Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
﴿والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ﴾ لما يُؤتمنون عليه ويُعاهدون من جهة الحقِّ أو الخلقِ ﴿راعون﴾ أي قائمون عليها حافظون لها على وجه الإصلاح وقرئ لأمانتِهم
стр. 4237
﴿والذين هُمْ على صلواتهم﴾ المفروضةِ عليهم ﴿يُحَافِظُونَ﴾ يُواظبون عليها ويُؤدُّونها في أوقاتها ولفظُ الفعلِ فيه لما في الصَّلاةِ من التَّجدُّدِ والتَّكرُّر وهو السرُّ في جمعها وليسَ فيه تكريرٌ لما أنَّ الخشوعَ في الصَّلاة غيرُ المحافظةِ عليها وفصلُهما للإيذانِ بأنَّ كلاً منهما فضيلةٌ مستقلَّةٌ على حيالِها ولو قُرنا في الذِّكرِ لربَّما توهِّم أنَّ مجموعَ الخشوعِ والمحافظةِ فضيلةٌ واحدةٌ
стр. 4238
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصِّفاتِ وإيثارُها على الإضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم ونزولهم منزلة المُشار إليه حِسًّا وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ طبقتِهم وبُعدِ درجتهم في الفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بالنُّعوت الجليلةِ المذكورةِ ﴿هُمُ الوارثون﴾ أي الأحِقَّاءُ بأنْ يُسمَّوا ورَّاثاً دون مَنْ عداهم ممَّن ورِثَ رغائب الأموال والذَّخائرِ وكرائمهما
стр. 4239
﴿الذين يَرِثُونَ الفردوس﴾ بيانٌ لما يرثونَه وتقييدٌ للوراثة بعد إطلاقها وتفسيرٌ لها بعد إبهامِها تفخيماً لشأنها ورفعا لمحلها وهي اتسعارة لاستحقاقهم الفِردوسَ بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعدُ الكريمُ للمبالغة فيه وقيل إنَّهم يرثون من الكفَّارِ منازلهم فيها حيث فوَّتُوها على أنفسِهم لأنَّه تعالى خلقَ لكلِّ إنسان منزلاً في الجنَّةِ ومنزلاً في النَّارِ ﴿هُمْ فِيهَا﴾ أي في الفردوسِ والتَّأنيثُ لأنَّه اسمٌ للجنَّةِ أو لطبقتها العُليا وهو البستان الجامعُ لأصناف الثَّمرِ رُوي أنَّه تعالى بَنَى جنَّة الفِردوسِ لبنةً من ذهبٍ ولَبنةً من فضَّةٍ وجعلَ خلالَها المسكَ الأذفرَ وفي روايةٍ ولبنةً من مسكٍ مذريَ وغرسَ فيها من جيِّدِ الفاكهةِ وجيِّدِ الرَّيحانِ ﴿خالدون﴾ لا يخرجُون منها أبداً والجملة إمَّا مستأنفةٌ مقرِّره لما قبلها وإمَّا حالٌ مقدرةٌ من فاعل يرثون أو مفعولهِ إذ فيها ذِكرُ كلَ منهما ومعنى الكلامِ لا يموتُون ولا يخرجون منها
стр. 4240
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ شروعٌ في بيان مبدأ خلقِ الإنسانِ وتقلُّبهِ في أطوارِ الخلقةِ وأدوارِ الفطرةِ بياناً إجماليا
стр. 4241
سورة المؤمنون (١٣ ١٤) إثرَ بيانِ حال بعضِ أفرادِه السُّعداءِ واللَاّمُ جوابُ قسمٍ والواوُ ابتدائيَّةٌ وقيل عاطفةٌ على ما قبلَها والمرادُ بالإنسان الجنسُ أي وبالله لقد خلقنا جنسَ الإنسان في ضِمن خلقِ آدمَ ﵇ خلقا إجماليًّا حسبما تحقَّقته في سورة الحجِّ وغيرِها وأمَّا كونُه مخلوقاً من سلالاتٍ جُعلتْ نُطَفاً بعد أدوارٍ وأطوارٍ فبعيدٌ ﴿مِن سلالة﴾ السُّلالةُ ما سُلَّ من الشَّيء واستُخرجَ منه فإن فُعالة اسمٌ لما يحصُل من الفعلِ فتارةً تكون مقصوداً منه كالخُلاصةِ وأُخرى غيرَ مقصودٍ منه كالقُلامةِ والكُناسةِ والسُّلالةُ من قبيلِ الأوَّلِ فإنَّها مقصودةٌ بالسَّلِّ ومن ابتدائيةٌ متعلِّقةٌ بالخلقِ ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مِن طِينٍ﴾ بيانيةٌ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لسُلالة أي خلقناهُ من سُلالةٍ كائنةٍ من طينٍ ويجوزُ أنْ تتعلَّق بسُلالة على أنَّها بمعنى مسلولةٍ فهي ابتدائيةٌ كالأُولى وقيل المرادُ بالإنسان آدم ﵇ فإنَّه الذي خُلق من صفوةٍ سُلَّتْ من الطِّينِ وقد وقفت على التَّحقيق
стр. 4242
﴿ثُمَّ جعلناه﴾ أي الجنسَ باعتبار أفراده المغايرة لآدمَ ﵇ أو جعلنا نسلَه على حذفِ المضافِ إنْ أُريد بالإنسان آدمُ ﵇ ﴿نُّطْفَةٍ﴾ بأن خلقناه منها أو ثمَّ جعلنا السُّلالةَ نُطفةً والتَّذكيرُ بتأويل الجوهرِ أو المسلولِ أو الماءِ ﴿فِى قَرَارٍ﴾ أي مستقَرَ وهو الرَّحِمُ عبر عنها بالقرارِ الذي هو مصدرٌ مبالغةً وقولُه تعالى ﴿مَّكِينٍ﴾ وصفٌ لها بصفة ما استقرَّ فيها مثلُ طريقٌ سائرٌ أو بمكانتها في نفسِها فإنَّها مكنت بحيث هي وأُحرزتْ
стр. 4243
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾ أي دماً جامداً بأن أحلنا النُّطفة البيضاءَ علقةً حمراءَ ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ أي قطعةَ لحمٍ لا استبانة ولا تمايزَ فيها ﴿فَخَلَقْنَا المضغة﴾ أي غالبَها ومعظمها أو كلَّها ﴿عظاما﴾ بأنْ صلبناها وجعلناها عموداً للبدنِ على هيئاتٍ وأوضاعٍ مخصوصةٍ تقتضيها الحكمةُ ﴿فَكَسَوْنَا العظام﴾ المعهودة ﴿لَحْماً﴾ من بقية المضغةِ أو ممَّا أنبتنا عليها بقدرتنا ممَّا يصلُ إليها أي كسونا كلَّ عظمٍ من تلك العظام ما يليقُ به من اللَّحمِ على مقدارٍ لائقٍ به وهيئةٍ مناسبةٍ له واختلافِ العواطفِ للتَّنبيه على تفاوتِ الاستحالاتِ وجمعُ العظام لاختلافها وقرئ على التَّوحيدِ فيهما اكتفاءً بالجنسِ وبتوحيدِ الأوَّلِ فَقَطْ وبتوحيد الثَّاني فحسب ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقَاً آخَر﴾ هي صورةُ البدنِ أو الرُّوحِ أو القُوى بنفخه فيه أو المجموعُ وثمَّ لكمالِ التَّفاوتِ بين الخلقينِ واحتجَّ به أبو حنيفة ﵀ على أنَّ من غصبَ بيضةً فأفرختْ عنده لزمه ضمانُ البيضةِ لا الفرخُ لأنَّه خلقٌ آخرُ ﴿فَتَبَارَكَ الله﴾ فتعالى شأنُه في علمه الشَّاملِ وقُدرتهِ الباهرة والالتفات إلى الأسام الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوعة والإشعارِ بأنَّ ما ذُكر من الأفاعيلِ العجيبة من أحكام الأُلوهيَّةِ وللإيذانِ بأنَّ حقَّ كلِّ مَن سمع ما فُصِّل من آثار قُدرتهِ عزَّ وعلا أو لاحظَه أنْ يُسارعَ إلى التَّكلُّمِ به إجلالاً وإعظاماً لشؤونهِ تعالى ﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾ بدلٌ من الجلالة وقيل نعت له بناءً على أنَّ الإضافةَ ليستْ لفظيَّةً وقيل خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو أحسنُ الخالقينَ خَلْقاً أي المقدِّرين تقديراً حُذف المميِّز
стр. 4244
سورة المؤمنون (١٥ ١٨) لدلالة الخالقينَ عليه كما حُذف المأذونُ فيهِ فِي قَوْلِه تَعَالَى أُذِنَ لِلَّذِينَ يقتلون لدِلالة الصلةِ عليه أي أحسنُ الخالقين خَلْقاً فالحُسنُ للخلقِ قيلَ نظيرُه قولُه ﷺ إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ أي جميلٌ فعلُه فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه فانقلب مرفوعا فاستكنَّ رُوي أنَّ عبدَ اللَّه بنِ أبي سَرْح كان يكتبُ لرسول الله ﷺ الوحي فلما انتهى ﷺ إلى قوله خلقاً آخرَ سارع عبدُ اللَّه إلى النُّطقِ به قبل إملائه ﷺ فقال اكتبْهُ هكذا نزلتْ فشكَّ عبدُ اللَّه فقال إنْ كان محمَّدٌ يُوحى إليه فأنا كذلك فلحقَ بمكَّة كافراً ثمَّ أسلمَ يوم الفتحِ وقيل ماتَ على كُفرِه ورَوى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال لمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ قال عمرُ ﵁ فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله ﷺ هكذا نزلَ يا عمرُ وكان ﵁ يفتخرُ بذلك ويقولُ وافقتُ ربِّي في أربعٍ الصَّلاةُ خلفَ المُقامِ وضربُ الحجابِ على النِّسوةِ وقولي لهنَّ أو ليبدله الله خيراً منكنَّ فنزل قولُه تعالى عسى ربه عن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ الآية والرابعُ فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقينَ انظر كيفَ وقعتْ هذه الواقعةُ سبباً لسعادةِ عمر ﵁ وشقاوة ابن أبي سَرْح حسبما قال تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا لا يقالُ فقد تكلَّم البشرُ ابتداءً بمثل نظمِ القُرآن وذلك قادحٌ في إعجازِه لما أنَّ الخارجَ عن قُدرة البشرِ ما كان مقدارَ أقصرِ السُّورِ على أنَّ إعجازَ هذه الآيةِ الكريمةِ منوطٌ بما قبلها كما نعرب عنه الفاءُ فإنَّها اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبله
стр. 4245
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك﴾ أي بعد ما ذُكر منَ الأمورِ العجيبةِ حسبما ينبئ عنه ما في اسمِ الإشارةِ من معنى البعد المُشعرِ بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبُعدِ منزلتِه في الفضلِ والكمالِ وكونهِ بذلك ممتازاص منزَّلاً منزلةَ الأمور الحسيَّةِ ﴿لَمَيّتُونَ﴾ لصائرونَ إلى الموتِ لا محالَة كما تُؤذِنُ به صيغةُ النَّعتِ الدَّالَّةِ على الثُّبوتِ دُون الحدوثِ الذي تُفيده صيغةُ الفاعلِ وقد قرئ لمائتون
стр. 4246
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي عند النَّفخةِ الثَّانيةِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ من قبورِكم للحسابِ والمُجازاةِ بالثَّوابِ والعقابِ
стр. 4247
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ بيانٌ لخلقِ ما يحتاج إليه بقاؤُهم إثرَ بيانِ خلقِهم أي خلقنا في جهةِ العلوِّ من غيرِ اعتبارِ فوقيَّتِها لهم لأنَّ تلك النِّسبة إنما تعرَّض لها بعد خلقِهم ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ هي السموات السَّبعُ سُمِّيتْ بها لأنَّها طُورق بعضُها فوق بعضٍ مُطارقةَ النَّعلِ فإنَّ كلَّ ما فوقه مثلُه فهو طريقةٌ أو لأنَّها طرائقُ الملائكةِ أو الكواكبِ فيها مسيرُها ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق﴾ عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقاتِ التي هي من جُملتِها أو عن النَّاسِ ﴿غافلين﴾ مُهملين أمرَها بل نحفظُها عن الزَّوال والاختلالِ وندبر أمرَها حتَّى تبلغَ مُنتهى ما قُدِّر لها من الكمال حسبما اقضته الحكمةُ وتعلقتْ به المشيئةُ ويصل إلى ما في الأرض منافعها كما ينبئ عنه قولُه تعالى
стр. 4248
﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ هو المطرُ أو الأنهار النازلة من
стр. 4249
سورة المؤمنون (١٩ ٢٠) الجنَّة قيل هي خمسةُ أنهار سيحُون نهرُ الهندِ وجيحونُ نهر بَلْخِ ودجلةُ والفرات نهر العراقِ والنِّيلُ نهرُ مصرَ أنزلها اللَّهُ تعالى من عينٍ واحدةٍ من عيونِ الجنَّةِ فاستودَعها الجبالَ وأجراها في الأرضِ وجعل فيها منافعَ للنَّاسِ في فُنونِ معايشهم ومن ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بأنزلنا وتقديمُها على المفعولِ الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّرِ والعدولِ عن الإضمارِ لأنَّ الإنزالَ لا يُعتبر فيه عنوانُ كونها طرائقَ بل مجرَّدُ كونها جهة العلوِّ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بتقديرٍ لائق لاستجلابِ منافعهم ودفعِ مضارِّهم أو بمقدارِ ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِى الارض﴾ أي جعلناه ثابتاً قارًّا فيها ﴿وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ﴾ أي إزالتهِ بالإفسادِ أو التَّصعيدِ أو التَّغويرِ بحيثُ يتعذبر استنباطُه ﴿لقادرون﴾ كما كُنَّا قادرين على إزالة وفي تنكيرِ ذهابٍ إيماءٌ إلى كثرةِ طُرقهِ ومبالغةٌ في الإبعادِ به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى قُل أَرَأَيْتُمْ عن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ
стр. 4250
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ أيْ بذلكَ الماءِ ﴿جناتٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّاتِ ﴿فواكه كَثِيرَةٌ﴾ تتفكَّهون بها ﴿وَمِنْهَا﴾ من الجنَّاتِ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذياً أو تُرزقون وتحصِّلُون معايشَكُم من قولهم فلانٌ يأكل من حرفته ويجوز أن يعود الضميرانِ للنَّخيلِ والأعنابِ أي لكم في ثمراتها أنواعٌ من الفواكه الرُّطبِ والعنب والتَّمرِ والزَّبيبِ والعصير والدِّبسِ وغير ذلك وطعام يأكلونه
стр. 4251
﴿وَشَجَرَةً﴾ بالنَّصبِ عطف على جنات وقرئ بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ دلَّ عليهِ ما قبلَهُ أيْ وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ وتخصيصُها بالذكر من بين الأشجار لاستقلالِها بمنافعَ معروفةٍ قيل هي أوَّلُ شجرةٍ نبتت بعد الطُّوفانِ وقوله تعالى ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء﴾ وهو جبلُ موسى ﵇ بين مصرَ وأيلة وقيل بفلسطينَ ويقال له طور سنين فإمَّا أنْ يكون الطُّورُ اسم الجبل وسيناءُ اسمَ البُقعةِ أُضيف إليها أو المركب منهما علم له كامرئ القَيْس ومُنع صرفُه على قراءةِ من كسر السِّينَ للتَّعريفِ والعُجمةِ أو التَّأنيثِ على تأويل البُقعةِ لا للألف لأنَّه فِيعالٌ كدِيماسٍ من السَّناءِ بالمدِّ وهو الرِّفعةُ أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلان كعلباء من السِّين إذ لا فعلاء بألف التَّأنيثِ بخلاف سيناء فإنه فَيعالٌ ككيسان أو فعلاء كصَحْراءَ إذ لا فَعلال في كلامهم وقرئ بالكسرِ والقصرِ والجملةُ صفةٌ لشجرةً وتخصيصها بالخروج منه مع خروجِها من سائر البقاعِ أيضاً لتعظيمها ولأنَّه المنشأُ الأصليُّ لها وقولُه تعالى ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ صفة أخرى لشجرة والباءُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالا منها أي تنبتُ ملتبسةً به ويجوزُ كونُها صلةً معدية أي تنبيته بمعنى تتضمَّنه وتحصِّله فإنَّ النَّباتَ حقيقةً صفةٌ للشَّجرةِ لا للدهن وقرئ تُنبت من الإفعالُ وهو إمَّا من الإنباتِ بمعنى النَّباتِ كما في قولِ زُهيرٍ [رَأيتُ ذَوي الحاجاتِ حولَ بيوتهِم قَطيناً لهم حتَّى إذا أنبتَ البقلُ] أو على تقديرِ تُنبت زيتونها ملتبسا بالدهن وقرئ على البناءِ للمفعول وهو كالأوَّلِ وتُثمر بالدُّهنِ وتخرُج بالدُّهنِ وتنبت بالدِّهانِ ﴿وَصِبْغٍ لّلاكِلِيِنَ﴾ معطوف على الدُّهنِ جارٍ على إعرابه عطف أحد وصفَيْ الشَّيءِ على
стр. 4252
سورة المؤمنون (٢١ ٢٣) الآخرِ أي تنبت بالشَّيءِ الجامع بين كونهِ دُهناً يُدهنُ به ويُسرجُ منه وكونهِ إداماً يُصبغ فيه الخبز أي يُغمس فيه للائتدام وقرئ وصباغٍ كدباغٍ في دِبْغٍ
стр. 4253
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لعبرة﴾ بيان للنعم الفائضة عليهم من جهة الحيوانِ إثرَ بيانِ النِّعم الواصلةِ إليهم من جهة الماءِ والنَّبات وقد بُيِّن أنها مع كونها في نفسِها نعمةً ينتفعون بها على وجوهٍ شتى عبرةٌ لابد من أنْ يعتبرُوا بها ويستدلُّوا بأحوالها على عظيم قدرة الله وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه وخُصَّ هذا بالحيوان لما أنَّ محلَّ العبرة فيه أظهرُ ممَّا في النَّباتِ وقولُه تعالى ﴿نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا﴾ تفصيلٌ لما فيها من مواقعِ العبرةِ وما في بطونِها عبارة إمَّا عن الألبانِ فمِن تبعيضيةٌ والمرادُ بالبطونِ الجَوفُ أو عن العلف الذي يتكوَّن منه اللَّبنُ فمن ابتدائيةٌ والبطون على حقيقتها وقرئ بفتح النُّونِ وبالتَّاءِ أي تسقيكم الأنعامُ ﴿وَلَكُمْ فيِهَا منافع كَثِيرَةٌ﴾ غيرَ ما ذُكر من أصوافِها وأشعارِها ﴿ومنها تأكلون﴾ فتنتفعون بأعيابها كما تنتفعون بما يحصُل منها
стр. 4254
﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي على الأنعامِ فإنَّ الحملَ عليها لا يقتضي الحملَ على جميعِ أنواعِها بل يتحقَّقُ بالحمل على البعضِ كالإبل ونحوِها وقيل المرادُ هي الإبلُ خاصَّة لأنَّها هي المحمولُ عليها عندهم والمناسبُ للفلك فإنَّها سفائنُ البرِّ قال ذُو الرُّمَّةِ [سفينةُ بَرَ تحتَ خَدِّي زِمامُها] فالضَّميرُ فيهِ كما في قوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ ﴿وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي في البرِّ والبحرِ وفي الجمع بينها وبين الفُلكِ في إيقاع الحملِ عليها مبالغةٌ في تحمُّلِها للحملِ وهو الدَّاعي إلى تأخير ذكرِ هذه المنفعةِ مع كونِها من المنافعِ الحاصلةِ منها عن ذكرِ منفعةِ الأكلِ المتعلِّقة بعينِها
стр. 4255
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ شروعٌ في بيانِ إهمال الأُمم السَّابقةِ وتركهم النَّظرَ والاعتبارَ فيما عُدِّد من النِّعمِ الفائتة للحصر وعدم تذكرهم بتذكير رسلهم وما حاقَ بهم لذلك من فُنون العذاب تحذيراً للمُخاطبين وتقديمُ قصَّةِ نوحٍ ﵇ على سائرِ القصصِ مما لا يخفى وجهُه وفي إيرادِها إثرَ قوله تعالى وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ من حُسنِ الموقِع ما لا يُوصف والواوُ ابتدائيةٌ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وتصديرُ القِصَّةِ به لإظهار كمالِ الاعتناءِ بمضمونِهَا أي وبالله لقد أرسلنا نوحا الأخ ونسبهُ الكريمُ وكيفيَّةُ بعثهِ وكميَّةُ لبثهِ فيما بينهم قد مرَّ تفصيله في سورة الأعراف وسورة هود ﴿فعال﴾ متعطِّفاً عليهم ومستميلاً لهم إلى الحق ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي اعبدوه وحدَه كما يُفصح عنه قولُه تعالى في سُورة هود أَن لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله وتركَ التَّقييدِ به للإبذان بإنَّها هي العبادةُ فقط والعبادة بالإشراكِ فليستْ من العبادة في شيءٍ رأساً وقولُه تعالى ﴿مَّا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل العبادةِ المأمورِ بها أو تلعيل الأمرِ بها وغيرُه بالرَّفعِ صفة
стр. 4256
سورة المؤمنون (٢٤ ٢٥) لإله باعتبارِ محلِّه الذي هو الرفعِ على أنَّه فاعلُ أو مبتدأٌ خبرُه لكُم أو محذوفٌ ولكُم للتَّخصيصِ والتَّبيينِ أي ما لكُم في الوجودِ أو في العالمِ إله غيرُه تعالى وقرئ بالجرِّ باعتبار لفظه ﴿أَفَلَا تتقون﴾ أي أفلا تقوت أنفسَكم عذابَه الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته كما يفصحُ عنه قولُه تعالى إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وقولُه تعالى عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ وقيل أفلا تخافون أنْ ترفضُوا عبادة الله الذي هو ربُّكم الخ وليس بذاكَ وقيل أفلا تخافون أنْ يُزيل عنكم نعمَه الخ وفيهِ ما فيهِ والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه والفاء للعطف على مقدر يقتضيهِ المقامُ أي أتعرفون ذلك أي مضمونَ قولِه تعالى مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ فلا تتَّقون عذابَه بسبب إشراكِكم به في العبادة ما لا يستحقُّ الوجودَ لولا إيجادُ الله تعالى إيَّاهُ فضلاً عن استحقاقِ العبادة فالمنكر عدمُ الاتِّقاءِ مع تحقُّق ما يُوجبه أو ألا تلاحِظون ذلكَ فلا تتَّقُونه فالمنكر كلا الأمرين فالممالعة حينئذٍ في الكميَّةِ وفي الأوَّلِ في الكيفيَّةِ
стр. 4257
﴿فَقَالَ الملأ﴾ أي الأشراف ﴿الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ وصف الملأ بما ذُكر مع اشتراك الكلِّ فيه للإيذان بكمال عراقتِهم في الكُفرِ وشدَّةِ شكيمتهم فيه أي قالوا لعوامِّهم ﴿مَا هذا إلا بشر مثلكم﴾ أي في الجنسِ والوصفِ من غير فرقٍ بينكم وبينَه وصفوه ﵇ بذلك مبالغةً في وضع رتبته العالية وحطِّها عن منصب النُّبوة ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريدُ أنْ يطلبَ الفضلَ عليكم ويتقدَّمكم بادِّعاءِ الرَّسالةِ مع كونهِ مثلكم وصفوه بذلك إغضاباً للمُخاطبين عليه ﵇ وإغراءً لهم على معاداته ﵇ وقولُه تعالى ﴿وَلَوْ شَاء الله لَانزَلَ ملائكة﴾ ) بيانٌ لعدم رسالة البشر على الإطلاقِ على زعمِهم الفاسدِ بعد تحقيق بشريَّتهِ ﵇ أي لو شاء الله تعالى إرسالَ الرَّسولِ لأرسل رُسُلاً من الملائكة وإنَّما قيل لأنزل لأنَّ إرسالَ الملائكة لا يكونُ إلا بطريقِ الإنزالِ فمفعولُ المشيئة مطلقُ الإرسالِ المفهوم من الجواب لأنفس مضمونِه كما في قوله تعالى وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ ونظائره ﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا﴾ أي بمثل هذا الكلامِ الذي هو الأمرُ بعبادة الله خاصَّةً وتركُ عبادة ما سواه وقيل بمثل نوحٍ ﵇ في دعوى النُّبوةِ ﴿في آبائنا الأولين﴾ أي الماضين قبلِ بعثتِه ﵇ قالوه إمَّا لكونهم وآبائهم في فترة متطاولةٍ وإما لفرطِ غلوِّهم في التكذيب والعناد وأنهما كهم في الغيِّ والفساد وأيَّا ما كان فقولُهم هذا ينبغي أنْ يكونَ هو الصادر عنهم في مبادئ دعوتهِ ﵇ كما تنبئ عنه الفاء في قوله تعالى فَقَالَ الملا الخ وقيل معناه ماسمعنا به ﵇ أنَّه نبيٌّ فالمرادُ بآبائِهم الأوَّلين الذين مضموا قبلهم في زمنِ نوحٍ ﵇ وقولهم المذكور هو الذي صدر عنهم في أواخرِ أمرِه ﵇ وهو المناسبُ لما بعدَه من حكاية دُعائهِ ﵇ وقولهم
стр. 4258
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا هو ﴿إِلَاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جُنونٌ أو جنٌّ يخيلونه ولذلك يقولُ ما يقولُ ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ﴾ أي احتمِلوه واصبِروا عليه وانتظروا ﴿حتى حِينٍ﴾ لعلَّه يُفيقُ ممَّا فيه محمول حينئذ
стр. 4259
سورة المؤمنون (٢٦ ٢٧) على ترامي أحوالهم في المكابرةِ والعنادِ وإضرابِهم عمَّا وصفُوه ﵇ به من البشرية وإرادةِ التَّفضُّلِ إلى وصفِه ﵇ بما ترى وهم يعرفون أنَّه ﵇ أرجحُ النَّاسِ عَقْلاً وأرزنهم قولاً وعلى الأوَّل على تناقضِ مقالاتِهم الفاسدةِ قاتلهم اللَّهُ أنَّى يُؤفكون
стр. 4260
﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ كلامِ الكَفَرةِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ ﵇ بعد ما سمع منهم هذه الأباطيلَ فقيل قال لمَّا رآهم قد أصرُّوا على الكفر والتكذيبِ وتمادَوا في الغواية والضَّلالِ حتَّى يئسَ من إيمانهم بالكلِّيةِ وقد أوحى اللَّهُ إليه أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قومك إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ ﴿رَبّ انصرنى﴾ بإهلاكهم بالمرَّةِ فإنَّه حكاية إجماليَّةٌ لقوله ﵇ ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دياراًَ الخ ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بسبب تكذيبهم إياي أو بدل تكذيبهم
стр. 4261
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عند ذلك ﴿أَنِ اصنع الفلك﴾ أنْ مفسِّرة لما في الوحي من معنى القول ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ ملتبساً بحفظِنا وكلاءتِنا كأنَّ معه ﵇ منه عزَّ وعلا حُفَّاظاً وحُرَّاساً يكلئونه بأعينهم من التَّعدِّي أو من الزَّيغِ في الصَّنعةِ ﴿وَوَحْيِنَا﴾ وأمرِنا وتعليمنا لكيفيَّة صُنعها والفاء في قوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾ لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صُنع الفُلك والمرادُ بالأمر العذابُ كما في قوله تعالى لَا عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله لا الأمرُ بالرُّكوبِ كما قيل وبمجيئه كمالُ اقترابهِ أو ابتداءُ ظهورهِ أي إذا جاء إثرَ تمامِ الفُلكِ عذابُنا وقوله تعالى ﴿وَفَارَ التنور﴾ عطفُ بيانٍ لمجيء الأمر رُوي أنَّه قيل له ﵇ إذا فار الماءُ من التَّنُّورِ اركبْ أنت ومن معك وكان تنُّور آدمَ ﵇ فصار إلى نوحٍ ﵇ فلمَّا نبع منه الماء أخبرتْهُ امرأتهُ فركبُوا واختُلف في مكانه فقيل كان في مسجدِ الكوفةِ أي في موضعه عن يمينِ الدَّاخلِ من باب كِندة اليوم وقيل كان في عين وَردة من الشَّامِ وقد مر تفصيله في تفسير سُورة هودٍ ﵇ ﴿فاسلك فِيهَا﴾ أي أدْخِلْ فيها يقال سَلَك فيه أي دَخَلَ فيه وسلكه فيه أدْخَلَه فيه ومنه قوله تعالى مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ﴿مِن كُلّ﴾ أي من كلِّ أمِّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أي فردينِ مزدوجينِ كما يعرب عنه قوله تعالى ﴿اثنين﴾ فإنَّه نصٌّ في الفردين دون الجمعينِ أو الفريقين وقرئ بالإضافةِ على أنَّ المفعولَ اثنينِ أي من كلِّ أمتي زوجينِ وهُما أمَّة الذَّكرِ وأُمَّة الأُنثى كالجمالِ والنُّوقِ والحصنِ والرماك وهذا صريحٌ في أنَّ الأمر كان قبل صُنعه الفُلكَ وفي سُورةِ هودٍ حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ فالوجهُ أنْ يحملَ إمَّا على أنَّه حكايةٌ لأمرٍ آخرَ تنجيزيَ ورد عند فَوَران التَّنُّورِ الذي نِيط به الأمرُ التعليقيُّ اعتناءً بشأن المأمور به أو على أنَّ ذلك هو الأمرُ السَّابقُ بعينه لكن لمَّا كان الأمرَ التَّعليقيُّ قبل تحققِ المعلَّقِ به في حقِّ إيجابِ المأمورِ به بمنزلة العدم جُعل كأنَّه إنَّما حدث عند تحقُّقهِ فحُكي على صورة النجيز وقد مرَّ في تفسيرِ قوله
стр. 4262
سورة المؤمنون (٢٨ ٣٢) تعالى وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوبٌ بفعل معطوف على فاسلُك لا بالعطف على زوجينِ أو اثنين على القراءتينِ لأدائه إلى اختلالِ المعنى أي واسلُك أهلَك والمرادُ به امرأتُه وبنُوه وتأخيرُ الأمر بإدخالهم عمَّا ذُكر من إدخال الأزواجِ فيها لكونِه عريقاً فيما أُمر به من الإدخال فإن نحتاج إلى مزاولة الأعمالِ منه ﵇ بل إلى معاونةٍ من أهلِه وأتباعِه وأماهم فإنَّما يدخلونَها باختيارِهم بعد ذلك ولأنَّ في المؤخَّر ضربَ تفصيلٍ بذكر الاستثناء وغيرِه فتقديمُه يؤدِّي إلى الإخلالِ بتجاوبِ أطرافِ النظمِ الكريم ي ﴿إِلَاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ﴾ أي القولُ بإهلاكِ الكَفَرةِ وإنَّما جيء بعلى لكون السابقِ ضارًّا كما جيء باللامِ في قوله تعالى إن الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى لكونِه نافعاً ﴿وَلَا تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ﴾ بالدُّعاءِ لإنجائهم ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ تعليلٌ للنهي أو لما ينبئ عنه من عدم قبول الدُّعاءِ أي إنَّهم مقضيٌّ عليهم بالإغراقِ لا محالةَ لظُلمهم بالإشراك وسائر المَعَاصي ومَن هذا شأنُه لا يُشفعُ له ولا يُشفَّعُ فيه كيف لا وقد أُمر بالحمدِ على النَّجاةِ منهم بهلاكِهم بقوله تعالى
стр. 4263
﴿فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ﴾ أي من أهلِك وأشياعِك ﴿عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين﴾ على طريقةِ قوله تعالى فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين
стр. 4264
﴿وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى﴾ في السَّفينةِ أو منها ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ أيْ إنزالاً أو موضعَ إنزالٍ يستتبعُ خيراً كثيرا وقرئ مَنْزلاً أي موضعَ نزولٍ ﴿وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ أُمر ﵇ بأنْ يشفع دعاءه بما يُطابقه من ثنائه توسُّلاً به إلى الإجابةِ وإفرادُه ﵇ بالأمر مع شركة الكلِّ في الاستواءِ والنَّجاةِ لإظهار فضله ﵇ والإشعارِ بأنَّ في دُعائه وثنائِه مندوحةً عمَّا عداهُ
стр. 4265
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ الذي ذكر مما فعل به ﵇ وبقومِه ﴿لَايَاتٍ﴾ جليلةً يستدلُّ بها أُولو الأبصارِ ويعتبر بها ذَوُو الاعتبار ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ إنْ مخففةٌ منْ أنَّ واللامُ فارقةٌ بينها وبين النَّافيةِ وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ أي وإنَّ الشَّأنَ كُنَّا مصيبين قومَ نوحٍ ببلاء عظيم وعقاب شديد ومختبرين بهذه الآياتِ عبادَنا لننظر مَن يعتبرُ ويتذكَّر كقولِه تعالى ولقد تركناها آية فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
стр. 4266
﴿ثم أنشأنا من بعدهم﴾ أي من بعد إهلاكهم ﴿قرنا آخرين﴾ هم عادٌ حسبما رُوي عن ابن عباس ﵄ وعليه أكثرُ المُفسِّرين وهو الأوفقُ لما هو المعهودُ في سائرِ السورِ الكريمةِ من إيراد قصَّتهم إثرَ قصَّةِ قومِ نوحٍ وقيل هم ثمودُ
стр. 4267
﴿فأرسلنا فيهم﴾ جعلوا
стр. 4268
سورة المؤمنون (٣٣ ٣٥) موضعاً للإرسالِ كَما في قولِه تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ ونحوه لا غايةً له كما في مثلِ قولِه تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ مَن أُرسل إليهم لم يأتِهم من غير مكانِهم بل إنَّما نشأَ فيما بين أظهرِهم كما ينبئ عنه قولُه تعالى ﴿رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ أي من جُملتهم نسباً فإنَّهما ﵉ كانا منهم وأنْ في قولِه تعالَى ﴿أن اعبدوا الله﴾ مفسِّرةٌ لأرسلنا لتضمُّنِه معنى القولِ أي قُلنا لهم على لسانِ الرَّسولِ اعبدُوا الله تعالى وقولُه تعالى ﴿مَّا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ تعليلٌ للعبادة المأمورة بها أو للأمرِ بها أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي عذابَه الذي يستدعيه ما أنتُم عليه من الشِّركِ والمعاصي والكلامُ في العطفِ كالذي مرَّ في قصَّةِ نوحٍ عيه السَّلامُ
стр. 4269
﴿وَقَالَ الملا مِن قَوْمِهِ﴾ حكايةٌ لقولهم الباطل إثرَ حكاية القول الحقِّ الذي ينطق به حكايةُ إرسال الرَّسولِ بطريق العطفِ على أنَّ المرادَ حكايةُ مطلقِ تكذيبهم له ﵇ إجمالاً لا حكايةُ ما جَرى بينَهُ ﵇ وبينهم من المُحاورةِ والمُقاولةِ تفصيلاً حتَّى يُحكى بطريقِ الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال كما ينبئ عنه ما سيأتي من حكايةِ سائر الأُمم أي وقال الأشرافُ من قومِه ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ في محلِّ الرَّفعِ على أنَّه صفةٌ للملأُ وُصفوا بذلك ذمًّا لهم وتنبيهاً على غلوِّهم في الكُفرِ وتأخيرُه عن مِن قومِه لعطفِ قوله تعالى ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الأخرة﴾ وما عُطف عليه على الصِّلةِ الأُولى أي كذَّبُوا بلقاء ما فيها من الحسابِ والثَّوابِ والعقابِ أو بمعادِهم إلى الحياة الثَّانيةِ بالبعث ﴿وأترفناهم﴾ ونعَّمناهم ﴿فِى الحياة الدنيا﴾ بكثرةِ الأموالِ والأولادِ أي قالوا لأعقابهم مضلِّين لهم ﴿مَا هذا إلا بشر مثلكم﴾ أي في الصِّفاتِ والأحوالِ وإيثارُ مئلكم على مثلنا للمبالغة في تهوين أمره عليه لاسلام وتوهينِه ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ تقريرٌ للمماثلة وما خبريةٌ والعائدُ إلى الثَّاني منصوبٌ محذوف أو مجرور قد حُذف مع الجارِّ لدلالةِ ما قبله عليه
стр. 4270
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ﴾ أي فيما ذكر من الأحوالِ والصِّفات أي إنِ امتثلتم بأوامر ﴿إِنَّكُمْ إِذاً﴾ أي على تقديرِ الاتباع ﴿لخاسرون﴾ عقولكم ومغبونون في آرائكم حيث أذللتم أنفسكم انظر كيف جعلُوا اتباعَ الرَّسولِ الحقِّ الذي يوصِّلُهم إلى سعادةِ الدَّارينِ خُسراناً دُون عبادةِ الأصنامِ التي لا خُسرانَ وراءها قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون وإذاً وقع بين اسمِ إنَّ وخبرِها لتأكيد مضمون الشَّرطِ والجملةُ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ قبل إنِ الشَّرطيةِ المصدَّرةِ باللام الموطئةِ أي وبالله لئن أطعتمُ بشراً مثلَكم إنَّكم إذاً لخاسرونَ
стр. 4271
﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من زجرهم عن اتِّباعِه ﵇ بإنكار وقوع ما يدعُوهم إلى الإيمان به واستبعاده ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتّم﴾ بكسر الميمِ من مات يموت وقرئ بضمها من مات
стр. 4272
سورة المؤمنون (٣٦ ٤١) يموتُ ﴿وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما﴾ نَخِرةً مجرَّدةً عن اللُّحوم والأعصابِ أي كان بعضُ أجزائِكم من اللَّحم ونظائرِه تُراباً وبعضُها عظاماً وتقديمُ التُّراب لعراقتِه في الاستبعادِ وانقلابِه من الأجزاءِ الباديةِ أو كان متقدِّموكم تُراباً صِرفاً ومتأخِّروكم عظاماً وقوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ﴾ تأكيد للأوَّلِ لطول الفصلِ بينه وبين خبرِه الذي هو قولُه تعلى ﴿مُّخْرَجُونَ﴾ أي من القبورِ أحياءً كما كنتُم وقيل أنَّكم مخرجون مبتدأٌ وإذا مِتُم خبرُه على معنى إخراجُكم إذا متُم ثم أخبر بالجملة عن أنَّكم وقيل رُفع أنَّكم مخرجون بفعل هوجزاء الشَّرطِ كأنَّه قيل إذا مِتُم وقعَ إخراجُكم ثم أُوقعتْ الجملةُ الشَّرطيةُ خبراً عن أنَّكم والذي تقتضيهِ جزالةُ النظمِ الكريمِ هو الأول وقرئ أيعدكم إذَا متم الخ
стр. 4273
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ تكريرٌ لتأكيد البُعدِ أي بُعدِ الوقوع أو الصِّحةِ ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ وقيل اللامُ لبيان المستبعَدِ ما هو كما في هَيْتَ لَكَ كأنَّهم لما صوَّتوا بكلمةِ الاستبعادِ قيل لماذا هذا الاستبعادُ فقيل لما تُوعدون وقيل هيهاتَ بمعنى البُعدِ وهو مبتدأٌ خبرُه لما توعدون وقرئ بالفتحِ مُنوَّناً للتَّنكيرِ وبالضَّمِّ منوَّناً على أنَّه جمعُ هيهة وغير منون تشبها بقبلُ وبالكسرِ على الوجهينِ وبالسُّكون على لفظِ الوقفِ وإبدالِ التَّاء هاءً
стр. 4274
﴿إِنْ هِىَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ أصله إنْ الحياةُ إلَاّ حياتُنا فأُقيم الضَّميرُ مقام الأولى لدى الثَّانيةِ عليها حَذَراً من التكرار وإسعارا بإغنائِها عن التَّصريحِ كما في هي النَّفسُ تتحملُ ما حُمِّلتْ وهي العربُ تقول ما شاءتْ وحيثُ كان الضَّميرُ بمعنى الحياةِ الدالة على الجنسِ كانتْ إنِ النَّافيةُ بمنزلةِ لا النَّافيةِ للجنسِ وقولُه تعالى ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ جملةٌ مفسِّرةٌ لما ادَّعوه مِن أنَّ الحياةَ هي الحياة الدُّنيا أي يموتُ بعضُنا ويولد بعضٌ إلى انقراضِ العصرِ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموتِ
стр. 4275
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا هُو ﴿إِلَاّ رَجُلٌ أفترى عَلَى الله كَذِباً﴾ فيما يدَّعيه من إرسالِه وفيما يَعدُنا من أنَّ الله يبعثُنا ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدِّقين فيما يقولُه
следующие страницы →