← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البقرة (٣) والمجرور من معنى الفعل المنفي كأنه قيل لم يحصُلْ فيه الريبُ حال كونه هادياً على أنه قيدٌ للنفي لا للمنفيّ وحاصله انتفى الريبِ فيه حال كونه هادياً وتنكيرُه للتفخيم وحملُه على الكتاب إما للمبالغة كأنه نفسُ الهدى أو لجعل المصدر بمعنى الفاعل هذا والذي يستدعيه جزالةُ التنزيلِ في شأن ترتيب هذه الجُمل أن تكون متناسقةً تقرِّرُ اللاحقةُ منها السابقة ولذلك لم يتخلل بينها عاطف فالم جملةٌ برأسها على أنها خبرٌ لمبتدأ مضمر أو طائفةٌ من حروف المُعجم مستقلةٌ بنفسها دالةٌ على أن المتحدَّى به هو المؤلَّفُ من جنسِ ما يؤلفون منه كلامهم وذلك الكتابُ جملةٌ ثانيةٌ مقرِّرةٌ لجهة التحدي لما دلت عليه من كونه منعوتاً بالكمال الفائق ثم سجل على غاية فضلِه بنفي الريبِ فيه إذ لا فضلَ أعلى مما للحق واليقين وهدى للمتقين مع ما يقدَّر له من المبتدأ جملةٌ مؤكدةٌ لكونه حقاً لا يحوم حوله شائبةُ شكٍ ما ودالةٌ على تكميله بعد كمالِه أو يستتبعُ السابقة منها اللاحقةُ استتباعَ الدليل للمدلول فإنه لما نبَّه أولاً على إعجاز المتحدَّى به من حيث إنه من جنس كلامِهم وقد عجَزوا عن معارضته بالمرة ظهر أنه الكتابُ البالغُ أقصى مراتبِ الكمال وذلك مستلزمٌ لكونه في غاية النزاهة عن مظنّة الريب إذ لا أنقصَ مما يعتريه الشك وما كان كذلك كان لا محالة هدىً للمتقين وفي كلَ منها من النُكت الرائقة والمزايا الفائقة مالا يخفى جلالةُ شأنه حسبما تحققته

стр. 37

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ إما موصولٌ بالمتقين ومحلُّه الجرُّ على أنه صفةٌ مقيِّدةٌ له إن فُسّر التقوى بترك المعاصي فقط مترتبةٌ عليه ترتّبَ التحلية على التَّخْلية وموضِّحةٌ إن فُسِّر بما هو المتعارَفُ شرعاً والمتبادَرُ عُرفاً من فعل الطاعات وتركِ السيئات معاً لأنها حينئذٍ تكون تفصيلاً لما انطوى عليه اسمُ الموصوف إجمالاً وذلك لأنها مشتملة على ماهو عمادُ الأعمال وأساسُ الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة فإنها أمهاتُ الأعمال النفسانية والعباداتِ البدنية والمالية المستتبِعة لسائر القُرَب الداعيةِ إلى التجنب عن المعاصي غالباً ألا يُرى إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفحشاء والمنكر﴾ وقوله ﵇ الصلاةُ عمادُ الدين والزكاةُ قنطرةُ الإسلام أو مادحةً للموصوفين بالتقوى المفسَّرِ بما مر من فعل الطاعات وتركِ السيئات وتخصيص ماذكر من الخِصال الثلاثِ بالذكر لإظهار شرفِها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسمِ التقوى من الحسنات أو النصب على المدح بتقدير أعني أو الرفعُ عليه بتقدير هم وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ بالابتداء خبرُه الجملةُ المصدّرةُ باسمِ الإشارةِ كما سيأتي بيانُه فالوقفُ على المتقين حينئذ وقفٌ تام لأنه وقف على مستقبل مابعده أيضا مستقبل وأما على الوجوه الأول فحسنٌ لاستقلال الموقوف عليه غيرُ تامَ لتعلق مابعده به وتبعيّته له أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر وأما على تقدير النصبِ أو الرفع على المدح فلما تقرَّر من أنَّ المنصوبَ والمرفوعَ مَدحاً وإنْ خرجَا عن التبعية لما قبلها صورةً حيثُ لم يتبعاهُ في الإعرابِ وبذلك سُمّيا قطعاً لكنَّهما تابعانِ له حقيقةً أَلَا يُرى كيفَ التزمُوا حذفَ الفعلِ والمبتدأ في النَّصبِ والرَّفعِ رَومْاً لتصوير كلَ منهما بصورةِ متعلِّقٍ من متعلقات ماقبله وتنبيهاً على شدَّةِ الاتِّصالِ بينهما قال أبو علي إذا ذكرت صفات للمدح وخولف في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان أي للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ في الإصغاء فإن تغييرَ الكلامِ المَسوقِ لمعنى

стр. 38

من المعاني وصَرْفَه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب إن قيل لا ريبَ في أن حال الموصول عند كونِه خبراً لمبتدأ محذوف كحاله عند كونه مبتدأ خبرُه أولئك على هدى في أنه ينسبك به جملةً اسميةً مفيدة لاتصاف المتقين بالصفات الفاضلة ضرورةَ أن كلاًّ من الضمير المحذوف والموصولِ عبارةٌ عن المتقين وأن كلاًّ من اتصافهم بالإيمان وفروعِه وإحرازهم للهدى والفلاحِ من النعوت الجليلية فما السرُّ في أنه جُعل ذلك في الصورة الأولى من توابع المتقين وعُدَّ الوقفُ غيرَ تام وفي الثانية مقتطعاً عنه وعُدَّ الوقفُ تامًّا قلنا السرُّ في ذلك أن المبتدأ في الصورتين وإن كان عبارة عن المتقين لكن الخبرَ في الأولى لما كان تفصيلاً لما تضمنه المبتدأ إجمالاً حسبما تحققته معلومُ الثبوت له بلا اشتباه غيرُ مفيد للسامع سوى فائدةِ التفصيلِ والتوضيح نُظم ذلك في سلك الصفاتِ مراعاةً لجانب المعنى وإن سمي قطعاً مراعاة لجانب كيف لا وقد اشتهر في الفن أن الخبر إذا كان معلومَ الانتساب إلى المخبر عنه حقه أن يكون وصفاً له كما أن الوصف إذا لم يكن معلومَ الانتساب إلى الموصوف حقُّه أن يكون خبراً له حتَّى قالُوا إن الصفاتِ قبلَ العلمِ بها أخبارٌ والأخبارُ بعدَ العلمِ بها صفات وأما الخبرُ في الثانية فحيث لم يكن كذلك بل كان مشتملاً على مالا ينبئ عنه المبتدأ من المعاني اللائقة كما ستحيطُ به خبرا مفيداً للمخاطب فوائدَ رائقة جُعل ذلك مقتطعاً عما قبله محافظةً على الصورة والمعنى جميعاً والإيمانُ إفعالٌ من الأمن المتعدّي إلى واحد يقال آمنتُه وبالنقل تعدى إلى اثنين يقال آمنَنيه غيري ثم استُعمل في التصديق لأن المصَدِّقَ يؤمِنُ المُصَدَّق أي يجعله أميناً من التكذيب والمخالفة واستعماله بالباء لتضمينه معنى الاعتراف وقد يطلق على الوثوق فإن الواثقَ يصير ذا أمنٍ وطُمأنينة ومنه ما حُكي عن العرب ما آمِنْتُ أن أجد صحابة أي ما صِرْتُ ذا أمنٍ وسكون وكلا الوجهين حسن ههنا وهو في الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما عُلم ضرورةَ أنَّه من دين نبينا ﵊ كالتوحيد والنبوةِ والبعثِ والجزاءِ ونظائرِها وهل هو كافٍ في ذلك او لابد من انضمام الإقرار إليه للمتمكن منه والأول رأيُ الشيخ الأشعري ومن شايعه فإن الإقرارَ عنده منشأٌ لإجراء الأحكام والثاني مذهبُ أبي حنيفة ومن تابعه وهو الحق فإنه جعلهما جزأين له خلا أن الإقرارَ ركنٌ محتمِلٌ للسقوط بعذر كما عند الإكراه وهو مجموعُ ثلاثةِ أمور اعتقادُ الحق والإقرارُ به والعملُ بموجبه عند جمهورِ المحدثين والمعتزلة والخوارج فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ومن أخل بالإقرارِ فهو كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق اتفاقاً وكافرٌ عند الخوارج وخارجٌ عن الإيمان غيرُ داخلٍ في الكفر عند المعتزلة وقرئ يُومنون بغير همزة والغيبُ إما مصدرٌ وُصف به الغائبُ مبالغةً كالشهادة في قوله تعالى ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أو فيعل خفف كقيل في قيل وهيْنٍ في هيّن وميْتٍ في ميِّت لكن لم يُستعمل فيه الأصلُ كما استعمل في نظائره وأيا ما كان فهو ما غابَ عن الحسِّ والعقلِ غَيْبة كاملةً بحيث لا يُدرَك بواحد منهما ابتداءً بطريق البَداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو الذي أريد بقوله سبحانه ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ وقسم نُصب عليه دليل كالمصانع وصفاتِه والنبواتِ وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع واليومِ الآخر وأحوالِه من البعث والنشورِ والحسابِ والجزاء وهو المراد ههنا فالباءُ صلةٌ للإيمان إما بتضمينه معنى الاعتراف أو

стр. 39

يجعله مجازاً من الوثوق وهو واقعٌ موقعَ المفعول به وإما مصدرٌ على حاله كالغيبة متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الفاعلِ كما في قولِه تعالى ﴿الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ وقوله تعالى ﴿لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ أي يؤمنون متلبسين بالغيبة إما عن المؤمن به أي غائبين عنِ النبيِّ ﷺ غيرَ مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة لما رُوي أن أصحابَ ابنِ مسعود ﵁ ذكروا أصحابَ رسول الله ﷺ وإيمانهم فقال ﵁ إن أمرَ محمَّدٍ ﵊ كان بيِّناً لمن رآه والذي لا إله غيرُه ما آمن مؤمنٌ أفضلَ من الإيمان بغيب ثم تلَا هذهِ الآيةَ وإما عن الناس أي غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين إذا لقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلَوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم وقيل المرادُ بالغيب القلبُ لأنه مستور والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم فالباءُ حينئذٍ للآلة وتركُ ذكرِ المؤمَن به على التقادير الثلاثةِ إما للقصد إلى إحداث نفس الفعل كما في قولِهم فلانٌ يُعطي ويمنعُ أي يفعلون الإيمان وإما للاكتفاء بما سيجيء فإن الكتبَ الإلهية ناطقةٌ بتفاصيل ما يجبُ الإيمانُ بهِ ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾ إقامتُها عبارةٌ عن تعديل أركانها وحفظِها من أن يقع في شئ من فرائضها وسننها وآدابِها زيغ من أقام العُودِ إذا قوّمه وعدّله وقيل عن المواظبة عليها مأخوذٌ من قامت السُّوق إذا نفَقت وأقمتُها إذا جعلهتا نافقة فإنها إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يُرغب فيه وقيل عن التشمُّر لأدائها عن غير فتور ولاتوان من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدَّ فيه واجتهد وقيل عن أدائها عبَّر عنه بالإقامة لاشتماله على القيام كما عبَّر عنه بالقنوت الذي هو القيامُ وبالركوع والسجود والتسبيح والأولُ هو الأظهر لأنه أشهرُ وإلى الحقيقة أقربُ والصلاةُ فَعْلةٌ من صلَّى إذا دعا كالزكاة من زكّى وإنما كُتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخّم وإنما سُمِّيَ الفعلُ المخصوصُ بها لاشتماله على الدعاء وقيل أصلُ صلى حرَّك الصَّلَوَيْنِ وهما العظمان الناتئان في أعلى الفخِذين لأن المصليَ يفعله في ركوعه وسجوده واشتهارُ اللفظ في المعنى الثاني دون الأول لا يقدح في نقله عنه وإنما سُمِّيَ الداعي مصلياً تشبيهاً له في تخشّعه بالراكع والساجد ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ الرزق في اللغة العطاءُ ويطلق على الحظ المعطى نحو ذِبْحٍ ورِعْيٍ للمذبوح والمَرْعيِّ وقيل هو بالفتح مصدر وبالكسر اسم وفي العُرف ما ينتفِعُ به الحيوان والمعتزلةُ لما أحالوا تمكينَ الله تعالى من الحرام لأنه منَعَ من الانتفاع به وأمرَ بالزجر عنه قالوا الرزقُ لا يتناول الحرام ألا يرى أنه تعالى أسند الرزقَ إلى ذاته إيذاناً بأنهم ينفقون من الحلال الصرف فإن إنفاقَ الحرام بمعزل من إيجاب المدح وذمَّ المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ وأصحابنا جعلوا الإسنادَ المذكورَ للتعظيم والتحريضِ على الإنفاق والذمَّ لتحريم مالم يحرّم واختصاصَ ما رزقناهم بالحلال للقرينة وتمسكوا لشمول الرزق لهما بما رُوي عنه ﵇ في حديث عَمْرو بن قرَّة حين أتاه فقالَ يا رَسُول الله إنَّ الله كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ فلا أرى أُرْزَقُ إلَاّ مِنْ دُفِّي بِكَفِّي فَأْذَنْ لِي فِي الغِنَاءِ من غيرِ فَاحِشَةٍ من أنه قال ﵇ لَا آذَنُ لَكَ وَلَا كَرَامةَ ولا تعمة كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ الله والله لَقَدْ رَزَقَكَ الله حَلَالاً طَيِّباً فَاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ الله عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ الله لَكَ مِنْ حَلَالِهِ وبأنه لولم يكن الحرامُ رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلَاّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ والإنفاقُ والإنفادُ أخوانِ خلا أن

стр. 40

البقرة (٤) في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول والمرادُ بهذا الإنفاق الصَّرْفُ إلى سبيل الخير فرضاً كان أو نفلاً ومن فسَّر بالزكاة ذكر أفضلَ أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقُها والجملة معطوفة على ماقبلها من الصلة وتقديمُ المفعول للاهتمام والمحافظة على رءوس الآي وإدخال من التبعيضية عليه للكف عن التبذير هذا وقد جوِّز أنْ يراد به الإنفاقُ من جميع المعاون التي منحهم الله تعالى من النعم الظاهرةِ والباطنةِ ويؤيده قوله ﵇ (إن علماً لا يُنال به ككنز لا يُنفق منه) وإليه ذهب من قال ومما خَصَصْناهم من أنوار المعرفة يَفيضون

стр. 41

﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ معطوفٌ على الموصول الأولِ على تقديري وصلِه بما قبله وفصلُه عنه مندرجٌ معه في زُمرة المتقين من حيث الصورةُ والمعنى معاً أو من حيث المعنى فقط اندراجَ خاصَّيْنِ تحت عام إذ المرادُ بالأولين الذين آمنوا بعد الشركِ والغفلةِ عن جميع الشرائعِ كما يُؤذِن به التعبيرُ عن المؤْمَن به بالغيب وبالآخرين الذين آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزله قبل كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام وأضرابِه أو على المتقين على أن يراد بهم الأولون خاصة ويكون تخصيصُهم بوصف الاتقاءِ للإيذان بتنزّههم عن حالتهم الأولى بالكلية لما فيها من كمال القباحة والمباينةِ للشرائعِ كلِّها الموجبةِ للاتقاء عنها بخلاف الآخرين فإنهم غيرُ تاركين لما كانوا عليه بالمرة بل متمسكون بأصول الشرائعِ التي لا تكاد تختلف باختلاف الأعصار ويجوز أن يجعل كلا الموصلين عبارةً عن الكل مندرجاً تحت المتقين ولا يكون توسيط العاطف بينمها لا ختلاف الذوات بل لاختلاف الصفات كما في قولِه إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليثِ الكتبيةِ في المُزْدَحَمْ وقوله يالهفَ زيّابةَ للحارثِ الصابحِ فالغانِمِ فالآيبِ للإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ من الإيمان بما أشير إليه من الأمور الغائبةِ والإيمان بما يشهد بثبوتها من الكتب السماوية نعتٌ جليلٌ على حِياله له شأنٌ خطيرٌ مستتبِعٌ لأحكامِ جَمةٍ حقيقٌ بأنْ يُفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يُجعل أحدُهما تتمةً للآخر وقد شُفِع الأولُ بأداء الصلاة والصدقة اللتين هما من جملة الشرائعِ المندرجةِ تحت تلك الأمور المؤمَن بها تكملةً له فإن كمال العلم العمل وقُرن الثاني بالإيقان بالآخرة مع كونه منطوياً تحت الأول تنبيهاً على كمال صِحتِه وتعريضاً بما في اعتقاد أهلِ الكتابين من الخلل كما سيأتي هذا على تقدير تعلّقِ الباءِ بالإيمان وقِسْ عليه الحالَ عند تعلّقِها بالمحذوف فإن كلاً من الإيمان الغيبيِّ المشفوعِ بما يصدّقه من العبادتين مع قطع النظرِ عن المؤمَن به والإيمانِ بالكتب المنزلةِ الشارحة لتفاصيل الأمور التي يجب الإيمانُ بها مقروناً بما قُرن فظيلة باهرة مستدعية لما ذكر والله تعالى أعلم وقد حُمل ذلك على معنى أنهم الجامعون بين الإيمانِ بما يدركه العقلُ جملةً والإتيانِ بما يصدّقه من العبادات البدنية والمالية وبين الإيمان بما لا طريقَ إليه غيرُ السمع وتكريرُ الموصول للتنبيه على تغايُر القَبيلَيْن وتباينُ السبيلين فلْيُتأمَّلْ وأن يراد بالموصول الثاني بعد اندراج الكلِّ في الأول فريقٌ خاصٌّ منهم وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ بأن يُخَصّوا بالذكر تخصيص جبريل وميكائيل به إثرَ جَرَيانِ ذكر الملائكة ﵈ تعظيماً لشأنهم وترغيباً لأمثالهم وأقرانِهم في تحصيل مالهم من الكمال والإنزالُ النقلُ من الأعلى إلى الأسفل وتعلقه

стр. 42

البقرة (٥) بالمعاني إنما هو بتوسّط تعلقه بالأعيان المستتبة لها فنزولُ ما عدا الصحفَ من الكتب الإلهية إلى الرُّسلِ ﵈ والله تعالى أعلم بأن يتلقاها الملَكُ من جنابِه تلقياً روحانياً أو يحفَظَها من اللَّوحِ المحفوظِ فينزِلَ بها إلى الرسل فيُلقِيهَا عليهم ﵈ والمراد بما أنزل إليك هو القرآنُ بأسره والشريعةُ عن آخرها والتعبيرُ عن إنزاله بالماضي مع كون بعضِه مُترقَّباً حينئذ لتغليب المحقَّقِ على المقدار أو لتنزيل ما في شرَفِ الوقوعِ لتحقُّقه منزلةَ الواقعِ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى﴾ مع أن الجنَّ ما كانوا سمعوا الكتابَ جميعاً ولا كان الجميعُ إذ ذاك نازلاً وبما أنزل من قبلك التوراةُ والإنجيلُ وسائرُ الكتب السالفة وعدمُ التعريض لذكر من أُنزل إليه من الأنبياءِ ﵈ لقصد الإيجازِ مع عدم تعلُّقِ الغرَض بالتفصيل حسَبَ تعلقِه به في قوله تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل﴾ الآية والإيمانُ بالكل جملةً فرضٌ وبالقرآنِ تفصيلاً من حيث إنا متعبَّدون بتفاصيله فرضُ كفاية فإن في وجوبه على الكل عَيناً حَرَجاً بيناً وإخلالاً بأمر المعاش وبناءُ الفعلين للمفعول للإيذان تعين الفاعل والجري على شأن الكِبرياء وقد قُرئا على البناء للفاعل ﴿وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيقانُ إتقانُ العلم بالشيء بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه ولذلك لا يُسمَّى علمُه تعالى يقيناً أي يعلمون علماً قطعياً مُزيحاً لما كان أهلُ الكتاب عليه من الشكوك والأوهام التي من جملتها زعمُهم أن الجنة لا يدخُلها إلَاّ منْ كانَ هُوداً أو نصارى وأن النارَ لن تمسَّهم إلا أياماً معدوداتٍ واختلافُهم في أن نعيمَ الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا وهل هو دائم أو لا وفي تقديم الصلة وبناءِ يوقنون على الضمير تعريضٌ بمن عداهم من أهل الكتاب فإن اعتقادَهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين والآخرةُ تأنيثُ الآخِر كما أن الدنيا تأنيثُ الأدنى غَلَبتا على الدارين فجرَتا مجرى الأسماء وقرئ بحذف الهمزةِ وإلقاءِ حركتِها على اللام وقرئ يوقنون بقلب الواو همزة إجراءً لضم ما قبلها مجرى ضمِّها في وجوه ووقتت ونظيرُه ما في قوله لحب المؤقدان إلى مؤسى ... وجعدة إذ أضاءهما الوقود وقولُه تعالى

стр. 43

﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الذينَ حُكيت خِصالُهم الحميدةُ من حيث اتصافُهم بها وفيهِ دلالةٌ على أنَّهم متميِّزون بذلك أكمل تميُّزٍ منتطمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ وهو مبتدأٌ وقوله عز وعلا ﴿على هُدًى﴾ خبرُه وما فيه من الإبهام المفهومِ من التنكير لكمال تفخيمِه كأنه قيل على أي هدى هدىً لا يُبلَغ كُنهُه ولا يُقادَرُ قدرُه وإيرادُ كلمةِ الاستعلاء بناءً على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يَعْتلي الشيء ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارةً تبعية متفرّعةً على تشبيهه باعتلاء الراكبِ واستوائِه على مركوبه أو على جعلها قرينةً للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوبِ للإيذان بقوةِ تمكّنِهم منه وكمالِ رسوخهم فيه وقولُه تعالى ﴿مِنْ رَّبّهِمُ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفة له مبينة لفخامته الإضافية إثر بيانِ فخامته الذاتية

стр. 44

مؤكدةً لها أي على هدىً كائنٍ من عنده تعالى وهو شاملٌ لجميع أنواع هدايتِه تعالى وفنونِ توفيقِه والتعرّضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم لغاية تفخيمِ الموصوفِ والمضافِ إليهم وتشريفِهما ولزيادة تحقيقِ مضمونِ الجملة وتقريرِه ببيانِ ما يوجبُه ويقتضيه وقد ادمغت النونُ في الراء بغُنةٍ أو بغير غنة والجملةُ على تقدير كونِ الموصولَين موصولَين بالمتقين مستقلةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مقرِّرةٌ لمضمون قولِه تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ مع زيادة تأكيدٍ له وتحقيق كيف لا وكونُ الكتاب هدىً لهم فنٌّ من فنون ما مُنِحوه واستقروا عليه من الهدى حسبما تحققْتَه لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح وقيل هي واقعةٌ موقعَ الجواب عن سؤالٍ ربما ينشأ مما سبق كأنه قيل ما للمنعوتين بما ذُكِرَ من النعوتِ اختُصّوا بهداية ذَلِكَ الكتابِ العظيمِ الشَّأنِ وهل هم أحقاءُ بتلك الأثرَة فأجيب بأنهم بسبب اتصافِهم بذلك ما لكون لزِمام أصلِ الهدى الجامعِ لفنونه المستتبِع للفوز والفلاح فأيُّ ريبٍ في استحقاقهم لما هو فَرعٌ من فروعه ولقد جار عن سَنن الصواب من قال في تقرير الجواب إن أولئك الموصوفين غيرُ مستبعَدٍ أن يفوزوا دون الناسِ بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً وأما على تقدير كونِهما مفصولَين عنه فهي في محلِ الرفعِ على أنها خبرٌ للمبتدأ الذي هُوَ الموصولُ الأول والثاني معطوفٌ عليه وهذه الجملةُ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الذهنُ من تخصيص ما ذُكر بالمتقين قبل بيان مبادى استحقاقِهم لذلك كأنه قيل ما بالُ المتقين مخصوصين به فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمُهم إجمالاً من نعوت الكمال وبيان ما يستدعيه من النتيجة أي الذين هذه شئؤنهم أحقاءُ بما هو أعظمُ عن ذلك كقولك أُحِبّ الأنصارَ الذين قارعوا دون رسولِ الله ﷺ زبذلوا مُهجتَهم في سبيل الله أولئك سوادُ عيني وسُوَيْدَاءُ قلبي وأعلم أن هذا المسلك يسلك تارة بإعاد اسمِ مَن استُؤنِفَ عنه الحديثُ كقولك أحسنتُ إلى زيدٍ زيدٌ حقيقٌ بالإحسان وأخرى بإعادةِ صفتِه كقولك أحسنتُ إلى زيدٍ صديقِك القديمِ أهلٌ لذلك ولا ريب في أن هذا أبلغُ من الأول لما فيه من بيان الموجِبِ للحكم وإيرادُ اسمِ الإشارةِ بمنزلة إعادة الموصوفِ بصفاته المذكورة مع ما فيه من الإشعار بكمال تميُّزِه بها وانتظامِه بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المشاهدة والإيماءِ إلى بُعد منزلتِه كما مر هذا وقد جُوِّز أنْ يكون الموصولُ الأول مُجرىً على المتقين حسبما فُصّل والثاني مبتدأ وأولئك الخ خبرُه ويُجعل اختصاصُهم بالهدى والفلاح تعريضاً بغير المؤمنين من أهل الكتاب حيثُ كانُوا يزعُمون أنَّهم على الهدى ويطمعون في نيل الفلاح ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ تكريرُ اسمِ الأشارة لاضهار مزيدِ العنايةِ بشأن المشارِ إليهم وللتنبيه على أن اتصافَهم بتلك الصفات يقتضي نيلَ كلِّ واحدةٍ من تَيْنكَ الأثَرَتين وأن كلاً منهما كاف في تمييزهم بها عمن عداهم ويؤيده توسيطُ العاطف بين الجملتين بخلاف ما في قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ كالأنعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون﴾ فإن التسجيلَ عليهم بكمال الغفلة عبارةٌ عما يفيده تشبيهُهُم بالبهائم فتكون الجملةُ الثانية مقررةً للأولى وأما الإفلاحُ الذي هو عبارةٌ عن الفوز بالمطلوب فلمّا كان مغايراً للهدى نتيجةً له وكان كلٌّ منهما في نفسه أعزَّ مرامٍ يتنافس فيه المتنافسون فعل ما فعل وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ الخبرَ عن الصفة ويؤكِّد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك وتعريفُ المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناسُ الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة أو إشارةٌ إلى ما يعرِفه كلُّ أحد من

стр. 45

البقرة (٦) حقيقة المفلحين وخصائصِهم هذا وفي بيان اختصاصِ المتقين نبيل هذه المراتبِ الفائقةِ على فنونٍ من الاعتبارات الرائقة حسبما أُشيرَ إليهِ في تضاعيفِ تفسير الآية الكريمة من الترغيب في افتفاء أثرِهم والإرشاد إلى اقتداءِ سيرِهم ما لا يخفى مكانُه والله وليُّ الهداية والتوفيق

стр. 46

﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ كلامٌ مستأنف سيق لشرح أحوالِ الكَفَرة الغواة المَرَدة العُتاة إثرَ بيانِ أحوالِ أضدادِهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل وإنما تُرك العاطفُ بينهما ولم يُسلك به مسلكَ قولِه تعالَى ﴿إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ﴾ لِمَا بينهما من التنافي في الأسلوب والتبايُن في الغرض فإن الأولى مَسوقةٌ لبيان رفعةِ شأنِ الكتاب في باب الهداية والإرشاد وأما التعرضُ لأحوال المهتدين به فإنما هو بطريق الاستطراد سواءٌ جُعل الموصولُ موصولاً بما قبله أو مفصولاً عنه فإن الاستئنافَ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام المتقدم فهو من مستتبِعاته لا محالة وأما الثانيةُ فمسوقةٌ لبيان أحوالِ الكفرة أصالةً وترامي أمرِهم في الغَواية والضلالِ إلى حيث لا يُجديهم الإنذارُ والتبشير ولا يؤثّر فيهم العِظةُ والتذكير فهم ناكبون في تيهِ الغيِّ والفساد عن منهاج العقول وراكبون في مسلك المكابرة والعِناد متنَ كل صعب وذلول وإنما أوثرتْ هذه الطريقةُ ولم يؤسَّس الكلامُ على بيان أن الكتابَ هادٍ للأولين وغيرُ مُجدٍ للآخَرِين لأن العنوانَ الأخيرَ ليس مما يورثُه كمالاً حتى يُتعرَّضَ له في أثناء تعدادِ كمالاته وإن من الحروف التي تشابه الفعلَ في عدد الحروف والبناءِ على الفتح ولزومِ الأسماءِ ودخولِ نون الوقاية عليها كإنني ولعلني ونظائرهما وإعطاء معانيه والمتعدى خاصةً في الدخول على اسمين ولذلك أُعملت عملَه الفرْعيَّ وهو نصبُ الأول ورفعُ الثاني إيذاناً بكونه فرعاً في العمل دخيلاً فيه وعند الكوفيين لا عملَ لها في الخبر بل هو باقٍ على حاله بقضية الاستصحاب وأجيب بأن ارتفاعَ الخبر مشروطٌ بالتجرد عن العوامل وإلا لما انتصب خبرُ كان وقد زال بدخولها فتعين إعمالُ الحرف وأثرُها تأكيدُ النسبة وتحقيقُها ولذلك يتلقى بها القسم ويصدر بها الأجوبة ويؤتى بها في مواقع الشكِ والإنكارِ لدفعه وردِّه قال المبّرِد قولُك عبدُ اللَّه قائمٌ إخبارٌ عن قيامه وإن عبدَ اللَّه قائمٌ جوابُ سائلٍ عن قيامه شاكٍ فيه وإن عبدَ اللَّه القائم جوابُ منكرٍ لقيامه وتعريف الموصولُ إما للعهد والمرادُ به ناسٌ بأعيانهم كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليدِ بن المُغيرة وأضرابِهم وأحبارِ اليهود أو للجنس وقد خُص منه غيرُ المُصرِّين بما أسند إليه من قوله تعالى سَوَاء عَلَيْهِمْ الخ والكُفْرُ في اللغة سترُ النعمة وأصلُه الكَفْرُ بالفتح أي الستر ومنه قيل للزراع والليلِ كافرٌ قال تعالى ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ﴾ وعليه قول لبيد ... في ليلةٍ كَفَر النجومَ غمامُها ... ومنه المتكفِّرُ بسلاحه وهو الشاكي الذي غطى السلاحُ بدنه وفي الشريعة إنكارُ ما عُلم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ به وإنما عُدَّ لبسُ الغيارُ وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرُهما كفراً لدلالته على التكذيب فإن مَنْ صدق النبيِّ ﷺ لا يكاد يجترئ على أمثال ذلك إذ لا داعيَ إليه كالزنى وشربِ الخمر واحتجت المعتزلة على حدوث القرآن بما جاء فيه بلفظ الماضي على وجه الإخبار

стр. 47

فإنه يستدعي سابقةَ المُخبَرِ عنه لا محالة وأُجيب بأنه من مقتضيات التعلقِ وحدوثِه لا يستدعي حدوثَ الكلام كما أن حدوثَ تعلّقِ العلم بالمعلوم لا يستدعي حدوثَ العلم ﴿سَوَآء﴾ هو اسمٌ بمعنى الاستواء نُعت به كما يُنعت بالمصادر مبالغةً قال تعالى ﴿تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿عليهم﴾ متعلق به معناه عندهم وارتفاعُه على أنه خبر لأن وقوله تعالى ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ مرتفعٌ به على الفاعليةِ لأن الهمزةَ وأَمْ مجردتان عن معنى الاستفهام لتحقيق الاستواء بين مدخوليهما كما جُرِّد الأمر والنهي لذلك عن معنييهما في قوله تعالى ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وحرفُ النداء في قولك اللهم اغفرْ لنا أيتها العِصابة عن معنى الطلب المجرد التخصيص كأنَّه قيلَ إِنَّ الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارُك وعدمُه كقولك إن زيداً مختصمٌ أخوه وابنُ عمه أو مبتدأ وسواء عَلَيْهِمْ خبرٌ قُدم عليه اعتناء بشأنه والجملة خبرٌ لإن والفعل إنما يمتنعُ الإخبار عنه بقائه على حقيقته أما لو أريد به اللفظُ أو مطلقُ الحدث المدلولِ عليه ضمناً على طريقة الاتساع فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليهِ كما في قولِه تعالى ﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ وقوله تعالى وإذاقيل لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ وفي قولهم بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ كأنه قيل إنذارُك وعدمه سيان عليهم والعدول إلى الفعل لما فيهِ من إيهامِ التجدُّد والتوصّلُ إلى إدخال الهمزة ومُعادلِها عليه لإفادة تقرير معنى الاستواء وتأكيده كما أشير إليه وقيل سواء مبتدأ ومابعده خبره وليس بذاك لأن مقتضى المقام بيانُ كونِ الإنذار وعدمِه سواءً لا بيان كون المستوي الإنذارَ وعدمَه والإنذارُ إعلامُ المَخوفِ للاحتراز عنه إفعال من نذر بالشئ إذا علِمه فحذِره والمراد ههنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي والاقتصارُ عليه لما أنهم ليسوا بأهل للبشارة أصلاً ولأن الإنذار أوقعُ في القلوب وأشدُّ تأثيراً في النفوس فإن دفع المضارِّ أهم من جلب المنافع فحيث لم يتأثروا به فلأن لايرفعوا للبشارة راسا أولى وقرئ بتوسيط ألفٍ بين الهمزتين مع تحقيقهما وبتوسيطها والثانية بَيْنَ بين وبتخفيف الثانية بين بين بلا توسيط وبحذف حرف الاستفهام وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرئ قد أفلح وقرئ بقلب الثانية ألفاً وقد نسب ذلك إلى اللحن ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جملةٌ مستقلةٌ مؤكدة لما قبلها مبينة لما فيه من إجمالِ ما فيه الاستواءُ فلا محلَّ لها من الإعرابِ أو حالٌ مؤكدةٌ له أو بدلٌ منه أو خبرٌ لأن وما قبلها اعتراضٌ بما هو عِلة للحكم أو خبرٌ ثانٍ على رَأْي مَن يجوِّزه عند كونه جملة والآية الكريمة مما استدل به على جواز التكليف بما لا يطاق فإنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم لايؤمنون فظهر استحالةُ إيمانهم لاستلزامه المستحيلَ الذي هو عدمُ مطابقةِ إخباره تعالى للواقع مع كونهم مأمورين بالإيمان باقين على التكليف ولأن من جملة ما كُلفوه الإيمان بعدم إيمانهم المستمر والحق أن التكليف بالمتنع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكامَ لا تستدعي أغراضاً لا سيما الامتثالُ لكنه غيرُ واقع للاستقراء والإخبارُ بوقوعِ الشئ أو بعدمه لا ينفي القُدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبدُ باختياره وليس ما كلفوه الإيمانَ بتفاصيلِ ما نطقَ بهِ القرآنُ حتَّى يلزمَ أن يُكلفوا الإيمان بعدم إيمانهم المستمر بل هُوَ الإيمانُ بجميعِ ما جاء به النبيُّ ﷺ إجمالاً على أن كون الموصولِ عبارةً عنهم ليس معلوماً لهم وفائدةُ الإنذار بعد العلم بأنه لا يفيد إلزامَ الحجةِ وإحرازَ الرسول ﷺ فضل الإبلاغ ولذلك قيل سواء عليهم ولم يقل عليك كما قيل لعبَدة الأصنام ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أنتم صامتون﴾

стр. 48

البقرة (٧) وفي الآية الكريمة إخبارٌ بالغيبِ على ما هُو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة

стр. 49

﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ لما سبقَ من الحكمِ وبيانٌ لما يقتضيه أو بيان وتأكيد له والمرادُ بالقلب محلُّ القوة العاقلة من الفؤاد والختم على الشئ الاستيثاقُ منه بضرب الخاتم عليه صيانةً له أو لما فيه من التعرض له كما في البيت الفارغ والكيس المملوء والأولُ هو الأنسب بالمقام إذْ ليسَ المرادُ بهِ صيانةَ ما في قلوبهم بل إحداث حالة تجعلهما بسبب تماديهم في الغي وانهماكِهم في التقليد وإعراضِهم عن منهاج النظر الصحيح بحيث لا يؤثر فيها الإنذار ولا ينفُذُ فيها الحقُّ أصلاً إما على طريقة الاستعارةِ التبعية بأن يُشبّه ذلك بضرب الخاتم على نحو أبوابِ المنازل الخالية المبنية للسُكنى تشبيهَ معقولٍ بمحسوس بجامعٍ عقلي هو الاشتمالُ على منع القابل عما من شأنه وحقه أن يقبَلَه ويستعار له الختمُ ثم يشتق منه صيغةُ الماضي وإما على طريقة التمثيل بأن يُشبه الهيئةُ المنتزعةُ من قلوبهم وقد فُعل بها ما فعل من إحداث تلك الحالة المانعة من أن يصل إليها ما خلقت هي لأجله من الأمور الدينية النافعة وحيل بينها وبينه بالمرة بهيئةٍ منتزعةٍ من محالَ مُعدةٍ لحلول ما يَحُلُّها حُلولاً مستتبعاً لمصالحَ مُهمة وقد مَنَع من ذلك بالختم عليها وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله بالكلية ثم يُستعار لها ما يدل على الهيئة المشبَّهِ بها فيكون كلٌّ من طرفي التشبيه مركباً من أمور عدةٍ قد اقتُصر من جانب المشبَّهِ به على ما عليه يدور الأمرُ في تصوير تلك الهيئةِ وانتزاعِها وهو الختم والباقي منويٌّ مرادٌ قصداً بألفاظٍ متخيَّلة بها يتحقق التركيب وتلك الألفاظُ وإن كان لها مدخَلٌ في تحقيق وجهِ الشَّبهِ الذي هو أمرٌ عقلي منتزَع منها وهو امتناعُ الانتفاعِ بما أُعِدَّ له بسبب مانع قوي لكن ليس في شيء منها على الانفراد تجوز باعتبار هذا المجاز بل هي باقية على حالها من كونها حقيقةً أو مجازاً أو كنايةً وإنما التجوُّزُ في المجموع وحيث كان معنى المجموع مجموعَ معاني تلك الألفاظ التي ليس فيها التجوزُ المعهود ولم تكن الهيئةُ المنتزعةُ منها مدلولاً وضعياً لها ليكون مادل على الهيئة المشبه بها عند استعمالِه في الهيئة المشبهة مستعملاً في غير ما وضع له فيندرجَ تحت الاستعارةِ التي هي قسمٌ من المجاز اللغوي الذي هو عبارة عن الكلمة المستعملة في غير ما وضع له ذهب قدماء المحققين كالشيخ عبدِ القاهر وأضرابِه إلى جعل التمثيلِ قسماً برأسه ومن رام تقليلَ الأقسام عَدَّ تلك الهيئةَ المشبَّهَ بها من قبيل المدلولات الوضعية وجعل الكلامَ المفيد لها عند استعمالِه فيما يُشبَّه بها من هيئة أخرى منتزعةٍ من أمور أُخَرَ من قبيل الاستعارة وسماه استعارة تمثيلية وإسنادُ إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لاستناد جميعِ الحوادث عندنا من حيث الخلقُ إليه وورودُ الآية الكريمة ناعيةً عليهم سوءَ صنيعهم ووخامةَ عاقبتِهم لكون أفعالِهم من حيث الكسبُ مستندةً إليهم فإن خلْقَها منه سبحانه ليس بطريق الجبر بل بطريق الترتيبِ على ما اقترفوه من القبائح كما يعرب عنه قوله تعالى ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ونحو ذلك وأما المعتزلةُ فقد سلكوا مسلكَ التأويل وذكروا في ذلك عدةً من الأقاويل منها أن القومَ لمّا أعرضوا عن الحق وتمكنَ ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شُبّه بالوصف الخَلْقي المجبول عليه ومنها أن المراد به تمثيلُ قلوبِهم بقلوب البهائم التي خلقها

стр. 50

الله تعالى خاليةً عن الفطن أو بقلوب قدر ختم الله تعالى عليها كما في سال به الوادي إذا هلك وطارت به العنقاءُ إذا طالت غَيْبته ومنها أن ذلك فعلُ الشيطان أو الكافر وإسناده تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه ومنها أن أعراقَهم لما رسَخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصيل إيمانهم طريقٌ سوى الإلجاءِ والقسرِ ثم لم يَفعَلْ ذلك محافظةً على حكمة التكليف عُبّر عن ذلك بالختم لأنه سدٌّ لطريق إيمانهم بالكلية وفيه إشعارٌ بترامي أمرهم في الغي والعِناد وتناهي انهماكِهم في الشر والفساد ومنها أن ذلك حكايةٌ لما كانت الكفرة يقولونه مثل قولهم ﴿قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى آذاننا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ تهكّماً بهم ومنها أن ذلك في الآخرة وإنما أُخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ويعضُده قوله تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا﴾ ومنها أن المراد بالختم وسْمُ قلوبهم بسِمَةٍ يعرِفها الملائكة فيبغضونهم ويتنفرون عنهم ﴿وعلى سَمْعِهِمْ﴾ عطفٌ على ما قبله داخل في حكم الختم لقوله ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم ولاشتراكهما في الإدراك من جميع الجوانب وإعادةُ الجارّ للتأكيد والإشعار بتغايُر الختمَيْن وتقديمُ ختمِ قلوبهم للإيذان بأنها الأصلُ في عدم الإيمان وللإشعار بأن ختمَها ليس بطريق التبعيةِ بختم سمعِهم بناءً على أنه طريقٌ إليها فالختمُ عليه ختمٌ عليها بل هي مختومةٌ بختم على حِدَة لو فُرض عدمُ الختم على سمعهم فهو باقٍ على حاله حسبما يُفصح عنه قولُه تعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ والسمعُ إدراكُ القوة السامعة وقد يُطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا إذ هو المختومُ عليه أصالةً وتقديمُ حاله على حال أبصارِهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك الحال أو لأن جنايتَهم من حيث السمعُ الذي به يتلقى الأحكامُ الشرعية وبه يَتحققُ الإنذارُ أعظمَ منها من حيث البصرُ الذي به يشاهَد الأحوالُ الدالة على التوحيد فبيانُها أحقُّ بالتقديم وأنسبُ بالمقام قالوا السمعُ أفضلُ من البصر لأنه عز وعلا حيث ذكَرهما قدم السمعَ على البصر ولأن السمع شرطُ النبوة ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقلِ بالمعارف التي تُتلقف من أصحابها وتوحيدُه للأمن عن اللَّبس واعتبارِ الأصل أو لتقدير المضاف أي وعلى حواسِّ سمعهم والكلامُ في إيقاع الختم على ذلك كما مر من قبل ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ الأبصار جمع بصر والكلام فيه كما سمعته في السمع والغِشاوةُ فِعالة من التغشية أي التغطية بُنيت لما يشتمل على الشيء كالعِصابة والعِمامة وتنكيرُها للتفخيم والتهويل وهي على رأي سيبويه مبتدأٌ خبرُه الظرفُ المقدَّمُ والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها وإيثارُ الاسمية للإيذان بدوام مضمونها فإن ما يُدرَك بالقوة الباصرة من الآياتِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ حيث كانت مستمرة كان تعامهم من ذلك أيضاً كذلك وأما الآياتُ التي تُتلقَّى بالقوة السامعة فلمّا كان وصولُها إليها حيناً فحيناً أوثر في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحدُ طريقي معرفتِه أعني القلبَ الجملةُ الفعلية وعلى رأي الأخفش مرتفعٌ على الفاعلية مما تعلق به الجار وقرئ بالنصب على تقدير فعلٍ ناصب أي وجَعَل على أبصارهم غشاوة وقيل على حذفِ الجارِّ وإيصالِ الختم إليه والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة وقرئ بالضم والرفع وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها وغشوة بالكسر مرفوعةٌ وبالفتح مرفوعة ومنصوبة وعشاوةٌ بالعين غير المعجمة والرفع ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ وعيد وبيان لما يستحقونه

стр. 51

البقرة (٨) في الآخرة والعذاب كالنَكال بناءً ومعنى يقال أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ومنه الماءُ العذبُ لما أنه يقمَعُ العطش ويردَعه ولذلك يسمى نُقاخاً لأنه ينقَخُ العطشَ ويكسِرُه وفراتا لأنه يفرته على القلب ويكسره ثم اتُسِع فيه فأطلق على كل ألمٍ فادح وإن لم يكن عقاباً يُراد به ردْعُ الجاني عن المعاودة وقيل اشتقاقُه من التعذيب الذي هو إزالة العذاب كالتقذية والتمريض والعظيم نقيضُ الحقير والكبير نقيضُ الصغير فمن ضرورة كونِ الحقيرِ دونَ الصغير كونُ العظيم فوق الكبير ويستعملان في الجُثث والأحداث تقول رجل عظيم وكبير تريد جثتَه أو خطرَه ووصفُ العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكيرُ من التفخيم والهويل والمبالغة في ذلك والمعنى أن على أبصارهم ضرباً من الغِشاوة خارجاً مما يتعارفه الناس وهي غشاوة التعامي عن الآيات ولهم من الآلام العظامِ نوعٌ عظيم لا يبلغ كنهه ولا يدرك غايتُه اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كلِّه يا أرحم الراحمين

стр. 52

﴿وَمِنَ الناس﴾ شروعٌ في بيانِ أنَّ بعضَ من حُكيتْ أحوالُهم السالفة ليسوا بمقتصِرين على ما ذكر من محض الإصرارِ على الكفر والعناد بل يضُمّون إليه فنوناً أُخَرَ من الشر والفساد وتعديدٌ لجناياتهم الشنيعةِ المستتبعة لأحوال هائلةٍ عاجلة وآجلة وأصلُ ناسٍ أُناسٌ كما يشهد له إنسانٌ وأناسيُّ وإنسٌ حُذفت همزته تخفيفاً كما قيل لوقة في ألوقة وعُوّض عنها حرفُ التعريف ولذلك لا يُكاد يُجمع بينهما وأمَّا ما في قولِه ... إن المنايا يطَّلِعْنَ على الأُناسِ الآمنينا ... فشاذ سموا بذلك لظهورهم وتعلق الاناس بهم كما سُمّي الجنُ جناً لاجتنانهم وذهب بعضُهم إلى أن أصلَه النَّوَسُ وهو الحركة انقلبت واوه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وبعضُهم إلى أنه مأخوذ من نِسيَ نقلت لامه إلى موضع العين فصار نَيَساً ثم قلبت ألفاً سُمّوا بذلك لنسيانهم ويُروى عن ابن عباس أنه قال سُمي الإنسانُ إنساناً لأنه عُهد إليه فنِسي واللام فيه إما للعهد أو للجنس المقصور على المُصرّين حسبما ذكر في الموصول كأنه قيل ومنهم أو من أولئك والعدولُ إلى الناس للإيذان بكثرتهم كما ينبئ عنه التبعيضُ ومحلُ الظرفِ الرفعُ على أنه مبتدأ باعتبار مضمونِه أو نعتٌ لمبتدإٍ كما في قوله وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ أي وجمعٌ منا الخ ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿من يِقُولُ﴾ موصولةٌ أو موصوفة ومحلُها الرفعُ على الخبرَّيةِ والمعنى وبعضُ النَّاسِ أو وبعضٌ من الناس الذي يقول كقوله تعالى ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى﴾ الآية أو فريق يقول كقوله تعالى ﴿مّنَ المؤمنين رِجَالٌ﴾ الخ على أن يكون مناطُ الإفادةِ والمقصودُ بالأصالةِ اتِّصافُهم بما في حِّيزِ الصلة أو الصفة وما يتعلق به من الصفات جميعا لاكونهم ذواتِ أولئك المذكورين وأما جعلُ الظرف خبراً كما هو الشائعُ في موارد الاستعمال فيأباه جزالةُ المعنى لأن كونَهم من الناس ظاهرٌ فالإخبارُ به عارٍ عن الفائدة كما قيل فإن مباه توهمُ كونِ المرادِ بالناس الجنسَ مطلقاً وكذا مدارُ الجواب عنه بأن الفائدةَ هو التنبيهُ على أن الصفات المدكورة تنافي الإنسانية فحقُّ من يتصف بها أن لا يُعلمَ كونُه من الناس فيُخبَرَ به ويُتعجَّبَ منه وأنت خبير بأن الناسَ عبارة عن المعهودين أو عن الجنس المقصور على المصرّين وأياً ما كان فالفائدةُ ظاهرة بل لأن خبريةَ الظرف تستدعي أن يكون اتصافُ هؤلاء بتلك الصفاتِ القبيحةِ المفصَّلة في ثلاثَ عشْرةَ آيةٍ عنواناً

стр. 53

البقرة (٩) للموضوع مفروغاً عنه غيرَ مقصودٍ بالذات ويكونُ مناطَ الإفادة كونُهم من أولئك المذكورين ولا ريب لأحدٍ في أنه يجب حملُ النظم الجليلِ على أجزلِ المعاني وأكملِها وتوحيدُ الضمير في يقول باعتبار لفظةِ مَن وجمعُه في قوله ﴿آمنا بالله وباليوم الأخر﴾ وما بعده باعتبار معناها والمرادُ باليوم الآخِرِ من وقت الحشر الى مالا يتناهى أو إلى أن يدخُلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النارَ إذ لا حدَّ وراءه وتخصيصُهم للإيمان بهما بالذكر مع تكرير الباءِ لادعاء أنهم قد حازوا الإيمانَ من قُطريه وأحاطوا به من طرفيه وأنهم قد آمنوا بكلَ منهما على الأصالة والاستحكام وقد دسوا تحته ماهم عليه من العقائد الفاسدة حيث لم يكن إيمانُهم بواحد منهما إيماناً في الحقيقة إذ كانوا مشركين بالله بقولهم عَزِيزٌ ابن الله وجاحدين باليوم الآخر بقولهم لَن تَمَسَّنَا النار إلا أياما معدودة ونحوذلك وحكايةُ عبارتهم لبيان كمالِ خبثهم ودعارتِهم فإن ما قالوا لو صدر عنهم لا على وجه الخِداعِ والنفاقِ وعقيدتُهم عقيدتُهم لم يكن ذلك إيماناً فكيف وهم يقولونه تمويهاً على المؤمنين واستهزاءً بهم ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ردٌّ لما ادعَوْه ونفيٌ لما انتحلوه وما حجازية فإن جوازَ دخولِ الباء في خبرها لتأكيد النفي اتفاقيٌّ بخلاف التميمية وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية الموافقةِ لدعواهم المردودةِ للمبالغة في الرد بإفادة انتفاءِ الإيمانِ عنهم في جميع الأزمنة لا في الماضي فقط كما يفيده الفعلية ولا يُتوهمَن أن الجملة الاسمية الإيجابية تفيد دوام الثبوت فعند دخول النفي عليها يتعين الدلالة على نفي الدوام فإنها بمعونة المقام تدل على دوام النفي قطعاً كما أن المضارعُ الخاليَ عن حرف الامتناع يدل على استمرار الوجود وعند دخول حرف الامتناع عليه يدل على استمرار الامتناع لا على امتناع الاستمرار كما في قوله وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فإن عدم قضاءِ الأجلِ لاستمرار عدم التعجيل لا لعدم استمرارِ التعجيل وإطلاقُ الإيمان عما قيدوه به الإيذان بأنهم ليسوا من جنس الإيمان في شيء أصلاً فضلاً عن الإيمان بما ذكروا وقد جُوز أن يكون المراد ذلك ويكون الإطلاق للظهور ومدلولُ الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان واعتقادُه بخلافه لا يكون مؤمناً فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوّه بكلمتي الشهادة فارغَ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمنٌ

стр. 54

﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ بيانٌ ليقولُ وتوضيحٌ لما هو غرضُهم مما يقولون أو استئنافٌ وقعَ جَواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قيل مالهم يقولون ذلك وهم غيرُ مؤمنين فقيل يخادعون الله الخ أي يخدعون وقد قرئ كذلك وإيثارُ صيغة المفاعلةِ لإفادة المبالغةِ في الكيفية فإن الفعل متى غولب فيه بولغ فيه قطعاً أو في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنهم كانوا مداومين على الخَدْع والخِدْعُ أن يوهم صاحبَه خلاف ما يريد به من المكروء ليوقعَه فيه مِن حيثُ لَا يحتسبُ أو يوهمَه المساعدةَ على ما يريد هو به ليغترّ بذلك فينجوا منه بسهولة من قولهم ضبٌّ خادع وخُدَع وهو الذي إذا أمر الحارش يده على باب جُحره يوهمه الإقبالَ عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنيين مناسبٌ للمقام فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين فيذيعوها إلى المنابذين وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر

стр. 55

البقرة (١٠) الكفرة واياما كان فنسبتُه إلى الله سبحانه إما على طريق الاستعارة والتمثيل لإفادة كمال شناعةِ جنايتهم أي يعامِلون معاملة الخادعين وإما على طريقة المجاز العقلي بأن يُنسب إليه تعالى ما حقه أن يُنسب إلى الرسول ﷺ إبانةً لمكانته عنده تعالى كما ينبئ عنه قوله تعال ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ مع إفادة كمال الشناعةِ كما مر وإما لمجرد التوطئةِ والتمهيد لما بعده من نِسبته إلى الذين آمنوا والإيذانِ بقوةِ اختصاصِهم به تعالى كما في قوله تعالى ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وإبقاءُ صيغة المخادعةِ على معناها الحقيقي بناءً على زعمهم الفاسدِ وترجمةٌ عن اعتقادهم الباطل كأنه قيل يزعمون أنهم يخدعون الله والله يخدعهم أو على جعلها استعارة تَبَعِيّة أو تمثيلاً لما أن صورةَ صُنعِهم مع الله تعالى والمؤمنين وصنعِه تعالى معهم بإجراء أحكامِ الإسلام عليهم وهم عنده أخبثُ الكفرة وأهلُ الدَّرْك الأسفلِ من النار استدراجاً لهم وامتثالُ الرسول ﷺ والمؤمنين بأمر الله تعالى في ذلك مجازاةٌ لهم بمثل صنيعهم صورةَ صنيعِ المتخادعين كما قيل مما لا يرتضيه الذوق السليم أما الأولُ فلأن المنافقين لو اعتقدوا أن الله تعالى يخدعُهم بمقابلة خَدْعِهم له لم يُتصَّور منهم التصدّي للخدْع وأما الثاني فلأن مقتضى المقام إيرادُ حالهم خاصةً وتصويرُها بما يليقُ بَها منَ الصورة المستهجنة وبيان غائلتها آيلةٌ إليهم من حيث لا يحتسبون كما يُعرب عنه قوله ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إلَاّ أَنفُسَهُمْ﴾ فالتعرضُ لحال الجانب الآخر مما يُخِل بتوفية المقامِ حقَّه وهو حالٌ من ضمير يخادعون أي يفعلُون ما يفعلُون والحالُ أنهم ما يُضرون بذلك إلا أنفسَهم فإن دائرةَ فعلِهم مقصورةٌ عليهم أو ما يخدعون حقيقة إلا أنفسهم حيث يُغرونها بالأكاذيب فيُلْقُونها في مهاوي الردى وقرئ وما يخادعون والمعنى هو المعنى ومن حافظ على الصيغة فيما قبلُ قال وما يعلمون تلك المعاملةَ الشبيهةَ بمعاملة المخادِعين إلا أنفسَهم لأن ضررَها لا يحيق إلا بهم أو ما يخادعون حقيقة إلا أنفسهم حيث يُمنّوُنها الأباطيل وهي أيضاً تغرُهم وتمنّيهم الأمانيَّ الفارغةَ وقرئ وما يخادعون من التخديع وما يخدعون أي يختدعون ويُخدَعون ويُخادَعون على البناء للمفعول ونصبُ أنفسَهم بنزع الخافض والنفسُ ذاتُ الشيء وحقيقتُه وقد يقال للروح لأن نفس الحيِّ به وللقلب أيضاً لأنه محلُ الروح أو مُتعلَّقُه وللدم أيضاً لأن قِوامَها به وللماء أيضاً لشدة حاجتها إليه والمراد هنا هو المعنى الأولُ لأن المقصودَ بيانُ أن ضرر مخادعتهم راجعٌ إليهم لا يتخطَّاهم إلى غيرِهم وقوله تعالى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حال من ضمير ما يخدعون أي يقتصرون على خِدْع أنفسِهم والحالُ أنهم ما يشعُرون أي ما يُحسّون بذلك لتماديهم في الغَواية وحذفُ المفعولِ إما لظهوره أو لعمومه أي ما يشعرون بشيء أصلاً جُعل لُحوقُ وبالِ ما صنعوا بهم في الظهور بمنزلة الأمر المحسوسِ الذي لا يخفى إلا على مَؤوفِ الحواس مختلِّ المشاعر

стр. 56

﴿فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ المرض عبارة عما يعرِضُ للبدن فيُخرجه عن الاعتدال اللائق به ويوجب الخللَ في أفاعيله ويؤدّي إلى الموت استُعير ههنا لما في قلوبهم من الجهل وسوءِ العقيدة وعداوة النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم

стр. 57

وغير ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني والتنكيرُ للدلالة على كونه نوعاً مُبهماً غيرَ ما يتعارفه الناس من الأمراض والجملةُ مقرِّرة لما يفيده قوله تعالى ﴿وَمَا هُم بمؤمنين﴾ من استمرارعدم إيمانهم أو تعليلٌ له كأنه قيل ما لهم لا يؤمنون فقيل في قلوبهم مرض يمنعه ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾ بأن طُبع على قلوبهم لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكيرُ والإنذار والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها والفاء للدِلالة على ترتيب مضمونِها عليه وبه اتضح كونُهم من الكفرة المختومِ على قلوبهم مع زيادة بيانِ السبب وقيل زادهم كفراً بزيادة التكاليف الشرعية لأنهم كانوا كلما ازداد التكاليفُ بنزول الوحي يزدادون كفراً ويجوز أن يكون المرض مستعاراً لما تداخلَ قلوبَهم من الضعف والجُبن والخَوَر عند مشاهدتهم لعزة المسلمين فزيادتُه تعالى إياهم مرضاً ما فعل بهم من إلقاء الرَّوْع وقذف الرعب في قلوبهم عند إعزازِ الدين بإمداد النبيِّ ﷺ بإنزال الملائكة وتأييدِه بفنون النصر والتمكين فقولُه تعالى فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ الخ حينئذ استئنافٌ تعليلي لقوله تعالى يخادعون الله الخ كأنه قيل ما لهم يخادعون ويداهنون ولم لا يجاهرون بِمَا فِي قُلُوبِهِم من الكفر فقيل في قلوبهم ضَعفٌ مضاعَف هذه حالُهم في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم يقال ألمٌ وهو أليم كوجعٍ وهو وجيع وُصف به العذابُ للمبالغةِ كما في قولِهِ ... تحيةٌ بينِهم ضربٌ وجيع ... على طريقةِ جَدَّ جِدُّه فإن الألم والوجعَ حقيقةٌ للمؤلم والمضروب كما أن الجِدّ للجادّ وقيل هو بمعنى المؤلم كالسميع بمعنى المُسمع وليس ذلك بثبْتٍ كما سيجيء في قوله تعالى ﴿بديع السماوات والارض﴾ ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ الباء للسببية أو للمقابلة وما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون وكلمة كانوا مقحمة لإفادة دوامِ كذِبهم وتجدُّدِه أي بسبب كذبهم أو بمقابلة كذبهم المتجددِ المستمرِّ الذي هو قولهم آمنا بالله وباليوم الأخر وهم غير مؤمنين فإنه إخبارٌ بإحداثهم الإيمانَ فيما مضى لا إنشاءٌ للإيمان ولو سلم فهو متضمن للإخبار بصدوره عنهم وليس كذلك لعدم التصديق القلبي بمعنى الإذعان والقبولِ قطعاً ويجوزأن يكون محمولاً على الظاهر بناءً على رأي من يجوِّز أن يكون لكان الناقصةِ مصدر كما صُرِّح به في قول الشاعر ... ببذل وحلم وساد في قومه الفتى وكونُك إياه عليك يسيرُ ... أي لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بسببِ كونهم يكذِبون على الاستمرار وترتيبُ العذاب عليه من بين سائر موجباته القويةِ إما لأن المرادَ بيانُ العذاب الخاصّ بالمنافقين بناءً على ظهور شِركتِهم للمجاهرين فيما ذُكِرَ من العذابِ العظيم حسبَ اشتراكهم فيما يوجبه من الإصرار على الكفر كما ينبئ عنه قولُهُ تعالَى ﴿وَمِنَ الناس﴾ الخ وإما للإيذان بأن لهم بمقابلة سائرِ جناياتِهم العظيمةِ من العذاب مالا يوصف وإما للرمز إلى كمال سماجةِ الكذب نظراً إلى ظاهر العبارةِ المخيّلةِ لانفراده بالسببية مع إحاطة علمِ السامعِ بأن لحوقَ العذاب بهم من جهات شتى وأن الاقتصارَ عليه للإشعار بنهاية قُبحه والتنفير عنه عن الصدِّيقِ ﵁ ويروى مرفوعاً أيضاً إلى النبيِّ ﷺ إياكم والكذبَ فإنه مجانبٌ للإيمان وما روي أن إبراهيمَ ﵇ كذَبَ ثلاثَ كَذَباتٍ فالمرادُ به التعريضُ وإنما سمِّي به لشَبَهه به صورةً وقيل ما موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ اي بالذي يكذبونه وقرىء يكذبون والمفعول محذوف وهو إما للنبي ﷺ أو القرآن وما مصدرية أي سبب تكذيبهم إياه ﵇ أو القرآن أو موصولة أي بالذي يكذبونه على أن العائد محذوف ويجوز أن يكون صيغةُ التفعيل للمبالغة كما في بيَّن بان وقلص

стр. 58

البقرة (١٢ - ١١) في قلص أو لتكثير كما في موَّتت البهائمُ وبرَّكت الإبل وأن يكون من قولهم كذب الوحشى إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظرَ ما وراءه فإن المنافق متوقِّفٌ في أمره متردِّد في رأيه ولذلك قيل له مُذَبْذب

стр. 59

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِى الأرض﴾ شروعٌ في تعديد بعضٍ من قبائحهم المتفرعةِ على ما حُكي عنهم من الكفر والنفاق وإذا ظرفُ زمنٍ مستقبلٍ ويلزمها معنى الشرط غالباً ولا تدخل إلا في الأمر المحقق أو المرجح وقوعُه واللامُ متعلّقة بقيل ومعناها الإنهاءُ والتبليغ والقائمُ مقامَ فاعلِه جملة لا تفسدوا على أنَّ المرادَ بها اللفظ وقيل هو مُضمرٌ يفسِّرُه المذكورُ والفسادُ خروجُ الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاحُ مقابلُه والفساد في الأرض هَيْجُ الحروب والفتنِ المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلالِ أمر المعاش والمعاد والمراد بما نهُوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار وإغرائِهم عليهم وغيرِ ذلك من فنون الشرور كما يقال للرجل لا تقتُلْ نفسَك بيدك ولا تلقِ نفسك في النار إذا أقدم على ما تلك عافيته وهو إما معطوفٌ على يقول فإن جُعلت كلمة مَنْ موصولةً فلا محلَّ له من الإعراب ولا بأس بتخلل البيان أو الاستئنافِ وما يتعلق بهما بين أجزاء الصلةِ فإن ذلك ليس توسيطاً بالأجنبيّ وإن جعلت موصوفة فمحله الرفع والمعنى ومن الناس من إذا نهوا من جهة المؤمنين عمَّا هُم عليهِ من الإفساد في الارض ﴿قالوا﴾ اراءة للناهين أن ذلك غيرُ صادر عنهم مع أن مقصودهم الأصليَّ إنكارُ كونِ ذلك إفساداً وادعاءُ كونِه إصلاحاً محضاً كما سيأتي توضيحه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي مقصورون على الإصلاح المحض بحيث لا يتعلق به شائبةُ الإفساد والفساد مشيرين بكلمة إنما إلى أنَّ ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه وإما كلامٌ مستأنَفٌ سيق لتعديد شنائعِهم وأما عطفهُ على يكذبون بمعنى ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما قيل فيأباه أن هذا النحْوَ من التعليل حقُه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العِلّية مُسلَّمةِ الثبوت للموصوف غنيةٍ عن البيان لشهرة الاتصافِ بها عند السامع أو لسبق ذكرِه صريحاً كما في قوله تعالى ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ فإن مضمونه عبارةٌ عما حُكي عنهم من قولهم آمنا بالله وباليوم الأخر أو لذكر ما يستلزمه استلزاماً ظاهراً كما في قوله ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب﴾ فإنَّ ما ذُكر من الضَّلالَ عن سبيل الله مما يوجب حتماً نسيان جانب الآخرةِ التي من جُملتِها يوم الحساب وما لم يكن كذلكَ فحقُّه أنْ يخبَر بعليته قصداً كما في قوله تعالى ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار الآية وقوله ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق الآية إلى غير ذلك ولا ريب في أن هذه الشرطيةَ وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمونُ شيء منها معلومَ الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة حتى تستحقَ الانتظامَ في سلك التعليل المذكور فإذن حقُها أن تكونَ مَسوقةً على سنن تعديدِ قبائحِهم على أحد الوجهين مفيدةً لا تصافهم بكل واحد من تلك الأوصاف قصداً واستقلالاً كيف لا وقوله عز وجل

стр. 60

﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون﴾ ينادى بذلك نداء

стр. 61

البقرة (١٣) جلياً فإنه ردٌ من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغَ رد وأدلَّه على سَخَط عظيم حيث سُلك فيه مسلك الاستئنافِ المؤدي إلى زيادة تمكّنِ الحكم في ذهن السامع وصدرت الجملة بحر في التأكيد ألا المنبّهة على تحقق ما بعدها فإن الهمزة الإنكارية الداخلةَ على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعاً كما في قولِه تعالى ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة إلا مصدرةً بما يلتقي به القسمُ وأختها التي هي أمَا من طلائع القسم وقيل هما حرفان بسيطان موضوعان للتنبيه والاستفتاح وان المقرِّرة للنسبة وعُرفُ الخبر ووسَطُ ضمير الفصل لردِّ ما في قصر أنفسهم على الإصلاح من التعريض بالمؤمنين ثم استُدرك بقوله تعالى ﴿ولكن لَاّ يَشْعُرُونَ﴾ للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة لكن لا حسَّ لهم حتى يُدركوه وهكذا الكلامُ في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من ردِّ مضمونهما ولولا أن المراد تفصيلُ جناياتهم وتعديدُ خبائثهم وهَناتِهم ثم إظهارُ فسادِها وإبانة بُطلانها لما فُتح هذا البابُ والله أعلم بالصواب

стр. 62

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ من قِبَل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثرَ نهيِهم عن المنكر إتماماً للنُصح وإكمالاً للإرشاد ﴿آمنوا﴾ حُذف المؤمَنُ به لظهوره أو أريدَ افعلوا الإيمان ﴿كما آمن الناس﴾ الكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدرٍ مؤكدٍ محذوفٍ أي آمنوا إيماناً مماثلاً لإيمانهم فما مصدرية أو كافة كما في ربما فإنها تكف الحرف عن العمل وتصحح دخولَها على الجملة وتكون للتشبيه بين مضموني الجملتين أي حققوا إيمانَكم كما تحقق إيمانُهم واللام للجنس والمراد بالناس الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل فإن اسمَ الجنس كما يُستعمل في مسماه يستعمل فيما يكون جامعاً للمعاني الخاصة به المقصودةِ منه ولذلك يُسلب عما ليس كذلك فيقال هو ليس بإنسان وقد جمعهما من قال ... إذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان ... أو للعهد والمرادُ به الرسولُ ﷺ ومن معه أو مَنْ آمنَ مِنْ أهلِ جِلْدتهم كابن سلام وأضرابِه والمعنى آمنوا إيماناً مقروناً بالإخلاص متمحّضاً عن شوائب النفاق مماثلاً لإيمانهم ﴿قَالُواْ﴾ مقابِلين للأمر بالمعروف والانكار المنكر واصفين للمراجيح الرِّزانِ بضد أوصافِهم الحسانِ ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء﴾ مشيرين باللام إلى من أشير إليهم في الناس من الكاملين أو المعهودين أو إلى الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد والسَّفهُ خِفةٌ وسخافةُ رأيٍ يُورِثهما قصورُ العقل ويقابله الحِلْم والأناة وإنما نسبوهم إليه مع أنهم في الغايةِ القاصيةِ من الرشد والرزانةِ والوقار لكمال انهماكِ أنفسِهم في السفاهة وتماديهم في الغَواية وكونِهم ممن زُين لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فرآه حسناً فمن حسِب الضلالَ هدىً يسمِّي الهدى لامحالة ضلال أو لتحقير شأنهم فإن كثيراً من المؤمنين كانوا فقراءَ ومنهم مَوالٍ كصهيب وبلال أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كونِ المرادِ بالناس عبدَ اللَّهِ بنُ سَلَام وأمثاله وأياما كان فالذي يقتضيه جزالةُ التنزيل ويستدعيه فخامةُ شأنه الجليل أن يكون صدورُ هذا القول عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جواباً

стр. 63

عن نصيحتهم وحيث كان فحواه تسفيهَ أولئك المشاهيرِ الأعلام والقدحَ في إيمانهم لزم كونهم مجاهرين لامنافقين وذلك مما لا يكاد يساعده السِباق والسِياق وعن هذا قالوا ينبغي أن يكون ذلك فيما بينهم لا على وجه المؤمنين قال الإمام الواحدي إنهم كانوا يُظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله تعالى نبي ﵇ والمؤمنين بذلك عنهم وأنت خبير بأن إبرازَ ما صدر عن أحد المتحاورَيْن في الخلاء في معرِض ما جرى بينهما في مقام المحاورة مما لا عهدَ به في الكلام فضلاً عما هو في منصِب الإعجاز فالحق الذي لا محيد عنه أن قولهم هذا وإن صدر عنهم بمحضر من الناصحين لا يقتضي كونَهم مجاهرين فإنه ضربٌ من الكفر أنيقٌ وفنّ في النفاق عريق مصنوعٌ على شاكلة قولِهم واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ فكما أنه كلامٌ ذو وجهين مثلَهم محتمل للشر بأن يحمل على معنى اسمعْ منا غير مسمع كلاما ترضاه ونحوِه وللخير بأن يُحمل على معنى اسمَعْ غيرَ مسمع مكروها كانوا يخاطبون به رسول الله ﷺ استهزأ به مظهرين إرادةَ المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأولَ مطمئنون به ولذلك نُهوا عنه كذلك هذا الكلامُ محتملٌ للشر كما ذكر في تفسيره وللخير بأن يُحملَ على ادعاء الإيمان كإيمان الناس وإنكارِ ما اتُّهموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاءُ والمجانينُ الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا ولا نؤمنُ كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك قد خاطبوا به الناصحين استهزاءً بهم مُرائين لإرادة المعنى الأخير وهم معوّلون على الأول فرُدّ عليهِم ذلكَ بقولِه عز قائلاً ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاءُ ولكن لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ أبلغَ ردَ وجُهِّلوا أشنعَ تجهيل حيث صدرت الجملة بحر في التأكيد حسبما أُشيرَ إليهِ فيما سلفَ وجعلت السفاهةُ مقصورةً عليهم وبالغةً إلى حيث لايدرون أنهم سفهاء ومن هذا اتضح سرُ ما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإن حمله على المعنى الأخير كما هو رأيُ الجمهورِ منافٍ لحالهم ضرورةَ أن مشافهتَهم للناصحين بادعاء كونِ ما نُهوا عنه من الإفساد إصلاحاً كما مر إظهارٌ منهم للشقاق وبروز اشخاصهم من نَفَق النفاق والاعتذارُ بأن المرادَ بما نُهوا عنه مداراتُهم للمشركين كما ذكر في بعض التفاسير وبالإصلاح الذي يدْعونه إصلاحَ ما بينهم وبينَ المؤمنينَ ان معنى قولُه تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون﴾ أنهم في تلك المعاملة مفسدون لمصالح المؤمنين لإشعارها بإعطاء الدنِيّة وإنبائِها عن ضعفهم الملجئ إلى توسيط مَنْ يتصدى لإصلاح ذاتِ البين فضلاً عن كونهم مصلحين مما لا سبيل إليه قطعاً فإنَّ قولَه تعالى ﴿ولكن لَاّ يَشْعُرُونَ﴾ ناطقٌ بفساده كيف لا وانه يقتضي أن يكون المنافقون في تلك الدعوى صادقين قاصدين للإصلاح ويأتيهم الإفسادُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ولا ريبَ في أنَّهم فيها كاذبون لا يعاشرونهم إلا مضارّةً للدين وخيانةً للمؤمنين فإذن طريقُ حلِّ الأشكال ليس إلا ما أشير إليه فإن قولَهم إنما نحن مصلحون محتملٌ للحَمْلِ على الكذب وإنكارِ صدورِ الإفساد المنسوب إليهم عنهم على معنى إنما نحن مصلحون لا يصدُر عنا ما تنهوننا عنه من الإفساد وقد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم واراءة لإرادة هذا المعنى وهم معرِّجون على المعنى الإول فرُد عليهم بقولِه تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون﴾ الآية والله سبحانه أعلم بما أودعه في تضاعيف كتابهِ المكنونِ من السر المخزون نسأله العصمةَ والتوفيق والهداية إلى سَواءِ الطريق وتفصيلُ هذه الآية الكريمةِ بلا يعلمون لما أنه أكثرُ طِباقاً لذكر السفه الذي هو فنٌّ من فنون الجهل ولأن الوقوفَ على أن المؤمنين ثابتون على الحق وهم على

стр. 64

البقرة (١٤) الباطل مَنوطٌ بالتمييز بين الحق والباطل وذلك مما لا يتسنى إلا بالنظر والاستدلال وأما النفاقُ وما فيه من الفتنةِ والإفسادِ وما يترتبُ عليهِ من كون مَنْ يتصفُ به مفسِداً فأمرٌ بديهيٌّ يقف عليه من له شعور ولذلك فُصلت الآية الكريمةُ السابقة بلا يشعرون

стр. 65

﴿وإذا لقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ بيانٌ لتبايُن أحوالِهم وتناقضِ أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تباين المخاطبين ومَساقِ ما صُدِّرت به قصتُهم لتحرير مذهبهم والترجمةِ عن نفاقهم ولذلك لم يُتعرَّضْ ههنا لِمُتَعَلَّق الإيمان فليس فيه شائبةُ التكرير رُوِيَ أنَّ عبدَ اللَّه بن أبيّ وأصحابَه خرجوا ذاتَ يوم فاستقبلهم نفرٌ من الصحابة فقال ابن أبيَ أنظروا كيف أردُ هؤلاءِ السفهاءَ عنكم فلما دنَوْا منهم أخذ بيد أبي بكرٍ ﵁ فقال مرحباً بالصّدّيق سيدِ بني تميم وشيخِ الإسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار الباذلِ نفسَه وما له لرسول الله ثم أخذ بيد عمر ﵁ فقال مرحباً بسيد بني عديّ الفاروقِ القويّ في دينه الباذلِ نفسَه ومالَه لرسول الله ﷺ ثم أخذ بيد عليٌّ كرم الله وجهه فقال مرحباً بابن عمِّ رسولِ الله ﷺ وخَتَنِه وسيدِ بني هاشم ما خلا رسولَ الله ﷺ فنزلت وقيل قالَ له عليٌّ ﵁ يا عبدَ الله اتق الله ولا تنافقْ فإن المنافقين شرُ خلق الله تعالى فقال له مهلاً يا أبا الحسن أفيَّ تقول هذا والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقَنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبيَ لأصحابه كيف رأيتموني فعلت فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت فأثنَوْا عليه خيرا وقالوا ما نزالُ بخير ما عشتَ فينا فرجع المسلمون إلى رسول الله ﷺ وأخبروه بذلك فنزلت واللقاءُ المصادفة يقال لقِيته ولاقَيْته أي صادفته واستقبلته وقرئ إذا لاقَوْا ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ من خلوتُ إلى فلان أي انفردت معه وقد يستعمل بالباء أو من خلا بمعنى مضى ومنه القرونُ الخالية وقولُهم خلاك ذمٌّ أي جاوزك ومضى عنك وقد جُوّز كونُه من خلوتُ به إذا سخِرْتُ منه على أن تعديته بإلى في قولِه تعالَى ﴿إلى شياطينهم﴾ لتضمُّنه معنى الإنهاء أي وإذا أَنهَوْا إليهم السخرية الخ وأنت خبير بأن تقييدَ قولهم المحكيّ بذلك الإنهاءِ مما لا وجهَ لَهُ والمرادُ بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد والعناد المظهرون لكفرهم وإضافتُهم إليهم للمشاركة في الكفر أو كبارُ المنافقين والقائلون صغارُهم وجعل سيبويهِ نونَ الشيطان تارةً أصلية فوزنُه فَيْعالٌ على أنه من شطَنَ إذا بعُدَ فإنه بعيدٌ من الخير والرحمة ويشهد له قولُهم تَشَيْطن وأخرى زائدة فوزنه فعلان على أنه من شاط أي هلك أو بطَل ومن أسمائه الباطل وقيل معناه هاج واحترق ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي في الدين والاعتقاد لا نفارقكم في حالٍ من الأحوالِ وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة لأن مُدّعاهم عندهم تحقيقُ الثبات على ما كانُوا عليهِ من الدين والتأكيدُ للإنباء عن صدق رغبتهم ووفورِ نشاطِهم لا لإنكار الشياطين بخلاف معاملتهم مع المؤمنين فإنهم إنما يدّعون عندهم إحداثَ الإيمان لجزمهم بعد رواج ادعاء الكمال فيه أو الثبات عليه إِنَّمَا نَحْنُ أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين مُسْتَهْزِءونَ بهم من غير أن يخطرُ ببالنا الإيمانُ حقيقةً وهو استئنافٌ مبني على سؤال ناشئ من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم إنا معكم فما بالُكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان فقالوا إنما نحن مستهزءون بهم فلا يقدح ذلك في

стр. 66

البقرة (١٥) كوننا معكم بل يؤكده وقد ضمِنوا جوابهم أنهم يُهينون المؤمنين ويُعدّون ذلك نُصرةً لدينهم أو تأكيدٌ لما قبله فإن المستهزئ بالشيء مُصرٌّ على خلافه أو بدلٌ منه لأن مَنْ حَقّر الإسلامَ فقد عظّم الكفرَ والاستهزاءُ بالشيء السخرية منه يقال هَزَأتُ واستهزأت بمعنى وأصله الخِفة من الهُزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات على مكانه وتَهْزأُ به ناقتُه أي تُسرع به وتخف

стр. 67

﴿الله يستهزئ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم سمِّي جزاؤه باسمه كما سُمي جزاءُ السيئة سيئةً إما للمشاكلة في اللفظ أو المقارنة في الوجود أو يرجِعُ وبالُ الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم أو يُنزل بهم الحقارةَ والهوانَ الذي هو لازمُ الاستهزاءِ أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم أما في الدنيا فبإجراء أحكامِ المسلمين عليهم واستدراجِهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان وأما في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب وذلك قوله تعالى ﴿فاليوم الذين آمنوا مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ﴾ وإنما استؤنف للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت شناعته عند السامعين وتعاظَمَ ذلك عليهم حتى اضْطَرَّهم إلى أن يقولوا ما مصيرُ أمرِ هؤلاء وما عاقبةُ حالهم وفيه أنه تعالى هو الذي يتولى أمرَهم ولا يُحوجهم إلى المعارضة بالمثل ويستهزئ بهم الاستهزاءَ الأبلغَ الذي ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزلُ بهم من النَكال ويحِلُّ عليهم من الذل والهوان ما لا يوصف وإيثارُ صيغة الاستقبال للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ كما يعرب عنه قوله عز قائلاً ﴿أَوْ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ وما كانوا خالين في أكثر الأوقات من تهتكِ أستارٍ وتكشف اسرار ونزول في شأنهم واستشعارِ حذَرٍ من ذلك كَمَا أنبأ عَنْهُ قولُه ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا في قلوبهم قل استهزؤوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون﴾ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي يزيدهم ويقويهم مِنْ مدَّ الجيش وأمده إذا زاده وقواه ومنه مددتُ الدواةَ والسِراج إذا أصلحتهما بالحِبْر والزيت وإيثارُه على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوطٌ بسوء اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد ومَا يَجري مَجراه من الحاجة الداعية إليه كما في الأمثلة المذكورة وقرئ يُمِدُّهم من الإمداد وهو صريح في أن القراءة المشهورة ليست من المد في العمر على أنه يستعمل في اللام كالإملاء قال تعالى ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ وحذفُ الجارِّ وإيصالُ الفعلِ إلى الضمير خلافُ الأصل لا يصار إليه إلا بدليل ﴿فِي طغيانهم﴾ متعلق بيمُدُّهم والطغيانُ مجاوزة الحد في كل أمر والمراد إفراطُهم في العتو وغلوُّهم في الكفر وقرئ بكسر الطاء وهي لغة فيه كلِقْيانٍ لغةٌ في لُقيانٍ وفي إضافته إليهم إيذانٌ باختصاصه بهم وتأييدٌ لما أشير إليه من ترتب المدِّ على سوء اختيارِهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ من الضمير المنصوب أو المجرور لكون المضاف مصدراً فهو مرفوع حكماً والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر وهو التحيرُ والتردد بحيث لايدري أين يتوجه وإسنادُ هذا المد إلى الله تعالى مع إسناده في قوله تعالى وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى محققٌ لقاعدة أهلِ الحقِ من أن جميعَ الأشياء مستند من حيث الخلقُ إليه سبحانه وإن كانت أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم والمعتزلةُ لمّا تعذر عليهم إجراءُ النظم الكريم على

стр. 68

البقرة (١٦) مسلكه نكَبوا إلى شعاب التأويل فأجابوا أولاً بأنهم لما أصرّوا على كفرهم خذلهم الله تعالى ومنعهم ألطافَه فتزايد الرَّيْنُ في قلوبهم فسُمِّي ذلك مدداً في الطغيان فأُسند إيلاؤه إليه تعالى ففي السند مجازٌ لغوي وفي الإسناد مجاز عقلي لأنه إسناد للفعل إلى المسبِّب له وفاعله الحقيقي هم الكفرة وثانياً بأنه أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلحاد إلى الإيمان كما في قوله تعالى ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالمجاز في المسند فقط وثالثاً بأن المراد معناه الحقيقي وهو فعل الشيطان لكنه أُسند إليه سبحانه مجازاً لأنه بتمكينه تعالى وإقداره

стр. 69

أولئك إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميِّزة لهم عمن عداهم أكملَ تمييز بحيث صاروا كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ما هم عليه وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الشر وسوء الحال ومحلُه الرفعُ على الابتداء خبرُه قوله تعالى ﴿الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ والجملة مَسوقةٌ لتقرير ما قبلها وبيانٌ لكمال جهالتِهم فيما حُكيَ عنهم من الأقوال والأفعال بإظهار غايةِ سماجتها وتصويرِها بصورةِ مالا يكاد يتعاطاه مَنْ له أدنى تمييزٍ فضلاً عن العقلاء والضلالةُ الجَوْرُ عن القصد والهدى التوجهُ إليه وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين والثاني للاستقامة عليه والاشتراء استبدال السلعة بالثمن أي أخذُها به لا بذلُه لتحصيلها كما قيل وإن كان مستلزِماً له فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب الذي هو المعتبرُ في عقد البيع ثم استعير لأخذ شيءٍ بإعطاء ما في يده عيناً كان كلٌّ منهما أو معنى لا للإعراض عما في يده محصَّلاً به غيرُه كما قيل وإن استلزمه لما مر سرُّه ومنه قوله أخذت بالجُمّة رأسا أزعرا ... وبالثنايا الواضحاتِ الدردرا وبالطويل العُمْرِ عُمْرا جيدرا ... كما اشترى المسلمُ إذ تنصَّرا فاشتراءُ الضلالة بالهدى مستعارٌ لأخذها بدلاً منه أخذاً منوطاً بالرغبة فيها والإعراض عنه ولمّا اقتضى ذلكَ أن يكونَ ما يجري مجرى الثمن حاصلاً للكفرة قبل العقد وما يجري مجرى المبيعِ غيرَ حاصلٍ لهم إذ ذاك حسبما هو في البيت ولا ريبَ في أنَّهم بمعزل من الهدى مستمرون على الضلالة استدعى الحالُ تحقيقَ ما جرى مَجرى العِوضَيْن فنقول وبالله التوفيق ليس المرادُ بما تعلق به الاشتراءُ ههنا جنسَ الضلالة الشاملةِ لجميع أصناف الكفرة حتى تكون حاصلةً لهم من قبل بل هو فردُها الكاملُ الخاصُّ بهؤلاء على أن اللامَ للعهد وهو عَمَهُهم المقرونُ بالمد في الطغيان المترتبُ على ما حُكي عنهُم من القبائحِ وذلك إنما يحصُل لهم عند اليأس من اهتدائهم والختم على قلوبهم وكذا ليس المرادُ بما في حيز الثمن نفسَ الهدى بل هو التمكنُ التام منه بتعاضد الأسباب ونأخذ المقدماتُ المستتبِعةُ له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامعِ المشاركة في استتباعِ الجدوى ولا مرية في أن هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلةً لهم بما شاهدُوه من الآياتِ الباهرةِ والمعجزاتِ القاهرةِ من جهة الرسول ﷺ وبما سمعوه من نصائحِ المؤمنين التي من جُملتِها ما حكي من النهي عن الإفساد في الأرض والأمرُ بالإيمان الصحيح وقد نبذوها وراء ظهورهم وأخذوا بدلها الضلالة الهائلةَ التي هي العمهُ في تيه الطغيان وحملُ الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أَنَّ إضاعتَها غيرُ مختصة بهؤلاء ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم على القلوب المختصة

стр. 70

بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع مؤيدها من المؤيدات العقليةِ والنقلية على أن ذلك يقضي إلى كون ذكر ما فُصّل من أوَّلِ السورة إلى هنا ضائعاً وأبعدُ منه حملُ اشتراء الضلالة بالهدى على مجرد اختيارها عليه من غير اعتبار كونِه في أيديهم بناءً على أنه يستعمل اتساعاً في إيثار أحدِ الشيئين الكائنين في شرَف الوقوع على الآخر فإنه مع خلوِّه عن المزايا المذكورة بالمرة مُخِلٌّ برونق الترشيح الآتي هذا على تقدير جعل الاشتراءِ المذكور عبارةً عن معاملتهم السابقة المحكية وهو الأنسبُ بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم وأما إذا جُعل ترجمةً عن جناية أخرى من جناياتهم فالمراد بالهدى ما كانوا عليه من معرفة صحةِ نبوةِ النبيِّ ﷺ وحقيقة دينه بما كانُوا يُشاهدونَهُ من نعوته ﵊ في التوراة وقد كانوا على يقين منه حتى كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبيِّ المبعوثِ في آخرِ الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم قد أظلَّ زمانُ نبيَ يخرجُ بتصديقِ ما قلنَا فنقتلُكُم مَعَهُ قتلَ عادٍ وإِرَم فلما جاءهم ما عَرَفوا كفروا به كما سيأتي ولا مَساغَ لحملِ الهدى على ما كانوا يُظهرونه عند لقاء المؤمنين فإنها ضلالة مضاعفة ﴿فَمَا رَبِحَت تجارتهم﴾ عطفٌ على الصلة داخلٌ في حيزها والفاءُ للدلالة على ترتب مضمونِه عليها والتجارةُ صناعة التجار وهو التصدي للبيع والشراءِ لتحصيل الربح وهو الفضلُ على رأس المال يقال ربِحَ فلان في تجارته أي استشفّ فيها وأصاب الربح وإسناد عدمِه الذي هو عبارة عن الخسران إليها وهو لأربابها بناءً على التوسع المبني على ما بينهما من الملابسة وفائدتُه المبالغةُ في تخسيرهم لما فيه من الإشعار بكثرة الخَسار وعمومِه المستتبع لسرايته إلى ما يُلابِسُهم وإيرادُهما إثرَ الاشتراء المستعار للاستبدال المذكور ترشيحٌ للاستعارة وتصويرٌ لما فاتهم من فوائدِ الهدى بصورة خسار التجارة الذي يتحاشا عنه كلُّ أحد للإشباع في التخسير والتحسير ولا ينافي ذلك أن التجارة في نفسها استعارةٌ لانهماكهم فيما هم عليه من إيثار الضلالة على الهدى وتمرنهم عليه معربة عن كون ذلك صناعةً لهم راسخة إذ ليس من ضروريات الترشيح أن يكون باقياً على الحقيقة تابعاً للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتُها كما في قولك رأيت أسد وافيَ البراثن فإنك لا تريد به إلا زيادة تصويرٍ للشجاع وأنه أسد كاملٌ من غير أن تريد بلفظ البراثن معنىً آخرَ بل قد يكون مستعار من ملائم المستعارِ منه لملائم المستعار له ومع ذلك يكون ترشيحاً لأصل الاستعارة كما في قوله فلما رأيتُ النَّسرَ عَزَّ ابنَ دأْية ... وعششَّ في وَكْرَيه جاش له صدري فإن لفظ الوَكرين مع كونه مستعاراً من معناه الحقيقي الذي هو موضعٌ يتخذه الطائر للتفريخ للرأس واللحية أو للفَوْدين أعني جانبي الرأس ترشيحٌ باعتبار معناه الأصلي لاستعارة لفظِ النسر للشيب ولفظ ابن دأية للشعر الأسود وكذا لفظُ التعشيش مع كونه مستعاراً للحلول والنزول المستمِرَّين ترشيحٌ لتينك الاستعارتين بالاعتبار المذكور وقرىء تجارتهم وتعدُّدها لتعدد المضاف إليهم ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أي إلى طرق التجارة فإن المقصود منها سلامةُ رأس المال مع حصول الربح ولئن فات الربح في صفقة فربما يُتدارَك في صفقة أخرى لبقاء الأصل وأما إتلافُ الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعاً فهؤلاء الذين كان رأسُ مالهم الهدى قد استبدلوا بها الضلالة فأضاعوا كلتا الطِّلْبتين فبقُوا خائبين خاسرين نائين عن طريق التجارة بألف منزلٍ فالجملة راجعة إلى الترشيح معطوفةٌ على ما قبلها مشاركةٌ له في الترتيب على الاشتراء

стр. 71

البقرة (١٧) المذكور والأَوْلى عطفُها على اشتروا الخ

стр. 72

﴿مّثْلُهُمْ﴾ زيادة كشف لحالهم وتصوير لها غِبَّ تصويرِها بصورة ما يؤدي إلى الخساربحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخَسار من حيث النفسُ تهويلاً لها وإبانةً لفظاعتها فإن التمثيلَ ألطفُ ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل واستنزالِه من مقام الاستعصاء عليه وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامع الآبي كيف لا وهو رفعُ الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف وإظهارٌ للوحشي في هيئة المألوف والمَثَل في الأصل بمعنى المِثْل والنظير يقال مِثْل ومَثَل ومثيل كشِبْهٍ وشَبَه وشبيه ثم أطلق على القول السائر الذي يُمثّل مضرِبُه بمورده وحيثُ لم يكن ذلك إلا قولاً بديعاً فيه غرابةٌ صيَّرتْه جديراً بالتسيير في البلاد وخليقاً بالقبول فيما بين كل حاضرٍ وباد استعير لكل حال أو صفةٍ أو قصة لها شأن عجيب وخطرٌ غريب من غير أن يلاحَظ بينها وبين شيءٍ آخرَ تشبيهٌ ومنه قوله ﴿وَلِلَّهِ المثل الاعلى﴾ أي الوصفُ الذي له شأن عظيم وخطر جليل وقوله تعالى ﴿مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون﴾ أي قصتها العجيبةُ الشأن ﴿كَمَثَلِ الذى﴾ أي الذين كما في قوله تعالى ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ﴾ خلا أنه وُحِّد الضَّمير في قولِه تعالى ﴿استوقد نَاراً﴾ نظراً إلى الصورة وإنما جاز ذلك مع عدم جوازِ وضعِ القائمِ مَقام القائمين لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعةُ صلةً له دون نفسه بل إنما هو وصلة لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته بصلته ولذلك بولغ فيه فحُذف ياؤه ثم كسرتُه ثم اقتُصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه فحقه ان لايجمع ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته وليس الذين جمعَه المصحح بل النونُ فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة أو قصد به جنسُ المستوقد أو الفوجُ أو الفريقُ المستوقد والنارُ جوهرٌ لطيف مُضيء حارٌّ محرق واشتقاقها من نارينور إذا نفَر لأن فيها حركة واضطراباً واستيقادُها طلبُ وُقودها أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم ﴿فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءة فرطُ الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى ﴿هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً﴾ وتجيء متعدية ولازمة والفاء للدلالة على ترتبها على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد أو فلما أضاء ما حوله والتأنيث لكونه عبارةً عن الأماكن والأشياء أو أضاءت النارُ نفسها فيما حوله على أن ذلك ظرف لإشراق النارِ المنزّلِ منزلتَها لا لنفسها أو ما مزيدةٌ وحوله ظرف وتأليفُ الحول للدوران وقيل للعام حَوْلٌ لأنه يدور ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ النور ضوءُ كل نيِّر واشتقاقه من النار والضمير للذي والجمع باعتبار المعنى أي أطفأ الله نارهم التي هي مدار نورِهم وإنما علق الإذهاب بالنور دون نفس النار لأنه المقصود بالإستيقاد لاالاستدفاء ونحوه كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَضَاءتْ﴾ حيث لم يقل فلما شب ضِرامُها أو نحو ذلك وهو جوابُ لمّا أو استئنافٌ أجيب به عن سؤال سائل يقول

стр. 73

البقرة (١٨) ما بالُهم أشبَهَتْ حالهم حالَ مستوقدٍ انطفأت ناره او بدله من جملة التمثيل على وجه البيان والضمير على الوجهين للمنافقين والجواب محذوفٌ كما في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ للإيجاز والأمن من الإلباس كأنه قيل فلما أضاءت ما حوله خمَدَت فبقُوا في الظلمات خابطين متحيِّرين خائبين بعد الكدح في إحيائها وإسنادُ الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى وإما لأن الانطفاءَ حصل بسبب خفيّ أو أمر سماوي كريح أو مطر وإما للمبالغة كما يؤذن به تعديةُ الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والإمساك يقال ذهب السلطان بما له إذا أخذه وما أخذه الله فأمسكه فلا مرسلَ له من بعده ولذلك عُدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور لأن ذهابَ الضوء قد يجامع بقاءَ النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوي لعدم الضعيف والمراد إزالتُه بالكلية كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لَاّ يُبْصِرُونَ﴾ فإن الظلمةَ التي هي عدمُ النور وانطماسُه بالمرة لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكباً بعضُها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما بعدها من قولِه تعالَى ﴿لَاّ يُبْصِرُونَ﴾ لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عينٌ ولا أثرٌ وأما لأن المراد بالنور مالا يَرضى بهِ الله تعالَى من النار المجازية التي هينار الفتنة والفساد كما في قوله تعالى كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ووصفُها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح او النار الحقيقة التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيث والفساد فأطفأها الله تعالى وخيب آمالهم وترك في الأصل بمعنى طرَح وخلَّى وله مفعول واحد فضُمِّن معنى التصيير فجرى مَجرى أفعال القلوب قال فتركتُه جَزَرَ السِّباع ينُشْنَه ... يقضَمْنَ حُسنَ بنانِه والمِعصَمِ والظلمة مأخوذة من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك لأنها تسد البصرَ وتمنعه من الرؤية وقرئ في ظُلْمات بسكون اللام وفي ظلمة بالتوحيد ومفعول لا يبصرون من قبيل المطروح كأن الفعل غير متعد والمعنى أن حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالةَ التي هي عبارةٌ عن ظلمتي الكفر والنفاق المستتبعين لظُلمة سخط الله تعالى وظلمةِ يوم القيامة يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم وظلمةِ العقاب السرمدي بالهدى الذي هو النورُ الفطري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصّلوه من التوراة حسبما ذكر كحال من استوقد ناراً عظيمة حتى يكاد ينتفع بها فأطفأها الله تعالى وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار

стр. 74

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضمير المنافقين أو خبر واحد بالتأويل المشهور كما في قولهم هذا حلوٌ حامض والصممُ آفةٌ مانعة من السماع وأصلُه الصلابة واكتنازُ الأجزاء ومنه الحجرُ الأصم والقناةُ الصماء وصَمام القارورة سِدادُها سمي به فقدانُ حاسة السمع لما أن سببه اكتنازُ باطن الصّماخ وانسدادُ منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواءٌ يحصل الصوت بتموجه والبُكم الخُرس والعمى عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر وُصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ وأبَوْا أن يتلقَّوْها بالقبول ويُنطِقوا بها ألسنتهم ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ

стр. 75

البقرة (١٩) الله ﷺ ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ بعين التدبر وأصروا على ذلك بحيث لم يبقَ لهم احتمالُ الارعواء عنه صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية وهذا عند مُفْلقي سَحَرة البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسي التشبيه كما في قول من قال ويصعَدُ حتى يظنَّ الجهول ... بأن له حاجةً في السماءْ لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ لا من قبيل الاستعارة التي يطوى فيها ذكرُ المستعار له بالكلية حتى لو لم يكن هناك قرينة لحمل على المعنى الحقيقي كما في قولِ زُهيرٍ لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقذَّف ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي هم بسبب اتصافِهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيّعوه أو عن الضلالة التي أخذوها والآيةُ نتيجةٌ للتمثيل مفيدةٌ لزيادة تهويلٍ وتفظيع فإن قصارى أمرِ التمثيل بقاؤهم في ظلماتٍ هائلة من غير تعرضٍ لمَشْعَريْ السمع والنطق ولاختلال مَشعَرِ الإبصار وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى كالضمائر المتقدمة فالآية الكريمة تتَّمةٌ للتَّمثيل وتكميلٌ له بأن ما أصابهم ليس مجردَ انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاسة البصر بحالها بل اختلت مشاعرُهم جميعاً واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم لا يرجعون ولا يدْرون أيتقدّمون أم يتأخرون وكيف يرجِعون إلى ما ابتدأوا منه والعدولُ إلى الجُملةِ الاسميَّةِ للدَلالة على استمرار تلك الحالة فيهم وقرئ صماً بكماً عمياً إما على الذم كما في قوله تعالى ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ والمخصوصُ بالذم هم المنافقون أو المستوقدون وإما على الحاليةِ من الضميرِ المنصوب في تَرَكهم أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم فالضميران للمستوقدين
следующие страницы →