Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
سورة الحج (٣٥٣٧) للقصر أي فإذا كان إلهكم إلها واحداً فأخلصوا له التَّقرُّبَ أو الذِّكرَ واجعلُوه لوجههِ خاصَّةً ولا تشوبُوه بالشِّرك ﴿وَبَشّرِ المخبتين﴾ تجريد للخطاب إلى رسول الله ﷺ أي المُتواضعينَ أو المُخلِصين فإنَّ الإخباتَ من الوظائف الخاصَّةِ بهم
стр. 4167
﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ منه تعالى لإشراق أشعةِ جلاله عليها ﴿والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ﴾ من مشاقِّ التَّكاليفِ ومُؤناتِ النَّوائبِ ﴿والمقيمى الصلاة﴾ في أوقاتها وقرئ بنصب الصَّلاةِ على تقدير النون وقرئ والمقيمينَ الصَّلاةَ على الأصلِ ﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ في وجوه الخيراتِ
стр. 4168
﴿والبدن﴾ بضمِّ الباءِ وسكون الدال وقرئ بضمِّها وهُما جَمْعا بَدَنةٍ وقيل الأصلُ ضمُّ الدَّالِ كخُشُبٍ وخَشَبةٍ والتَّسكينُ تخفيفٌ منه وقرئ بتشديدِ النُّونِ على لفظِ الوقفِ وإنَّما سُمِّيتْ بها الإبلُ لعظمِ بَدَنِها مأخوذةٌ من بدن بداية وحيثُ شاركها البقرةُ في الإجزاءِ عن سبعةٍ بقوله ﷺ البُدْنةُ عن سبعةٍ والبقرةُ عن سبعةٍ جُعلا في الشَّريعةِ جنساً واحداً وانتصابُه بمضمرٍ يفسِّرهُ ﴿جعلناها لَكُمْ﴾ وقرئ بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ والجملةُ خبرُهُ وقولُه تعالى ﴿مِن شَعَائِرِ الله﴾ أي من أعلامِ دينهِ التي شرعها اللَّهُ تعالى مفعولٌ ثانٍ للجعل ولكُم ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ به وقولُه تعالى ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ أي منافعُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا﴾ بأنْ تقولُوا عند ذبحِها اللَّهُ أكبرُ لا إله إلا الله والله أكبرُ اللهمَّ منكَ وإليكَ ﴿صَوَافَّ﴾ أي قائماتٍ قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرئ صَوَافنَ من صَفن الفرسُ إذا قام على ثلاثٍ وعلى طرفِ سُنْبكِ الرَّابعةِ لأنَّ البدنةَ تُعقل إحدى يديها فتقومُ على ثلاثٍ وقرئ صوافا بإبدالِ التَّنوينِ من حرفِ الإطلاق عند الوقف وقرئ صَوَافى أي خَوَالصَ لوجهِ اللَّهِ وصَوَافْ على لغة مَن يُسكِّنُ الياءَ على الإطلاق كما في قوله
لعلِّي أرى باق على الحدثان
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطتْ على الأرضِ وهو كنايةٌ عن الموت ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع﴾ الرَّاضيَ بما عنده وبما يعطى من غير مسئلة ويؤيده أنه قرئ القنع أو السَّائلَ من قَنع إليه قُنوعاً إذا خضعَ له في السُّؤالِ ﴿والمعتر﴾ أي المتعرِّضَ للسُّؤالِ وقرئ المُعتري يقال عَرّهُ وعَرَاهُ واعترَّهُ واعتراهُ ﴿كذلك﴾ مثلَ ذلك التَّسخيرِ البديعِ المفهومِ من قولِه تعالى صواف ﴿سخرناها لَكُمْ﴾ مع كمالِ عظمِها ونهايةِ قوَّتِها فلا تستعصي عليكم حتَّى تأخذوها منقادة فتقلونها وتحبسونها صافَّة قوائمها ثم تطعنونَ في لبَّاتِها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لتشكرُوا إنعامَنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاصِ
стр. 4169
﴿لَن يَنَالَ الله﴾ أي لن يبلغَ مرضاتَهُ ولن يقعَ منه موقعَ القَبُولِ ﴿لحومها﴾
стр. 4170
سورة الحج (٣٨٣٩) المُتصدَّقُ بها ﴿وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ المُهَراقةُ بالنَّحر من حيثُ إنَّها لحومٌ ودماءٌ ﴿ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ ولكن يُصيبه تقوى قلوبِكم التي تدعُوكم إلى الامتثال بأمره تعالى وتعظيمه والتَّقرُّبِ إليه والإخلاصِ له وقيل كانَ أهلُ الجاهليةِ يُلطِّخون الكعبةَ بدماءِ قَرَابينهم فهمَّ به المُسلمون فنزلتْ ﴿كذلك سَخَّرَهَا لكم﴾ تكرير للتذكر والتَّعليلِ بقوله تعالى ﴿لِتُكَبّرُواْ الله﴾ أي لتعرفُوا عظمتَه باقتداره على ما لا يقدِرُ عليه غيرُه فتوحِّدُوه بالكبرياءِ وقيل هو التَّكبيرُ عند الإحلالِ أو الذَّبحِ ﴿على مَا هَدَاكُمْ﴾ أي أرشدَكُم إلى طريق تسخيرِها وكيفيَّة التَّقرُّبِ بها وما مصدريةٌ أو موصولةٌ أي على هدايتِه أيَّاكم أو على ما هَدَاكُم إليه وعلى متعلِّقةٌ بتكبِّروا لتضمُّنهِ معنى الشُّكرِ ﴿وَبَشّرِ المحسنين﴾ أي المُخلصين في كلِّ ما يأنون وما يذرُون في أمورِ دينهم
стр. 4171
﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتوطينِ قلوبِ المُؤمنين ببيانِ أنَّ الله تعالى ناصرُهم على أعدائِهم بحيثُ لا يقدرُون على صدِّهم عن الحجِّ ليتفرَّغُوا إلى أداءِ مناسكِه وتصديرُه بكلمةِ التَّحقيقِ لإبرازِ الاعتناءِ التَّامِّ بمضمونهِ وصيغةُ المفاعلةِ إمَّا للمبالغةِ أو الدلالة على تكرُّرِ الدَّفعِ فإنَّها قد تُجرَّدُ عن وقوعِ الفعلِ المتكرِّرِ من الجانبينِ فيبقى تكرُّره كما في الممارسةِ أي يبالغ في دفع غائلة المشكرين وضررِهم الذي من جُملته الصدُ عَن سَبِيلِ الله مبالغةً من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرَّةً بعد أُخرى حسبما تجدَّدَ منهم القصدُ إلى الإضرارِ بالمسلمينَ كما في قولِه تعالى كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أطفأها الله وقرئ يدفعُ والمفعولُ محذوفٌ وقوله تعالى ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ تعليلٌ لما في ضمن الوعدِ الكريمِ من الوعيد للمشركينَ وإيذانٌ بأنَّ دفعهم بطريقِ القهرِ والخِزْيِ ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البُغضِ أي أنَّ اللَّهَ يُبغضُ كلَّ خَوَّانٍ في أماناته تعالى وهي أوامرُه ونواهيه أو في جميعِ الأماناتِ التي هي معظمُها كفورٌ لنعمته وصيغةُ المُبالغةِ فيهما لبيان أنَّهم كذلك لا لتقييدِ البُغضِ بغايةِ الخيانةِ والكفرِ أو للمبالغةِ في نفيِ المحبَّةِ على اعتبارِ النفي أو لا وإيراد معنى المبالغةِ ثانياً
стр. 4172
﴿أذن﴾ أي رخص وقرئ على البناء للفاعل أي أَذِن اللَّهُ تعالى ﴿لِلَّذِينَ يقاتلون﴾ أي يُقاتلهم المشركون والمأذونُ فيه محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فإنَّ مقاتلة المشكرين إيَّاهُم دالَّةٌ على مقاتلتهم إياهم دلالة نيرة وقرئ على صيغة المبنيِّ للفاعلِ أي يُريدون أنْ يُقاتلوا المشكرين فيما سيأتي ويَحرصون عليه فدلالتُه على المحذوفِ أظهرُ ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ أي بسبب أنَّهم ظُلموا وهم أصحابُ النبيِّ ﷺ ورضي عنهم كان المشكون يؤذونهم وكانوا يأتونه ﷺ بين مضروبٍ ومَشْجُوجٍ ويتظلَّمون إليه فيقول ﷺ لم اصبرُوا فإنِّي لم أُومر بالقتالِ حتَّى هاجرُوا فأُنزلتْ وهي أوَّلُ آيةٍ نزلتْ في القتالِ بعد ما نُهيَ عنه في نَيِّفٍ وسبعينَ آيةً ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعدٌ لهم بالنَّصرِ وتأكيدٌ لما مرَّ من العدةِ الكريمةِ بالدَّفعِ وتصريحٌ بأنَّ المرادَ به ليسَ مجرَّدَ تخليصهم من أيدي المشركين بلْ تغليبهم وإظهارَهم عليهم والإخبارُ بقُدرتهِ تعالى على نصرِهم واردٌ على سَننِ الكبرياءِ وتأكيدُه بكلمة التَّحقيقِ واللَاّمِ للمزيد تحقيقِ مضمونِه وزيادةِ توطينِ نفوس المؤمنين
стр. 4173
سورة الحج (٤٠ ٤١) وقولُه تعالى
стр. 4174
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم﴾ في حيِّز الجرِّ على أنه صفة للموصولِ الأوَّلِ أو بيانٌ له أو بدلٌ منه أو في محلِّ النصبِ على المدحِ أو في محلِّ الرَّفعِ بإضمارِ مبتدأ والجملةُ مرفوعةً على المدح والمرادُ بديارِهم مكَّةُ المعظَّمةُ ﴿بِغَيْرِ حَقّ﴾ متعلِّقٌ بأُخرجوا أي أُخرجوا بغير ما يُوجب إخراجَهم وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ بدلٌ من حقَ أي بغير موجبٍ سوى التَّوحيدِ الذي ينبغي أنْ يكون مُوجباً للإقرارِ والتَّمكينِ دون الإخراجِ والتَّسيير لكن لا على الظَّاهر بل على طريقة قولِ النَّابغةِ [ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهن فُلولٌ من قراع الكتائب] وقي الاستثناءُ منقطعٌ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين على الكفارين في كلِّ عصرٍ وزمانٍ وقرئ دفاع ﴿لهدمت﴾ لخربت ابتسيلاء المشكرين على أهل الملل وقرئ هُدِمت بالتَّخفيفِ ﴿صوامع﴾ للرَّهابنةِ ﴿وَبِيَعٌ﴾ للنَّصارى ﴿وصلوات﴾ أي وكنائسُ لليهودِ سُمِّيتْ بها لأنَّها يُصلَّى فيها وقيل أصلها صلوتا بالعبريَّةِ فعُرِّبتْ ﴿ومساجد﴾ للمسلمين ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً﴾ أي ذكراً كثيراً أو وقتاً كثيرا صفةٌ مادحة للمساجدِ خُصَّت بها دلالةً على فضلها وفضلِ أهلها وقيل صفةٌ للأربعِ وليس كذلك فإنَّ بيان ذكرِ الله في الصَّوامعِ والبيعِ والكنائسِ بعد انتساخِ شرعيَّتها ممَّا لا يقتضيه المقامُ ولا يرتضيه الأفهامُ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ﴾ أي وبالله ينصرن اللَّهُ من ينصر أولياءَهُ أو من ينصر دينَه ولقد أنجزَ اللَّهُ عزَّ سلطانُه وعدَهُ حيث سلَّطَ المهاجرين والأنصارَ على صناديدِ العربِ وأكاسرةِ العجمِ وقياصرةِ الرُّوم وأورثهم أرضَهم وديارَهم ﴿إِنَّ الله لَقَوِىٌّ﴾ على كل ما يريده من مراداتهِ التي من جُملتها نصرُهم ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُمانعه شيءٌ ولا يُدافعه
стр. 4175
﴿الذين إِنْ مكناهم فِى الارض أَقَامُواْ الصلاة وَاتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر﴾ وصفٌ من الله للذين أُخرجوا من ديارِهم بما سيكون منهم من حسن السِّيرةِ عند تمكينه تعالى إيَّاهُم في الأرض وإعطائه إيَّاهم زمام الأحكام منيء عن عِدَّةٍ كريمة على أبلغ وجهٍ وألطفِه وعن عثمانُ ﵁ هذا واللَّهِ ثناءٌ قبل بلاءٍ يُريد أنَّه تعالى أثنى عليهم قبلَ أنْ يُحدثوا من الخيرِ ما أحدثوا قالُوا وفيه دليلٌ على صحَّة أمر الخلفاءِ الرَّاشدينَ لأنَّه تعالى لم يعطِ التَّمكينَ ونفاذَ الأمرِ مع السِّيرةِ العادلةِ غيرهم من المهاجرين لاحظ في ذلك للأنصارِ والطُّلقاءِ وعنِ الحسنِ ﵀ هم أمة محمدٍ ﷺ وقيل الذينَ بدلٌ من قولهِ مَنْ ينصرُه ﴿وَللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿عاقبة الأمور﴾ فإنَّ مراجعها إلى حُكمهِ وتقديره فقط وفيه تأكيدٌ للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته
стр. 4176
سورة الحج (٤٢٤٥)
стр. 4177
﴿وإن يكذبوك فقد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ متضمِّنةٌ للوعدِ الكريمِ بإهلاكِ مَن يُعاديه من الكفَرَةِ وتعيينٌ لكيفيَّةِ نصرِه تعالى له الموعودِ بقوله تعالى وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ وبيان لرجوع عاقبة لأمور إليه تعالى وصيغةُ المضارع في الشَّرطِ مع تحقُّقِ التَّكذيبِ لما أنَّ المقصودَ تسليته ﷺ عمَّا يترتَّبُ على التَّكذيبِ من الحزن المتوقَّعِ أي وإنْ تحزنْ على تكذيبِهم إيَّاك فاعلم أنَّك لست بأوحدى في ذلك فق كذبت قبل تذكيب قومِك إيَّاك قَوْمِ نُوحٍ
стр. 4178
﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ﴿وَقَوْمِ إبراهيم وَقَوْمُ لُوطٍ﴾
стр. 4179
﴿وأصحاب مَدْيَنَ﴾ أي رُسُلَهم ممَّن ذُكر ومَن لم يُذكر وإنَّما حُذف لكمال ظهور المرادِ أو لأنَّ المرادَ نفسُ الفعل أي فعلتْ التَّكذيبَ قومُ نوحٍ إلى آخره ﴿وَكُذّبَ موسى﴾ غُيِّر النَّظمُ الكريم بذكرِ المفعولِ وبناء الفعل له لا لأنَّ قومَه بنوُ إسرائيل وهم لم يكذِّبوه وإنَّما كذَّبه القِبْطُ لما أنَّ ذلك إنَّما يقتضي عدمَ ذكرِهم بعُنوان كونِهم قومَ مُوسى لا بعنوانٍ آخرَ على أنَّ بني إسرائيلَ أيضاً قد كذَّبوه مرَّةً بعد أُخرى حسبما ينطِق به قوله تعالى لن نؤمن لك حتى نَرَى الله جَهْرَةً ونحو ذلك من اآيات الكريمة بل للإيذانِ بأنَّ تكذيبَهم له كان في غاية الشَّناعةِ لكون آياتِه في كمال الوضوحِ وقوله تعالى ﴿فَأمْلَيْتُ للكافرين﴾ أي أمهلتهم حتَّى انصرمتْ حبالُ آجالِهم والفاءُ لترتيبِ إمهالِ كل فريق من فرق المكذِّبينَ على تكذيب ذلك الفريقِ لا لترتيب إمهال الكلِّ على تكذيب الكلِّ ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير العائد إلى المكذِّبين لذمِّهم بالكفرِ والتَّصريحِ بمكذبِي موسى ﵇ حيث لم يذكروا فيما قبل صَريحاً ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي أخذتُ كل فريق من فرق المكذِّبين بعد انقضاء مدَّةِ إملائِه وإمهالِه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي إنكارِي عليهم بالإهلاك أي فكان ذلك في غايةِ ما يكونُ من الهول والفظاعة وقوله تعالى
стр. 4180
﴿فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ﴾ منصوبٌ بمضمر يفسره قوله تعالى ﴿أهلكناها﴾ أي فأهلكنا كثيراً من القُرى بإهلاك أهلهِا والجملةُ بدلٌ من قوله تعالى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أو مرفوعٌ على الابتداءِ وأهلكنا خبرُهُ أي فكثيرٌ من القرى أهلكناها وقرئ أهلكتُها على وفق قوله تعالى فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿وهى ظالمة﴾ جملة حالية من مفعول أهلكنا وقوله تعالى ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾ عطفٌ على أهلكناها لأعلى وهي ظالمةٌ لأنَّها حالٌ والإهلاك ليس في حالِ خواتها فعلى الأوَّلِ لا محلَّ له من الإعرابِ كالمعطوف عليه وعلى الثَّاني في محلِّ الرَّفعِ لعطفه على الخبرِ والخَوَاءُ إمَّا بمعنى السُّقوطِ من خَوَى النَّجمُ إذا سقطَ فالمعنى فهي ساقطةٌ حيطانها
стр. 4181
سورة الحج (٤٦ ٤٧) ﴿على عُرُوشِهَا﴾ أي سُقوفِها بأنْ تعطَّل بنيانُها فخرَّتْ سقوفُها ثم تهدَّمتْ حيطانُها فسقطتْ فوق السُّقوفِ وإسنادُ السُّقوطِ على العُروش إليها لتنزيلِ الحيطانِ منزلةَ كلِّ البنيانِ لكونها عمدةً فيه وإمَّا بمعنى الخُلوِّ من خَوَى المنزلُ إذا خَلَا من أهله فالمعنى فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فتكونُ على بمعنى مع ويجوز أن يكونَ عَلَى عُروشها خبراً بعد خبرٍ أي فهي خالية وهي على عُروشها أي قائمةٌ مشرفةٌ على عروشِها على معنى أنَّ السُّقوفَ سقطتْ إلى الأرضِ وبقيتْ الحيطانُ قائمةً فهي مشرفة على السُّقوفِ السَّاقطةِ وإسنادُ الإشرافِ إلى الكلِّ مع كونِه حال الحيطانِ لما مرَّ آنِفاً ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ عطفٌ على قريةٍ أي وكم بئر عارة في البوادي تُركت لا يُستقى منها لهلاكِ أهلِها وقرئ بالتَّخفيفِ من أعطلَه بمعنى عطَّله ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ مرفوعِ البنيانِ أو مجصَّصٍ أخليناهُ عن ساكنيهِ وهذا يؤيِّد كونَ معنى خاويةٌ على عروشِها خاليةً مع بقاء عروشِها وقيل المراد بالبئرِ بئرٌ بسفحِ جبلٍ بحضْرَمَوت وبالقصرِ قصرٌ مشرفٌ على قُلَّتهِ كانا لقومِ حنظلةَ بنِ صفوانَ من بقايا قومِ صالحٍ فلما قتلُوه أهلكَهم الله تعالى وعطَّلهما
стр. 4182
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض﴾ حثٌّ لهم أن يُسافروا ليرَوا مصارع المهلَكين فيعتبروا وهمُ وإنْ كانُوا قد سافروا فيها ولكنَّهم حيث لم يُسافروا للاعتبارِ جُعلوا غيرَ مسافرين فحثُّوا على ذلك والفاءُ لعطفِ ما بعدها على مقدَّرٍ يقتضيه المقام أي أغفِلُوا فلم يسيروا فيها ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ بسبب ما شاهدُوه من موادِّ الاعتبار ومظانِّ الاستبصار ﴿قُلُوبٌ يعقلون بِهَا﴾ ما يجبُ أنْ يعقل من التوحيد ﴿أو آذان يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يجبُ أنْ يُسمع من الوحيِ أو من أخبارِ الأُممِ المُهلَكة ممَّن يُجاورهم من النَّاسِ فإنَّهم أعرف منهم بحالِهم ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبصار﴾ الضَّميرُ للقصَّةِ أو مبهمٌ يفسِّرُه الأبصارُ وفي تعمى ضمير راجعٌ إليه وقد أقيم الظَّاهرُ مُقامَه ﴿ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور﴾ أي ليس الخلل في مشارهم وإنَّما هو في عقولِهم باتِّباع الهَوَى والانهماكِ في الغَفْلةِ وذكر الصُّدورِ للتَّأكيدِ ونفيِ تَوهُّمِ التَّجوزِ وفضل التَّنبيه على أنَّ العَمَى الحقيقيَّ ليس المتعارف الذي يختصُّ بالبصر قيل لمَّا نزل قوله تعالى وَمَن كَانَ فِى هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى قال ابنُ أُمِّ مكتومٍ يا رسولَ الله أنا في الدُّنيا أعمى أفأكونُ في الآخرةِ أعمى فنزلت
стр. 4183
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ كانوا منكرين لمجئ العذابِ المتوعَّدِ به أشدَّ الإنكارِ وإنَّما كانوا يستعجلون به استهزاءً برسولِ الله ﷺ وتعجيزاً له على زعمِهم فحَكَى عنهم ذلك بطريقِ التَّخطئةِ والاستنكارِ فقوله تعالى ﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾ إما جملة حالية جئ بها لبيانِ بُطلانِ إنكارِهم لمجيئه في ضمن استعجالِهم به وإظهار خطئِهم فيه كأنَّه قيل كيف يُنكرون مجئ العذابِ الموعود والحالُ أنَّه تعالى لا يُخلف وعدَه أبداً وقد سبق الوعدُ فلابد من مجيئِه حتماً أو اعتراضية مبينة لمَا ذُكر وقولُه تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كألف سنة مما تعدون﴾ جملة مستأنفة إنْ كانت الأُولى حاليَّةً ومعطوفةٌ عليها إنْ كانتْ اعتراضيةً سيقت لبيان
стр. 4184
سورة الحج (٤٨ ٤٩) خطئِهم في الاستعجال المذكورِ ببيان كمال سَعةِ ساحةِ حلمه تعالى ووقاره وإظهار غاية ضيق عطهم المستنبع لكون المُدَّة القصيرةِ عنده تعالى مُدداً طوالاً عندهم حسبما ينطِق به قوله تعالَى إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ولذلك يرَون مجيئَه بعيداً ويتَّخذونه ذريعةً إلى إنكاره ويجترئون على الاستعجالِ به ولا يدرون أنَّ معيار تقدير الأمور كلِّها وقوعاً وأخباراً ما عنده تعالى من المقدار وقراءة يعدّون على صيغة الغَيبة أي يعده المستعجلون أوفقُ لهذا المعنى وقد جعل الخطابُ في القراءةِ المشهورة لهم أيضاً بطريقِ الالتفاف لكن الظَّاهرُ أنَّه للرسولِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ وقيل المرادُ بوعدِه تعالى ما جعل لهلاك كلِّ أُمَّةٍ من موعد معيَّنٍ وأجل مسمَّى كما في قوله تعالى وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ العذاب فتكون الجملةُ الأُولى حالية كانتْ أو اعتراضيةً مبيِّنة لبطلانِ الاستعجالِ به ببيان استحالةِ مجيئِه قبل وقته الموعود والجملةُ الأخيرةُ بياناً لبطلانه ببيانِ ابتناء على استطالةِ ما هو قصير عنده تعالى على الوجه الذي مر بيانه فلا يكون في النَّظمِ الكريمِ حينئذٍ تعرُّضٌ لإنكارِهم الذي دسُّوه تحت الاستعجال بل يكون الجوابُ مبنيًّا على ظاهر مقالِهم ويكتفى في ردِّ إنكارِهم ببيان عاقبةِ من قبلهم من أمثالِهم هذا وحملُ المستعجَلِ به على عذاب الآخرة وجعلُ اليَّومِ عبارةً عن يوم العذابِ المستطال لشدَّتِه أو عن أيام الآخرةِ الطَّويلةِ حقيقةً أو المُستطالة لشدَّةِ عذابها ممَّا لا يُساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه فإنَّ كُلاًّ منهما ناطقٌ بأنَّ المرادَ هو العذابُ الدُّنيويُّ وأن الزَّمانَ الممتدُّ هو الذي مرَّ عليهم قبل حلولِه بطريق الإملاء والإمهال لا الزَّمانُ المقارن له ألا يُرى إلى قوله تعالى
стр. 4185
﴿وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ﴾ الخ فإنه كما سلف من قوله تعالى فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ صريحٌ في أنَّ المرادَ هو الأخذُ العاجلُ الشَّديدُ بعد الإملاء المديدِ أي وكم منْ أهلِ قريةٍ فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه في الإعرابِ ورجع الضَّمائرِ والأحكامِ مبالغةً في التَّعميمِ والتَّهويلِ ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ كما أمليتُ لهؤلاء حتَّى أنكرُوا مجئ ما وُعدوا من العذابِ واستعجلُوا به استهزاءً برسلِهم كما فعل هؤلاء ﴿وهى ظالمة﴾ جملة حالية مفيدةٌ لكمال حلمِه تعالى ومشعرةٌ بطريق التَّعريضِ بظلم المستعجلينَ أي أمليتُ لها والحالُ أنَّها ظالمةٌ مستوجِبةٌ لتعجيل العقوبةِ كدأبِ هؤلاءِ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب والنَّكالِ بعد طول الإملاءِ والإمهالِ وقولُه تعالى ﴿وَإِلَىَّ المصير﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله ومصرِّحٌ بما أفاده ذلك بطريقِ التَّعريضِ من أنَّ مالَ أمر المُستعجلين أيضاً ما ذُكر من الأخذِ الوبيلِ أي إلى حُكمي مرجعُ الكُلِّ جميعاً لا إلى أحدٍ غيري لا استقلالاً ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل ممَّا يليقُ بأعمالِهم
стр. 4186
﴿قل يَا أيُّها الناسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أنذركم إنذاراً بيِّناً بما أُوحي من أنباء الأمم المهلكة من غير أن يكون لي دخل في إتيانِ ما تُوعدونه من العذاب حتَّى تستعجلوني به والاقتصارُ على الإنذارِ مع بيان حالِ الفريقين بعدَه لما أُشير إليه من أنَّ مساقَ الحديث للمشركين وعقابِهم وإنَّما ذُكر المؤمنون وثوابُهم زيادةً في غيظهم
стр. 4187
سورة الحج (٥٠ ٥٢)
стр. 4188
﴿فالذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لما ندرَ منهم من الذُّنوبِ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هي الجنَّةُ والكريمُ من كلِّ نوع ما يجمع فصائله ويجوز كما لأنه
стр. 4189
﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين﴾ أي سابقين أو مُسابقين في زعمِهم وتقديرهم طامعين أنَّ كيدَهم للإسلام يتمُّ لهم وأصلُه من عاجزَهُ وعجزَه فأعجزَه إذا سابقَه فسبقَه لأنَّ كُلاًّ من المتسابقينَ يريدُ إعجازَ الآخرِ عن اللَّحاق بهِ وقرئ مُعجزين أي مُثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان على أنَّه حالٌ مقدرةٌ ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذُكر من السَّعيِ والمُعاجزة ﴿أصحاب الجحيم﴾ أي ملازمو النَّارَ المُوقدةِ وقيل هو اسم دَرْكةٍ من دَرَكاتِها
стр. 4190
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىّ﴾ الرَّسولُ من بعثه الله تعالى بشريعةٍ جديدةٍ يدعُو النَّاسَ إليها والنَّبيُّ يعمُّه ومَن بعثه لتقريرِ شريعةٍ سابقةٍ كأنبياءِ بني إسرائيلَ الذين كانُوا بين موسى وعِيْسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ولذلك شبه ﷺ علماءَ أُمَّتِه بهم فالنَّبيُّ أعم من الرسول الله ﷺ ويدل عليه أنه ﷺ سُئل عن الأنبياءِ فقال مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفا قيل فكم الرسل منهم فقال ثلثمائة وثلاثة عشر جماء غفيراً وقيل الرَّسولُ من جمعَ إلى المعجزةِ كتاباً منزَّلاً عليه والنَّبيُّ غيرُ الرَّسولِ من لا كتابَ له وقيل الرَّسولُ من يأتيهِ المَلَكُ بالوحيِ والنَّبيُّ يقال لَه ولمن يُوحى إليهِ في المنامِ ﴿إِلَاّ إِذَا تمنى﴾ أي هيَّأ في نفسِه ما يهواه ﴿أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾ في تشهِّيه ما يُوجب اشتغاله بالدنيا كماقال ﷺ وإنَّه ليُغانُ على قَلبي فأستغفرُ الله في اليَّومِ سعين مَرَّة ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان﴾ فيُبطله ويذهبُ به بعصمتِه عن الرُّكونِ إليه وإرشادِه إلى ما يُزيحه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياته﴾ أي يُثبت آياتِه الدَّاعية إلى الاستغراق في شئون الحقِّ وصيغةُ المضارعِ في الفعلينِ للدِّلالةِ على الاستمرار التَّجدُّدي وإظهارُ الجلالةِ في موقعِ الإضمار لزيادة التقرير والإيذانِ بأنَّ الأُلوهيَّةَ من موجباتِ أحكامِ آياتِه الباهرةِ ﴿والله عَلِيمٌ﴾ مبالِغٌ في العلمِ بكلِّ ما مِن شأنِه أنْ يُعلم ومن جُملتِه ما صدرَ عن العباد من قول وفصل عمداً أو خطأ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كلِّ ما يفعلُ والإظهار ههنا أيضا لما كر مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي قيل حدَّث نفسَه بزوال المسكنةِ فنزلتْ وقيل تمنَّى لحرصِه على إيمان قومِه أنْ ينزل عليه ما يُقرِّبهم إليه واستمرَّ به ذلك حتَّى كان في ناديهم فنزلتْ عليه سورةُ النَّجم فأخذَ يقرؤها فلمَّا بلغَ ومناةَ الثَّالثةَ الأُخرى وسوسَ إليه الشَّيطانُ حتَّى سبق لسانُه سهواً إلى أنْ قال تلكَ الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى ففرح به المشركون حتَّى شايعُوه بالسُّجودِ لمَّا سجدَ في آخرِها بحيث لم يبْقَ في المسجد مؤمنٌ ولا مشركٌ إلَاّ سجد ثم نبَّهه جَبريل ﵇ فاغتنم به فعزَّاه الله بهذه الآيةِ وهو مردودٌ عند المحقِّقين ولئن صحَّ فابتلاءٌ يتميَّز به الثَّابتُ على الإيمانِ عن المتزلزل فيه وقيل
стр. 4191
سورة الحج (٥٣ ٥٥) تمنَّى بمعنى قرأ كقوله [تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلة تمنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رسلِ وأمنيَّتُه قراءتُه وإلقاءُ الشَّيطانِ فيها أنْ يتكلَّم بذلك رافعاً صوتَه بحيثُ ظنَّ السَّامعون أنَّه من قراءة النبيِّ ﷺ وقد رُدَّ بأنه أيضاً يخلُّ بالوثوقِ بالقُرآنِ ولا يندفعُ بقولِه تعالى فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان ثم يحكم الله آياته لأنَّه أيضاً يحتملُه وفي الآيةِ دِلالةٌ على جوازِ السَّهو من الأنبياءِ ﵈ وتطرق الوسوسةِ إليهم
стр. 4192
﴿لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان﴾ علة لما ينبئ عنه ما ذكر من إلقاءِ الشَّيطان من تمكينه تعالى إيَّاهُ من ذلك في حق النبيِّ ﷺ خاصَّة كما يعرب عنه سياقُ النظمِ الكريمِ لما أنَّ تمكينَه تعالى إيَّاهُ من الإلقاء في حقِّ سائرِ الأنبياءِ ﵈ لا يمكن تعليلُه بما سيأتي وفيه دلالةٌ على أنَّ ما يُلقيه أمر ظاهرٌ يعرفه المحقُّ والمبطل ﴿فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شكٌّ ونفاق كما في قوله تعالى فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ الآيةَ ﴿والقاسية قُلُوبُهُمْ﴾ أي المشركين ﴿وَإِنَّ الظالمين﴾ أي الفريقينِ المذكورينِ فوضعُ الظَّاهرِ موضعَ ضميرِهم تسجيلاً عليهم بالظلم مع ما وُصفوا بهِ من المرض والقساوةِ ﴿لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي عداوةٍ شديدةٍ ومخالفةٍ تامَّةٍ ووصفُ الشِّقاقِ بالبُعد مع أنَّ الموصوفَ به حقيقةٌ هو معروضة للمبالغةِ والجملةُ اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبله
стр. 4193
﴿وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ﴾ أي القرآنَ ﴿الحق مِن رَّبّكَ﴾ أي هو الحقُّ النَّازل من عنده تعالى وقيل ليعلمُوا أنَّ تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحقُّ المتضمنُ للحكمةِ البالغة والغايةِ الجميلةِ لأنَّه ممَّا جرتْ به عادتُه في جنس الإنس من لدُنْ آدمَ ﵇ فحينئذٍ لا حاجة إلى تخصيصِ التَّمكينِ فيما سبق بالإلفاء في حقه ﵇ لكن يأباه قولُه تعالى ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي بالقرآنِ أي يثبتوا على الإيمانِ به أو يزدادوا إيماناً بردِّ ما يُلقي الشَّيطانُ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد والخشية والإذعانِ لما فيه من الأوامرِ والنَّواهي ورجعُ الضميرين لا سيَّما الثَّاني إلى تمكين الشيطان من الإلقاء مما لا وجهَ لَهُ ﴿وإن الله لهاد الذين آمنوا﴾ أي في الأمورِ الدِّينيةِ خُصوصاً في المداحض والمشكلاتِ التي من جملتها ما ذكر ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو النَّظرُ الصحيحُ الموصل إلى الحقِّ الصَّريحِ والجملةُ اعتراض مقر لما قبله
стр. 4194
﴿وَلَا يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ﴾ أي في شكَ وجدال ﴿مِنْهُ﴾ أي من القرآن وقيل من الرسول ﷺ والأَوَّلُ هو الأظهرُ بشهادة ما سبقَ من قولِه تعالى ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياته وقوله تعالى أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ وما لَحِقَ من قوله تعالى وكذبوا بآياتنا وأمَّا تجويزُ كون الضَّميرِ
стр. 4195
سورة الحج (٥٦ ٥٧) لما أَلْقَى الشَّيطانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فممَّا لا مساغ له لأنَّ ذلك ليس من هنانهم التي تستمرُّ إلى الأمدِ المذكورِ بل إنَّما هي مريتُهم في شأن القُرآن ولا يُجدي حملُ مِن على السَّببيةِ دون الابتدائيَّةِ لما أنَّ مريتهم المستمرَّةَ كما أنَّها ليست مبتدأةً من ذلك ليئست ماشئة منه ضرورةَ أنَّها مستمرَّة منهم من لَدُن نزول القرآن الكريم ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة﴾ أي القيامةُ نفسُها كما يُؤذِن به قوله تعالى ﴿بغتة﴾ أي فجاءة فإنَّها الموصوفةُ بالإتيان كذلك لا أشراطُها وقيل الموت ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي يومٌ لا يومَ بعده كأنَّ كلَّ يوم يلدُ ما بعده من الأيَّامِ فما لا يومَ بعده يكون عقيماً والمرادُ به السَّاعةُ أيضاً كأنَّه قيل أو يأتيَهم عذابُها فوضع ذلك موضعَ ضميرِها لمزيد التَّهويلِ ولا سبيل إلى حمل السَّاعةِ على أشراطِها لما عرفتَه وأما ما قيل من أنَّ المراد يومُ حربٍ يُقتلون فيه كيومِ بدرٍ سُمِّي به لأنَّ أولاد النِّساء يُقتلون فيه فيصِرْن كأنهنَّ عُقُمٌ لم يلدن أو لأنَّ المقاتلين أبناءُ الحرب فإذا قُتلوا صارتْ عقيماً أي ثَكْلى فوصف اليَّومُ بوصفها اتِّساعاً أو لأنَّه لا خيرَ لهم فيه ومنه الرِّيحُ العقيمُ لما لم ينشئ مطراً ولم يلقح شَجراً أو لأنَّه لا مثلَ له لقتال الملائكةِ ﵈ فيه فممَّا لا يساعده سياقُ النظم الكريم أصلا كيف لا وإن تخصيصَ الملك والتَّصرفِ الكُليِّ فيه بالله ثم بيانَ ما يقع فيه من حكمِه تعالى بين الفريقينِ بالثَّواب والعذابِ الأُخرويينِ يقضي بأنَّ المرادَ به يومُ القيامةِ قضاءً بيِّناً لا ريبَ فيه
стр. 4196
﴿الملك﴾ أي السُّلطانُ القاهرُ والاستيلاء التَّامُّ والتَّصرُّفُ على الإطلاقِ ﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وحدَه بلا شريكٍ أصلاً بحيث لا يكونُ فيه لأحدٍ تصرُّفٌ من التَّصرُّفاتِ في أمرٍ من الأمورِ لا حقيقةً ولا مجازاً ولا صورةً ولا معنى كما في الدُّنيا فإنَّ للبعضِ فيها تصرُّفاً صُورياً في الجملة وليس التَّنوينُ نائباً عمَّا تدلُّ عليه الغايةُ من زوالِ مريتهم كما قيل ولا عمَّا يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل لما أنَّ القيدَ المعتبر مع اليَّومِ حيث وُسِّط بين طرفَيْ الجملة يجب أنْ يكون مداراً لحكمها أعني كون الملكِ لله وما يتفرَّع عليه من الإثابة والتَّعذيبِ ولا ريبَ في أنَّ إيمانَهم أو زوالَ مريتهم ليس مماله تعلق ما بما ذُكر فضلاً عن المداريةِ له فلا سبيل إلى اعتبارِ شيءٍ منهما مع اليوم قطعاص وإنَّما الذي يدورُ عليه ما ذُكر إتيانُ السَّاعةِ التي هي مُنتهى تصرُّفاتِ الخلق ومبدأُ ظهور أحكام المَلك الحقِّ ﷻ فإذن هو نائبٌ عن نفس الجملة الواقعة غايةً لمريتهم فالمعنى الملكُ يوم إذْ تأتيهم السَّاعةُ أو عذابُها لله تعالى وقولُه تعالى ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الإخبار بكونِ الملكِ يومئذٍ لله كأنَّه قيل فماذا يُصنع بهم حينئذٍ فقيل يحكم بين فريقي المؤمنينَ به والمُمارينَ فيه بالمجازاةِ وقوله تعالى ﴿فالذين آمنوا﴾ الخ تفسير للحُكم المذكور وتفصيلٌ له أي فالذين آمنُوا بالقرآن الكريم ولم يُماروا فيه ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ امتثالاً بما أُمروا في تضاعيفِه ﴿فِي جنات النعيم﴾ أي مستقرُّون فيها
стр. 4197
﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ أي أصرُّوا على ذلك واستمرُّوا ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتَّكذيبِ وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في
стр. 4198
سورة الحج (٥٨ ٦٠) الشر والفساد أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الكفر والتَّكذيبِ وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى ﴿لَهُمْ عَذَابَ﴾ جملةٌ اسميَّةٌ منْ مبتدأٍ وخبرٍ مقدَّمٍ عليه وقعت خبرا لأولئك أو لهم خبرٌ لأولئك وعذابٌ مرتفعٌ على الفاعلية بالاستقرارِ في الجارِّ والمجرور لاعتماده على المبتدأ وأولئك مع خبرِه على الوجهين خبر للمصول وتصديرُه بالفاء للدِّلالةِ على أنَّ تعذيب الكفَّارِ بسبب أعمالِهم السَّيئةِ كما أنَّ تجريدَ خبرِ الموصول الأوَّلِ عنها للإيذانِ بأنَّ إثابة المؤمنينَ بطريق التَّفضُّلِ لا لإيجاب الأعمال الصَّالحةِ إيَّاها وقولُه تعالى ﴿مُّهِينٌ﴾ صفة لعذابٌ مؤكِّدة لما أفادَه التَّنوينُ من الفخامةِ وفيه من المبالغةِ من وجوهٍ شتَّى ما لا يخفى
стр. 4199
﴿والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي في الجهادِ حسبما يلوحُ بهِ قولُه تعالَى ﴿ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ أي في تضاعيف المُهاجرة ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداءِ وقولُه تعالَى ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله﴾ جواب لقسم محذوفٍ والجملةُ خبرُه ومن منع وقوعَ الجملةِ القسميَّةِ وجوابِها خبراً للمبتدأ يُضمر قولاً هو الخبرُ والجملةُ محكية به وقوله تعالى ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ إمَّا مفعول ثانٍ على أنَّه من باب الرَّعي والذَّبحِ أي مَرزوقاً حسناً أو مصدرٌ مؤكِّد والمراد به ما لا ينقطعُ أبداً من نعيمِ الجنَّةِ وإنَّما سوى بينهما في الوعدِ لاستوائهما في القصد وأصلُ العمل على أن مراتبَ الحُسنِ متفاوتةٌ فيجوزُ تفاوتُ حال المرزوقينَ حسب تفاوت الأرزاقِ الحسنةِ ورُوي أنَّ بعضَ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قالوا يا نبيَّ الله هؤلاءِ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله قد علمنا ما أعطاهُم الله تعالى من الخيرِ ونحنُ نجاهد معك كما جاهدُوا فما لنا إنْ مُتنا معك فنزلت وقيل نزلت في طوائفَ خرجُوا من مكةَ إلى المدينةِ للهجرةِ فتبعهم المشركون فقتلوهم ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ فإنَّه يرزق بغير حسابٍ مع أنَّ ما يرزقه لا يقدِر عليه أحدٌ غيرُه والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله وقوله تعالى
стр. 4200
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾ بدلٌ من قوله تعالى لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله أو استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونه ومُدخلاً إمَّا اسمُ مكانٍ أُريد به الجنَّة فهو مفعول ثانٍ للإدخال أو مصدرٌ ميميٌّ أُكِّد به فعلُه قال ابن عباس ﵄ إنَّما قيل يَرضونه لما أنهم يرون فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَر على قلب بشر فيرضونه ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ﴾ بأحوالِهم وأحوالِ معاديهم ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجلهم بالعقوبة
стр. 4201
﴿ذلك﴾ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملةُ لتقرير ما قبله والتَّنبيهِ على أنَّ ما بعده كلامٌ مستأنفٌ ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي لم يَزد في الاقتصاصِ وإنَّما سُمِّي الابتداءُ بالعقاب الذي هو جاز الجنايةِ للمشاكلةِ أو لكونِه سبباً له ﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العُقوبة ﴿لَيَنصُرَنَّهُ الله﴾ على مَن بغى عليه لا محالة ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ مبالغٌ في العفوِ والغفران
стр. 4202
سورة الحج (٦١ ٦٥) فيعفُو عن المنتصرِ ويغفرُ له ما صدرَ عنه من ترجيحِ الانتقامِ على العفوِ والصبرِ المندوبِ إليهما بقوله تعالى وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ أي ما ذُكر من الصَّبرِ والمغفرةِ لَمِنْ عَزْمِ الأمور فإنَّ فيه حثًّا بليغاً على العفوِ والمغفرةِ فإنَّه تعالى مع كمالِ قُدرتِه لمَّا كانَ يعفُو ويغفُر فغيرُه أَوْلى بذلك وتنبيهاً على أنَّه تعالى قادرٌ على العقوبةِ إذ لا يُوصف بالعفوِ إلَاّ القادرُ على ضدِّهِ
стр. 4203
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى النَّصر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته ومحله الرفع على الابتداء خبرُهُ قولُه تعالى ﴿بِأَنَّ الله يولج الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار في الليل﴾ أي بسببِ أنَّه تعالى من شأنه وسننه تغليبُ بعض مخلوقاته على بعضٍ والمداولةُ بين الأشياءِ المتضادَّةِ وعبَّر عن ذلك بإدخالِ أحدِ المَلَوين في الآخرِ بأنْ يزيد فيه ما ينقص على الآخرِ أو بتحصيلِ أحدِهما في مكان الآخر لكونه أظهرَ الموادِّ وأوضحَها ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ﴾ بكلِّ المسموعاتِ التي من جُملتها قول الماقب ﴿بَصِيرٌ﴾ بجميع المُبصراتِ ومن جُملتها أفعاله
стр. 4204
﴿ذلك﴾ أي الاتِّصافُ بما ذُكر من كمال القدرة والعلمِ وما فيه من معنى البُعدِ لما مر آنِفاً وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿بأن الله هُوَ الحق﴾ الواجبُ لذاته الثَّابتُ في نفسِه وصفاتِه وأفعالِه وحدَهُ فإنَّ وجوبَ وجودِه ووحدتِه يقتضيانِ كونَه مبدأً لكُلِّ ما يُوجدُ من الموجوداتِ عالِماً بكلِّ المعلوماتِ أو الثَّابتُ إلهية فلا يصلح لها إلَاّ مَن كان عالماً قادراً ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ من دونه﴾ إلها وقرئ على البناءِ للمفعولِ على أن الواو لما فإنه عبارة عن الآلهة وقرئ بالتَّاءِ على خطابِ المُشركين ﴿هُوَ الباطل﴾ أي المعدومُ في حدِّ ذاتِه أو الباطلُ ألوهيَّتُه ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلى﴾ على جميعِ الأشياءِ ﴿الكبير﴾ عن أنْ يكون له شريكٌ لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً
стр. 4205
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل من السماء ماء﴾ استفهام تقرير كما يفصح عنه الرفعُ في قوله تعالى ﴿فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ بالعطف على أنزلَ وإيثار صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بتجدُّدِ أثرِ الإنزالِ واستمرارِه أو لاستحضارِ صورةِ الاخضرارِ ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ يصل لطفُه أو علمُه ألى كلِّ ما جلَّ ودقَّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بما يليقُ من التَّدابيرِ الحسنةِ ظاهراً وباطناً
следующие страницы →