Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
﴿ذلك﴾ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملةُ لتقرير ما قبله والتَّنبيهِ على أنَّ ما بعده كلامٌ مستأنفٌ ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي لم يَزد في الاقتصاصِ وإنَّما سُمِّي الابتداءُ بالعقاب الذي هو جاز الجنايةِ للمشاكلةِ أو لكونِه سبباً له ﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العُقوبة ﴿لَيَنصُرَنَّهُ الله﴾ على مَن بغى عليه لا محالة ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ مبالغٌ في العفوِ والغفران
стр. 4202
سورة الحج (٦١ ٦٥) فيعفُو عن المنتصرِ ويغفرُ له ما صدرَ عنه من ترجيحِ الانتقامِ على العفوِ والصبرِ المندوبِ إليهما بقوله تعالى وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ أي ما ذُكر من الصَّبرِ والمغفرةِ لَمِنْ عَزْمِ الأمور فإنَّ فيه حثًّا بليغاً على العفوِ والمغفرةِ فإنَّه تعالى مع كمالِ قُدرتِه لمَّا كانَ يعفُو ويغفُر فغيرُه أَوْلى بذلك وتنبيهاً على أنَّه تعالى قادرٌ على العقوبةِ إذ لا يُوصف بالعفوِ إلَاّ القادرُ على ضدِّهِ
стр. 4203
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى النَّصر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته ومحله الرفع على الابتداء خبرُهُ قولُه تعالى ﴿بِأَنَّ الله يولج الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار في الليل﴾ أي بسببِ أنَّه تعالى من شأنه وسننه تغليبُ بعض مخلوقاته على بعضٍ والمداولةُ بين الأشياءِ المتضادَّةِ وعبَّر عن ذلك بإدخالِ أحدِ المَلَوين في الآخرِ بأنْ يزيد فيه ما ينقص على الآخرِ أو بتحصيلِ أحدِهما في مكان الآخر لكونه أظهرَ الموادِّ وأوضحَها ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ﴾ بكلِّ المسموعاتِ التي من جُملتها قول الماقب ﴿بَصِيرٌ﴾ بجميع المُبصراتِ ومن جُملتها أفعاله
стр. 4204
﴿ذلك﴾ أي الاتِّصافُ بما ذُكر من كمال القدرة والعلمِ وما فيه من معنى البُعدِ لما مر آنِفاً وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿بأن الله هُوَ الحق﴾ الواجبُ لذاته الثَّابتُ في نفسِه وصفاتِه وأفعالِه وحدَهُ فإنَّ وجوبَ وجودِه ووحدتِه يقتضيانِ كونَه مبدأً لكُلِّ ما يُوجدُ من الموجوداتِ عالِماً بكلِّ المعلوماتِ أو الثَّابتُ إلهية فلا يصلح لها إلَاّ مَن كان عالماً قادراً ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ من دونه﴾ إلها وقرئ على البناءِ للمفعولِ على أن الواو لما فإنه عبارة عن الآلهة وقرئ بالتَّاءِ على خطابِ المُشركين ﴿هُوَ الباطل﴾ أي المعدومُ في حدِّ ذاتِه أو الباطلُ ألوهيَّتُه ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلى﴾ على جميعِ الأشياءِ ﴿الكبير﴾ عن أنْ يكون له شريكٌ لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً
стр. 4205
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل من السماء ماء﴾ استفهام تقرير كما يفصح عنه الرفعُ في قوله تعالى ﴿فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ بالعطف على أنزلَ وإيثار صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بتجدُّدِ أثرِ الإنزالِ واستمرارِه أو لاستحضارِ صورةِ الاخضرارِ ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ يصل لطفُه أو علمُه ألى كلِّ ما جلَّ ودقَّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بما يليقُ من التَّدابيرِ الحسنةِ ظاهراً وباطناً
стр. 4206
﴿له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ خَلْقاً ومُلْكاً وتصَرُّفاً ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ الغنيُّ﴾ عن كلِّ شيءٍ ﴿الحميد﴾ المستوجبُ للحمدِ بصفاته وأفعاله
стр. 4207
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سخر لَكُم مَّا فِى الارض﴾ أي جعلَ ما فيها من الأشياءِ مذلَّلةً لكم معدَّةً لمنافعكم تتصرَّفون فيها كيفَ شئتُم فلا
стр. 4208
سورة الحج (٦٦ ٦٧) أصلبَ من الحجرِ ولا أشدَّ من الحديدِ ولا أهيبَ من النَّارِ وهي مسخَّرةٌ لكم وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمامِ بالمقدَّمِ لتعجيل المسرَّةِ والتِّشويقِ إلى المؤخَّرِ ﴿والفلك﴾ عطفٌ على مَا أو على اسم أن وقرئ بالرَّفعِ على الابتداء ﴿تَجْرِى فِى البحر بِأَمْرِهِ﴾ حالٌ من الفلك على الأوَّلِ وخبرٌ على الأخيرينِ ﴿وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض﴾ أي من أن تقعَ أو كراهةَ أن تقع بأنْ خلقَها على هيئةٍ متداعيةٍ إلى الاستمساك ﴿إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي بمشيئته وذلك يومُ القيامةِ وفيه ردٌّ لاستمساكها بذاتها فإنَّها مساويةٌ في الجسميَّةِ لسائر الأجسامِ القابلةِ للميلِ الهابط فتقبله كقبولِ غيرِها ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث هيَّأ لهم أسبابَ معاشِهم وفتحَ عليهم أبوابَ المنافعِ وأوضح لهم مناهجَ الاستدلالِ بالآيات التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ
стр. 4209
﴿وَهُوَ الذى أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أنْ كنتُم جماداً عناصرَ ونطفاً حسبما فُصِّل في مطلع السورةِ الكريمة ﴿ثُمَّ يميتكم﴾ عند مجئ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عند البعثِ ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ أي جَحودٌ للنِّعمِ مع ظهورِها وهذا وصف للجنس بوصف بعضِ أفرادِه
стр. 4210
﴿لِكُلّ أُمَّةٍ﴾ كلام مستأنف جئ به لزجر معاصريه ﷺ من أهل الأديان السَّماويةِ عن منازعته ﷺ ببيان حالِ ما تمسكوا به من الشَّرائع وإظهارِ خطئِهم في النَّظرِ أي لكلِّ أمةٍ معيَّنةٍ من الأممِ الخاليةِ والباقيةِ ﴿جَعَلْنَا﴾ أي وضعنَا وعيَّنا ﴿مَنسَكًا﴾ أي شريعةً خاصَّةً لا لأمةٍ أُخرى منهم على معنى عيَّنا كلَّ شريعةٍ لأمةٍ معيَّنةٍ من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتَها المعيَّنةَ لها إلى شريعةٍ أُخرى لا استقلالاً ولا اشتراكاً وقوله تعالى ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ صفة لمَنْسكاً مؤكِّدةٌ للقصر المستفادِ من تقديم الجارِّ والمجرور على الفعل والضَّميرُ لكلِّ أمة باعتبار خصومها أي تلك الأُمَّةُ المعيَّنةُ ناسكوه والعاملون به لا أمةٌ أُخرى فالأمةُ التي كانت من مبعث مُوسى ﵇ إلى مبعث عيسَى ﵇ منسَكُهم التَّوراةُ هم ناسكوها والعاملونَ بها لا غيرُهم والتي كانت من مَبعثِ عيسى إلى مبعث النبيِّ ﷺ منسكُهم الإنجيلُ هم ناسكُوه والعاملون به لا غيرُهم وأما الأمَّةُ الموجودةُ عند مبعث النبيِّ ﷺ ومن بعدهم من الموجودينَ إلى يومِ القيامةِ فهُم أمةٌ واحدةٌ منسكهم الفرقانُ ليس إلَاّ كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا والفاء في قوله تعالى ﴿فَلَا ينازعنك فِى الأمر﴾ لترتيب الهي أو موجبِه على ما قبلها فإنَّ تعيينَه تعالى لكل أمة من الأمم التي من جُملتهم هذه الأمةُ شريعةً مستقلَّةً بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتَها المعيَّنةَ لها موجبٌ لطاعةِ هؤلاء لرسولِ الله ﷺ وعدمِ منازعتِهم إيَّاهُ في أمرِ الدِّينِ زعماً منهم أنَّ شريعتَهم ما عُيِّن لآبائِهم الأوَّلينَ من التَّوراةِ والإنجيلِ فإنَّهما شريعتانِ لمن مَضَى من الأمم قبل انتساخهما وهؤلاء أمةٌ مستقلَّةٌ منسكهم القرآنُ المجيد فحسب والنَّهيُ إما على حقيقته أو كلية عن نهيه ﷺ عن الالتفات إلى نزاعهم للنبي على زعمهم المذكورِ وأما جعله عبارةً عن نهيِه صلى الله عليه وسلم
стр. 4211
سورة الحج (٦٨ ٧١) عن مازعنهم فلا يساعده المقام وقرئ فلا ينزعنَّك على تهييجِه ﷺ والمبالغةِ في تثبيتِه وأيًّا ما كان فمحلُّ النِّزاعِ ما ذكرناهُ وتخصيصُه بأمر النسائك وجعلُه عبارةً عن قول الخُزاعيين وغيرِهم للمسلمينَ ما لكم تأكُلون ما قتلتُم ولا تأكاوا ما قتلَه الله تعالى مما لا سبيلَ إليه أصلاً كيف لا وأنَّه يستدعِي أن يكونَ أكلُ الميتةِ وسائرُ ما يدينونَه من الأباطيلِ من جملة المناسكِ التي جعلها الله تعالى لبعضِ الأُممِ ولا يرتابُ في بُطلانِه عاقلٌ ﴿وادع﴾ أي وادعُهم أو وادعُ النَّاسَ كافَّةً على أنَّهم داخلونَ فيهم دُخولاً أولياً ﴿إلى رَبّكَ﴾ إلى توحيدِه وعبادتِه حسبما بُيِّن لهم في منسكِهم وشريعتِهم ﴿إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي طريقٍ موصِّلٍ إلى الحقِّ سويّ والمرادُ به إما الدِّينُ والشَّريعةُ أو أدلنها
стр. 4212
﴿وَإِن جادلوك﴾ بعد ظهورِ الحقِّ بما ذُكر من التَّحقيق ولزومِ الحُجَّةِ عليهم ﴿فَقُلْ﴾ لهم على سبيل الوعيدِ ﴿الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأباطيلِ التي من جُملتها المجادلةُ
стр. 4213
﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يفصل بين المؤمنين منكُم والكافرينَ ﴿يَوْمُ القيامة﴾ بالثَّوابِ والعقابِ كما فصَل في الدُّنيا بالحججِ والآياتِ ﴿فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمرِ الدِّينِ
стр. 4214
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله والاستفهامُ للتَّقرير أي قد علمتَ ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماء والأرض﴾ فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها ما يقوله الكَفَرةُ وما يعملونَهُ ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي ما فى السماء والأرض ﴿فِى كتاب﴾ هو اللَّوحُ قد كُتب فيه قبل حدوثِه فلا يُهمنَّك أمرُهم مع علمِنا به وحفظِنا له ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي ما ذُكر من العلمِ والإحاطةِ به وإثباتِه في اللوح أو الحكم ببينكم ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ فإنَّ علمَه وقدرتَه مُقتضى ذاتِه فلا يَخْفى عليه شيءٌ ولا يعسرُ عليه مقدورٌ
стр. 4215
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ حكايةٌ لبعض أباطيلِ المشركينَ وأحوالِهم الدَّالَّةِ على كمال سخافةِ عقولِهم وركاكةِ آرائِهم من بناء أمرِ دينِهم على غيرِ مَبْنى من دليلٍ سمعيَ أو عقليَ وإعراضِهم عمَّا أُلقي عليهم من سلطانٍ بيِّنٍ هو أساسُ الدِّينِ وقاعدتُه أشدَّ إعراضٍ أي يعبدُون متجاوزينَ عبادةَ الله ﴿مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ﴾ أي بجوازِ عبادتِه ﴿سلطانا﴾ أي حجَّةً ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ﴾ أي بجواز عبادتِه ﴿عِلْمٍ﴾ من ضرورة العقلِ أو استدلاله ﴿وَمَا للظالمين﴾ أي الذينَ ارتكبُوا مثل هذا الظُّلمِ العظيمِ الذي يقضي ببطلانِه وكونِه ظُلماً بديهةُ العقولِ ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾ يساعدُهم بنصرةِ مذهبِهم وتقريرِ رأيهم أو بدفعِ العذابِ الذي يعتريهم بسبب ظلمهم
стр. 4216
سورة الحج (٧٢ ٧٣)
стр. 4217
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ عطفٌ على يعبدونَ وما بينهما اعتراضٌ وصيغة المضارعِ للدلالة على الاستمرار التجددي ﴿بينات﴾ أي حالَ كونِها واضحاتِ الدِلالةِ على العقائدِ الحَقَّةِ والأحكام الصَّادقةِ أو على بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام أو على كونِها من عندِ الله ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر﴾ أي الإنكارَ كالمُكرَم بمعنى الإكرامِ أو الفظيعَ من التَّجهمِ والبُسورِ أو الشَّرِّ الذي يقصدونَهُ بظهورِ مخايلِه من الأوضاعِ والهيئاتِ وهو الأنسبُ بقولِه تعالى ﴿يكادون يَسْطُونَ بالذين يتلون عليهم آياتنا﴾ أي يَثِبُون ويبطِشُون بهم من فرط الغيظِ والغضبِ لأباطيلَ أخذُوها تقليداً وهل جهالةٌ أعظمُ وأطمُّ من أنْ يعبدُوا ما لا يوهم صحَّةَ عبادتِه شيءٌ ما أصلاً بل يقضي ببطلانِها العقلُ والنَّقلُ ويظهروا لمن يهديهم إلى الحقِّ البيِّنِ بالسُّلطانِ المُبينِ مثلَ هذا المنكرِ الشَّنيعِ كَلَاّ ولهذا وضعَ الذين كفروا موضعَ الضَّميرِ ﴿قُلْ﴾ ردًّا عليهم وإقناطاً عما يقصدونَه من الإضرارِ بالمسلمينَ ﴿أَفَأُنَبّئُكُم﴾ أي أخاطبكم فأخبرُكم ﴿بِشَرّ مّن ذلكم﴾ الذي فيكم من غيظكم على التَّالينَ وسطوتِكم بهم أو مما تبغونَهم من الغوائلِ أو مما أصابكم من الضَّجرِ بسبب ما تلَوه عليكم ﴿النار﴾ أي هو النَّارُ على أنَّه جوابٌ لسؤالٍ مقدرٍ كأنَّه قيلَ ما هُو وقيلَ هو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى ﴿وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ﴾ وقرئ النَّارَ بالنَّصبِ على الاختصاص وبالجرِّ بدلاً من شرَ فتكون الجملةُ الفعليةُ استئنافاً كالوجهِ الأول أو حالاً من النَّارِ بإضمار قَدْ ﴿وبئس المصير﴾ النار
стр. 4218
﴿يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي بُيِّن لكم حالٌ مستغربةٌ أو قصَّةٌ بديعةٌ رائعةٌ حقيقةٌ بأنْ تسمَّى مَثَلاً وتسيرَ في الأمصارِ والأعصارِ أو جُعل لله مثلٌ أي مثل في استحقاقِ العبادةِ وأُريد بذلك ما حُكي عنهم من عبادتِهم للأصنامِ ﴿فاستمعوا لَهُ﴾ أي للمثلِ نفسِه استماعَ تدبر وتفكُّرٍ أو فاستمعُوا لأجلِه ما أقولُ فقوله تعالى ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ الخ بيانٌ للمثل وتفسيرٌ له على الأوَّلِ وتعليلٌ لبطلان جعلهم الأصنامَ مثلَ الله سبحانه في استحقاق العبادةِ على الثاني وقرئ بياء الغَيبةِ مبنيًّا للفاعلِ ومبنيًّا للمفعولِ والرَّاجع إلى الموصولِ على الأولين محذوفٌ ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً﴾ أي لن يقدروا على خلقه أبداً مع صغره وحقارتِه فإنَّ لن بما فيها من تأكيد النَّفيِ دالَّةٌ على مُنافاة ما بين المنفيِّ والمنفيِّ عنه ﴿وَلَوِ اجتمعوا لَهُ﴾ أي لخلقه وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على شرطيةٍ أُخرى محذوفةٍ ثقةً بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا عليه لن يخلقُوه ولو اجتمعُوا له لن يخلقُوه كما مرَّ تحقيقُه مراراً وهما في موضع الحالِ كأنَّه قيل لن يخلقوا ذبابا
стр. 4219
سورة الحج (٧٤ ٧٧) على كلِّ حالٍ ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً﴾ بيان لعجزهم عن الامتناع عمَّا يفعل يهم الذُّبابُ بعد بيانِ عجزِهم عن خلقِه أي إنْ يأخذِ الذُّبابُ منهم شيئاً ﴿لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ مع غايةِ ضعفِه ولقد جُهلوا غايةَ التَّجهيلِ في إشراكِهم بالله القادرِ على جميع المقدورات المنفرد بإيجاد كافةِ الموجوداتِ تماثيلَ هي أعجزُ الأشياءِ وبين ذلك بأنَّها لا تقدرُ على أقل الأحياءِ وأذلِها ولو اتَّفقُوا عليه بل لا تقوى على مقاومةِ هذا الأقلِ الأذلِّ وتعجز عن ذبِّه عن نفسِها واستنقاذِ ما يختطفُه منها قيل كانُوا يطيِّبونها بالطِّيبِ والعسلِ ويُغلقون عليها الأبوابَ فيدخل الذُّبابُ من الكُوى فيأكلُه ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ أي عابدُ الصَّنمِ ومعبودُه أو الذُّبابُ الطَّالبُ لما يسلبُه من الصَّنمِ من الطِّيبِ والصَّنمُ المطلوبُ منه ذلك أو الصَّنمُ والذُّبابُ كأنَّه يطلبه ليستنقذَ منه ما يسلبه ولو حقَّقتَ وجدتَ الصَّنمَ أضعفَ من الذُّبابِ بدرجاتٍ وعابدَه أجهلَ من كلِّ جاهلٍ وأضلَّ من كلِّ ضالَ
стр. 4220
﴿مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفُوه حقَّ معرفتِه حيث أشركُوا به وسمَّوا باسمه ما هو أبعدُ الأشياءِ عنه مناسبةً ﴿إِنَّ الله لَقَوِىٌّ﴾ على خلق الممكناتِ بأسرها وإفناءِ الموجوداتِ عن آخرها ﴿عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على جميع الأشياءِ وقد عرفتَ حالَ آلهتِهم المقهورةِ لأذلها العجزة عن أقلها والجملةُ تعليلٌ لما قبلها من نفيِ معرفتهم له تعالى
стр. 4221
﴿الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً﴾ يتوسَّطون بينَه تعالَى وبينَ الأنبياءِ ﵈ بالوحيِ ﴿وَمِنَ الناس﴾ وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون بالقُوَّة القدسيةِ المتعلِّقون بكلا العالمينِ الرُّوحانيِّ والجُسمانيِّ يتلقَون من جانبٍ ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التعلقُ بمصالحِ الخلقِ عن التبتل إلى جناب الحقِّ فيدعونَهم إليه تعالى بما أنزل عليهم ويعلِّمونهم شرائعَه وأحكامَه كأنَّه تعالى لمَّا قرَّر وحدانيَّتَه في الأُلوهية ونفى أنْ يشاركَه فيها شيءٌ من الأشياء بيَّن أنَّ له عباداً مُصطفَين للرِّسالة يُتوسل بإجابتهم والاقتداءِ بهم إلى عبادته وهو أعلى الدَّرجاتِ وأقصى الغاياتِ لمن عداه من الموجوداتِ تقريراً للنُّبوة وتزييفاً لقولِهم لَوْ شَاء الله لَانزَلَ ملائكة وقولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زلفى وقولهم الملائكةُ بناتُ الله وغيرِ ذلك من الأباطيلِ ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عليم بجميعِ المسموعاتِ والمبصراتِ فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأقوالِ والأفعالِ
стр. 4222
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ لا إلى أحدٍ غيرِه لا اشتراكاً ولا استقلالا
стр. 4223
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اركعوا واسجدوا﴾ أي في صلواتِكم أمرَهم بهما لمَا أنَّهم ما كانُوا يفعلونَهما أول الإسلام أوصلوا عبر عن الصَّلاةِ بهما لأنَّهما أعظمُ أركانِها أو اخضعُوا لله تعالى وخِرُّوا له سجدا
стр. 4224
سورة الحج (٧٨) ﴿وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ بسائر ما تعبَّدكم به ﴿وافعلوا الخير﴾ وتحرَّوا ما هو خيرٌ وأصلحُ في كلِّ ما تأتون وما تذرونَ كنوافلِ الطَّاعاتِ وصلةِ الأرحامِ ومكارمِ الأخلاقِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي افعلُوا هذه كلَّها وأنتُم راجُون بها الفلاحَ غيرَ متيقنينَ له واثقينَ بأعمالكم والآيةُ آيةُ سجدةٍ عند الشافعي ﵀ لظاهر ما فيها من الأمر باسجود ولقوله ﷺ فُضِّلتْ سورةُ الحجِّ بسجدتينِ مَن لم يسجدْهُما فلا يقرأها
стр. 4225
﴿وجاهدوا فِى الله﴾ أي لله تعالى ولأجلِه أعداءَ دينِه الظاهرة كأهلِ الزَّيغِ والباطنةِ كالهَوَى والنَّفسِ وعنه ﷺ أنَّه رجعَ من غزوةِ تبوكَ فقال رجعنا من الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ ﴿حَقَّ جهاده﴾ أي جهاداً فيه حقًّا خالصاً لوجهه فعكسَ وأضيف الحقُّ إلى الجهادِ مبالغةً كقولِك هو حقٌّ عالمٌ وأُضيف الجهادُ إلى الضَّمير اتِّساعاً أو لأنَّه مختصٌّ به تعالى من حيثُ أنَّه مفعولٌ لوجهِه ومن أجلِه ﴿هُوَ اجتباكم﴾ أي هو اختاركُم لدينِه ونصرتِه لا غيرُه وفيه تنبيهٌ على ما يقتضي الجهادَ ويدعُو إليه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ أي ضيقٍ بتكليف ما يشقُّ عليكم إقامتُه إشارة إلى أنَّه لا مانعَ لهم عنْهُ ولا عذرَ لهم في تركِه أو إلى الرُّخصةِ في إغفالِ بعضِ ما أمرَهم به حيث يشقُّ عليهم لقولِه ﷺ إذا أمرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استطعتُم وقيل ذلك بأنْ جعلَ لهم من كلِّ ذنبٍ مخرجاً بأنْ رخَّص لهم في المضايقِ وفتحَ لهم بابَ التَّوبةِ وشرَع لهم الكفَّاراتِ في حقوقِه والأروشَ والدِّياتِ في حقوقِ العبادِ ﴿مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم﴾ نُصب على المصدرِ بفعلٍ دلَّ عليه مضمونُ ما قبلَه بحذفِ المضافِ أي وسع عليكم دينَكم توسعةَ ملَّةِ أبيكم أو على الإغراءِ أو على الاختصاصِ وإنَّما جعله أباهم لأنَّه أبوُ رسولِ الله ﷺ وهو كالأبِ لأمَّتِه من حيثُ أنَّه سببٌ لحياتِهم الأبديَّةِ ووجودِهم على الوجه المعتدِّ به في الآخرةِ أو لأنَّ أكثرَ العربِ كانوا من ذريته صلى الله عيه وسلم فغُلِّبُوا على غيرِهم ﴿هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ﴾ في الكتبِ المُتقدِّمةِ ﴿وَفِى هذا﴾ أي في القرآنِ والضَّميرُ لله تعالى ويُؤيِّده أنه قرئ الله سمَّاكُم أو لإبراهيمَ وتسميتُهم بالمسلمينَ في القُرآن وإنْ لم تكُنْ منه ﷺ كانت بسببِ تسميته من قبلُ في قوله وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وقيل وفي هذا تقديرُه وفي هذا بيانُ تسميتِه إيَّاكم المسلمينَ ﴿لِيَكُونَ الرسول﴾ يومَ القيامةِ متعلِّقٌ بسمَّاكُم ﴿شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ بأنَّه بلَّغكُم فيدلُّ على قبولِ شهادتِه لنفسِه اعتماداً على عصمتِه أو بطاعة مَن أطاعَ وعصيانِ مَن عصى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس﴾ بتبليغِ الرسل إليهم ﴿فأقيموا الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أي فتقرَّبُوا إلى الله بأنواع الطاعات وتخصيصهما بالذكرلأنافتهما وفضلِهما ﴿واعتصموا بالله﴾ أي ثقُوا به في مجامعِ أمورِكم ولا تطلبُوا الإعانةَ والنُّصرةَ إلَاّ منْه ﴿هُوَ مولاكم﴾ ناصرُكم ومتولِّي أمورِكم ﴿فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ هو إذْ لا مثلَ له في الوَلَايةِ والنُّصرةِ
стр. 4226
سورة الحج (١ ٣) بل لا ولِيَّ ولا نصيرَ في الحقيقةِ سواهُ عنِ النبيِّ ﷺ مَن قرأَ سُورةَ الحجِّ أُعطيَ من الأجرِ كحجَّةٍ حجَّها وعمرةٍ اعتمرَها بعددِ مَن حجَّ واعتمرَ فيما مضى وفيما بقى
سورة المؤمنون
مكية وهي عند البصريين مائة وتسع عشرة آية وعند الكوفيين مائة وثماني عشرة آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾
стр. 4227
﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ الفلاحُ الفوزُ بالمرام والنجاةُ من المكروه وقيل البقاءُ في الخير والإفلاحُ الدُّخولُ في ذلكَ كالإبشارِ الذي هو الدخولُ في البشارةِ وقد يجيءُ متعدياً بمعنى الإدخال فيه وعليه قراءةُ مَن قرأ على البناء للمفعول وكلمة قد ههنا لإفادةِ ثبوتِ ما كان متوقعَ الثُّبوتِ من قبلُ لا متوقعَ الإخبارِ به ضرورةَ أنَّ المتوقعَ من حال المؤمنينَ ثبوتُ الفلاحِ لهم لا الإخبارُ بذلك فالمعنى قد فازوا بكلِّ خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك متوقعاً من حالِهم فإنَّ إيمانَهم وما تفرَّعَ عليه من أعمالهم الصالحةِ من دواعي الفلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ خلا أنَّه إنْ أُريد بالإفلاح حقيقةُ الدُّخولِ في الفلاح الذي لا يتحققُ إلا في الآخرة فالإخبارُ به على صيغة الماضي الدلالة على تحققه لا محالةَ بتنزيله منزلةَ الثابتِ وإنْ أُريد كونُهم بحالٍ تستتبعُه البتةَ فصيغةُ الماضي في محلها وقرئ أفلحُوا على الإبهامِ والتفسيرِ أو على أكلوني البراغيثُ وقرئ أفلحُ بضمة اكتفَى بها عن الواوِ كما في قولِ من قال [ولو أنَّ الأطبَّا كانُ حَولي] والمرادُ بالمؤمنينَ إمَّا المصدِّقون بما عُلم ضرورةَ أنَّه من دينِ نبينا ﷺ من التَّوحيدِ والنبوةِ والبعثِ والجزاءِ ونظائرِها فقولُه تعالى
стр. 4228
﴿الذين هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خاشعون﴾ وما عُطف عليه صفاتٌ مخصصةٌ لهم وإما الآتون بفروعه أيضاً كما ينبئ عنه إضافةُ الصَّلاة إليهم فهي صفاتٌ موضحةٌ أو مادحةٌ لهم حسب اعتبارِ ما ذكر في حيز الصِّلةِ من المعاني مع الإيمان إجمالاً أو تفصيلاً كما مرَّ في أوائل سُورة البقرة والخشوعُ الخوفُ والتَّذللُ أي خائفون من الله متذلِّلون له ملزمون أبصارَهم مساجدَهم روى أنه ﷺ كان إذا صلَّى رفع بصره إلى السَّماءِ فلمَّا نزلتْ رمى ببصره نحوَ مسجدِه وأنَّه رأى مُصلِّياً يعبث بلحيته فقال لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه
стр. 4229
﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو﴾ أي عمَّا لا يعنيهم من الأقوال والأفعال
стр. 4230
سورة المؤمنون (٤٧) ﴿مُّعْرِضُونَ﴾ أي في عامَّة أوقاتهم كما ينبئ عنه الاسمُ الدَّالُّ على الاستمرار فيدخل في ذلك إعراضُهم عنه حالَ اشتغالِهم بالصَّلاةِ دخولاً أوليًّا ومدارُ إعراضهم عنه ما فيه من الحالة الدَّاعيةِ إلى الإعراض عنه لا مجرَّدَ الاشتغالِ بالجدِّ في أمور الدِّينِ كما قيل فإنَّ ذلك رُبَّما يُوهم أنْ لا يكونَ في اللَّغوِ نفسه ما يزجرُهم عن تعاطيهِ وهو أبلغُ من أنْ يُقالَ لا يلهون من وجوه جعلِ الجملةِ اسميَّةً وبناءِ الحكم على الضَّميرِ والتَّعبيرِ عنه بالاسمِ وتقديمُ الصِّلةِ عليه وإقامةُ الإعراضِ مُقامَ التَّركِ ليدلَّ على تباعدهم عنه رأساً مباشرةً وتسبُّباً وميلاً وحضوراً فإنَّ أصلَه أنْ يكونَ في عرضٍ غيرِ عرضِه
стр. 4231
﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصَّلاة والزَّكاةُ مصدر لأنَّه الأمرُ الصَّادرُ عن الفاعل لا المحلُّ الذي هو موقعُه ومعنى الفعلِ قد مرَّ تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ويجوزُ أنْ يُرادَ بها العينُ على تقدير المضاف
стр. 4232
﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون﴾ ممسكون لها فالاستثناءُ في قوله تعالى
стр. 4233
﴿إِلَاّ على أزواجهم﴾ من نفي الإرسال الذي ينبئ عنه الحفظُ أي لا يُرسلونها على أحدٍ إلَاّ على أزواجِهم وفيه إيذانٌ بأنَّ قوَّتهم الشَّهويَّة داعيةٌ لهم إلى ما لا يخفى وأنَّهم حافظون لها من استيفاءِ مقتضاها وبذلك يتحقق كما العفَّةِ ويجوز أنْ تكون على بمعنى من وإليه ذهبَ الفرَّاءُ كما في قوله تعالى إِذَا اكتالوا عَلَى الناس أي حافظون لها من كلِّ أحدٍ إلا من أزواجِهم وقيل هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير حافظون أي حافظون لها في جميعِ الأحوال إلَاّ حالَ كونهم والينَ أو قوَّامين على أزواجِهم وقيل بمحذوفٍ يدلُّ عليه غيرَ ملُومين كأنَّه قيل يُلامون على كلِّ مباشرٍ إلَاّ على ما أُطلق لهم فإنَّهم غيرُ ملومين وحملُ الحفظِ على القصر عليهنَّ ليكونَ المعنى حافظون فروجَهم على الأزواجِ لا يتعداهُنَّ ثمَّ يقال غير حافظينَ إلا عليهنَّ تأكيداً على تأكيدٍ تكلُّفٌ على تكلُّف ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم﴾ أي سراريهم عبر عنهن بما إجراءً لهنَّ لمملوكيتهنَّ مُجرى غيرِ العُقلاءِ أو لأنوثتهنَّ المنبئة عن المقصود وقوله تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تعليلٌ لمَا يفيدهُ الاستثناءُ منْ عدم حفظ فروجهم منهنَّ أي فإنَّهم غيرُ ملومين على عدم حفظِها منهنَّ
стр. 4234
﴿فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من الحدِّ المتَّسعِ وهو أربعٌ من الحرائر وما شاء من الإماءِ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون﴾ الكاملونَ في العُدوانِ المتناهُون فيه وليس فيه ما يدلُّ حتماً على تحريمِ المتعةِ حسبما نُقل عن القاسمِ بن محمَّدٍ فإنَّه قال إنَّها ليستْ زوجةً له فوجبَ أن لا تحمل له أما
стр. 4235
سورة المؤمنين (٨ ١٢) إنها ليست زوجة له فلأنَّهما لا يتوارثانِ بالإجماعِ ولو كانتْ زوجةً له لحصل التَّوارثُ لقوله تعالى وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم فوجب أنْ لا تحلَّ لقوله تعالى إِلَاّ على أزواجهم لأنَّ لهم أنْ يقولوا إنَّها زوجةٌ له في الجُملةِ وأمَّا أنَّ كلَّ زوجةٍ ترثُ فهم لا يُسلِّمونها وأما ما قيل من أنه إنْ أُريد لو كانت زوجةً حالَ الحياةِ لم يفدو إن أُريدَ بعد الموتِ فالملازمةُ ممنوعةٌ فليس له معنى محصَّلٌ نعم لو عُكسَ لكان له وجهٌ
стр. 4236
﴿والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ﴾ لما يُؤتمنون عليه ويُعاهدون من جهة الحقِّ أو الخلقِ ﴿راعون﴾ أي قائمون عليها حافظون لها على وجه الإصلاح وقرئ لأمانتِهم
стр. 4237
﴿والذين هُمْ على صلواتهم﴾ المفروضةِ عليهم ﴿يُحَافِظُونَ﴾ يُواظبون عليها ويُؤدُّونها في أوقاتها ولفظُ الفعلِ فيه لما في الصَّلاةِ من التَّجدُّدِ والتَّكرُّر وهو السرُّ في جمعها وليسَ فيه تكريرٌ لما أنَّ الخشوعَ في الصَّلاة غيرُ المحافظةِ عليها وفصلُهما للإيذانِ بأنَّ كلاً منهما فضيلةٌ مستقلَّةٌ على حيالِها ولو قُرنا في الذِّكرِ لربَّما توهِّم أنَّ مجموعَ الخشوعِ والمحافظةِ فضيلةٌ واحدةٌ
стр. 4238
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصِّفاتِ وإيثارُها على الإضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم ونزولهم منزلة المُشار إليه حِسًّا وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ طبقتِهم وبُعدِ درجتهم في الفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بالنُّعوت الجليلةِ المذكورةِ ﴿هُمُ الوارثون﴾ أي الأحِقَّاءُ بأنْ يُسمَّوا ورَّاثاً دون مَنْ عداهم ممَّن ورِثَ رغائب الأموال والذَّخائرِ وكرائمهما
стр. 4239
﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس﴾ بيانٌ لما يرثونَه وتقييدٌ للوراثة بعد إطلاقها وتفسيرٌ لها بعد إبهامِها تفخيماً لشأنها ورفعا لمحلها وهي اتسعارة لاستحقاقهم الفِردوسَ بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعدُ الكريمُ للمبالغة فيه وقيل إنَّهم يرثون من الكفَّارِ منازلهم فيها حيث فوَّتُوها على أنفسِهم لأنَّه تعالى خلقَ لكلِّ إنسان منزلاً في الجنَّةِ ومنزلاً في النَّارِ ﴿هُمْ فِيهَا﴾ أي في الفردوسِ والتَّأنيثُ لأنَّه اسمٌ للجنَّةِ أو لطبقتها العُليا وهو البستان الجامعُ لأصناف الثَّمرِ رُوي أنَّه تعالى بَنَى جنَّة الفِردوسِ لبنةً من ذهبٍ ولَبنةً من فضَّةٍ وجعلَ خلالَها المسكَ الأذفرَ وفي روايةٍ ولبنةً من مسكٍ مذريَ وغرسَ فيها من جيِّدِ الفاكهةِ وجيِّدِ الرَّيحانِ ﴿خالدون﴾ لا يخرجُون منها أبداً والجملة إمَّا مستأنفةٌ مقرِّره لما قبلها وإمَّا حالٌ مقدرةٌ من فاعل يرثون أو مفعولهِ إذ فيها ذِكرُ كلَ منهما ومعنى الكلامِ لا يموتُون ولا يخرجون منها
стр. 4240
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ شروعٌ في بيان مبدأ خلقِ الإنسانِ وتقلُّبهِ في أطوارِ الخلقةِ وأدوارِ الفطرةِ بياناً إجماليا
следующие страницы →