴿مّن بَأْسِكُمْ﴾ قيل من حرب عدوِّكم وقيل من وقع السلاح فيكم ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون﴾ أمرٌ واردٌ على صورة الاستفهامِ للمبالغة أو التقريع
стр. 4074
﴿ولسليمان الريح﴾ أي وسخرنا له الريحَ وإيرادُ اللام ههنا دون الأول للدِلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخيرَ ما سخر له ﵇ من الريح وغيرِها كان بطريق الانقيادِ الكليِّ له والامتثالِ بأمره ونهيِه والمقهوريةِ تحت ملكوتِه وأما تسخيرُ الجبال والطيرِ لداودَ ﵇ فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعيةِ له ﵇ والاقتداء به في عبادة الله عزوعلا ﴿عَاصِفَةً﴾ حالٌ من الريح والعاملُ فيها الفعلُ المقدرُ أي وسخرنا له الريح حالَ كونِها شديدةَ الهبوبِ من حيث أنها كانت تبعُد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان كما قال تعالى غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وكانت رُخاءً في نفسها طيبةً وقيل كانت رُخاءً تارة وعاصفةً اخرى حسب إرادته ﵇ وقرىء الريحُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الظرفُ المقدم وعاصفةً حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعاملُ ما فيه من معنى الاستقرارِ وقرىء الرياح نصباً ورفعاً ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ بمشيئته حالٌ ثانية أو بدلٌ من الأولى أوْ حالٌ منْ ضميرِها ﴿إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي الشام رَواحاً بعد ما ساربه منه بكرةً قال الكلبي كان سليمانُ ﵇ وقومه يركبون عليها من اصطخْرَ إلى الشام وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزله ﴿وَكُنَّا بِكُلّ شيء عالمين﴾ فنجزيه حسبما تقتضيه الحِكمة
стр. 4075
﴿ومن الشياطين﴾ أي وخسر ناله من الشياطين ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار ويستخرجون له من نفائسها وقيل مَنْ رفعٌ على الابتداء وخبرُه ما قبله والأولُ هو الأظهرُ ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك﴾ أي غيرَ ما ذُكر من بناءِ المدن والقصورِ واختراعِ الصنائعِ الغريبة لقوله تعالى يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل الآية وهؤلاء أما الفرقةُ الأولى أو غيرها لعموم كلمة مَنْ كأنه قيل ومَن يعملون وجمعُ الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما رشح جانبُه بقوله تعالى وَمِنَ الشياطين روي أن المسخَّر له ﵇ كفارهم
стр. 4076
سورة الإنبياء (٨٣ ٨٤) لا مؤمنوهم لقوله تعالى وَمِنَ الشياطين وقوله تعالى ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حافظين﴾ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يُفسدوا على ما هو مقتضى جِبِلّتهم قيل وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من مؤمني الجن وقال الزجاجُ كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عمِلوا وكان دأبُهم أن يفسدوا بالليل ماعملوه بالنهار
стр. 4077
﴿وَأَيُّوبَ﴾ الكلامُ فيه كما مرَّ في قوله تعالى وداود وسليمان أي واذكر خبرَ أيوبَ ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى﴾ أي بأَنِّي ﴿مَسَّنِىَ الضر﴾ وقُرِىءَ بالكسرِ على إضمارِ القولِ أو تضمين النداء معناه والضرُّ شائع في كل ضررٍ وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهُزال ونحوهما ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ وصفة تعالى بغاية الرجمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى به عن عرض المطلب لطفاً في السؤال وكان ﵇ رومياً من ولد عيص بن إسحاق استسبأه الله تعالى وكثُر أهلُه وماله فابنلاه الله تعالى بهلاك أولادِه بهدم بيت عليهم وذهابِ أمواله والمرضِ في بدنه ثمانيَ عشرةَ سنة أو ثلاثَ عشرةَ سنة أو سبعاً وسبعةَ أشهر وسبعة أيام وسبعَ ساعات روي أن امرأتَه ماخيرَ بنتَ ميشا ابن يوسفَ ﵇ أو رحمة بنت أفرايم بن يوسف قالت له بوما لو دعوتَ الله تعالى فقال كم كانت مدةُ الرخاء فقالت بمانين سنة فقال استحي من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغتْ مدةُ بلائي مدةَ رخائي وروي أن إبليسَ أتاها على هيئة عظيمة فقال أنا إله الأرضِ فعلتُ بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبدَ إله السماء فلو سجد لي سجدةً لرددتُ عليه وعليك جميعَ ما أخذتُ منكما وفي رواية لو سجدتِ لي سجدةً لرَجعتُ المالَ والولد وعافيتُ زوجَك فرجعت إلى أيوبَ وكان ملْقًى في الكُناسة لا يقرُب منه أحدٌ فأخبرته بالقصة فقال ﵇ كأنك افتُتِنْتِ بقول اللعين لئن عافاني الله عزوجل لأضرِبنّك مائة سَوْط وحرامٌ عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابِك فطردها فبقيَ طريحاً على الكُناسة لا يحوم حوله أحدٌ من الناس فعند ذلك خر ساجداً فقال ربّ أَنّى مَسَّنِىَ الضرُّ وَأَنتَ أرحمُ الراحمين فقيل له ارفعْ رأسك فقد استجبت لك اركُضْ برجلك فركض فنبعتْ من تحته عينُ ماء فاغتسل منها فلم ببق في ظاهر بدنه دابةٌ إلا سقطتْ ولا جراحةٌ إلا برِئت ثم ركض مرة اخرى فنبعث عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى
стр. 4078
﴿فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ﴾ فلما قام جعل يلفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمالِ إلا وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى ﴿وآتيناه أَهْلَهُ وَمِثْلَهمْ مَعْهمْ﴾ وقيل كان ذلك بأن وُلد له ضِعفُ ما كان ثم إن امرأتَه قالت في نفسها هبْ أنه طردني أفأترُكه حتى يموتَ جوعا ويأكله السباع لأرجِعنّ إليه فلما رجعت ما رأت تلك الكُناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمورُ فجعلت تطوفُ حيث كانت الكُناسة وتبكي وهابت صاحبَ الحُلة أن
стр. 4079
سورة الإنبياء (٨٥ ٨٧) تأتيَه وتسألَ عنه فأرسل إليها أيوبُ ودعاها فقال ما تريدين يا أمةَ الله فبكت وقالت أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقًى على الكناسة قال لها ما كان منك فبكت وقالت بعْلي قال أتعرِفينه إذا رأيتِه قالت وهل يخفى عليّ فتبسم فقال أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقتْه ﴿رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين﴾ أي آتيناه ما ذُكر لرحمتنا أيوبَ وتذكرةً لغيره من العابدين ليصبِروا كما صبر فيُثابوا كما أثيب أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوبُ وذكْرِنا إياهم بالإحسان وعدمِ نسياننا لهم
стр. 4080
﴿وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل﴾ أي واذكرهم وذو الكِفل إلياسُ وقيل يوشَعُ بنُ نون وقيل زكريا سُمّي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل منه أوضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم فإن الكفل يجيىء بمعنى النصيب والكفالة والضِعْف ﴿كُلٌّ﴾ أي كلَّ واحدٍ من هؤلاء ﴿مّنَ الصابرين﴾ أي على مشاقّ التكاليف وشدائدِ النُّوَب والجملةُ استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم
стр. 4081
﴿وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا﴾ أي في النبوة أو في نعمة الآخرة ﴿إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين﴾ أي الكاملين في الصلاح الكاملِ الذي لا يحومُ حولَهُ شائبةُ الفساد وهم الأنبياءُ فإن صلاحَهم معصومٌ من كَدَر الفساد
стр. 4082
﴿وَذَا النون﴾ أي واذكر صاحب الحوت وهو يونسُ ﵇ ﴿إِذ ذَّهَبَ مغاضبا﴾ أي مراغِماً لقومه لمّا برِمَ من طول دعوته إياهم وشدةِ شكيمتهم وتمادي إصرارِهم مهاجراً عنهم قبل أن يؤمر وقيل وعدَهم بالعذاب فلم يأتِهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذّبهم فغضِب من ذلك وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجَرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرىء مُغضَباً ﴿فَظَنَّ أَن لن نقدر عليه﴾ أن لن نضيّقَ عليه أو لن نقضيَ عليه بالعقوبة من القدر ويؤيده أنه قرىء مشدداً أو لن نُعمِل فيه قدرتَنا وقيل هو تمثيلٌ لحاله بحال من يظن أن لن نقدر عليه أي نعامله معاملةَ من يظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومَه من غير انتظار لأمرنا كما في قوله تعالى يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ أي نعامله معاملةَ من يحسَب ذلك وقيل خطرةٌ شيطانية سبقت إلى وهمه فسُمّيت ظنًّا للمبالغة وقرىء بالياء مخففاً ومثقلا مبنيًّا للفاعلِ ومبنيًّا للمفعولِ ﴿فنادى﴾ الفاءُ فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقامِ الحوت فنادى ﴿فِى الظلمات﴾ أي في الظلمة الشديدةِ المتكاثفة أو في ظلمات بطنِ الحوتِ والبحرِ والليل وقيل ابتلع حوتَه حوتٌ أكبرُ منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل ﴿أَن لَاّ إلَه إِلَاّ أَنتَ﴾ أي بأنه لا إله إلا أنت على أنَّ إنْ مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأنِ محذوف أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسّرة ﴿سبحانك﴾ أنزهك تنزيهاً لائقابك من أن يُعجزك شيءٌ أو أن يكون ابتلائي بهذا بغير سبب
стр. 4083
سورة الإنبياء (٨٨ ٩١) من جهتي ﴿إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة
стр. 4084
﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي دعاءَه الذي دعاه في ضمن الاعترافِ بالذنب على ألطف وجهٍ وأحسنه عن رسول الله ﷺ ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدعاء إلا استُجيب له ﴿ونجيناه مِنَ الغم﴾ بأن قذفه الحوتُ إلى الساحل بعد أربع ساعاتٍ كان فيها في بطنه وقيل بعد ثلاثة أيام وقيل الغمُّ غمُّ الالتقام وقيل الخطئية ﴿وكذلك﴾ أي مثلَ ذلك الإنجاءِ الكامل ﴿نُنجِى المؤمنين﴾ من غمومٍ دَعَوُا الله تعالى فيها بالإخلاق لا إنجاءً أدنى منه وفي الإمام نجى ولذلك أخفى الجماعةُ النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم وقرىء بتشديد الجيم على أن أصله نُنجّي فحذفت الثانية كما حذفت التاء في تَظاهرون وهي وإن كانت فاء فحدفها أوقعُ من حذف حرفِ المضارَعة التي لِمعنًى ولا يقدح فيه اختلافُ حركتي النونين فإن الداعيَ إلى الحذف اجتماعُ المِثلين مع تعذّر الإدغام وامتناعُ الحذفِ في تتجافى لخوف اللَّبس وقيل هوماض مجهولٌ أسند إلى ضمير المصدر وسُكّن آخره تخفيفاً ورُدّ بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخرُه
стр. 4085
﴿وَزَكَرِيَّا﴾ أي واذكر خبره ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ وقال ﴿رَبّ لَا تَذَرْنِى فَرْداً﴾ أي وحيداً بلا ولدٍ يرثى ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ فحسبي أنت إن لم ترزُقني وارثاً
стр. 4086
﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي دعاءَه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ وقد مر بيانُ كيفية الاستجابة والهبة في سورة مريم ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي أصلحناها للولادة بعد عُقْرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقِها وكانت حَرِدةً وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات﴾ تعليل لما فصل من فنون إحسانِه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين أي كانوا يبادرون في وجوه الخيراتِ مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السرُّ في إيثارِ كلمةُ في على كلمة إلى المُشعرة بخلاف المقصودِ من كونهم خارجين عن أصل الخيراتِ متوجهين إليها كما في قوله تعالى وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ ذوي رغَبٍ ورهَب أوراغبين في الثواب راجين للإجابة أوفي الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية أو للرغب والرهب ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشعين﴾ أي مُخْبتين متضرعين أو دائمي الوجَل والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافِهم بهذه الخصال الحميدة
стр. 4087
﴿والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي اذكر خبرَ التي أحصنتْه على الإطلاق من الحلال والحرام والتعبيرُ عنها بالموصول لتفخيم شأنِها وتنزيهها عما زعموه في حقها آثرَ ذي أثيرٍ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أي أحيينا عيسى في جوفها ﴿مِن رُّوحِنَا﴾ من الروح الذي هو من أمرنا وقيل فعلنا النفخَ فيها من جهة روحنا جبريل
стр. 4088
سورة الأنبياء (٩٢ ٩٥) ﵇ ﴿وجعلناها وابنها﴾ أي قصتهما أو حالهما ﴿آية للعالمين﴾ فإن مَنْ تأمل حالهما تحقق كمالَ قدرتِه فالمرادُ بالآية ما حصل بهما من الآية التامةِ مع تكاثر آياتِ كلِّ واحد منهما وقيل أريد بالآية الجنس الشامل لمالكل واحدٍ منهما من الآيات المستقلة وقيل المعنى وجعلناها آيةً وابنها آيةً فحذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها
стр. 4089
﴿إِنَّ هذه﴾ أي ملةَ التوحيد والإسلام أشير إليها بهذه تنبيهاً على كمال ظهور أمرها في الصحة والسَّداد ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أي ملتُكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتُراعوا حقوقَها وَلَا تُخِلّوا بشيءٍ منْهَا والخطابُ للناس قاطبة ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصب على الحالية من أمتُكم أي غيرَ مختلفة فيما بين الأنبياء ﵈ إذ لا مشاركةَ لغيرها في صحة الاتباعِ ولا احتمال لتبدّلها وتغيُّرها كفروع الشرائعِ المتبدلة حسب تبدّلِ الأممِ والأعصار وقرىء امتكم بالنصب على البدلية من اسمِ إن وأمة واحدةٌ بالرفع على الخبرية وفرتنا بالرقع على أنهما خبران ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ﴾ لا إله لكم غيري ﴿فاعبدون﴾ خاصة لا غيرُ وقوله تعالى
стр. 4090
﴿وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التفاتٌ إلى الغَيبة لينعى عليهم ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعلِ أمره قِطَعاً مُوَزّعةً وينهى قبائحَ أفعالهم إلى الآخرين كأنه قيل ألا ترَون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي أجمعت عليه كافةُ الأنبياء ﵈ ﴿كُلٌّ﴾ أي كلُّ واحدةٍ من الفرق المتقطعة أوكل واحد من آحاد كلِّ واحدةٍ من تلك الفرق ﴿إِلَيْنَا راجعون﴾ بالبعث لا إلى غيرنا فتجازيهم حينئذ بحسب أعماله وإيرادُ اسمِ الفاعل للدِلالة على الثبات والتحقق وقولُه تعالَى
стр. 4091
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ الخ تفصيلٌ للجزاء أي فمن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بالله ورسله ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا حِرمانَ لثواب عملِه ذلك عبّر عن ذلك بالكفران الذي هو سَتْرُ النعمة وجحودُها لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنه بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرِض الأمورِ الواجبةِ عليه تعالى ونفى نفيِ الجنسِ للمبالغةِ في التنزيه وعبّر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ أي لسعيه ﴿كاتبون﴾ أي مُثبّتون في صحائف أعمالِهم لا نغادر من ذلك شيئاً
стр. 4092
﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ﴾ أي ممتنعٌ على أهلها غيرُ متصوَّر منهم وقرىء حِرْمٌ وهي لغة كالحِل والحلال ﴿أهلكناها﴾ قدّرنا هلاكها أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعنوهم وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ لَا يرجعون﴾ في حيز كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون وما في أنّ من معنى التحقيق معتبرٌ في النفي المستفاد الرفع على أنَّه مبتدأٌ خبرُه حرامٌ أو فاعل له سادٌّ مسدَّ خبرِه والجملةُ لتقرير مضمونِ ما قبلها من قوله تعالى من حرام لا في المنفي أي ممتنعٌ البتةَ عدمُ رجوعِهم إلينا للجزاء لا أن عدمَ رجوعِهم المحقق ممتنعٌ وتخصيصُ امتناعِ عدم رجوعها بالذكر مع شمول
стр. 4093
سورة الإنبياء (٩٦ ٩٨) الامتناعِ لعدم رجوعِ الكل حسبما نطق به قوله تعالى كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون لأنهم المنكِرون للبعث والرجوعِ دون غيرهم وقيل ممتنعٌ رجوعُهم إلى التوبة على أن لا صلةٌ وقرىء أنهم لا يرجِعون بالكسر على أنه استئنافٌ تعليليٌّ لما قبله فحرامٌ خبرُ مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوعِ بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عمَّا هُم عليهِ من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ويجوز حملُ المفتوحة أيضاً على هذا المعنى بحذف اللامِ عنها أي لأنهم لا يرجعون وحتى في قولِه تعالى
стр. 4094
﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ الخ هي التي يُحكى بعدها الكلامُ وهي على الأول غايةٌ لما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون إلينا ويقولون يا ويلنا الخ وعلى الثاني غايةٌ للحُرمة أي يستمر امتناعُ رجوعِهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها حين لا تنفعهم التوبةُ وعلى الثالث غايةٌ لعدم الرجوعِ عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع ويأجوجُ ومأجوجُ قبيلتان من الإنس قالوا الناسُ عشرةُ أجزاء تسعةٌ منها يأجوجُ ومأجوج والمرادُ بفتحها فتحُ سدِّها على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرىء فتّحت بالتشديد ﴿وَهُمْ﴾ أي يأجوجُ ومأجوجُ وقيل الناس ﴿مّن كُلّ حَدَبٍ﴾ أي نشَز من الأرض وقرىء جدَث وهو القبر ﴿يَنسِلُونَ﴾ أي يسرعون وأصله مقاربةُ الخَطْو مع الإسراع وقرىء بضم السين
стр. 4095
﴿واقترب الوعد الحق﴾ عطف على فُتحت والمرادُ به ما بعد النفخة الثانية من البعث والحسابِ والجزاء لا النفخةُ الأولى ﴿فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ﴾ جوابُ الشرط وإذا للمفاجاة تسد مسد الفاه الجزائية كما في قوله تعالى إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط والضميرُ للقصة أو مُبْهمٌ يفسِّره ما بعدَهُ ﴿يا ويلنا﴾ على تقدير قول وقع حالاً من الموصول أي يقولون يا ويلنا تعالَ فهذا وأن حضورِك وقيل هو الجواب للشرط ﴿قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ﴾ تامة ﴿مّنْ هذا﴾ الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم نعلم أنه حقٌ ﴿بَلْ كُنَّا ظالمين﴾ إضرابٌ عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة أي لم نكن غافين عنه حيث نبهناعليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذُرِ مكذّبين بها أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب وقوله تعالى
стр. 4096
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خطابٌ لكفار مكةَ وتصريحٌ بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمالِ مبالغة في الإنذار وإزاحةِ الاعتذار وما تعبدون عبارةٌ عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يُفصح عنه كلمةُ ما وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ حين
стр. 4097
تلا الآيةَ قال له ابن الزبعري خصمتك ورب الكعبة أليست اليهود عبدواعزيزا والنصارى المسيحَ وبنو مليحٍ الملائكةَ ردّ عليه بقوله ﷺ ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن مالما لا يعقل ولا يعارضه ماروى إنه ﷺ رده بقوله بل هم عبدو الشياطين التي أمرتهم بذلك ولاماروى أن ابن الزُّبعري قال هذا شيءٌ لآلهتنا خاصة أو لكل من عُبد من دون الله فقال ﷺ بل لكل من عُبد من دونِ الله تعالَى إذ ليس شيءٌ منهما نصاً في عموم كلمة ما كما أن الأولَ نصٌّ في خصوصها وشمولُ حكم النص لا يقتضي شمولَه بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شمولُه لهم بطريق دِلالة النصِّ بجامع الشركةِ في المعبودية من دونِ الله تعالَى فعلله ﷺ بعدما بين مدلولَ النظمِ الكريم بما ذكر وعدمَ دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارةِ بيّن عدم دخولِهم فيه بطريق الدِلالة أيضاً تأكيداً للرد والإلزام وتكريراً للتبكيت والإفحام لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمُهم فإن إخراجَ بعضِ المعبودين عن حكم منبىءٍ عن الغضب على العبَدة والمعبودين مما يوهم الرخصةَ في عبادته في الجملة بل بتحقيق الحقِّ وبيانِ أنهم ليسوا من العبودية في شيء حتى يُتوهم دخولُهم في الحكم المذكورِ دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من دونِ الله تعالَى وإنما معبودُهم الشياطينُ التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به قوله تعالى سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن الآية فهم الداخلون في الحُكم المذكور لاشتراكهم مع الأصنامَ في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين ﵈ وهذا هو الوجهُ في التوفيق بين الأخبار المذكورة وأما تعميمُ كلمةِ ما للعقلاء أيضاً وجعلُ ما سيأتِي من قولِه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منا الحسنى الخ بياناً للتجوز أو التخصيص فما لا يساعده السباقُ والسياق كما يشهد به الذوقُ السليم والحَصَبُ ما يُرمى به ويهيج به النار من حصَبه إذا رماه بالحصْباء وقرىء بسكون الصاد وصفا له ئبالمصدر للمبالغة ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ استئنافٌ أو بدلٌ من حصبُ جهنمَ واللامُ معوّضة من على الدلالة على الاختصاص وأن وردهم لأجلها والخطابُ لهم ولما يعبدون تغليباً
стр. 4098
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاء﴾ أي أصنامهم ﴿آلهة﴾ كما يزعمون ﴿مَّا وَرَدُوهَا﴾ وحيث تبين ورودُهم إياها تعين امتناعُ كونها آلهةً بالضرورة وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بما يعبدون هي الأصنامُ لأن المرادَ إثباتُ نقيضِ ما يدّعونه وهم إنما يدّعون إلهية الأصنام لا إلهية الشياطين حتى يحت بوردها النارَ على عدم آلِهيّتها وأما ما وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بانجرار الكلام إليه عند بيان ما سيق له النظم الكريم بطريق العبارة حيث سأل ابنُ الزبعرى عن حال سائرِ المعبودين وكان الاقتصارُ على الجواب الأول مما يوهم الرخصةَ في عبادتهم في الجملة لأنهم المعبودون عندهم أجيب بيان أن المعبودين هم الشياطينُ وأنهم داخلون في حكم النص لكن بطريق العبارة لئلا يلزَمَ التدافعُ بين الخبرين ﴿وَكُلٌّ﴾ أي من العبَدة والمعبودين ﴿فيها خالدون﴾ لاخلاص لهم عنها
стр. 4099
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أي أنينٌ وتنفسٌ شديدٌ وهو مع كونه من أفعال العبَدة أضيف إلى الكل للتغليب ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ
стр. 4100
للعبدة لعدم الإلباس وكذا في قولِه تعالى ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي لا يسمع بعضُهم زفيرَ بعض لشدة الهول وفظاعةِ العذاب وقيل لا يسمعون ما يسرهم من الكلام
следующие страницы →