Полный текст (8 642 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
البقرة (١٧)
المذكور والأَوْلى عطفُها على اشتروا الخ
стр. 72
﴿مّثْلُهُمْ﴾ زيادة كشف لحالهم وتصوير لها غِبَّ تصويرِها بصورة ما يؤدي إلى الخساربحسب المآل بصورة ما يفضي إلى الخَسار من حيث النفسُ تهويلاً لها وإبانةً لفظاعتها فإن التمثيلَ ألطفُ ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل واستنزالِه من مقام الاستعصاء عليه وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامع الآبي كيف لا وهو رفعُ الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف وإظهارٌ للوحشي في هيئة المألوف والمَثَل في الأصل بمعنى المِثْل والنظير يقال مِثْل ومَثَل ومثيل كشِبْهٍ وشَبَه وشبيه ثم أطلق على القول السائر الذي يُمثّل مضرِبُه بمورده وحيثُ لم يكن ذلك إلا قولاً بديعاً فيه غرابةٌ صيَّرتْه جديراً بالتسيير في البلاد وخليقاً بالقبول فيما بين كل حاضرٍ وباد استعير لكل حال أو صفةٍ أو قصة لها شأن عجيب وخطرٌ غريب من غير أن يلاحَظ بينها وبين شيءٍ آخرَ تشبيهٌ ومنه قوله ﴿وَلِلَّهِ المثل الاعلى﴾ أي الوصفُ الذي له شأن عظيم وخطر جليل وقوله تعالى ﴿مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون﴾ أي قصتها العجيبةُ الشأن ﴿كَمَثَلِ الذى﴾ أي الذين كما في قوله تعالى ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ﴾ خلا أنه وُحِّد الضَّمير في قولِه تعالى ﴿استوقد نَاراً﴾ نظراً إلى الصورة وإنما جاز ذلك مع عدم جوازِ وضعِ القائمِ مَقام القائمين لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعةُ صلةً له دون نفسه بل إنما هو وصلة لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف لاستطالته بصلته ولذلك بولغ فيه فحُذف ياؤه ثم كسرتُه ثم اقتُصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه فحقه ان لايجمع ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته وليس الذين جمعَه المصحح بل النونُ فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة أو قصد به جنسُ المستوقد أو الفوجُ أو الفريقُ المستوقد والنارُ جوهرٌ لطيف مُضيء حارٌّ محرق واشتقاقها من نارينور إذا نفَر لأن فيها حركة واضطراباً واستيقادُها طلبُ وُقودها أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم ﴿فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءة فرطُ الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى ﴿هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً﴾ وتجيء متعدية ولازمة والفاء للدلالة على ترتبها على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد أو فلما أضاء ما حوله والتأنيث لكونه عبارةً عن الأماكن والأشياء أو أضاءت النارُ نفسها فيما حوله على أن ذلك ظرف لإشراق النارِ المنزّلِ منزلتَها لا لنفسها أو ما مزيدةٌ وحوله ظرف وتأليفُ الحول للدوران وقيل للعام حَوْلٌ لأنه يدور ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ النور ضوءُ كل نيِّر واشتقاقه من النار والضمير للذي والجمع باعتبار المعنى أي أطفأ الله نارهم التي هي مدار نورِهم وإنما علق الإذهاب بالنور دون نفس النار لأنه المقصود بالإستيقاد لاالاستدفاء ونحوه كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَضَاءتْ﴾ حيث لم يقل فلما شب ضِرامُها أو نحو ذلك وهو جوابُ لمّا أو استئنافٌ أجيب به عن سؤال سائل يقول
стр. 73
البقرة (١٨)
ما بالُهم أشبَهَتْ حالهم حالَ مستوقدٍ انطفأت ناره او بدله من جملة التمثيل على وجه البيان والضمير على الوجهين للمنافقين والجواب محذوفٌ كما في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ للإيجاز والأمن من الإلباس كأنه قيل فلما أضاءت ما حوله خمَدَت فبقُوا في الظلمات خابطين متحيِّرين خائبين بعد الكدح في إحيائها وإسنادُ الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى وإما لأن الانطفاءَ حصل بسبب خفيّ أو أمر سماوي كريح أو مطر وإما للمبالغة كما يؤذن به تعديةُ الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والإمساك يقال ذهب السلطان بما له إذا أخذه وما أخذه الله فأمسكه فلا مرسلَ له من بعده ولذلك عُدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور لأن ذهابَ الضوء قد يجامع بقاءَ النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوي لعدم الضعيف والمراد إزالتُه بالكلية كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لَاّ يُبْصِرُونَ﴾ فإن الظلمةَ التي هي عدمُ النور وانطماسُه بالمرة لا سيما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكباً بعضُها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما بعدها من قولِه تعالَى ﴿لَاّ يُبْصِرُونَ﴾ لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عينٌ ولا أثرٌ وأما لأن المراد بالنور مالا يَرضى بهِ الله تعالَى من النار المجازية التي هينار الفتنة والفساد كما في قوله تعالى كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ووصفُها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح او النار الحقيقة التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيث والفساد فأطفأها الله تعالى وخيب آمالهم وترك في الأصل بمعنى طرَح وخلَّى وله مفعول واحد فضُمِّن معنى التصيير فجرى مَجرى أفعال القلوب قال
فتركتُه جَزَرَ السِّباع ينُشْنَه ... يقضَمْنَ حُسنَ بنانِه والمِعصَمِ
والظلمة مأخوذة من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك لأنها تسد البصرَ وتمنعه من الرؤية وقرئ في ظُلْمات بسكون اللام وفي ظلمة بالتوحيد ومفعول لا يبصرون من قبيل المطروح كأن الفعل غير متعد والمعنى أن حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالةَ التي هي عبارةٌ عن ظلمتي الكفر والنفاق المستتبعين لظُلمة سخط الله تعالى وظلمةِ يوم القيامة يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم وظلمةِ العقاب السرمدي بالهدى الذي هو النورُ الفطري المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصّلوه من التوراة حسبما ذكر كحال من استوقد ناراً عظيمة حتى يكاد ينتفع بها فأطفأها الله تعالى وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار
стр. 74
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضمير المنافقين أو خبر واحد بالتأويل المشهور كما في قولهم هذا حلوٌ حامض والصممُ آفةٌ مانعة من السماع وأصلُه الصلابة واكتنازُ الأجزاء ومنه الحجرُ الأصم والقناةُ الصماء وصَمام القارورة سِدادُها سمي به فقدانُ حاسة السمع لما أن سببه اكتنازُ باطن الصّماخ وانسدادُ منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواءٌ يحصل الصوت بتموجه والبُكم الخُرس والعمى عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر وُصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ وأبَوْا أن يتلقَّوْها بالقبول ويُنطِقوا بها ألسنتهم ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ
стр. 75
البقرة (١٩)
الله ﷺ ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ بعين التدبر وأصروا على ذلك بحيث لم يبقَ لهم احتمالُ الارعواء عنه صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية وهذا عند مُفْلقي سَحَرة البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسي التشبيه كما في قول من قال
ويصعَدُ حتى يظنَّ الجهول ... بأن له حاجةً في السماءْ
لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ لا من قبيل الاستعارة التي يطوى فيها ذكرُ المستعار له بالكلية حتى لو لم يكن هناك قرينة لحمل على المعنى الحقيقي كما في قولِ زُهيرٍ
لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقذَّف ... له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي هم بسبب اتصافِهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيّعوه أو عن الضلالة التي أخذوها والآيةُ نتيجةٌ للتمثيل مفيدةٌ لزيادة تهويلٍ وتفظيع فإن قصارى أمرِ التمثيل بقاؤهم في ظلماتٍ هائلة من غير تعرضٍ لمَشْعَريْ السمع والنطق ولاختلال مَشعَرِ الإبصار وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى كالضمائر المتقدمة فالآية الكريمة تتَّمةٌ للتَّمثيل وتكميلٌ له بأن ما أصابهم ليس مجردَ انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاسة البصر بحالها بل اختلت مشاعرُهم جميعاً واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم لا يرجعون ولا يدْرون أيتقدّمون أم يتأخرون وكيف يرجِعون إلى ما ابتدأوا منه والعدولُ إلى الجُملةِ الاسميَّةِ للدَلالة على استمرار تلك الحالة فيهم وقرئ صماً بكماً عمياً إما على الذم كما في قوله تعالى ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ والمخصوصُ بالذم هم المنافقون أو المستوقدون وإما على الحاليةِ من الضميرِ المنصوب في تَرَكهم أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم فالضميران للمستوقدين
стр. 76
﴿أَوْ كَصَيّبٍ﴾ تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل ليعُم البيانُ منها كل دقيق وجليل ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال ويرخى في حلبته أعِنّةُ المقال ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب لما أن كل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد أن يُوفَّى فيه حقُّ كلَ من مقامي الإطناب والإيجاز فما ظنُّك بما في ذُروة الإعجاز من التنزيل الجليل ولقد نُعيَ عليهم في هذا التمثيل تفاصيلُ جناياتهم وهو عطف على الأول على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك أي كمثل ذوي صيِّب وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه التشبيه وبصحة التمثيل بكل واحدة منهما وبهما معاً والصيب فيعل من الصَوْب وهو النزول الذي له وقع وتأثير يطلق على المطر وعلى السحاب قال الشماخ
عفا آيَةُ نسجُ الجنوب مع الصَّبا ... وأسحمُ دانٍ صادقُ الوعد صيِّبُ
ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه الثاني وتنكيره لما أنه أريد به نوع منه شديدٌ هائل كالنار في التمثيل الأول وأُمِدَّ به مَا فيهِ منْ المبالغات من جهة مادة الأولى التي هي الصادُ المستعليةُ والياء المشددة والباء الشديدة ومادتِه
стр. 77
الثانية اعنى الصوب المنبئ عن شدة الانسكاب ومن جهة بنائه الدال على الثبات وقرئ أو كصائب ﴿مّنَ السماء﴾ متعلق بصيب أو بمحذوفٍ وقع صفة له والمرادُ بالسماء هذه المِظلة وهي في الأصل كل ما علاك من سقف ونحوه وعن الحسن أنها موجٌ مكفوف أي ممنوع بقدرة الله من السيلان وتعريفها للإيذان بأن انبعاث الصيب ليس من أفق واحد فإن كل أفق من آفاقها أي كلَّ ما يحيطُ بهِ كلُّ أفقٍ منها سماءٌ على حِدَة قال ومن بعدِ أرضٍ بيننا وسماءِ كما أن كل طبقة من طباقها سماء قال تعالى ﴿وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ والمعنى أنه صيّب عام نازل من غمام مطبِقٍ آخذٍ بالآفاق وقيل المراد بالسماء السحاب واللام لتعريف الماهية ﴿فِيهِ ظلمات﴾ أي أنواع منها وهي ظُلمةُ تكاثُفِه وانتساجِه بتتابع القطر وظلمةُ إظلال ما يلزمه من الغمام الأسحمِ المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل وجعلُه محلاً لها مع أن بعضها لغيره كظلمتي الغمام والليل لما أنهما جُعلتا من توابع ظلمتِه مبالغةً في شدته وتهويلاً لأمره وإيذاناً بأنه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمتُه ظلماتِ الليل والغمام وهو السر في عدم جعل الظلمات هو الأصلَ المستتبعَ للبواقي مع ظهور ظرفيتها للكل إذ لو قيل أو كظلمات فيها صيب الخ لما أفاد أن للصيب ظلمةً خاصة به فضلاً عن كونها غالبة على غيرها ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو صوتٌ يُسمع من السحاب والمشهور أنه يحدث من اصطكاك أجرام السحاب بعضِها ببعض أو من انقلاع بعضِها عن بعض عند اضطرابها بسوق الرياحِ إياه سوقاً عنيفاً ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو ما يلمع من السحاب من بَرَق الشيءُ بريقاً أي لمع وكلاهما في الأصل مصدرٌ ولذلك لم يجمعا وكونُهما في الصيب باعتبار كونِهما في أعلاه ومصبِّه ووصول أثرِهما إليه وكونِهما في الظلمات الكائنةِ فيه والتنوين في الكل للتفخيم والتهويل كأنه قيل فيه ظلماتٌ شديدة داجية ورعدٌ قاصفٌ وبرق خاطف وارتفاع الجميع بالظرف على الفاعلية لتحقق شرط العملِ بالاتفاق وقيل بالابتداء والجملةُ إما صفةٌ لصيب أو حالٌ منهُ لتخصُّصه بالصفة أو بالعمل فيما بعده من الجار أو من المستكنّ في الظرف الأول على تقديرِ كونِه صفةً لصيب والضمائر في قولِه ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ للمضاف الذي أقيم مُقامه المضافُ إليه فإن معناه باقٍ وإن حذف لفظه تعويلاً على الدليل كما في قوله تعالى ﴿وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فإن الضمير للأهل المدلول عليه بما قام مقامه من القرية قال حسَّانَ ﵁
يَسْقون من وَرَدَ البريصَ عليهم ... بردى يُصفَّقُ بالرَّحيقِ السلسلِ
فإن تذكير الضمير المستكن في يُصفَّق لرجوعه إلى الماء المضاف إلى بردى وإلا لأنّث حتماً وإيثارا لجعل المنبئ عن دوام الملابسة واستمرارِ الاستقرار على الإدخال المفيدِ لمجرد الانتقال من الخارج إلى الداخل للمبالغة في بيان سدِّ المسامع باعتبار الزمان كما أن إيرادَ الأصابع بدلَ الأنامل للإشباع في بيان سدِّها باعتبار الذات كأنهم سدوها بحملتها لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد ويجوز أن يكون هذا إيماءً إلى كمال حَيْرتهم وفرْطِ دهشتهم وبلوغهم إلى حيثُ لا يهتدونَ إلى استعمال الجوارحِ على النهج المعتاد وكذا الحال في عدم تعيين الأصبع المعتادِ أعني السبابة وقيل ذلك لرعاية الأدب والجملة استئناف لامحل لها من الإعراب مبني على سؤال نشأ من الكلامِ كأنَّه قيلَ عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة فقيل يجعلون الخ وقوله تعالى ﴿مّنَ الصواعق﴾ متعلق بيجعلون أي من أجل الصواعقِ المقارنةِ للرعد من قولهم سقاه من
стр. 78
البقرة (٢٠)
العيمة والصاعقة قصفة رعد هائل تنقض معها بثقة نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه من الصَّعَق وهو شدةُ الصوت وبناؤها إما أن يكون صفةً لقصفة الرعد أو للرعد والتَّاءُ للمبالغة كَما في الرواية او مصدرا كالعافية وقد تطلق على كل هائلٍ مسموع أو مشاهد يقال صَعَقَتْه الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو بشدة الصوت ولاالآذان إنما يفيد على التقدير الثاني دون الاول وقرئ من الصواقع وليس ذلك بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقَع الديكُ وخطيب مِصْقَع أي مُجهِرٌ بخطبته ﴿حَذَرَ الموت﴾ منصوب بيجعلون على العلة وإن كان معرفة بالإضافة كقوله
وأغفِرُ عوراءَ الكريم ادِّخارَه ... وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرما
ولا ضير في تعدد المفعول له فإن الفعل يعلل بعلل شتى وقيل هو نصب على المصدرية أي يحذرون حذراً مثل حذر الموت والحَذر والحذار هو شدة الخوف وقرئ حذارَ الموت والموتُ زوال الحياة وقيل عرَضُ يُضادُّها لقوله تعالى ﴿خَلَقَ الموت والحياة﴾ ورُدّ بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقدرة ﴿والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ شبه شمولَ قدرته تعالى لهم وانطواءَ ملكوتِه عليهم بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة الفوْت أو شَبَّه الهيئةَ المنتزعة من شئونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع المحاط فالاستعارة المبنيةُ على التشبيه الأول استعارة تبعيةٌ في الصفة متفرِّعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني تمثيلية قد اقتُصِر من طرف المشبَّه به على ما هو العُمدة في انتزاع الهيئة المشبه بها أعني الإحاطة والباقي منويٌّ بألفاظ متخيلة بها يحصل التركيب المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قولِه ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يُغني عنهُم شيئاً فإن القدَرَ لا يدافعُه الحذر والحِيَل لا ترد بأس الله وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجعِ إلى أصحاب الصيب الإيذانُ بأن ما دَهَمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ فإن الإهلاك الناشىءَ من السُخط أشدُّ وقيل هذا الاعتراض من جملة أحوالِ المشبّهِ على أن المراد بالكافرين المنافقون قد دل به على أنه لا مدافع لهم من عذابِ الله تعالى في الدنيا والآخرة وإنما وُسِّط بين أحوال المشبه مع أن القياس تقديمُه أو تأخيره لإظهار كمال العنايةِ وفرطِ الاهتمام بشأن المشبه
стр. 79
﴿يَكَادُ البرق﴾ استئناف آخرُ وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فكيف حالُهم مع ذلك البرق فقيل يكاد ذلك ﴿يَخْطَفُ أبصارهم﴾ أي يختلسها ويستلها بسرعة وكاد من أفعال المقاربة وُضعت لمقاربة الخبر من الوجود لتآخذَ أسبابَه وتعاضِدَ مباديَه لكنه لم يوجد بعدُ لفقد شرطٍ أو لعُروض مانع ولا يكون خبرها إلامضارعا عارياً عن كلمة أن وشذ مجيئه اسماً صريحاً كما في قوله ... ﴿فأُبْتُ إلى فهمٍ وما كِدْتُ آيبا ... ﴾ وكذا مجيئه مع أنْ حملاً لها على عسى كما في قول رؤبة ... قد كاد من طول البِلى أن يُمْحَصَا ... كما تحمل
стр. 80
هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة في أصل المقاربة وليس فيها شائبة الانشائية كما في عسى وقرئ يخطِف بكسر الطاء ويختطف بفتح الياء والخاء بنقل فتحة التاء إلى الخاء وإدغامها في الطاء ويِخِطف بكسرهما على إتباع الياء والخاء ويُخَطِّف من صيغة التفعيل ويتخطف من قوله تعالى ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ﴿كُلَّمَا أَضَاء لَهُم﴾ كل ظرف وما مصدرية والزمان محذوف أي كلَّ زمان إضاءةً وقيل ما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل في كلما جوابها وهو استئناف ثالث كأنه قيل ما يفعلون في أثناء ذلك الهول أيفعلون بأبصارهم ما فعلوا بآذانهم أم لا فقيل كلما نوّر البرقُ لهم ممشىً ومسلكاً على أن أضاء متعدٍ والمفعول محذوف أو كلما لمع لهم على أنه لازم ويؤيد قراءة كُلَّمَا أَضَاء ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي في ذلكَ المسلك أو في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف أن يخطَف أبصارهم وإيثارُ المشي على ما فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أي خفي البرقُ واستتر والمظلم وإن كان غيرَه لكن لمّا كان الإظلامُ دائراً على استتاره أُسند إليه مجازاً تحقيقاً لما أريد من المبالغة في موجبات تخبُّطِهم وقد جوز أن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل ومنه ما جاء في قول أبي تمام
هما أظلما حاليَّ ثُمّتَ أجليا ... ظلامَيْهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ
ويعضُده قراءة أُظلِم على البناء للمفعول ﴿قَامُواْ﴾ أي وقفوا في أماكنهم على ما كانُوا عليهِ من الهيئة متحيرين مترصدين لخفقة أخرى عسى يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ يعصِمُهم وإيرادُ كلما مع الإضاءة وإذ مع الظلام للإيذان بأنهم حِراصٌ على المشى مترقيون لما يصححه فكلما وجدوا فرصة انتهزوها ولا كذلك الوقوف وفيه من الدلالة على كمال التحير وتطاير اللب مالا يوصف ﴿وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم﴾ كلمة لو لتعليق حصولِ أمرٍ ماض هو الجزاءُ بحصول أمرٍ مفروض فيه هو الشرط لما بينهما ن الدوران حقيقة أو ادعاء ومن قضية مفروضية الشرطِ دلالتُها على انتفائه قطعاً والمنازِعُ فيه مكابر وأما دلالتها على انتفاءِ الجزاء فقد قيل والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أنه إن كان ما بينهما من الدوران كلياً أو جزئياً قد بُني الحكم على اعتباره فهي دالةٌ عليه بواسطة مدلولها الوضعيّ لا محالة ضرورة استلزام انتفاء العلة لا نتفاء المعلول أما في مادة الدوران الكلي كما في قوله ﴿وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقولك لو جئتني لأكرمتُك فظاهرٌ لأن وجودَ المشيئة علةٌ لوجود الهداية حقيقةً ووجود المجئ علةٌ لوجود الإكرام ادعاءً وقد انتفيا بحكم المفروضية فانتفى معلولاهما حتماً ثم إنه قد يساق الكلامُ لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاءالشرط كما في المثالين المذكورين وهو الاستعمال الشائعُ لكلمة لو ولذلك قيل هي لامتناع الثاني لامتناع الأول وقد يساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهراً أو مسلّماً على ابتغاء الأولِ لكونه خفياً أو متنازعاً فيهِ كما في قوله سبحانه ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا﴾ وفي قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سبقونا﴾ فإن فسادهما لازمٌ لتعدد الآلهةِ حقيقةً وعدمُ سبقِ المؤمنين إلى الإيمان لازمٌ لخيريته في زعم الكفرة ولاريب في انتفاء اللازمين انتفاءُ الملزومين حقيقة في الأول وادعاءً باطلاً في الثاني ضرورةَ استلزامِ انتفاءِ اللازم لانتفاء الملزوم لكن لا بطريق السببية الخارجية كما في المثالين الأولين بل بطريق الدلالةِ العقلية الراجعةِ إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول ومَن لَم يَتَنَبَّه لَه زعَم أنه لانتفاء الأولِ لانتفاء الثاني وأما
стр. 81
في مادة الدوران الجزئي كما في قولك لو طلعت الشمسُ لوُجد الضوء فلأن الجزاءَ المنوطَ بالشرط الذي هو طلوعُها ليس وجودَ أي ضوء كان كضوء القمر المجامعِ لعدم الطلوع مثلاً بل إنما وجود الضوء الخاص الناشئ من الطلوع ولا ريب في انتفائه بانتفاءِ الطلوع هذا إذا بُني الحكمُ على اعتبار الدوران وأما إذا بني على عدمه فإما أن يعتبرَ هناك تحققُ مدار آخر له أولا فإن اعتبر فالدلالةُ تابعةٌ لحال المدار فإن كان بينه وبين انتفاءِ الأول منافاةٌ تُعيِّن الدلالة كما إذا قلت لو لم تطلُع الشمس يوجد الضوء فإن وجود الوضوء وإن عُلِّق صورةً بعدم الطلوع لكنه في الحقيقة بسبب آخرَ له ضرورةَ أن عدم الطلوعِ من حيث هو هو ليس مداراً لوجود الضوء قي الحقيقة وإنما وضع موضعَ المدار لكونه كاشفاً عن تحقق مدار آخر له فكأنه قيل لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بسبب آخرَ كالقمر مثلاً ولا ريب في أن هذا الجزاءَ منتفٍ عند انتفاء الشرط لاستحالة وجودِ الضوء القمَري عند طلوع الشمس وإن لم يكن بينهما منافاةٌ تعيِّن عدمَ الدلالة كما في قوله ﷺ في بنت أبي سلمة لو لم تكن ربيبتي في حِجْري ما حلَّت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة فإن المدار المعتبرَ في ضمن الشرط أعني كونها ابنةِ أخيهعليه السلام من الرضاعة غيرُ مناف لانتفائه لانتفائه الذي هو كونُها كونها ربيبته ﵇ بل مجامعٌ له ومن ضرورته مجامعةُ أثرَيهما أعني الحرمة الناشئةَ من كونها ربيبته ﵇ والحرمةَ الناشئة من كونها ابنةَ أخيه من الرضاعة وإن لم يعتبر هناك تحققُ مدارٍ آخرَ بل بني الحكمُ على اعتبار عدمِه فلا دلالة لها على ذلك أصلاً كيف لا ومساق الكلام حينئذ لبيانِ ثبوتِ الجزاء على كل حال يتعليقه بما ينافيه ليُعلم ثبوتُه عند وقوع مالا ينافيه بالطريق الأولى كما في قوله ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ﴾ وقوله ﵇ ﴿لو كان الإيمانُ في الثريا لناله رجالٌ من فارس﴾ وقول علي ﵁ لو كُشفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقيناً فإن الأجزيةَ المذكورة قد نيطت بما ينافيها ويستدعي نقائضَها إيذاناً بأنها في أنفسها بحيث يجب ثبوتُها مع فرض انتفاءِ أسبابها أو تحققِ أسباب انتفائها فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة لو الوصلية في مثلِ قولِه تعالى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ولها تفاصيلُ وتفاريعُ حررناها في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿قال أَوَلَوْ كُنَّا كارهين﴾ وقول عمر ﵁ نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخَفِ الله لم يعصِه إنْ حُمل على تعليق عدمِ العصيان في ضمن عدمِ الخوف بمدارٍ آخرَ نحوُ الحياء والإجلالِ وغيرهما مما يجامِعُ الخوفَ كان من قبيل حديث ابنةِ أبي سلمة وإن حمل على بيانُ استحالة عصيانه مبالغةً كان من هذا القبيل والآية الكريمة واردة على الاستعمال الشائعِ مفيدةٌ لكمال فظاعة حالِهم وغايةِ هول ما دهَمهم من المشاقّ وأنها قد بلغت من الشدة إلى حيث لو تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى بإزالة مشاعرِهم لزالت لتحقق ما يقتضيه اقتضاءً تاماً وقيل كلمة لو فيها لربط جزائها بشرطِها مجردةً عن الدلالة على انتفاء أحدِهما لانتفاء الآخر بمنزلة كلمة أن ومفعولُ المشيئة محذوفٌ جرياً على القاعدة المستمرَّةِ فإنها إذا وقعت شرطاً وكان مفعولُها مضموناً للجزاء فلا يكاد يُذكر إلَاّ أنْ يكونَ شيئاً مستغرباً كما في قوله
فلو شئتُ أن أبكِي دماً لبَكَيْتُه ... عليه ولكن ساحةُ الصبر أوسعُ أي لو شاء أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لفعل ولكن لم يشأ لما يقتضيه من الحِكَم والمصالح وقرئ لأذهب بأسماعهم على زيادة الباء كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ والإفرادُ في المشهورة لأن السمع مصدر في الأصل والجملة الشرطية معطوفةٌ على ما قبلها من الجمل الاستئنافية وقيل على كلما أضاء الخ وَقَولُهُ
стр. 82
عزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ الله على كل شَىْء قَدِيرٌ﴾ تعليلٌ للشرطية وتقريرٌ لمضمونها الناطقِ بقدرته تعالى على إزالة مشاعرِهم بالطريق البرهاني والشيءُ بحسب مفهومِه اللغوي يقعُ على كل ما يصِحّ أن يُعلم ويُخبَرَ عنه كائناً ما كان على أنه في الأصلِ مصدر شاء أُطلِقَ على المفعول واكتُفي في ذلك باعتبار تعلقِ المشيئةِ به من حيث العلمُ والإخبارُ عنه فقط وقد خصَّ ههنا بالممكن موجوداً كان أو معدوماً بقضية اختصاصِ تعلقِ القدرة به لما أنها عبارةٌ عن التمكن من الإيجاد والإعدام الخاصَّيْن به وقيل هي صفةٌ تقتضي ذلك التمكن والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأْ لم يفعل والقديرُ هو الفعّال لكل ما يشاءُ كما يشاءُ ولذلك لم يوصَفْ به غيرُ الباري ﷻ ومعنى قدرتِه تعالى على الممكن الموجود حالَ وجوده أنه إن شاء إبقاءَه على الوجود أبقاه عليه فإن علةَ الوجود هي علةُ البقاء وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قوله تعالى ﴿رَبّ العالمين﴾ وإن شاء إعدامَه أعدمه ومعنى قدرته على المعدوم حالَ عدمِه أنه إن شاء إيجادَه أوجده وإن لم يشأْ لم يوجِدْه وقيل قدرةُ الإنسان هيئةٌ بها يتمكن من الفعل والترك وقدرةُ الله تعالى عبارة عن نفي العجز واشتقاقُ القدرة من القَدْر لأن القادر يوقع الفعل بقدْر ما تقتضيه إرادته أو بقدر قوتِه وفيه دليلٌ على أنَّ مقدورَ العبد مقدورٌ لله تعالى حقيقة لأنه شئ وكل شئ مقدورٌ له تعالى واعلم أنَّ كلَّ واحدٍ من التمثيلين وإن احتمل أنْ يكونَ من قبيلِ التمثيل المفرق كما في قوله
كأنْ قلوبَ الطير رَطْباً ويابسا ... لدى وَكرها العُنّابُ والحَشَفُ البالي
بأن يُشبَّه المنافقون في التمثيل الأول بالمستوقدين وهُداهم الفطريُّ بالنار وتأييدُهم إياه بما شاهدوه من الدلائل باستيقادها وتمكنِهم التامِّ من الانتفاع به بإضاءتها ما حولهم وإزالته بإذهاب النور الناري وأخذ الضلالة بمقابلته بملابستهم الظلماتِ الكثيفة وبقائهم فيها ويشبهوا في التمثيل الثاني بالسابلة والقرآنُ وما فيه من العلومِ والمعارفِ التي هي مدارُ الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سببُ الحياة الأرضيةِ وما عَرَض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات وما فيهِ من الوعدِ والوعيدِ بالرعدِ والبرقِ وتصامِّهم عما يقرَع أسماعَهم من الوعيد بحال من يَهُولُه الرعدُ والبرق فيخاف صواعقَه فيسدُّ أذنه عنها ولاخلاص له منها واهتزازُهم لِمَا يلمع لهم من رَشَدٍ يدركونه أو رِفد يُحرِزونه بمشيهم في مَطْرَحِ ضوء البرق كلما أضاء لهم وتحيُّرهم في أمرهم حين عنَّ لهم مصيبةٌ بوقوفهم إذا أظلم عليهم لكن الحملَ على التمثيل المركب الذي لا يعتبر فيه تشبيهُ كلِّ واحدٍ من المفردات الواقعة في أحد الجانبين بواحدٍ من المفردات الواقعة في الجانب الآخر على وجه التفصيل بل يُنتزع فيه من المفردات الواقعة في جانب المشبَّه هيئةٌ فتُشبَّهُ بهيئةٍ أخرى منتزعةٍ من المفردات الواقعة في جانب المشبَّه به بأن يُنتزع من المنافقين وأحوالهم المفصلة في كلِّ واحدٍ من التمثيلين هيئةٌ على حدة وينتزع من كل واحدٍ من المستوقدين وأصحاب الصيب وأحوالهم المحكية هيئة بحيالها فتشبية كلَّ واحدةٍ من الأوليين بما يضاهيها من الأُخْرَيين هو الذي يقتضيهِ جزالةُ التنزيل ويستدعيه فخامةُ شأنه الجليلِ لاشتماله على التشبيه الأولِ إجمالاً مع أمرٍ زائدٍ هو تشبيهُ الهيئة وإيذانُه بأن اجتماعَ تلك المفردات مستتبعٌ لهيئة عجيبةٍ حقيقةٍ بأن تكون مثلاً في الغرابة
стр. 83
البقرة (٢١)
стр. 84
﴿يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ إثرَ ما ذكر الله تعالى علو طبقة كتابه الكريم وتخزب الناس في شأنه إلى ثلاث فرقٍ مؤمنةٍ به محافظةٍ على ما فيه من الشرائع والأحكام وكافرةٍ قد نبذتْه وراءَ ظهرِها بالمجاهرة والشقاق وأخرى مذبذبةٍ بينهما بالمخادعة والنفاق ونعْتِ كل فرقةٍ منها بما لَها من النعوت والأحوال وبين مالهم من المصير والمآل أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيها لقوبهم نحو التلقي وجبراً لما في العبادة من الكُلفة بلذة الخطاب فأمرهم كافةً بعبادته ونهاهم عن الإشراك به ويا حرفٌ وضع لنداء البعيد وقد ينادى به القريبُ تنزيلاً له منزلةَ البعيد إما إجلالاً كما في قول الداعي يا ألله ويا ربِّ وهو أقربُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد استقصاراً لنفسه واستبعاداً لها من محافل الزلفى ومنازلِ المقربين وإما تنبيهاً على غفلته وسوءِ فهمِه وقد يُقصد به التنبيهُ على أنَّ ما يعقبُه أمرٌ خطير يعتنى بشأنه وأي اسمٌ مبهمٌ جعل وصلُه إلى نداء المعروف باللام لا على أنه المنادى أصالةً بل على أنه صفةٌ موضحة له مزيلة لإبهامه والتزام رفعُه مع انتصاب موصوفه محلاً إشعاراً بأنه المقصود بالنداء وأُقحمَتْ بينهما كلمةُ التنبيه تأكيداً لمعنى النداء وتعويضاً عما يستحقه أي من المضاف إليه ولِما ترى من استقلالِ هذه الطريقة بضروبٍ من أسباب المبالغةِ والتأكيد كثُر سلوكُها في التنزيل المجيد كيف لا وكلُّ ما ورد في تضاعيفه على العباد من الأحكام والشرائعِ وغير ذلك خطوبٌ جليلةٌ حقيقةٌ بأن تقشعِرَّ منها الجلودُ وتطمئنَّ بها القلوبُ الأبية ويتلَقَّوْها بآذانٍ واعية وأكثرهم عنها غافلون فاقتضى الحالُ المبالغةَ والتأكيدَ في الإيقاظ والتنبيه والمرادُ بالناس كافةُ المكلفين الموجودين في ذلك العصر لما أن الجموعَ وأسماءَها المحلاة باللام للعموم بدليل صحة الاستثناءِ منها والتأكيدِ بما يفيد العمومَ كمَا في قولِهِ تعالى ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ واستدلالِ الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين بعمومها شائعاً ذائعاً وأما مَنْ عداهم ممن سيوجد منهم فغيرُ داخلين في خطاب المشافهة وإنما دخولُهم تحت حُكْمِه لما تواتر من دينه ﷺ ضرورةَ أن مقتضى خطابه وأحكامِه شاملٌ للموجودين من المكلفين ولمن سيوجد منهم إلى قيام الساعة ولا يَقدح في العموم ما رُوي عن علقمةَ والحسنِ البصري من أن كلَّ ما نزل فيه يا أَيُّهَا الناس فهو مكي إذ ليس من ضرورة نزولِه بمكةَ شرَّفها الله تعالَى اختصاصُ حُكمِه بأهلها ولا من قضية اختصاصِه بهم اختصاصُه بالكفار إذ لم يكن كلُّ أهلها حئينئذ كفرةً ولا ضيرَ في تحقق العبادة في بعض المكلفين قبل ورود هذا الأمر لما أن المأمورَ به القدرُ المشترك الشاملُ لإنشاء العبادةِ والثباتِ عليها والزيادةِ فيها مع أنها متكررة حسب تكررِ أسبابها ولا في انتفاء شرطها في الآخرين منهم أعني الإيمان لأن الأمرَ بها منتظِمٌ للأمر بما لا تم إلا به وقد عُلم من الدين ضرورةً اشتراطُها به فإن أمرَ المحْدِث بالصلاة مستتبع للأمرِ بالتوضّي لا محالة وقد قيل المراد بالعبادة ما يعُمّ أفعالَ القلبِ أيضاً لما أنها عبارةٌ عن غاية التذلُّلِ والخضوعِ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ كلُّ ما وردَ في القرآنِ من العبادات فمعناها التوحيد وقيل معنى اعبدوا وحِّدوا وأطيعوا ولا في كون بعضٍ من الفِرْقتين الأخيرتين ممن لا يُجدي فيهم الإنذارُ بموجب النصِّ القاطعِ لما أن الأمرَ لقطع الأعذار
стр. 85
ليس فيه تكليفُهم بما ليس في وُسعهم من الإيمان بعدم إيمانهم أصلاً إذ لاقطع لأحدٍ منهم بدخوله في حكم النص قطعا وورود النص بذلك لكونهم في أنفسهم بسوء اختيارهم كذلك لا أن كونَهم كذلك لورود النص بذلك فلا جبر أصلاً نعم لتخصيص الخطاب بالمشركين وجهٌ لطيفٌ ستقف عليه عند قوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وإيراده تعالى بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد موجب الأمرِ بالإشعار بعلّيتها للعبادة ﴿الذى خَلَقَكُمْ﴾ صفة أُجريت عليه سبحانه للتبجيل والتعليل إثرَ التعليل وقد جُوِّز كونُها للتقييد والتوضيح بناءً على تخصيص الخطاب بالمشركين وحملِ الربِّ على ما هو أعمُّ من الرب الحقيقي والآلهة التي يسمونها أرباباً والخلق إيجاد الشيء على تقديرٍ واستواءٍ وأصله التقدير يقال خلق النعلَ أي قدَّرها وسواها بالمقياس وقرئ خلقكم بإدغام القاف في الكاف ﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ عطفٌ على الضمير المنصوبِ ومتممٌ لما قصد من التعظيم والتعليل فإن خلقَ أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم ومن ابتدائية متعلقةٌ بمحذوف أي كانوا من زمان قبلَ زمانكم وقيل خلقَهم من قبلِ خلقِكم فحُذف الخلقُ وأقيم الضمير مكانه والمرادُ بهم مَنْ تقدّمهم من الأمم السالفة كافة ومن ضرورة عمومِ الخطابِ بيانُ شمولِ خلقِه تعالى للكل وتخصيصُه بالمشركين يؤدي إلى عدم التعرضِ لخلقِ من عاداهم من معاصريهم وإخراجُ الجملةُ مُخرجَ الصلةِ التي حقُها أن تكونَ معلومةَ الانتسابِ إلى الموصول عندهم أيضاً مع أنهم غيرُ معترفين بغاية الخلق وإن اعترفوا بنفسه كما ينطِق به قوله تعالى ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ للإيذان بأن خلقهم التقوى من الظهور بحيث لايتأتى لأحد إنكاره وقرئ وخلق من قبلكم وقرئ والذين مَنْ قبلكم بإقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته توكيداً كإقحام اللام بين المضافين في لاأبالك أو بجعله موصوفاً بالظرف خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أيْ الذين هم أناس كائنون مِن قَبْلِكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ المعنى الوضعي لكلمة لعل هو إنشاءُ توقع أمرٍ مترددٍ بين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول وأما محبوبٍ فيسمى ترجياً أو مكروهٍ فيسمَّى إشفاقاً وذلك المعنى قد يعتبر تحققُه بالفعل إما من جهة المتكلم كما في قولك لعل الله يرحمني وهو الأصلُ الشائعُ في الاستعمال لأن معانيَ الانشاءاتِ قائمةٌ به وإما من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلةَ المتكلم في التلبّس التام بالكلام الجاري بينهما كما في قوله سبحانه ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ وقد يعتبر تحققُه بالقوة بضربٍ من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمرَ في نفسه مَئنّةٌ للتوقع متصفٌ بحيثية مصححةٍ له من غيرِ أن يعتبر هناك توقعٌ الفعل من توقع أصلاً فإن روعِيَتْ في الآية الكريمة جهةُ المتكلم يستحيلُ إرادةُ ذلك المعنى لامتناع التوقعِ من علاّم الغيوب فيُصار إما إلى الاستعارة بأن يُشبَّه طلبُه تعالى من عباده التقوى مع كونهم مئنةً لها لتعاضُد أسبابها برجاء الراجي من المرجوَّ منه أمراً هيِّنَ الحصول في كون متعلَّقِ كلَ منهما متردداً بين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول فيستعار له كلمةُ لعل استعارةً تبعية حرفيةً للمبالغة في الدلالة على قوة الطلب وقُربِ المطلوب من الوقوع وإما إلى التمثيل بأن يلاحَظَ خلقُه تعالى إياهم مستعدين للتقوى وطلبه إياها منه وهم متمكنون منها جامعون لأسبابها ويُنتزَعُ من ذلك هيئةٌ فتُشبَّه بهيئةٍ منتزَعةٍ من الراجي ورجائه من المرجو منه شيئاً سهلَ المنال فيستعمل في الهيئة الأولى ما حقه أن يستعمل في الثانية فيكون هناك استعارةٌ تمثيلية قد صُرِّح من ألفاظها بما هو العمدة في انتزاع الهيئة المشبه بها أعني كلمةَ الترجي والباقي منويٌّ بألفاظ متخيلة بها
стр. 86
البقرة (٢٢)
يحصل التركيب المعتبر في التمثيل كما مر مراراً وأما جعلُ المشبهِ إرادتَه تعالى في الاستعارة والتمثيل فأمرٌ مؤسَّسٌ على قاعدة الاعتزالِ القائلة بجواز تخلّفِ المراد عن إرادتِه تعالى فالجملةُ حالٌ إما من فاعل خلقكم طالباً منكم التقوى أو من مفعوله وما عُطف عليه بطريق تغليبِ المخاطبين على الغائبين لأنهم المأمورون بالعبادة أي خلقكم وإياهم مطلوباً منكم التقوى أو علةٌ له فإن خلقَهم على تلك الحال في معنى خلقِهم لأجل التقوى كأنه قيل خلقكم لتتقوا أو كي تتقوا إما بناءً على تجويز تعليلِ أفعاله تعالى بأغراضٍ راجعةٍ إلى العباد كما ذهب إليه كثيرٌ من أهل السنة وإما تنزيلاً لترتُّب الغايةِ عَلى مَا هيَ ثمرةٌ لَهُ منزلةَ ترتبِ الغرضِ عَلى ما هُو غرضٌ لَهُ فإنَّ استتباعَ أفعاله تعالى لغاياتِ ومصالحَ متقنةٍ جليلة من غير أن تكون هي علةٌ غائيةٌ لها بحيث لولاها لما أَقدَم عليها ممَّا لَا نزاعَ فيهِ وتقييدُ خلقهم بما ذكر من الحال أو العلة لتكميل عِلّيته للمأمورِ به وتأكيدِها فإن إتيانَهم بما خُلقوا له أدخَلُ في الوجوب وإيثارُ تتقون على تعبُدون مع موافقته لقوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ للمبالغة في إيجابِ العبادةِ والتشديدِ في إلزامها لما أن التقوى قُصارى أمرِ العابد ومنتهى جُهده فإذا لزمتهم التقوى كان ما هو أدنى منها ألزمَ والإتيانُ به أهونَ وإن روعيت جهةُ المخاطبِ فلعل في معناها الحقيقي والجملةُ حالٌ من ضمير اعبدوا كأنه قيل اعبدوا ربكم راجين للانتظام في زُمرة المتقين الفائزين بالهدى والفلاح على أن المرادَ بالتقوى مرتبتُها الثالثة التي هي التَّبتلِ إلى الله بالكلية والتنزُّه عن كل ما يشغل سره عن مراقبته وهي أقصى غايات العبادة التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ وبالانتظام القدرَ المشتركَ بين إنشائه والثباتِ عليه ليرتجيَه أربابُ هذه المرتبة وما دونها من مترتبتي التوقي عن العذاب المخلد والتجنّبِ عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعل أو تركٍ كما مر في تفسير المتقين ولعل توسيطَ الحال من الفاعل بين وصْفي المفعول لما في التقديم من فوات الإشعارِ بكون الوصفِ الأول معظمَ أحكام الربوبية وكونِه عريقاً في إيجاب العبادة وفي التاخيرمن زيادة طول الكلام هذا على تقدير اعتبارِ تحققِ التوقعِ بالفعل فأما إن اعتُبر تحققُه بالقوة فالجملةُ حال من مفعول خلقكم وما عُطف عليه على الطريقة المذكورة أي خلقكم وإياهم حالَ كونكم جميعاً بحيث يرجو منكم كلُّ راج أن تتقوا فإنه لما بَرَأهم مستعدين للتقوى جامعين لمباديها الآفاقية والأنفسية كان حالهم بحيث يرجو منهم كلُّ راجٍ أن يتقوا لا محالة وهذه الحالة مقارنةٌ لخلقهم وإن لم يتحقق الرجاء قطعاً واعلم أن الآية الكريمةَ مع كونها بعبارتها ناطقةً بوجوب توحيده تعالى وتحتّم عبادتِه على كافة الناس مرشدةٌ لهم بإشارتها إلى أن مطالعةَ الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاق ومما يقضي بذلك قضاءً متقناً وقد بين فيها أولاً من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم وخلقِ أسلافِهم لما أنه أقوى شهادةً وأظهرُ دلالة ثم عقب بما يتعلق بمعاشهم فقيل
стр. 87
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ وهو في محل النصبِ على أنَّه صفةٌ ثانيةٌ لربكم موضحة أو مادحة أو على تقدير أخُص أو أمدَح أو في محلِ الرفعِ
стр. 88
على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ قال ابن مالك التُزم حذفُ الفعل في المنصوب على المدح إشعاراً بأنه إنشاء كما في المنادى وحُذف المبتدأ في المرفوع إجراءً للوجهين على سَننٍ واحد وأما كونُه مبتدأً خبرُه فلا تجعلوا كما قيل فيستدعي أن يكونَ مناطُ النهي مَا في حيزِ الصِّلةِ فقط من غيرِ أن يكون لما سلف من خلقهم وخلقِ مَنْ قبلهم مدخلٌ في ذلك مع كونه أعظمَ شأناً وجعل بمعنى صيّر والمنصوبان بعده مفعولاه وقيل هو بمعنى خلق وانتصابُ الثاني على الحالية والظرفُ متعلقٌ به على التقديرين وتقديمُه على المفعولِ الصريحِ لتعجيل المسَرَّة ببيان كونِ ما يعقُبه من منافع المخاطبين وللتشويق إليه لأن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيَّما بعد الإشعار بمنفعته مترقبةً له فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكن أو لما في المؤخَّر وما عُطف عليهِ من نوع طول فلو قدُم لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم ومعنى جعلها فراشاً جعل بعضَها بارزاً من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوبَ وجعلها متوسطةً بين الصلابة واللين صالحةً للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونُها سطحاً حقيقيا فإن كرية شكلِها مع عظم جِرْمها مصححة لافتراشها وقرئ بساطاً ومِهاداً ﴿والسماء بِنَاء﴾ عطفٌ على المفعولين السابقين وتقديمُ حالِ الأرض لما أن احتياجَهم إليها وانتفاعَهم بها أكثرُ وأظهر أي جعلها قُبة مضروبةً عليكم والسماءُ اسم جنسٍ يُطلق على الواحد والمتعدد أو جمع سماوة أو سماءة والبناء في الاصل مصدرسمى به المبنيُّ بيتاً كان أو قُبةً أو خِباءً ومنه قولُهم بنى على امرأته لما أنهم كانوا إذا تزوجوا امرأةً ضربوا عليها خِباءً جديداً ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ عطفٌ على جعل أي أنزل من جهتها أو منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض كما رُوي ذلك عنه ﵊ أو المرادُ بالسماء جهةُ العلو كما بنبئ عنه الإظهارُ في موضع الإضمار وهو على الأولين لزيادة التقرير ومن لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المفعول أي كائناً من السماء قُدِّم عليه لكونه نكرةً وأما تقديمُ الظرفِ على الوجه الأول مع أنَّ حقَّهُ التأخيرُ عن المفعول الصريح فإما لأن السماءَ أصلُه ومبدؤه وإما لما مر من التشويق إليه مع ما فيه من مزيد انتظامٍ بينه وبينَ قولِهِ تعالى ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي بسبب الماء ﴿مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ وذلك بأن أوْدَعَ في الماء قوةً فاعلةً وفي الأرض قوةً منفعلة فتولَّد من تفاعُلِهما أصنافُ الثمار أو بأن أجرى عادتَه بإفاضة صورِ الثمار وكيفيتها المتخالفة على المادة الممتزجة منها وإن كان المؤثرَ في الحقيقة قدرتُه تعالى ومشيئتُه فإنه تعالى قادر على أن يوجِدَ جميعَ الأشياء بلا مباد وموادَّ كما ابدع نفوس المبادي والاسباب لكن له في إنشائها متقلبةً في الأحوال ومتبدلةً في الأطوار من بدائعَ حِكَمٌ باهرةٌ تُجَدِّدُ لأولي الأبصار عِبراً ومزيدَ طُمَأنينة إلى عظيم قدرتِه ولطيفِ حكمتِه ما ليس في إبداعها بغتة ومن للتبعيض لقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ ولوقوعها بين مُنكَّرين أعني ماءً ورزقاً كأنه قيل وأنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم وهكذا الواقعُ إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء ولا أخرج من الأرض كل الثمرات ولا جعل كلَّ المرزوق ثماراً أو للتبيين ورزقاً مفعول بمعنى المرزوق ومن الثمرات بيانٌ له أو حال منه كقولك أنفقت من الدراهم ألفاً ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ الثمرات مفعولاً ورزقاً حالاً منه أو مصدراً من أخرج لأنه بمعنى رزق وإنما شاع ورودُ الثمرات دون الثمار مع أن الموضع موضعُ
стр. 89
كثرة لأنه أريد بالثمرات جماعة الثمرة في قولك أدركتْ ثمرةُ بستانه ويؤيده القراءة على التوحيد أو لأن الجموعَ يقعُ بعضها موقعَ بعض كقوله تعالى ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ﴾ وقوله تعالى ﴿ثلاثة قُرُوء﴾ أو لأنها مُحلاة باللام خارجةٌ عن حد القِلة واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفة لرزقا على تقدير كونه المرزوق أي رزقاً كائناً لكم أو دِعامةً لتقوية عمل رزقاً على تقدير كونِه مصدراً كأنه قيل رزقاٍ إياكم ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ إما متعلقٌ بالأمر السابق مترتِّبٌ عليه كأنه قيل إذا أمرتم بعبادة مَنْ هذا شأنه من التفرد بهذه النعوت الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكاً وإنما قيل أنداداً باعتبار الواقع لا لأن مدارَ النهي هو الجمعية وقرئ نِدّا وإيقاعُ الاسم الجليل موقعَ الضمير لتعيين المعبودِ بالذاتِ إثرَ تعيينه بالصفات وتعليلِ الحُكمِ بوصفِ الألوهيةِ التي عليَها يدورُ أمرُ الوحدانية واستحالةُ الشِّرْكة والإيذانِ باستتباعها لسائر الصفات وإما معطوفٌ عليهِ كما في قولِهِ تعالى اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً والفاء للإشعار بعِلّية ما قبلها من الصفات المُجراة عليه تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآلَ النهْي هو الأمر بتخصيص العبادة به تعالى المترتبُ على أصلها كأنه قيل اعبدوه فخُصُّوها به والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ لما مر آنفاً وقيل هو نفيٌ منصوبٌ بإضمار أن جواباً للأمر ويأباه أن ذلك فيما يكون الأول سبباً للثاني ولا ريب في أن العبادة لا تكون سبباً للتوحيد الذي هو أصلُها ومبناها وقيل هو منصوبٌ بلعل نصبَ فَأَطَّلِعَ في قوله تعالى لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى أي خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تُشْبِهوه بخلقه وحيث كان مدارُ هذا النصب تشبيهَ لعل في بُعْد المرجوِّ بليت كان فيه تنبيهٌ على تقصيرهم بجعلهم المرجوِّ القريبَ بمنزلة المتمنى البعيد وقيل هو متعلِّق بقولِه تعالى الذى جَعَلَ الخ على تقدير رفعِه على المدح أي هو الذي حفكم بهذه الآياتِ العظامِ والدلائل النيِّرة فلا تتخذوا له شركاءَ وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم وخلقِ أسلافِهم بمعزل من مناطية النهي مع عراقتهما فيها وقيل هو خبرٌ للموصول بتأويل مَقولٍ في حقه وقد عرفتَ ما فيه مع لزوم المصير إلى مذهب الأخفش في تنزيل الاسم الظاهرِ منزلةَ الضمير كما في قولك زيدٌ قام أبو عبد الله إذا كان ذلك كنيتَه والند المثل المساوي من ندّ ندُوداً إذا نفر ونادَدْتُه خالفته خُص بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوي بالمماثل في المقدار وتسميةَ ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله تعالى في صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لما أنهم لما تركوا عبادته تعالى إلى عبادتها وسمَّوْها آلهةً شابهتْ حالُهم حالَ من يعتقد أنها ذواتٌ واجبةُ بالذات قادرة على أن تدفع عنهم بأسَ الله وتمنحهم ما لم يُرد الله تعالى بهم من خير فتهكّمٌ بهم وشُنِّع عليهم أن جعلوا أنداداً لمن يستحيل أن يكونَ له ندٌّ واحد وفي ذلك قال موحِّد الجاهلية زيدِ بنِ عمروِ بن نفيل
أربّاً واحداً أم ألفَ رب ... أدينُ إذا تقسَّمت الأمورُ
تركتُ اللاتَ والعزّى جميعا ... كذلك يفعل الرجلُ البصير
وقوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالٌ من ضميرِ لا تجعلوا بصرف التقييد إلى ما أفاده النهي من قُبح المنهي عنه ووجوبِ الاجتنابِ عنه ومفعول تعلمون مطروحٌ بالكُلِّية كأنَّه قيل لا تجعلوا ذلك فإنه قبيحٌ واجبُ الاجتناب عنه والحال أنكم من اهل العلم بدقائق الأمورِ وإصابة الرأي أو مقدرٌ حسبما يقتضيه المقام نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك أو تعلمون انه لا يماثله شئ أو تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت أو
стр. 90
البقرة (٢٣)
تعلمون أنها لا تفعل مثلَ أفعاله كما في قوله تعالى ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء﴾ أو غير ذلك وحاصلُه تنشيطُ المخاطبين وحثُّهم على الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ هذا الذي يستدعيه عمومُ الخطاب في النهي بجعل المنهي عنه القدرَ المشتركَ المنتظِمَ لإنشاء الانتهاءِ كما هو المطلوبُ من الكفرة وللثبات عليه كما هو شأن المؤمنين حسبما مر مثلُه في الأمر وأما صرفُ التقييد إلى نفس النهي فيستدعي تخصيصَ الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك بطريق قصرِ النهي على حالة العلمِ ضرورةَ شمولِ التكليفِ للعالم والجاهلِ المتمكنِ من العلم بل إنما يتأتى بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع بناءً على أن تعاطيَ القبائحِ من العالمِين بقُبحها أقبحُ وذلك إنما يُتصور في حق الكفرة فمَنْ صرف التقييد إلى نفس النهي مع تعميم الخطاب للمؤمنين أيضاً فقد نأى عن التحقيق إن قلت أليس في تخصيصه بالكفرة في الأمر والنهي خلاصٌ من أمثالِ ما مر من التكلفات وحسنُ انتظامٍ بين السباقِ والسياق إذ لا محيدَ في آية التحدي من تجريد الخطابِ وتخصيصُه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رِباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن جبر الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة حسبما مر في صدرِ السورةِ الكريمةِ مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي قلت بلى إنه وجهٌ سَرِيٌّ ونهج سوي لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَّت قدمَه عليه فتأمل
стр. 91
﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ شروع في تحقيق أن الكتابَ الكريم الذي من جُملته ما تلي من الآيتين الكريمتين الناطقتين بوجوب العبادةِ والتوحيدِ منزلٌ من عندِ الله على رسوله ﷺ كما أن ما ذكر فيهما من الآياتِ التكوينيةِ الدالةِ على ذلك صادرة عنه تعالى لتوضيح اتصافِه بما ذكر في مطلَعِ السورةِ الشريفة من النعوتِ الجليلةِ التي من جملتها نزاهتُه عن أن يعتريَه ريبٌ ما والتعبيرُ عن اعتقادِهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يُعرب عنه قوله تعالى إِن كُنتُمْ صادقين إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدورُه عنهم وإن كانوا في غايةِ ما يكونُ من المكابرة والعِناد هو الارتيابُ في شأنه وأما الجزمُ المذكورُ فخارجٌ من دائرة الاحتمال كما أن تنكيرَه وتصديرَه بكلمة الشكِّ للإشعار بأن حقَّه أن يكون ضعيفاً مشكوكَ الوقوع وإما للتنبيه على أن جزمَهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمالِ وضوحِ دلائلِ الإعجازِ ونهايةِ قوتِها وإنما لم يقل وإن ارتبتم فما نزلنا الخ لما أُشيرَ إليهِ فيما سَلَف من المبالغة في تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن شائبة وقوعِ الريب فيه حسْبما نطَق به قولُه تعالَى لَا رَيْبَ فِيهِ والإشعار بأن ذلك إنْ وقع فمن جهتهم لا من جهته العاليةِ واعتبارُ استقرارِهم فيه وإحاطتُه بهم لا ينافي اعتبارَ ضعفِه وقِلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوامُ ملابستهم به لا قوته وكثرته ومن في مما ابتدائيةٌ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفة لريب وحملُها على السببية ربما يوهمُ كونَه محلاً للريب في الجملة وحاشاه ذلك وما موصولةً كانت أو موصوفة عبارةٌ عن الكتاب الكريم لا عن القدر المشتركِ بينه وبين ابعاضه ليس معنى كونِهم
стр. 92
في ريب منه ارتيابَهم في استقامة معانيه وصحةِ أحكامِه بل في نفس كونِه وحياً منزَّلاً من عندِ الله وإيثار التنزيل المنبئ عن التدريج على مطلقِ الإنزالِ لتذكيرِ منشأ ارتيابِهم وبناءُ التحدي عليه إرخاءٌ للعِنان وتوسيعاً للميدان فإنهم كانوا اتخذوا نزولَه منجّماً وسيلةً إلى إنكاره فجُعل ذلك من مبادي الاعتراف به كأنه قيل إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل وتدريجٍ فهاتوا أنتم مثلَ نَوْبةٍ فذةٍ من نُوَبه ونَجْم فَرْدٍ من نجومه فإنه أيسرُ عليكم من أن يُنزلَ جُملةً واحدة ويُتحدَّى بالكل وهذا كما ترى غايةُ ما يكون في التبكيت وإزاحةِ العلل وفي ذكره ﷺ بعنوانِ العبوديةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ الجلالة من التشريفِ والتنويه والتنبيهِ على اختصاصه به وانقيادة لأوامره تعالى مالا يخفى وقرئ على عبادنا والمرادُ هو ﷺ وأمتُه أو جميعُ الأنبياءِ ﵈ ففيه إيذانٌ بأن الارتيابَ فيه ارتيابٌ فيما أنزل مَنْ قبلَه لكونه مصدِّقاً له ومهيمِناً عليه والأمرُ في قولِهِ تعالَى ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ من باب التعجيز وإلقامِ الحجر كما في قوله تعالى ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ والفاءُ للجواب وسببيةُ الارتياب للأمر أو الإتيانِ بالمأمور به لما أشير إليه من أنه عبارةٌ عن جزمهم المذكور فإنه سببٌ للأول مطلقاً وللثاني على تقدير الصدقِ كأنَّه قيلَ إنْ كانَ الأمرُ كَما زعمتم من كونه كلامَ البشر فأتوا بمثله لأنكم تقدِرون على ما عليه سائرُ بني نوعِكم والسُورة الطائفةَ من القرآن العظيم المترجمة وأقلها ثلاثُ آيات وواوُها أصليةٌ منقولةٌ من سُور البلد لأنها محيطةٌ بطائفةٍ من القرآن مفرَزةٍ مَحُوزةٍ على حِيالها أو محتويةٍ على فنون رائقةٍ من العلوم احتواءَ سور المدينة على مافيها أو من السَّوْرة التي هي الرتبة قال
ولرهط حرّابٍ وقذّ سَوْرة ... في المجد ليس غرابُها بمُطارِ
فإن سور القرآن مع كونِها في أنفسِها رُتباً من حيث الفضلُ والشرفُ أو من حيث الطولُ والقِصَر فهي من حيث انتظامُها مع أخواتها في المصحف مراتب برتقى إليها القارئ شيئاً فشيئاً وقيل واوها مُبدلةٌ من الهمزة فمعناها البقية من الشئ ولا يخفى ما فيه ومن في قوله ﴿مّن مّثْلِهِ﴾ بيانيةٌ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لسورة والضمير لما نزلنا أي بسورة كائنةٍ من مثله في علوّ الرتبة وسموِّ الطبقة والنظمِ الرائق والبيانِ البديع وحيازةِ سائرِ نعوتِ الإعجاز وجعلُها تبعيضيةً يوهم أن له مثلاً محققاً قد أريد تعجيزُهم عن الإتيان ببعضه كأنه قيل فأتوا ببعضِ ما هو مثل له يُفهم منه كونُ المماثلة من تتمة المعجوز عنه فضلاً عن كونها مداراً للعجز مع أنه المراد وبناءُ الأمر على المجاراة معهم بحسب حُسبانِهم حيث كانوا يقولون لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلةَ الريب فإن مبنى التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفِه ولو بغير جِدّ وقيل هي زائدة على ما هو رأيُ الأخفش بدليل قوله تعالى ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ﴾ ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ﴾ وقيل هي ابتدائية فالضميرُ حينئذ للمُنْزل عليه حتماً لما أن رجوعَه إلى المنزَلِ يوهم أن له مثلاً محققاً قد ورد الأمرُ التعجيزيُّ بالإتيان بشئ منه وقد عرفتَ ما فيه بخلاف رجوعِه إلى المنزل عليه فإن تحققَ مثلِه ﵇ في البشرية والعربية والأمية يهوِّن الخطب في الجملة خلا أن تخصيص التحدى يفرد يشاركُه ﵇ فيما ذكرَ من الصفات المنافية للإيتان بالمأمور به لا يدلُّ على عجز مَنْ ليس كذلك من علمائهم بل ربما يوهم قدرتَهم على ذلك في الجملة فرادى أو مجتمعين مع أنه يستدعي عراءَ المُنْزَل عما فُصِّل من النعوت الموجبةِ لاستحالة وجود مثلِه فأين هذا من تحدي أمةٍ جمّةٍ وأمرِهم بأن يحتشدوا في حلبة المعارضة
стр. 93
بخيلهم ورَجِلِهم حسبما ينطِق به قوله تعالى ﴿وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله﴾ ويتعاونوا على الإتيان بقدْر يسسير مماثلٍ في صفات الكمال لما أتى بجملته واحدٌ من أبناء جنسهم والشهداءُ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو الناصر ومعنى دون أدنى مكانٍ من شيء يقال هذا دون ذاك إذا كان أحطَّ منه قليلاً ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتبِ فقيل زيد دون عمرو أي في الفضل والرتبة ثم اتَّسع فاستُعمل في كل تجاوز حدَ إلى حد وتخطِّي حُكم إلى حكم من غير ملاحظةِ انحطاطِ أحدهما عن الآخر فجرى مَجرى أداةِ الاستثناء وكلمة من إما متعلقةٌ بادعوا فتكونُ لابتداءِ الغاية والظرفُ مستقرٌّ والمعنى ادعوا متجاوزين الله تعالى للاستظهار من حضَركم كائناً مَن كان أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضرِكم من رؤسائكم وأشرافِكم الذين تَفْزَعون إليهم في المُلمّات وتعوِّلون عليهم في المُهِمّات أو القائمين بشهاداتكم الجاريةِ فيما بينكم من أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوقِ بتنفيذ القولِ عند الولاة أو القائمين بنُصرتكم حقيقةً أو زعماً من الإنس والجن ليعينوكم وإخراجُه من حُكم الدعاء في الأول مع اندراجه في الحضورِ لتأكيد تناولِه لجميع ما عداه لا لبيان استبدادِه تعالى بالقدرة على ما كُلِّفوه فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دَعَوْه تعالى لأجابهم إليه وأما في سائر الوجوه فللتصريح من أول الأمرِ ببراءتهم منه تعالى وكونِهم في عُدْوة المحادة والمشاقة له قاصرين استظهارَهم على ما سواه والاتفات لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وقيل المعنى ادعوا من دون أولياءِ الله شهداءَكم الذين هم وجوهُ الناس وفرسان المقالة والمناقلةِ ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثلُه إيذانا يأنهم يأبَوْن أن يرضَوْا لأنفسهم الشهادةَ بصحة ما هو بيِّنُ الفسادِ وجَليُّ الاستحالة وفيه أنه يؤذِنُ بعدم شمولِ التحدي لأولئك الرؤساءِ وقيل المعنى ادعوا شهداءكم فصححوا بهم دعواكم ولا تستشهدوا بالله تعالى قائلين الله يشهد أن ما ندعيه حقٌ فإن ذلك دَيدَنُ المحجوج وفيه أنه إن أريد بما يدّعون حقِّية ما هم عليه من الدين الباطلِ فلا مِساسَ له بمقام التحدي وإن أريد مثلية ما أتَوْا به للمتحدى به فمعَ عدمِ ملاءمتِه لابتداء التحدي يوهم أنهم قد تصَدَّوا للمعارضة وأتَوْا بشيءٍ مشتبه الحال متردد بين المِثلية وعدمِها وأنهم ادعواها مستشهدين في ذلك بالله إذ عند ذلك تمَسُّ الحاجةُ إلى الأمر بالاستشهاد بالناس والنهي عن الاستشهاد به تعالى وأنى لهم ذلك وما نبَضَ لهم عِرقٌ ولا نَبَسوا ببنتِ شَفَةٍ وإما متعلقةٌ بشهداءَكم والمراد بهم الأصنامُ ودون بمعنى التجاوزِ على أنها ظرفٌ مستقِرٌ وقع حالا من ضميرِ المخاطَبين والعاملُ ما دل عليه شهداءكم أي ادعوا أصنامَكم الذين أتخذتوهم آلهةً متجاوزين الله تعالى في اتخاذها كذلك وكلمةُ من ابتدائيته فإن الاتخاذَ ابتداءٌ من التجاوز والتعبيرُ عن الأصنام بالشهداء لتعيين مدارِ الاستظهارِ بها بتذكير ما زعَموا من أنها بمكانٍ من الله تعالى وأنها تنفعُهم بشهادتها لهم أنهم على الحق فإن ما هذا شأنُه يجب أن يكون مَلاذاً لهم في كل أمرٍ مُهم وملجأً يأوُون إليه في كل خطب مُلم كأنه قيل أولئك عُدّتُكم فادعوهم لهذه الداهية التي دَهَمتكم فوجهُ الالتفاتِ الإيذانُ بكمال سخافةِ عقولِهم حيث آثرَوُا على عبادة من له الألوهيةُ الجامعةُ لجميع صفات الكمال ما لا أحقرَ منه وقيل لفظه دون مستعار من معناها الوضعي الذي هو أدنى مكانٍ من شيء لِقُدّامِه كما في قولِ الأَعْشَى ... تُريك القَذى منْ دُونِها وهي دونَهُ ... أي تريك القذى قُدّامها وهي قُدّامَ القذى فتكون ظرفا لغوا معمولا لشهدائكم لكفاية رائحةِ الفعل فيه منْ غيرِ حاجةٍ إلى
стр. 94
البقرة (٢٤)
اعتماد ولا إلى تقدير يشهدون أي ادعوا شهداءَكم الذين يشهدون لكم بين يدَي الله تعالى ليعينوكم في المعارضة وإيرادُها بهذا العنوان لما مر من الإشعار بمناطِ الاستعانةِ بها ووجهُ الالتفات تربيةُ المهابة وترشيحُ ذلك المعنى فإنَّ ما يقوم بهذا الأمر في ذلك المقام الخطيرِ حقه أن يستعان له في كل مَرام وفي أمرِهم على الوجهين بأن يستظهروا في معارضة القرآن الذي أخرسَ كلَّ مِنْطيقٍ بالجماد من التهكم بهم مالا يوصف وكلمة من ههنا تبعيضية لما أنهم يقولون جلس بين يديه وخلفَه بمعنى في لأنهما طرفان للفعل ومن بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خلفِه لأن الفعل إنما يقع في بعض تَيْنِك الجهتين كما تقول جئتُه من الليل تريد بعضَ الليل وقد يقال كلمةُ من الداخلةُ على دون في جميع المواقعِ بمَعْنَى في كَما في سائر الظروف التي لا تتصرف وتكون منصوبةً على الظرفية أبداً ولا تنجرُّ إلا بمن خاصة وقيل المرادُ بالشهداء مداره لقوم ووجوهُ المحافل والمحاضِر ودون ظرفٌ مستقر ومن ابتدائية أي ادعوا الذين يشهدون لكم أن ما أتيتم به مثلُه متجاوزين في ذلك أولياءَ الله ومحصله شهداء مغايرين لهم إيذاناً بأنهم أيضاً لا يشهدون بذلك وإنما قُدر المضافُ إلى الله تعالى رعايةً للمقابلة فإن أولياءَ الله تعالى يقابِلون أولياءَ الأصنام كما أن ذكرَ الله تعالى يقابل ذكرَ الأصنام بهذا الأمر إرخاءُ العِنان والاستدراجُ إلى غاية التبكيت كأنه قيل تركنا إلزامَكم بشهداءَ لا ميلَ لهم إلى أحدِ الجانبين كما هو المعتاد واكتفينا بشهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذراً من اللائمة وأَنَفةً من الشهداة البيِّنة البُطلان كيف لا وأمرُ الإعجاز قد بلَغ من الظُّهورِ إلى حيثُ لم يبقَ إلى إنكاره سبيلٌ قطعاً وفيه ما مرَّ من عدم الملاءمةِ لابتداء التحدّي وعدمِ تناولِه لأولئك الشهداء وإبهام أنهم تعرضوا لمعارضة وأتَوْا بشيء احتاجوا في إثبات مِثْلِيَّتِه للمتحدى به إلى الشهادة وشتانَ بينهم وبين ذلكَ
﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في زعمكم أنه من كلامه ﵇ وهو شرطٌ حذفَ جوابُه لدلالةِ ما سبق عليهِ أيْ إنْ كنتُم صادقين فأتوا بسورة من مثله الخ واستلزامُ المقدَّم للتالي من حيث إن صدقَهم في ذلك الزَّعم يستدعي قدرتَهم على الإتيانِ بمثله بقضيةِ مشاركتِهم لهُ ﵇ في البشريةِ والعربيةِ مع ما بهم من طولِ الممارسةِ للخُطب والأشعارِ وكثرةِ المزاولةِ لأساليبِ النظمِ والنثرِ والمبالغةِ في حفظِ الوقائعِ والأيام لاسيما عند المظاهرة والتعاونِ ولا ريب في أن القدرة على الشئ منْ موجباتِ الإتيانِ به ودواعي الأمرِ به
стр. 95
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ أي ما أُمرتم بهِ منَ الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غايةَ المجهود وجاوزتم في الحد كلَّ حدَ معهود متشبثين بالذيول راكبين متنَ كل صَعْب وذَلول وإنما لم يصرَّح به إيذانا بعدم الحاجة إليه بناءً على كمالِ ظهورِ تهالُكِهم على ذلك وإنما أُورد في حيز الشرط مطلق لفعل وجعل مصدر الفعل المأمورِ به مفعولاً له للإيجاز البديعِ المغني عن التطويل والتكرير مع سِرَ سَرِيَ استَقلَّ به المقامَ وهو الإيذان بالمقصود بالتكليف هو إيقاعُ نفسِ الفعل المأمور به لإظهار عجزِهم عنه لا لتحصيل المفعول أي المأتي به ضرورةَ استحالته وأن مناطَ الجوابِ في الشرطية أعني الأمر باتقاءِ النار هو عجزُهم عن إيقاعه لا فوتُ حصولِ المفعول فإن مدلول لفظ
стр. 96
الفعل هو أنفُسُ الأفعال الخاصة لازمةً كانت أو متعديةً من غير اعتبارِ تعلقاتِها بمفعولاتها الخاصة فإذا عُلِّق بفعل خاصَ متعدَ فإنما يُقصَدُ به إيقاعُ نفس الفعل وإخراجُه من القوةِ إلى الفعلِ وأما تعلقُه بمفعوله المخصوصِ فهو خارج عن مدلول الفعلِ المطلقِ وإنما يستفاد ذلك من الفعل الخاص ولذلك تراهم يتوسلون بذلك إلى تجريد الأفعالِ المتعديةِ عن مفعولاتها وتنزيلِها منزلةَ الأفعالِ اللازمة فيقولون مثلاً معنى فلانٌ يُعطي ويَمنعُ يفعل الإعطاء والمنع يرشدك إلى هذا قولِهُ تَعَالى ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ بعد قوله تعالى ﴿ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ﴾ فإنه لما كان مقصودُ يوسفَ ﵇ بالأمر ومَرْمَى غرضِه بالتكليف منه استحضارَ بنيامين لم يكتفِ في الشرطية الداعية لهم إلى الجِد في الامتثال والسعْيِ في تحقيق المأمورِ به بالإشارة الإجماليةِ إلى الفعل الذي ورد به الأمر بأن يقول فإن لم تفعلوا بل أعاده بعينه متعلقاً بمفعوله تحقيقاً لمطلبه وإعراباً عن مقصِده هذا وقد قيل أُطلق الفعلُ وأريد به الإتيانُ مع ما يتعلق به إما على طريقة التعبير عن الأسماء الظاهرةِ بالضمائر الراجعةِ إليها حذراً من التكرار أو على طريقة ذكر اللازمِ وإرادةِ الملزوم لما بينهما من التلازمِ المصححِ للانتقال بمعونة قرائنِ الحال فتدبروا إيثار كلمة إنْ المفيدةِ للشك على إذا مع تحقُّق الجزم بعدم فعلِهم مجاراةٌ معهم بحسَب حُسبانهم قبل التجربة أو التهكمُ بهم
﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ كلمة لن لنفي المستقبلِ كَلَا خلا أن في لن زيادةَ تأكيدٍ وتشديد وأصلُها عند الخليل لاإن وعند الفراء لا أُبدلت ألفُها نوناً وعند سيبويه حرفٌ مقتَضَبٌ للمعنى المذكور وهي إحدى الروايتين عن الخليل والجملة اعتراضٌ بين جزأي الشرطية مقرِّر لمضمون مُقدَّمِها ومؤكِّدٌ لإيجاب العمل بتاليها وهذه معجزة باهرةٌ حيث أُخبر بالغيب الخاصِّ علمه به وقد وقع الأمر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشيءٍ يُدانيه في الجملة لتناقَلَه الرواةُ خلفاً عن سلف
﴿فاتقوا النار﴾ جوابٌ للشرط على أن اتقاءَ النار كناية عن الاعتراز من العِناد إذ بذلك يتحقق تسبُّبه عنه وترتُبه عليه كأنه قيل فإذا عجَزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقررُ فاحترزوا من إنكار كونِه منزَّلاً من عند الله سبحانه فإنه مستوجِبٌ للعقاب بالنار لكنْ أوثر عليه الكنايةُ المذكورة المبنيةُ على تصوير العنادِ بصورة النارِ وجُعل الاتصافُ به عينَ الملابسة بها للمبالغة في تهويل شأنِه وتفظيعِ أمرِه وإظهارِ كمال العنايةِ بتحذير المخاطبين منه وتنفيرِهم عنه وحثِّهم على الجد في تحقيق المكنِي عنه وفيه من الإيجاز البديع مالا يخفى حيث كان الأصلُ فإن لم تفعلوا فقد صح صِدْقُه عندكم وإذا صح ذلك كان لزومُكم العنادَ وتركُكم الإيمانَ به سببا لاستحقاكم العقاب بالنار فاحتزروا منه واتقوا النار
﴿التى وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ صفةٌ للنار مُورثةٌ لها زيادةَ هولٍ وفظاعةٍ أعاذنا الله من ذلك والوَقودُ ما يوقد به النارُ وتُرفع من الحطب وقرئ بضم الواو وهو مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً كما يقال فلان فخرُ قومِه وزَيْنُ بلدِه والمعنى أنها من الشدة بحيث لاتمس شيئاً من رَطْبٍ أو يابس إلا أحرقته لا كنيران الدنيا تفتقرفي الالتهاب إلى وَقودٍ من حطب أو حشيش وإنما جُعل هذا الوصفُ صلةً للموصول مقتضيةً لكون انتسابها إلى ما نسبت هي إليه معلوم للمخاطَب بناءً على أنهم سموه من أهل الكتاب قبل ذلك أو من الرسول ﷺ أو سمِعوا قبل هذه الآية المدنية قولَه تعالى ﴿نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ فأُشير ههنا إلى ما سمعوه أولاً وكونُ سورةِ التحريم مدنيةً لا يستلزِمُ كون
стр. 97
البقرة (٢٥)
جميعِ آياتها كذلك كما هو المشهورُ وأما أن الصفةَ أيضاً يجبُ أن تكون معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف عند المخاطَبِ فالخطبُ فيه هيِّن لما أن المخاطَب هناك المؤمنون وظاهرٌ أنهم سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ والمراد بالحجارة الأصنامُ وبالناس أنفسُهم حسبما ورد في قولِه تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية
﴿أُعِدَّتْ للكافرين﴾ أي هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عِدةً لعذابهم والمرادُ إما جنسُ الكفار والمخاطَبون داخلونَ فيهم دُخولاً أولياً وإما هم خاصةً ووضعُ الكافرينَ موضعَ ضميرِهِم لذمهم وتعليلِ الحكم بكفرهم وقرئ أُعتِدت من العَتاد بمعنى العِدة وفيه دلالة على أن النارَ مخلوقةٌ موجودة الآن والجملة استئناف لامحل لها من الإعراب مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها ومؤكدةٌ لإيجاب العمل به ومبيِّنةٌ لمن أريد بالناس دافعةٌ لاحتمال العموم وقيل حالٌ بإضمارِ قَدْ من النار لا من ضميرها في وَقودها لما في ذلك من الفصل بينهما بالخبر وقيل صلةٌ بعد صلةٍ أو عطفٌ على الصلة بترك العاطف
стр. 98
﴿وبشر الذين آمنوا﴾ أي بأنه منزلٌ من عندِ الله وهو معطوفٌ على الجملة السابقة لكن لا على أن المقصودَ عطفُ نفس الأمرِ حتى يُطلبَ له مَشاكِلٌ يصِحُّ عطفَه عليه بل على أنَّه عطفُ قصةِ المؤمنين بالقرآن ووصفِ ثوابهم على قصة الكافرين به وكيفيةِ عقابهم جرياً على السُنة الإلهية من شفْع الترغيب بالترهيب والوعدِ بالوعيد وكأنَّ تغييرُ السَّبكِ لتخييل كمالِ التباين بين حال الفريقين وقرئ وبُشرِّ على صيغة الفعل مبنياً للمفعول عطفاً على أعِدَّت فيكونُ استئنافاً وتعليقُ التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلَّلٌ بما في حيز الصلة من الإيمان والعملِ الصالحِ لكن لا لذاتهما فإنها لا يكافِئان النعمَ السابقة فضلاً من أن يقتضِيا ثواباً فيما يستقبل بل بجعل الشارعِ ومقتضى وعدِه وجعل صلتِه فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيرادِ الكفارِ بصيغة الفاعل لحثِّ المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرِهم من الاستمرار على الكفر والخطاب للنبي ﷺ وقيل لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ التبشير كما في قولِه ﵇ بشر المشّائين إلى المساجد في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة فإنه ﵇ لم يأمُر بذلك واحداً بعينه بل كلَّ أحد ممن يتأتى منه ذلك وفيه رمزٌ إلى أنَّ الأمر لعِظَمه وفخامة شأنه حقيقٌ بأن يتولى التبشيرَ به كلُّ من يقدر عليه والبِشارة الخبرُ السار الذي يظهر به أثر السرور في البشرة وتباشيرُ الصبح أوائلُ ضوئه
﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الصالحة كالحسنة في الجريان مَجرى الاسم وهي كلُّ ما استقام من الأعمال بدليل العقلِ والنقلِ واللام للجنس والجمعُ لإفادة أن المرادَ بها جملةٌ من الأعمال الصالحة التي أشير إلى أمهاتها في مطلع السورةِ الكريمة وطائفةٌ منها متفاوتةٌ حسبَ تفاوتِ حال المكلفين في مواجب التكليف وفي عطف العملِ على الإيمان دلالةٌ على تغايرهما وإشعارٌ بأن مدار استحقاقِ البشارةِ مجموعُ الأمرين فإن الإيمان أساسٌ والعملُ الصالح كالبناء عليه ولا غَناءَ بأساس لا بناءَ به
﴿أَنَّ لَهُمْ جنات﴾ منصوبٌ بنزع الخافض وإفضاءِ الفعل إليه أو مجرور بإضماره مثل الله لأفعلنّ والجنةُ هي المرةُ من مصدرِ
стр. 99
جَنَّه إذا سترَهُ تُطلق على النخلِ والشجرِ المتكاثفِ المُظللِ بالتفافِ أغصانِه قالَ زهير
كأنَّ عيني في غَرْبيِّ مقتلة ... منَ النواضِحِ تَسقِي جنةً سَحَقا
أي نخلاً طوالاً كأنها لفرطِ تكاثفِها والتفافِها وتغطيتها لما تحتها بالمرة نفسُ السُترة وعَلَى الأرضِ ذاتُ الشجرِ قال الفَرَّاءُ الجنةُ ما فيهِ النخيلُ والفِردوسُ ما فيه الكَرْم فحقُ المصدر حينئذ أن يكونَ مأخوذاً من الفعل المبني للمفعول وإنما سميت دارَ الثواب بها مع أن فيها مالا يوصف من الغُرفات والقصور لما أنها مناطُ نعيمها ومعظمُ ملاذها وجمعها مع التنكير لأنها سبعٌ على ما ذكره ابن عباس ﵄ جنةُ الفردوس وجنة عدْن وجنة النعيم ودارُ الخلد وجنةُ المأوى ودارُ السلام وعليون وفي كل واحد منها مراتبُ ودرجاتٌ متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها
﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ في حيز النصبِ على أنه صفةُ جنات فإن أُريد بها الأشجارُ فجريانُ الأنهارِ من تحتها ظاهرٌ وإنْ أُريد بها الأرضُ المشتملةَ عليَها فلا بُدَّ من تقدير مضافٍ أي من تحت أشجارِها وإنْ أُريدَ بها مجموعِ الأرضِ والأشجارِ فاعتبارُ التَّحتيَّةِ بالنَّظرِ إلى الجزءِ الظاهِرِ المصحِّح لإطلاقِ اسمِ الجنة على الكل عن مسروق أن أنهارَ الجنة تجري في غير أخدود واللامُ في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان بستانٌ فيه الماءُ الجاري والتينُ والعنب أو عِوَضٌ عن المضافِ إليهِ كما في قوله تعالى ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ أو للعهد والإشارة إلى ما ذكر في قوله عز وعلا ﴿أنهار من ماءٍ غيرِ آسنٍ﴾ الآية والنهَرُ بفتح الهاء وسكونها المجرَى الواسعُ فوق الجَدْول ودون البحر كالنيل والفرات والتركيبُ للسَّعة والمرادُ بها ماؤها على الإضمار أو على المجاز اللغوي أو المجاري أنفسُها وقد أسند إليها الجريانُ مجازاً عقلياً كما في سال الميزاب
﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رزقنا من قبل﴾ صفة أخرى لجنات أخِّرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصفٌ لها باعتبار ذاتها وهذا وصف لها باعتبارأهلها المتنعِّمين بها أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو جملة مستأنفة كأنه حين وُصفت الجناتُ بما ذكر من الصفة وقع في ذهن السامعِ أثمارها كثمار جناتِ الدنيا أولاً فبيّن حالُها وكلما نصبٌ على الظرفية ورزقاً مفعول به ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقعَ الحال كأنه قيل كلَّ وقت رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأً من ثمرة على أن الرزق مقيد بكونه مبتدأ من الجنات وابتداؤه منها مقيدٌ بكونه مبتدأً من ثمرة فصاحبُ الحال الأولى رزقاً وصاحبُ الثانية ضميرُه المستكنّ في الحال ويجوز كونُ من ثمرة بياناً قُدّم على المبين كما في قولك رأيتُ منك أسداً وهذا إشارةٌ إلى ما رزقوا وإن وقعت على فرد معين منه كقولك مشيراً إلى نهر جارٍ هذا الماءُ لا ينقطع فإنك إن أشرتَ إلى ما تعايِنهُ بحسب الظاهر لكنك إنما تعني بذلك النوعَ المعلومَ المستمر فالمعنى هذا مثلُ الذي رزقناه مِن قَبْلُ أي من قبل هذا في الدنيا ولكن لما استحكم الشبَهُ بينهما جُعل ذاتُه ذاتَه وإنما جُعل ثمرُ الجنة كثمار الدنيا لتميل النفسُ إليه حين تراه فإن الطباعَ مائلة إلى المألوف متنفِّرة عن غير معروف وليتبين لها مزّيته وكُنهُ النعمة فيه إذ لو كان جنساً غيرَ معهود لظُن أنه لا يكون إلا كذلك أو مثلُ الذي رزقناه من قبل في الجنة لأن طعامَها متشابهُ الصور كما يحكى عن الحسن ﵁ إن أحدَهم يؤتى الصَّحْفة فيأكلُ منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثلَ الأولى فيقول ذلك فيقول الملكُ كلْ فاللونُ واحدٌ والطعمُ مختلف أو كما روي أنه ﷺ قال والذي نفسي بيدِه إنَّ الرجلَ من أهل الجنة ليتناول الثمرةَ ليأكُلَها فما هي واصلةٌ إلى فيه حتى يُبدِّلَ
стр. 100
الله تعالى مكانها مثلَها والأول أنسبُ لمحافظة عمومِ كلما فإنه يدل على ترديدهم هذه المقالةَ كلَّ مرة رزقوا لافيما عدا المرةَ الأولى يُظهرون التبجحَ وفرطَ الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذةُ مع اتحادهما في الشكل واللون كأنهم قالوا هذا عينُ مارزقناه في الدنيا فمن أين له هذه الرتبةُ من اللذة والطيب ولا يقدُح فيه ما رُوي عن ابنِ عباس ﵄ من أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الاسمُ فإن ذلك لبيان كمالِ التفاوتِ بينهما من حيث اللذةُ والحسن لا لبيان ان لا تشابُهَ بينهما أصلاً كيف لا وإطلاقُ الأسماء منوطٌ بالاتحاد النوعيّ قطعاً هذا وقد فُسّرت الآيةُ الكريمة بأن مستلذاتِ أهلِ الجنة بمقابلة مارزقوه في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتةُ الحال فيجوز أن يريدوا هذا ثوابُ الذي رزقناه في الدنيا من الطاعات ولا يساعده تخصيصُ ذلك بالثمرات فإن الجنَّةَ وَمَا فِيْهَا منْ فنونِ الكرامات من قبيل الثواب
﴿وَأُتُواْ بِهِ متشابها﴾ اعتراضٌ مقرر لما قبله والضميرُ المجرورُ على الأول راجعٌ إلى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في الدارين كما في قوله تعالى ﴿إن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ أي بجنسي الغني والفقير وعلى الثاني إلى الرزق
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذرة كالحيْض والدَرن ودنَس الطبع وسوءِ الخلق فإن التطهرَ يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال وقرئ مطهَّراتٌ وهما لغتان فصيحتان يقال النساءُ فعلت وفعلن وهن فاعلة وفواعل قال
وإذا العذارى بالدُّخان تقنَّعت ... واستعجلت نصبَ القدور فمَلَّتِ
فالجمع على اللفظ والإفراد على تأويل الجماعة وقرئ مطَّهِرة بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ومطَّهِرة أبلغُ من طاهرة ومتطهرة للإشعار بأن مُطَهِّراً طهرهن وما هو إلا الله وأما التطهر فيحتمل أن يكون من قبل أنفسهن كما عند اغتسالهن والزوجُ يطلق على الذكر والأنثى وهو في الأصلِ اسمُ لماله قرينٌ من جنسه وليس في مفهومه اعتبارُ التوالد الذي هو مدارُ بقاءِ النوعِ حتى لا يصِحَّ إطلاقُه على أزواج أهلِ الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد كما أن الدارية لبقاء الفردِ ليست بمعتبرة في مفهومِ اسمِ الرزق حتى يُخِلَّ ذلك بإطلاقه على ثمارالجنة
﴿وَهُمْ فِيهَا خالدون﴾ أي دائمون والخلودُ في الأصل الثباتُ المديد دامَ أو لم يدُمْ ولذلك قيل للأثافي والأحجارِ الخوالدُ وللجُزءِ الذي يبقى من الإنسان على حاله خلد ولو كان وضعه الدوام لما قُيِّد بالتأبيد في قوله عز وعلا خالدين فِيهَا أَبَداً ولَما استُعمل حيث لا دوام فيه لكن المرادَ ههنا الدوامُ قطعاً لما يُفضي به من الآيات والسنن وما قيل من أن الأبدانَ مؤلفةٌ من الأجزاءِ المتضادة في الكيفية معرَّضة للاستحالات المؤديةِ إلى الانحلال والانفكاكِ مدارُه قياسُ ذلك العالمِ الكاملِ بما يشاهَد في عالم الكوْن والفساد على أنه يجوز أن يُعيدَها الخالق تعالى بحيث لا يعتوِرُها الاستحالة ولا يعتريها الانحلالُ قطعاً بأن تُجعلَ أجزاؤها متفاوتةً في الكيفيات متعادلةً في القوى بحيث لا يقوى شئ منها عند التفاعُل على إحالةِ الآخر متعانقةً متلازمةً لا ينفك بعضُها عن بعض وتبقى هذه النسبةُ منخفظة فيما بينها أبدا يعتريها التغيير بالأكل والشرب والحركات وغيرِ ذلك واعلم أن معظمَ اللذاتِ الحسية لما كان مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقتضى به الاستقراءُ وكان مَلاكُ جميع ذلك الدوامَ والثباتَ إذ كلُّ نعمة وإن جلت حيت كانت في شرف الزوال ومعرِضِ الاضمحلال فإنها منغِّصةٌ غيرُ صافيةٍ من شوائب
стр. 101
البقرة (٢٦)
الألم بَشَّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلاً للبهجة والسرور اللهم وفقنا لمراضيك وثبتنا على ما يُؤدِّي إليها من العقْد والعمل
стр. 102
﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بَعُوضَةً﴾ شروع في تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن تعلق ريبٍ خاصَ اعتراهم من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبيانٌ لحكمته وتحقيقٌ للحق إثرَ تنزيهها عما اعتراهم من مطلق الريب بالتحدِّي وإلقامِ الحجر وإفحامِ كافة البلغاء من أهل المدَر والوبَر روى أبو صالحٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أن المنافقون طعَنوا في ضرب الأمثال بالنارِ والظلماتِ والرعدِ والبرق وقالوا الله أجلُّ وأعلى من ضرب الأمثال وروى عطاء ﵁ إن هذا الطعن كان من المشركين ورُوي عنه أيضاً أنه لمَّا نزل قوله تعالى يا ايها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ الآية وقوله تعالى مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء الآية قالت اليهود أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما الأمثال وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييزٌ أنه ليس مما يُتصوَّر فيه الترددُ فضلاً عن النكير بل هو أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشرِ نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس الآ ابراز المعنى المقصودِ في معرض الأمرِ المشهود وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية وفهمِ الدقائق الأبية كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه ولذلك شاعت الأمثالُ في الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء ومن قضية وجوبِ التماثل بين الممثَّل والممثَّل به في مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم والحقير بالحقير وقد مثل بالإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابير وجاء في عبارات البلغاء أجمعُ مِنْ ذرةٍ وأجرأ من الذباب وأسمع من قُراد وأضعفُ من بعوضة إلى غير ذلك ما لا يكاد يحصر والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه يقال حي الرجل وهو حي واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي يقال شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحيا تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص واستحيا بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر يقال استحييتُه واستحييتُ منه والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر وقد يحذف منه احدى اليائين ومنه قوله
ألا يستحي منا الملوك ويتقى ... محارمَنا لا يبوء الدمُ بالدم
وقولُه
إذا ما استحَيْنَ الماءَ يعرِضُ نفسه ... كَرَعن بسبْتٍ في إناءٍ من الورد
فكما أنه إذا أسند إليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله ﷺ ان الله يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه وقوله ﵇ إن الله حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبدُ يده أن يُردَّهما صِفراً حتى يضع فيهما خيراً يراد به الترك الخاصُّ على طريقة التمثيل حيث مُثل فيه
стр. 103
الحديثين الكريمين تركهُ تعذيبَ ذي الشيبة وتخييبُ العبد من عطائه بترك مَنْ يتركهما حياءً كذلك إذا نُفي عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه الآية الشريفة وفي قوله تعالى ﴿والله لَا يستحيي مِنَ الحق﴾ يراد به سلبُ ذلك التركِ الخاصِّ المضاهي لترك المستحي عنه لاسلب وصفِ الحياء عنه تعالى رأساً كما في قولك إن الله لا يوصف بالحياء لأن تخصيصَ السلب ببعض الموادِّ يوهم كونَ الإيجاب من شأنه تعالى في الجملة فالمراد ههنا عدمُ ترك ضربِ المثل المماثل لترك من يستحي مِنْ ضَرْبه وفيه رمز إلى تعاضُد الدواعي إلى ضربه وتآخُذ البواعث إليه إذ الاستحياءُ إنما يُتصور في الأفعال المقبولة للنفس المرضية عندها ويجوز أن يكون ورودُه على طريقة المشاكلة فإنهم كانوا يقولون أما يستحي ربُّ محمدٍ أن يضرِب مثلاً بالأشياء المُحَقّرة كما في قول من قال
مَنْ مبلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلَّها ... أني بنيتُ الجارَ قبل المنزل
وضرب المثل استعمالُه في مضرِبه وتطبيقُه به لا صنعُه وإنشاؤه في نفسه وإلا لكان إنشاء الأمثال السائرةِ في مواردها ضرباً لها دون استعمالها بعد ذلك في مضاربها لفقدان الإنشاء هناك والأمثالُ الواردة في التنزيل وإن كان استعالها في مضاربها عينَ إنشائها في أنفسها لكن التعبيرَ عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار بل بالاعتبار الأولِ قطعا وهوما وهو مأخوذإما من ضرب الخاتم بجامع التطبيق فكما أن ضربَه تطبيقُه بقالبه كذلك استعمالُ الأمثال في مضاربها تطبيقُها بها كأن المضاربَ قوالبُ تُضرب الأمثالُ على شاكلتها لكنْ لا بمعْنى أنها تنشأ بحسَبها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنها تورَدُ منطبقة عليها سواءٌ كان إنشاؤها حينئذ كعامة الأمثالِ التنزيلية فإن مضاربها قوالبُها أو قبل ذلك كسائر الأمثال السائرة فإنها وإن كانت مصنوعةً من قبلُ إلا أن تطبيقها أي إيرادَها منطبقةً على مضاربها إنما يحصُل عند الضرب وإما من ضرب الطين عى الجدار ليلتزق به بجامع الإلصاق كأن من يستعملها يُلصِقها بمضاربها ويجعلها ضربةَ لازب لا تنفك عنها لشدة تعلّقها بها ومحلُّ أن يضرب على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصبُ على المفعولية وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفضُ بإضمار مِن وعند سيبويه النصبُ بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها ومثلا مفعول ليضرب وما اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً كما في قولك أعطني كتاباً ما كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال أيَّ مثلٍ كان فهي صفة لما قبلها أو حرفية مزيدة لتقوية النسبةِ وتوكيدها كما في قوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله﴾ وبعوضةً بدل من مثلاً أو عطف بيان عند من يجوز في النكرات أو مفعول ليضرب ومثلاً حال تقدمت عليها لكونها نكرة أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيير وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هُو بعوضة والجملة على تقدير كونِ ما موصولةً صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى ﴿تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ﴾ على قراءة الرفع وعلى تقدير كونها موصوفة صفة لها كذلك ومحل ما على الوجهين النصبُ على أنه بدل من مثلاً أو على أنَّه مفعولٌ ليضرب وعلى تقدير كونِها إبهاميةً صفةٌ لمثَلاً كذلك وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهي خبرٌ لها كأنه لما ورد استبعادُهم ضربَ المثل قيل ما بعوضة وأيُّ مانع فيها حتى لا يُضرب بها المثل بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله ﷺ لوكانت الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناح بعوضة ماسقى الكافرَ منها شَرْبةَ ماءٍ والبعُوض فعُول من البعض وهو القطع كالبَضْع والعَضْب غلب على هذا النوع كالخُموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخَدْش
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطف على بعوضة على
стр. 104
تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولةٌ أو موصوفةٌ صلتها الظرفُ وأما على تقدير رفعها فهو عطفٌ على ما الأولى على تقدير كونِها موصولةً أو موصوفة وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهو عطفٌ على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها او فشئ فوقها حتى لا يُضْرَب بها المثل وكذا على تقدير كونِها صفةً للنكرة أو زائدة وبعوضة خبرٌ للمضمر وذكرُ البعوضة فما فوقها من بين أفراد المَثَل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيين والتخصيص فلا يُخل بالشيوع بل يقرّره ويؤكده بطريق الأولوية والمراد بالفوقية إما الزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني الصِّغَر والحقارة وإما الزيادةُ في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً ما بلغ بل في الجملة كالذباب والعنكبوت وعلى التقدير الأول يجوز ان يكون ما الثانية خاصة استفهاميةً إنكارية والمعنى أن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فأي شئ فوقها في الصغر والحقارة فإذن له تعالى أن يمثّل بكل ما يريد ونظيرُه في احتمال الأمرين ما رُوي أن رجلاً بمِنىً خرَّ على طُنُب فسطاط فقالت عائشةَ ﵂ حين ذكر لها ذلك سمعت رسول الله ﷺ قال ما من مسلم يُشاك شوْكةً فما فوقها إلا كُتبت له بها درجة ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القِلة كنَخْبة النملة بقولِه ﵇ مَا أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارةٌ لخطاياه حتى نَخبةُ النملة وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحرور
﴿فأما الذين آمنوا﴾ شروعٌ في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحُكم إثرَ تحقيق حقية صدوره عنه تعالى والفاءُ للدِلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل فيضرِبه فأما الذين الخ وتقديمُ بيانِ حال المؤمنين عَلى ما حُكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب وفي تصدير الجُملتين بأما من إحْماد أمرِ المؤمنين وذمِّ الكفرة مالا يخفى وهو حرف متضمنٌ لمعنى اسم الشرط وفعلُه بمنزلة مهما يكن من شئ ولذلك يُجاب بالفاء وفائدتُه توكيد ما صُدِّر به وتفصيلُ ما في نفس المتكلم من الأقسام فقد تُذكر جميعاً وقد يُقتصر على واحد منها كما في قوله من قائل ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الخ قال سيبويه أما زِيد فذاهب معناه مهما يكن من شئ فهو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة وكان الأصلُ دخولَ الفاء على الجملة لأنها الجزاءُ لكن كرِهوا إيلاءَها حرفَ الشرط فأدخلوها الخبرَ وعُوِّض المبتدأ عن الشرط لفظاً والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين كما أن المرادَ بالموصول الآتي فريقُ الكفرة لا مَنْ يؤمِنُ بضرب المثل ومَنْ يكفرُ به لاختلال المعنى أي فأما المؤمنون ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحقُّ مِن رَّبّهِمْ﴾ كسائر ما وردَ منْه تعالَى والحقُّ هو الثَّابتُ الذي يحِق ثبوتُه لا محالة بحيث لا سبيل للعقل إلى إنكاره لا الثابتُ مطلقاً واللامُ للدلالة على أنه مشهود له بالحقية وأن له حِكَماً ومصالحَ ومن لابتداء الغايةِ المجازية وعاملُها محذوفٌ وقع حالاً من الضَّمير المستكنِّ في الحق أو من الضمير العائد إلى المثَل أو إلى ضَرْبه أي كائناً وصادراً من ربهم والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم وللإيذان بأن ضرْبَ المَثَل تربيةٌ لهم وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ يعلمون عند الجمهور ومسد مفعوله الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش أي فيعلمون حقيتَه ثابتةً ولعل الاكتفاءَ بحكاية علمهم المذكورِ عن حكاية اعترافِهم بموجبه كما في قوله تعالى ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا﴾ للإشعار بقوة ما بينهما من التلازم وظهورِه المُغني عن الذكر
﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ﴾ ممن حُكيت
стр. 105
أقوالُهم وأحوالُهم ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ أُوثر يقولون على لا يعلمون حسبما يقتضيه ظاهرُ قرينِه دلالةً على كمال غلوِّهم في الكفر وترامي أمرِهم في العتو فإن مجردَ عدمِ العلم بحقيته ليس بمثابة إنكارِها والاستهزاءُ به صريحاً وتمهيداً لتعداد ما نُعيَ عليهم في تضاعيف الجواب من الضلال والفِسقِ ونقضِ العهد وغيرِ ذلك من شنائعهم المترتبةِ على قولهم المذكور على أن عدمَ العلم بحقيّته لا يعمُّ جميعَهم فإن منهم من يعلم بها وإنما يقول ما يقول مكابرةً وعناداً وحملُه على عدم الإذعان والقبولِ الشاملِ للجهل والعنادِ تعسفٌ ظاهر هذا وقد قيل كان من حقه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليطابقَ قرينَه ويقابلَ قسيمَه لكن لمَّا كانَ قولُهم هذا دليلاً واضحاً على جهلهم عُدل إليه على سبيل الكنايةِ ليكون كالبرهان عليه فتأمل وكن على الحق المبين وماذا إما مؤلفةٌ من كلمة استفهامٍ وقعتْ مبتدأ خبرُه ذا بمعنى الذي وصلتُه ما بعده والعائدُ محذوف فالأحسنُ أن يجيء جوابُه مرفوعاً وإما مُنَزَّلةٌ منزلةَ اسمٍ واحد بمعنى أيُّ شيء فالأحسنُ في جوابه النصبُ والإرادةُ نزوعُ النفسِ وميلُها إلى الفعل بحيث يحمِلها إليه أو القوةُ التي هي مبدوؤة والأول مع الفعل والثاني قبله وكلاهما ممَّا لا يُتصور في حقه تعالى ولذلك اختلفوا في إرادته فقيل إرادتُه تعالى لأفعاله كونه غير ساة فيه ولامكره ولأفعال غيرِه أمرُه بها فلا تكون المعاصي بإرادته تعالى وقيل هي علمُه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح فإنه يدعو القادرَ إلى تحصيله والحق أنها عبارةٌ عن ترجيح أحد طرفي المقدورِ على الآخر وتخصيصُه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه وهي أعمُّ من الاختيار فإنه ترجيحٌ مع تفضيل وفي كلمة هذا تحقيرٌ للمشار إليه واستر ذال له ومثَلاً نُصب على التمييز أو على الحال كما في قوله تعالى ﴿ناقة الله لكم آية﴾ وليس مرادُهم بهذه العظيمة استفهامَ الحكمةِ في ضرب المثل ولا القدْحَ في اشتماله على الفائدة مع اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا بل غرضُهم التنبيهُ بادعاء أنه من الدناءة والحقارةِ بحيث لا يليق بأن يتعلقَ به أمرٌ من الأمور الداخلية تحت إرادته تعالى على استحالة أن يكون ضربُ المثل به عنده سبحانه فقوله عز من قائل
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جوابٌ عن تلك المقالة الباطلة وردٌّ لها ببيان أنه مشتملٌ على حكمةٍ جليلة وغايةٍ جميلة هي كونُه ذريعةً إلى هداية المستعدِّين للهداية وإضلالِ المنهمكين في الغَواية فوُضِعَ الفعلان موضعَ الفعل الواقع في الاستفهام مبالغةٌ في الدلالة على تحقيقهما فإن إرادتَهما دون وقوعِهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لأبهامه تساويهما في تعلقهما وليس كذلك فإن المرادَ بالذات من ضرب المثل هو التذكر والاهتداء كما ينبئ عنه قولُهُ تعالى ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ونظائره وأما الإضلال فهو أمر عارضٌ مترتب على سوء اختيارهم وأوثر صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار وقيل وُضع الفعلان موضع مصدريهما كأنه قيل أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثير وقُدِّم الإضلالُ على الهداية مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ليكون أولُ ما يقرَعُ أسماعَهم من الجواب أمراً فظيعاً يسوءُهم ويفُتَّ في أعضادهم وهو السرُّ في تخصيص هذه الفائدة بالذكر وقيل هو بيانٌ للجملتين المصدّرتين بأما وتسجيلٌ بأن العلم بكونه حقاً هدى وأن الجهلَ بوجهِ إيرادِه والإنكارِ لحُسن موردِه ضلالٌ وفسوقٌ وكثرةُ كل فريقٍ إنما هي بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابلهم فلا يقدح في
стр. 106
البقرة (٢٧)
ذلك أقيلة أهل الهدى بالنسبة إلى أهل الضلالِ حسبما نطَق به قولُه تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور﴾ ونحو ذلك واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم الإضافة لتكميل فائدة ضربِ المثل وتكثيرِها ويجوز أن يراد في الأولين الكثرةُ من حيث العددُ وفي الآخَرين من حيث الفضلُ والشرفُ كما في قول من قال
إن الكرامَ كثيرٌ في البلاد ... وإن قَلُّوا كما غيرهم قُلٌّ وإن كثروا
وإسنادُ الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبنيٌّ على أن جميع الشياء مخلوقةٌ له تعالى وإن كان أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم وجعلُه من قبيلِ إسنادِ الفعلِ إلى سببه يأباه التصريحُ بالسبب وقرئ يُضَلُّ به كثيرٌ ويهدى به كثير على البناء للمفعول وتكرير به مع جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقريرِ السببية وتأكيدِها
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بالمثل أو بضربه
﴿إِلَاّ الفاسقين﴾ عطف على ما قبله وتكلمة للجواب والردِّ وزيادةُ تعيينٍ لمن أريد إضلالُهم ببيان صفاتهم القبيحةِ المستتبعةِ له وإشارةٌ إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيتٌ على ما كانُوا عليهِ من فنون الضلال وزيادة فيه وقرئ وما يُضَل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول والفِسق في اللغة الخروج يقال فسَقت الرُّطْبة عن قشرها والفأرةُ من جُحرها أي خرجت قال رؤية
يذهبْن في نجدٍ وغَوْرا غائرا ... فواسقاً عن قصدها جوائرا
وفي الشريعة الخروجُ عن طاعةِ الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرارُ على الصغيرة وله طبقاتٌ ثلاثٌ الأولى التغابي وهو ارتكابُها أحياناً مستقبِحاً لها والثانية الانهماكُ في تعاطيها والثالثةُ المثابرة عليها مع جحود قُبحها وهذه الطبقةُ من مراتب الكفر فما لم يبلُغْها الفاسقُ لا يُسلب عنه اسمُ المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الإيمان ولقوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ والمعتزلةُ لما ذهبوا إلى أن الايمان عبارة عن مجموعة تصديق والإقرارِ والعملِ والكفرَ عن تكذيب الحق وجحوده ولم يتسنَّ لهم إدخالُ الفاسقِ في أحدهما فجعلوه قسماً بين قسمي المؤمن والكافر لمشاركة كلَّ واحدٍ منهما في بعض أحكامه والمرادُ بالفاسقين ههنا العاتون الماردون في الكفر الخارجون عن حدوده ممن حُكي عنهم ما حُكي من إنكار كلامِ الله تعالى والاستهزاءِ به وتخصيصُ الإضلالِ بهم مترتباً على صفة الفسق وما أجريَ عليهم من القبائح للإيذانِ بأنَّ ذلك هو الذي أعدَّهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرَهم وعدولَهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوهَ أنظارِهم عن التدبر في حكمة المثَل إلى حقارة الممثَّل به حتى رسَخت به جهالتُهم وازدادت ضلالتُهم فأنكروه وقالوا فيه ما قالوا
стр. 107
﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ صفةٌ للفاسقين للذم وتقريرِ ماهم عليه من الفسق والنقضُ فسخُ التركيب من المركبات الحسية كالحبْل والغزل ونحوهما واستعمالُه في إبطال العهد من حيث استعارةُ الحبل له لما فيه من ارتباط أحد كلامي المتعاهدين بالآخر فإن شُفِعَ بالحبل وأريد به العهدُ كان ترشيحاً للمجاز وإن قُرن بالعهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وتنبيهاً على مكانه وأن المذكور قد استُعير له كما يقال شجاعٌ يفترس أقرانه
стр. 108
البقرة (٢٨)
وعالمٌ يغترف منه الناسُ تنبيهاً على أنه أسدٌ في شجاعته وبحرٌ في إفاضته والعهدُ المَوْثِقُ يقال عهِد إليه كذا إذا وصّاه به ووثّقه عليه والمرادُ ههنا إما العهدُ المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمةُ على عباده الدالةُ على وجوده ووَحدتِه وصدقِ رسولِه ﵇ وبه أُوّل قولُه تعالى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ أو المعنى الظاهرُ منه أو المأخوذُ من جهة الرُّسلُ ﵈ على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسولٌ مصدِّقٌ بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتُموا أمرَه وذِكرُه في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه كما ينبئ عنه قولُه ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ ونظائرُه وقيل عهودُ الله تعالى ثلاثة الأولُ ما أخذه على جميع ذريةِ آدمَ ﵇ بأن يقروا على ربوبيته والثاني ما أخذه على الأنبياءِ ﵈ بأن يُقيموا الدينَ ولا يتفرقوا فيه والثالث ما أخذه على العلماء بأن يُبينوا الحق ولا يكتموه
﴿مِن بَعْدِ ميثاقه﴾ الميثاقُ إما اسمٌ لما يقع به الوَثاقة والإحكام وإما مصدرٌ بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد فعلى الأول إن رجع الضمير إلى العهد كان المرادُ بالميثاق ما وثّقوه به من القَبول والالتزام وإن رجع إلى لفظ الجلالة يُراد به آياتُه وكتبُه وإنذارُ رسلِه ﵈ والمضافُ محذوفٌ على الوجهين أي من بعد تحقّق ميثاقِه وعلى الثاني إن رجَع الضميرُ إلى العهد والميثاقُ مصدرٌ من المبنيّ للفاعل فالمعنى من بعد أن وثّقوه بالقبول والالتزام أو من بعد أن وثقه اللَّهِ بإنزالِ الكتب وإنذارِ الرسل وإن كان مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فالمعنى من بعد كونه مُوَثقاً إما بتوثيقهم إياه بالقَبول وإما بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة لا يرضى بها الله كقطع الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقةِ بين الأنبياءِ ﵈ والكتب في التصديق وتركِ الجماعات المفروضةِ وسائرِ ما فيه رفضُ خيرٍ أو تعاطي شر فإنه يقطع مابين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودةُ بالذات من كل وصلٍ وفصل والأمر هو القولُ الطالبُ للفعل مع العلو وقيل بالاستعلاء وبه سمِّي الأمرُ الذي هو واحدُ الأمور تسميةً للمفعول بالمصدر فإنه مما يؤمَر به كما يقال له شأنٌ وهو القصدُ والطلب لما أنه أثَرٌ للشأن وكذا يقال له شيء وهو مصدرُ شاء لما أنه أثرٌ للمشيئة ومحلُّ أن يوصل إما النصبُ على أنه بدل من الموصول أو من ضميره والثاني أولى لفظاً ومعنى
﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الارض﴾ بالمنع عن الإيمان والاستهزاءِ بالحق وقطعِ الوصل التي عليها يدورُ فلكُ نظام العالم وصلاحُه
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافِهم بما فُصل من الصفاتِ القبيحة وفيه إيذانٌ بأنهم متميزون بها أكملَ تميز ومنتظمون بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المحسوسة وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على بُعد منزلتهم في الفساد
﴿هُمُ الخاسرون﴾ الذين خسروا بإهمال العقلِ عن النظر واقتناصِ ما يفيدهم الحياةَ الأبدية واستبدالِ الإنكار والطعنِ في الآيات بالإيمان بها والتأملِ في حقائقها والاقتباسِ من أنوارها واشتراءِ النقض بالوفاءِ والفسادِ بالصلاح والقطيعةِ بالصلة والعقاب بالثواب
стр. 109
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ التفات إلى خطاب المذكورين مبنيٌّ على ايراد ما عدد من
стр. 110
البقرة (٢٩)
قبائحهم السابقة لتزايد السَخَط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع والاستفهامُ إنكاريٌّ لا بمعنى إنكارُ الوقوعِ كما في قوله تعالى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ الخ بل بمعنى إنكارُ الواقعِ واستبعادُه والتعجيبُ منه وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الكفرِ بأن يقال أتكفرون لأن كلَّ موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني وقوله
﴿وَكُنتُمْ أمواتا﴾ إلى آخر الآية حالٌ من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما عُدِّد فيها من الشئون العظيمة الداعيةِ إلى الإيمان الرادعة عن الكفر من حيث كونُها نعمةً عامة ومن حيث دلالتُها على قدرة تامةٍ كقوله تعالى ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ وكيف منصوبةٌ على التشبيه بالظرف عند سيبويه وبالحال عند الأخفش أي في أي حال أو على أي حالٍ تكفُرون به تعالى والحالُ أنكم كنتم أمواتاً أيْ أجساماً لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً ونُطفاً ومُضَغاً مخلّقةٍ وغيرَ مخلّقةٍ والأمواتُ جمع ميت كأقوال جمع قيل وإطلاقُها على تلك الأجسام باعتبار عدمِ الحياةِ مطلقاً كما في قوله تعالى ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ وقوله تعالى ﴿وآية لَّهُمُ الارض الميتة﴾
﴿فأحياكم﴾ بنفْخِ الأرواحِ فيكم والفاء للدلالة على التعقيب فإنّ الإحياءَ حاصلٌ إثرَ كونِهم أمواتاً وإنْ توارد عليهم في تلك الحالة أطوارٌ مترتبةٌ بعضُها متراخٍ عن بعض كما أشير إليه آنفاً
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي عند انقضاءِ آجالِكم وكونُ الإماتة من دلائل القدرةِ ظاهر وأما كونُها من النعم فلكونها وسيلةً إلى الحياة الثانية التي هي الحيَوان والنعمةُ العظمى والتراخي المستفادُ من كلمة ثم بالنسبة إلى زمان الإحياءِ دون زمان الحياة فإن زمانَ الإماتةِ غيرُ متراخٍ عنه
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشور يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور أو للسؤال في القبور واياما كان فهو متراخٍ من زمان الإماتة وإن كان إثرَ زمانِ الموتِ المستمر
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الحشرِ لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشر واليه تُنْشرون من قبوركم للحساب وهذه الأفعالُ وإن كان بعضُها ماضياً وبعضُها مستقبلاً لا يتسنى مقارنة شئ منها لما هو حالٌ منه في الزمان لكن الحالَ في الحقيقة هو العلم المتعلّقُ بها كأنه قيل كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعةِ منه ومآلُه التعجيبُ من وقوعِه مع تحقق ما ينفيه وإنما نُظم ما ينكرونه من الإحياء الأخيرِ والرَّجْعِ في سِلك ما يعترفون به من الإحياء الأولِ والإماتةِ تنزيلاً لتمكّنهم من العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعةِ منزلةَ العلمِ بذلك بالفعل في إزاحة العللِ والأعذار والحياةُ حقيقةٌ في القوة الحساسة أو ما يقتضيها وبها سُمي الحيوان حيواناً مجازٌ في القوة النامية لكونها من طلائعها وكذا فبما يخصُّ الإنسانَ من العقل والعلم والإيمان من حيث إنه كمالُها وغايتُها والموتُ بإزائها يطلق على ما يقابل كلَّ مرتبة من تلك المراتب قال تعالى ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿اعلموا أن الله يحيي الارض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال تعالى ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس﴾ وعند وصفِه تعالى بها يُراد صِحةَ اتصافِه تعالى بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا أو معنى قائمٌ بذاته تعالى مقتض لذلك وقرئ تَرجِعون بفتح التاء والأولُ هو الأليقُ بالمقامِ
следующие страницы →