← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

﴿وَلَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ جملةٌ مستأنفة سِيقتْ للتَّحريضِ على ما وُصف به السابقون من فعلِ الطَّاعاتِ المؤدِّي إلى نيل الخيرات ببيانِ سُهولتهِ وكونه غيرَ خارجٍ عن حدِّ الوسعِ والطَّاقةِ أي عادتُنا جاريةٌ على أنْ لا نكلِّفَ نَفْساً من النُّفوسِ إلَاّ ما في وُسعِها على أن المراد استمرار النَّفيِ بمعونةِ المقامِ لا نَفيُ الاستمرارِ كما مرَّ مراراً أو للتَّرخيصِ فيما هو قاصرٌ عن درجة أعمالِ أولئك الصَّالحينَ ببيانِ أنَّه تعالى لا يُكلِّفُ عباده إلَاّ ما في وُسعهم فإنْ لم يبلغوا في فعل الطَّاعاتِ مراتبَ السَّابقينَ فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم وبستفرغوا وُسعهم قال مقاتلٌ من لم يستطعِ القيامَ فليصلِّ قاعداً ومَن لم يستطعِ القُعودَ فليومِ إيماءً وقولُه تعالى ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ الخ تتمة لما قبلَه ببيانِ أحوالِ ما كُلِّفوه من الأعمالِ وأحكامِها المترتِّبةِ عليها من الحسابِ والثوابِ والعقابِ والمرادُ بالكتابِ صحائفُ الأعمالِ التي يقرءونها عند الحسابِ حسبما يُعرب عنه قولُه تعالى ﴿يَنطِقُ بالحق﴾ كقوله تعالى هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أي عندنا كتابٌ قد أُثبتَ فيه أعمالُ كلِّ أحدٍ على ما هي عليهِ أو أعمالُ السَّابقينَ والمُقتصدينَ جميعاً لا أنَّه أُثبتَ فيه أعمالُ الأوَّلينَ وأُهمل أعمالُ الآخرينَ ففيهِ قطعُ معذرتِهم أيضاً وقولُه بالحقِّ متعلِّقٌ بينطقُ أي يظهر الحقَّ المطابقَ للواقعِ على ما هو عليهِ ذاتاً ووصفاً ويبيِّنهُ للناظرِ كما يُبيِّنه النُّطقُ ويُظهره للسَّامعِ فيظهر هنالك جلائلُ أعمالهم ودقائقُها ويُرتب عليها أجزيتُها إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشرٌّ وقولُه تعالى ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بيانٌ لفضلهِ تعالى وعد له في الجزاءِ إثرَ بيانِ لُطفه في التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون في الجزاء بنقص ثواب أبزيادة عذاب بل يُجزون بقدرِ أعمالهم التي كُلِّفوها ونطقت بها صحائفها بالحقِّ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ تقريراً لما قبله من التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون بتكليفِ ما ليس في وُسعهم ولا بعدم كَتْبِ بعض أعمالهم التي من جُملتِها أعمالُ المقتصدين بناءً على قُصورها عن درجة أعمال السَّابقينَ بل يُكتب كلٌّ منها على مقاديرِها وطبقاتها والتَّعبيرُ عمَّا ذُكرِ من الأمور بالظُّلم مع أنَّ شيئاً منها ليسَ بظلمِ عَلى مَا تقرر من أنَّ الأعمال الصَّالحة لا تُوجب أصل الثَّوابِ فضلاً عن إيجاب مرتبةٍ معينةٍ منه حتى تعد الإنابة بما دونها نقصاً وكذلك الأعمالُ السَّيئةُ لا توجبُ درجةً معينة من العذابِ حتى يعد التَّعذيبِ بما فوقها زيادة وكذا تكليفُ ما في الوسعِ وكتبُ الأعمالِ ليسا ممَّا يجبُ عليه سُبحانه حتَّى يعد تركُهما ظُلماً لكمالِ تنزيه ساحةِ السُّبحانِ عنها بتصويرِها بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى وتسميتُها باسمهِ وقولُه تعالى

стр. 4307

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذا﴾ إضرابٌ عمَّا قبله والضَّميرُ للكَفرة لا للكلِّ كما قبله أي بل قلوبُ الكَفَرةِ في غَفْلةٍ غامرةٍ لها من هذا الذي بُيِّن في القُرآن من أنَّ لديه تعالى كتابا ينطق بالحلق ويظهر لهم أعمالهم السَّيئةَ على رؤوس الأشهاد فيُجزون بها كما ينبىء عنه ما سيأتِي من قولِه تعالى قد كانتْ آياتي تُتلى عَلَيْكُمْ الخ وقيل ممَّا عليه أولئك الموصُوفون بالأعمالِ الصَّالحةِ ﴿وَلَهُمْ أعمال﴾ سيِّئةٌ كثيرةٌ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾

стр. 4308

سورة المؤمنون (٦٤ ٦٦) الذي ذُكر من كون قلوبِهم في غفلةٍ عظيمةٍ ممَّا ذُكر وهي فنونُ كفرهم ومعاصيهم التي مِن جُملتِها ما سيأتي من طعنِهم في القُرآن حسبما ينبئ عنه قولُه تعالى مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ وقيل متخطية لما وُصف به المؤمنون من الأعمالِ الصَّالحةِ المذكورةِ وفيه أنَّه لا مزيَّة في وصف أعمالهم الخبيثة بالتَّخطِّي للأعمال الحسنة للمؤمنين وقيل متخطية عماهم عليه من الشرك ولا يخفى بعده لعدم جريان ذكره ﴿هُمْ لَهَا عاملون﴾ مستمرُّون عليها مُعتادُون فعلَها ضارون بها لا يكادون يَبرحُونها

стр. 4309

﴿حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ أي متنعميهم وهم الذين أمدَّهم الله تعالى بما ذُكر من المالِ والبنينَ وحتَّى مع كونها غايةً لأعمالهم المذكورةِ مبدأ لما بعدها من مضمون الشَّرطيةِ أي لا يزالون يعملُون أعمالَهم إلى حيثُ إذا أخذنا رؤساءهم ﴿بالعذاب﴾ قيل هو القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ وقيل هو الجُوع الذي أصابهم حين دَعا عليهم رسول الله ﷺ بقوله اللهمَّ اشدُدْ وطأتكَ على مُضر واجعلْها عليهم سنينَ كسِني يوسُفَ فقحطُوا حتى أكلُوا الكلابَ والجِيفَ والعظامَ المحرقة والأولادَ وأُلحق أنه العذابُ الأُخرويُّ إذ هو الذي يُفاجئون عنده الجؤارِ فيجابون بالردِّ والإقناطِ عن النَّصر وأما عذابُ يومِ بدرٍ فلم يُوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وَلَقَدْ أخذناهم بالعذات فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ فإنَّ المرادَ بهذا العذاب ما جرى عليهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ حَتْماً وأمَّا عذابُ الجوع فإنَّ أبا سُفيانَ وإنْ تضرَّع فيه إلى رسول الله ﷺ لكنْ لم يرد عليه بالإقناطِ حيث رُوي أنَّه ﷺ قد دَعَا بكشفِه فكُشفَ عنهم ذلك ﴿إِذَا هُمْ يجأرون﴾ أي فاجئوا الصُّراخَ بالاستغاثةِ من اللَّهِ كقوله تعالى فإليه تجأرون وهو جوابُ الشَّرطِ وتخصيصُ مُترفيهم بما ذُكر من الأخذِ بالعذابِ ومفاجأةِ الجؤارِ مع عمومه لغيرهم أيضاً لغايةِ ظهورِ انعكاسِ حالهم وانتكاسِ أمرِهم وكونِ ذلك أشقَّ عليهم ولأنَّهم مع كونهم متمنِّعين محميينَ بحمايةِ غيرِهم من المنعةِ والحَشَم حين لقُوا ما لقُوا من الحالة الفظيعة فأن يلقاها مَنْ عداهم من الحُماةِ والخدمِ أوْلى وأقدمُ

стр. 4310

﴿لا تجأروا اليوم﴾ على إضمار القول مَسُوقاً لردِّهم وتبكيتهم وإقناطِهم مما علقوا به أطماعَهم الفارغةَ من الإغاثة والإعانة من جهته تعالى وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله والإيذان بتفويتهم وقتَ الجُؤارِ وقد جُوِّز كونُه جوابَ الشَّرطِ وأنت خبيرٌ بأنَّ المقصودَ الأصليَّ في الجملةِ الشَّرطيةِ هو الجوابُ فيؤدِّي ذلك إلى أنْ يكونَ مفاجأتُهم إلى الجُؤارِ غيرَ مقصودٍ أصليَ وقولُه تعالى ﴿إِنَّكُمْ مّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي عن الجُؤارِ ببيانِ عدمِ إفادته ونفعهِ أي لا يلحقُكم من جهتِنا نصرةٌ تنجِّيكُم ممَّا دهمكُم وقيل لا تُغاثون ولا تُمنعون منَّا ولا يساعدُه سِباقُ النَّظمِ الكريمِ لأنَّ جُؤارهم ليس إلى غيرِه تعالى حتَّى يرد عليهم بعدمِ منصور يتهم من قبلهِ ولا سياقهُ فإن قوله تعالى

стр. 4311

﴿قد كانتْ آياتي تُتلى عَلَيْكُمْ﴾ الخ صريحٌ في أنَّه تعليلٌ لما ذكرنا من عدم لحوقِ النَّصرِ من جهته

стр. 4312

سورة المؤمنون (٦٧ ٦٩) تعالى بسببِ كُفرِهم بالآياتِ ولو كانَ النَّصرُ المنفيُّ مُتوهَّماً من الغيرِ لعُلِّل بعجزه وذُلِّه أو بعزَّةِ الله تعالى وقوَّتهِ أي قد كانتْ آياتي تُتلى عليكم في الدنيا ﴿فكنتم على أعقابكم تَنكِصُونَ﴾ أي تُعرضون عن سماعها أشدَّ الإعراضِ فضلاً عن تصديقها والعملِ بها والنُّكوصُ الرُّجوعُ قهقرى

стр. 4313

﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي بالبيتِ الحرامِ أو بالحَرَمِ والإضمارُ قيل الذِّكرِ لاشتهارِ استكبارِهم وافتخارِهم بأنَّهم خُدَّامهُ وقُوَّامُه أو بكتابي الذي عبر عنه بآياتي على تضمينِ الاستكبارِ معنى التَّكذيبِ أو لأنَّ استكبارَهم على المُسلمين قد حدثَ بسببِ استماعِه ويجوزُ أنْ تتعلَّق الباء بقولهِ تعالى ﴿سامرا﴾ أي تسمرُون بذكرِ القُرآنِ وبالطَّعنِ فيه حيثُ كانُوا يجتمعونَ حولَ البيتِ باللَّيلِ يسمرُون وكانت عامَّة سمرِهم ذكرَ القُرآن وتسميته سِحْراً وشِعْراً والسَّامرُ كالحاضرِ في الإطلاقِ على الجمعِ وقيل هو مصدرٌ جاء على لفظ الفاعل وقرئ سَمَراً وسُمَّاراً وأن تتعلق بقولهِ تعالى ﴿تَهْجُرُونَ﴾ من الهَجَر بالفتح بمعنى الهَذَيانِ أو الترك أي تهذُون في شأنِ القُرآنِ أو تتركونَه أو من الهجر بالضَّمِّ وهو الفُحشُ ويؤيِّدُه قراءةُ تُهجرون من أهجرَ في منطقه إذا فحش فيه وقرئ تهجّرون من هجّر الذي هو مبالغةٌ في هجَر إذا هذى

стр. 4314

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ الهمزةُ لإنكار الواقع واسقباحه والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي افعلُوا ما فعلُوا من النُّكوصِ والاستكبارِ والهجرِ فلم يتدبَّروا القُرآنَ ليعرفُوا بما فيه من إعجازِ النَّظمِ وصحَّةِ المدلُول والإخبار عن الغيبِ أَنَّهُ الحقُّ مِن رَّبّهِمْ فيؤمنُوا به فضلاً عمَّا فعلُوا في شأنه من القبائحِ وأمْ في قوله تعالى ﴿أَمْ جَآءَهُم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب ولاانتقال عن التَّوبيخَ بما ذُكر إلى التَّوبيخِ بآخرَ والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ لا لإنكارِ الواقعِ أي بل أجاءهُم من الكتابِ ما لَمْ يأت أباءهم الأولين حى استبدعُوه واستبعدُوه فوقعوا فيَما وقعُوا فيهِ من الكفرِ والضَّلالِ يعني أنَّ مجيءَ الكتبِ من جهتهِ تعالى إلى الرُّسلِ ﵈ سنَّةٌ قديمةٌ له تعالى لا يكادُ يتسنَّى إنكارُه وأنَّ مجيءَ القُرآن على طريقته فمن أين يُنكرونه وقيل أمْ جاءهُم من الأمنِ من عذابه تعالى ما لم يأت آباءهم الأوَّلينَ كإسماعيلَ ﵇ وأعقابه من عدنان وقَحْطانَ ومضر وربيعة وقس والحرث بنِ كعبٍ وأسدَ بنِ خُزيمةَ وتميمِ بنِ مُرَّة وتُبَّعَ وضبَّة بنِ أُدَّ فآمنُوا به تعالى وبكتبهِ ورسلِه وأطاعُوه

стр. 4315

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من التَّوبيخِ بما ذُكر إلى التَّوبيخِ بوجهٍ آخرَ والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ أيضاً أي بل ألم يعرفوه ﷺ بالأمانةِ والصِّدقِ وحسنِ الأخلاقِ وكمالِ العلمِ مع عدم التَّعلمِ من أحدٍ وغير ذلك ممَّا حازَه من الكمالاتِ اللَاّئقةِ بالأنبياء ﵈ ﴿فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي جاحِدُون بنبُّوته فجحودهم بها مترتِّبٌ على عدم معرفقتهم بشأنه ﵇ ومن ضرورة انتفاءِ المبنيِّ بطلانُ ما بُنيَ عليه أي فهُم غيرُ عارفينَ له ﵇ فهو تأكيدٌ لما قبله

стр. 4316

سورة المؤمنون (٧٠ ٧١)

стр. 4317

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ انتقالٌ إلى توبيخٍ آخر والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ كالأُولى أي بل أيقولُون به جنَّةٌ أي جنونٌ مع أنَّه أرجحُ النَّاسِ عَقْلاً وأثقبهم ذِهْناً وأتقنُهم رأياً وأوفرُهم رزانةً ولقد رُوعي في هذه التَّوبيخاتِ الأربعةِ التي اثنانِ منها متعلِّقانِ بالقرآن والباقيان به ﷺ الترقي من الأدنى إلى الأعلى حيث وبخوا أو لا بعدمِ التَّدبرِ وذلك يتحقَّقُ مع كونِ القولِ غيرَ متعرِّضٍ له بوجهٍ من الوجوه ثمِّ وُبِّخوا بشيءٍ لو اتَّصف به القولُ لكان سبباً لعدمِ تصديقهم به ثمَّ وُبِّخوا بما يتعلق بالرسول ﷺ من عدم معرفتهم به ﷺ وذلك يتحقَّق بعدمِ المعرفةِ بخير ولا شرثم بما لو كان فيه ﷺ ذلك لقدحَ في رسالتهِ ﷺ ما سبقَ أي ليس الأمرُ كما زعمُوا في حق القرآن والرسول ﷺ بل جاءهم صلى الله عليه ولم بالحقِّ أي الصِّدقِ الثَّابتِ الذي لا محيد عنه أصلاً ولا مدخلَ فيه للباطلِ بوجهٍ من الوجوهِ ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ﴾ من حيثُ هو حقٌّ أي حقَ كان لا لهذا الحقِّ فقط كما يُنبىء عنه الإظهارُ في موقعِ الإضمارِ ﴿كارهون﴾ لما في جبلتهم من الزَّيغِ والانحرافِ المناسبِ للباطلِ ولذلك كرهُوا هذا الحقَّ الأبلجَ وزاغُوا عن الطَّريقِ الأنهجِ وتخصيصُ أكثرهم بهذا الوصفِ لا يقتضي إلَاّ عدمَ كراهةِ الباقين لكلِّ حقَ من الحقوقِ وذلك لا يُنافي كراهتهم لهذا الحق المبين فنأمل وقيل تقييدُ الحُكمِ بالأكثرِ لأنَّ منهم من تركَ الإيمانَ استنكافاً من توبيخِ قومهِ أو لقلَّةِ فطنتهِ وعدمِ تفكُّرهِ لا لكراهته الحقَّ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ التَّعرضَ لعدمِ كراهةِ بعضهم للحقِّ مع اتِّفاقِ الكُلِّ على الكُفرِ به ممَّا لا يُساعدُه المقامُ أصلاً

стр. 4318

﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ﴾ استئناف مسوق لبيان أن أهواءَهم الزَّائغة التي ما كرهوا الحقَّ إلا لعدم موافقته إيَّاها مقتضيةٌ للطَّامةِ أي لو كان ما كرهُوه من الحقِّ الذي مِن جُملتهِ ما جاء به ﷺ موافقاً لأهوائِهم الباطلةِ ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وخرجتْ عن الصَّلاحِ والانتظامِ بالكليةِ لأنَّ مناطَ النِّظامِ ليس إلَاّ ذلكَ وفيه من تنويهِ شأنِ الحقِّ والتَّنبيهِ على سُموِّ مكانه ما لا يخفى وأما ما قيل لو اتبع الحقِّ الذي جاءَ به ﷺ أهواءَهم وانقلبَ شِركاً لجاء اللَّهُ تعالى بالقيامةِ ولأهلكَ العالَم ولم يؤخِّرْ ففيهِ أنَّه لا يُلائم فرضَ مجيئه ﷺ به وكذا ما قيل لو كانَ في الواقعِ إلهان لا يناسبُ المقامَ وأمَّا ما قيل لو اتبع الحقُّ أهواءَهم لخرجَ عن الإلهية فمالا احتمالَ له أصلاً ﴿بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ انتقالٌ من تشنيعهم بكراهةِ الحقِّ الذي به يقومُ العالمُ إلى تشنيعهم بالإعراضِ عمَّا جُبلَ عليه كلُّ نفسٍ من الرَّغبةِ فيما فيه خيرُها والمرادُ بالذِّكرِ القرآنُ الذي هو فخرُهم وشرفهم حسبما ينطِق به قوله تعالَى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أي بل أتيناهُم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجبُ عليهم أنْ يقبلُوا عليه أكملَ إقبالٍ ﴿فَهُمُ﴾ بما فعلُوه من النُّكوصِ ﴿عَن ذِكْرِهِمْ﴾ أي فخرهم وشرفهم خاصَّةً ﴿مُّعْرِضُونَ﴾ لا عن غير ذلك مما لا يُوجبُ الإقبالَ عليه والاعتناءَ به وفي وضع للظاهر موضعَ الضَّميرِ مزيدُ تشنيعٍ لهم وتقريعٍ والفاءُ لترتيب ما بعدَها من إعراضِهم عن ذكرهم

стр. 4319

سورة المؤمنون (٧٢ ٧٥) على ما قبلها من إيتاءَ ذكرِهم لا لترتيبِ الإعراضِ على الإيتاءِ مُطلقاً فإنَّ المستتبعَ لكونِ إعراضِهم إعراضاً عن ذكرِهم هو إيتاء ذكرهم لا الإتياء مُطلقاً وفي إسنادِ الإتيانِ بالذكر إلى نور العظمةِ بعد إسنادِه إلى ضميره ﷺ تنويه لشأن النبيِّ ﷺ وتنبيهٌ على كونه بمثابةٍ عظيمةٍ منه وفي إيرادِ القُرآنِ الكريمِ عند نسبته إليه ﷺ بعنوان الحقية وعند نسبتهِ إليه تعالى بعُنوان الذكر من لانكتة السِّريَّةِ والحكمةِ العبقريَّةِ ما لا يَخْفى فإنَّ التَّصريحَ بحقِّيتهِ المستلزمةِ لحقِّيةِ مَن جاء به هُو الذي يقتضيهِ مقامُ حكايةِ ما قاله المُبطلون في شأنه وأمَّا التَّشريفُ فإنَّما يليقُ به تعالى لا سيَّما رسول الله ﷺ أحدُ المشرَّفين وقيل المرادُ بالذِّكرِ ما تمنَّوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأوَّلينَ وقيل وعظهُم وايد ذلك أنه قرئ بذكراهُم والتَّشنيعُ على الأوَّلينَ أشدُّ فإنَّ الإعراضَ عن وعظهم ليسَ في مثابةِ إعراضهم عن شرفهم أو عن ذكرهم الذي يتمنونه في الشَّناعةِ والقباحةِ

стр. 4320

﴿أم تسألهم﴾ انتقالٌ من توبيخهم بما ذُكر من قوله أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ إلى التَّوبيخِ بوجهٍ آخرَ كأنَّه قيل أمْ يزعمُون أنَّك تسألهم على أداء الرِّسالةِ ﴿خَرْجاً﴾ أي جُعْلاً فلأجل ذلك لا يُؤمنون بك وقوله تعالى ﴿فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ﴾ أي رزقُه في الدُّنيا وثوابُه في الآخرةِ تعليلٌ لنفيِ السُّؤالِ المستفادِ من الإنكارِ أي لا تسألهم ذلك فإنَّ ما رزقك اللَّهُ تعالَى في الدُّنيا والعُقْبى خيرٌ لك من ذلكَ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من تعليلِ الحكمِ وتشريفه ﷺ ما لا يخفى والخَرْجُ بإزاءِ الدَّخْلِ يقال لكلِّ ما تخرجه إلى غيرِك والخَرَاجُ غالبٌ في الضَّريبةِ على الأرضِ وقيل الخَرْجُ ما تبرعت به والخراج ما لزمَك وقيل الخَرْجُ أخصُّ من الخَراجِ ففي النَّظمِ الكريمِ إشعارٌ بالكثرةِ واللزوم وقرئ خرجاً فخَرْجُ وخراجاً فخراج ﴿وهو خير الرازقين﴾ تقريرٌ لخيريَّةِ خراجهِ تعالى

стр. 4321

﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ تشهدُ العقول السَّليمةُ باستقامته ليس فيهِ شائبةُ اعوجاجٍ تُوهم اتَّهامَهم لك بوجهٍ من الوجوهِ ولقد ألزمَهم اللَّهُ عزَّ وعلا وأزاحَ عللهم في هذه الآياتِ حيث حصرَ أقسامَ ما يُؤدِّي إلى الإنكارِ والاتهام وبين انتفاء ماعدا كراهتهم للحقِّ وقِلَّة فطنتهم

стр. 4322

﴿وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ وُصفوا بذلك تشنيعاً لهم بما هُم عليهِ من الانهماكِ في الدُّنيا وزعمهم أنْ لا حياة إلَاّ الحياةُ الدُّنيا وإشعاراً بعلَّةِ الحُكمِ فإنَّ الإيمانَ بالآخرةِ وخوفَ ما فيها من الدَّواهي من أَقْوى الدَّواعي إلى طلبِ الحقِّ وسلوكِ سبيلهِ ﴿عَنِ الصراط﴾ أي عن جنسِ الصِّراطِ ﴿لناكبون﴾ لعادلون فضلاً عن الصراط المستقيم أو عن الصِّراطِ المستقيمِ الذي تدعُوهم إليه والأوَّلُ أدلُّ على كمال ضلالهم وغايةِ غوايتهم لما أنه ينبئ عن كون ما ذهبُوا إليه ممَّا لا يُطلق عليه اسمُ الصِّراطِ ولو كان مُعوجّاً

стр. 4323

﴿وَلَوْ رحمناهم وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ﴾ أي قحطٍ وجدبٍ ﴿لَّلَجُّواْ﴾ لتمادَوا ﴿فِي طغيانهم﴾

стр. 4324

إفراطِهم في الكُفرِ والاستكبارِ وعداوة الرسول ﷺ والمؤمنين ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي عامهينَ عن الهُدى رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامةُ بنُ أثالٍ الحنفيُّ ولحقَ باليمامةِ ومنعَ الميرةَ عن أهلِ مكَّةَ وأخذَهُم اللَّهُ تعالى بالسِّنينَ حتى أكلُوا العِلْهِزَ جاءَ أبُو سفيانَ إلى رسول الله ﷺ فقالَ له أنشُدكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألستْ تزعمُ أنَّك بُعثتَ رحمةً للعالمينَ قال بلى فقال قتلتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجُوعِ فنزلتْ والمعنى لو كشفنا عنهُم ما أصابَهم من القحطِ والهُزال برحمتنا إيَّاهم ووجدُوا الخصبَ لارتدُّوا إلى ما كانوا عليه من الإفراط في الكُفرِ والاستكبارِ ولذهبَ عنهم هذا التملُّقُ والإبلاسُ وقد كان كذلك وقوله تعالى

стр. 4325

﴿وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب﴾ استئنافٌ مسوقٌ للاستشهادِ على مضمونِ الشَّرطيةِ والمرادُ بالعذابِ ما نالهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ وما أصابَهم من فنونِ العذابِ التي من جملتها القَحْطُ المذكور واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ وبالله لقد أخذناهُم بالعذاب ﴿فما استكانوا لربهم﴾ بذلك أي لم يخضعوا ولم يتذلَّلوا على أنَّه إمَّا استفعالٌ من الكَوْنِ لأنَّ الخاضع ينتقل من كونٍ إلى كونٍ أو افتعالٌ من السُّكونِ قد أُشبعت فتحتُه كمنتزاحٍ في مُنتزحٍ بل أقاموا على ما كانُوا عليهِ من العُتوِّ والاستكبارِ وقوله تعالى ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أي وليس من عادتهم التَّضرعُ إليه تعالى

стр. 4326

﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عذاب الآخرة كما ينبئ عنه التَّهويلُ بفتح الباب والوصف بالشدة وقرئ فتَّحنا بالتَّشديدِ ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي متحيِّرون آيسون من كلِّ خيرٍ أي محناهم بكلِّ محنةٍ من القتل والأسر والجوع وغير ذلك فما رُؤي منهم لينُ مقادةٍ وتوجهٌ إلى الإسلامِ قط وأمَّا ما أظهره أبُو سفيانَ فليس من الاستكانةِ له تعالى والتَّضرعِ إليه تعالى في شيءٍ وإنَّما هو نوعُ خُنُوعٍ إلى أنْ يتمَّ غرضُه فحالُه كما قيل إذَا جاعَ ضَغَا وإذا شبِعَ طَغَا وأكثرُهم مستمرُّون على ذلك إلى ن يَرَوا عذابَ الآخرةِ فحينئذٍ يُبلسون وقيل المرادُ بالبابِ الجوعُ فإنَّه أشدُّ وأعمُّ من القتلِ والأسرِ والمعنى أخذناهُم أوَّلاً بما جرى عليهم يومَ بدرٍ من قتلِ صناديدِهم وأسرهِم فما وُجد منهم تضرعٌ واستكانةٌ حتَّى فتحنا عليهم بابَ الجوعِ الذي هو أطمُّ وأتمُّ فأُبلِسُوا السَّاعة وخضعتْ رقابهم وجاءك أعتاهُم وأشدُّهم شكيمةً في العناد يستعطفُك والوجهُ هو الأوَّلُ

стр. 4327

﴿وَهُوَ الذى أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ لتشاهدُوا بها الآياتَ التَّنزيليةَ والتَّكوينيَّةَ ﴿والأفئدة﴾ لتتفكروا بها ما تُشاهدونَهُ وتعتبروا اعتباراً لائقاً ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي شكراً قليلاً غيرَ معتدَ به تشكرون تلك النِّعمَ الجليلةَ لما أنَّ العُمدةَ في الشُّكرِ صرفُ تلك القرى التي هي في أنفسها نعمٌ باهرةٌ إلى ما خُلِقت هي له وأنتُم تخون بذلك إخلالا عظيما

стр. 4328

سورة المؤمنون (٧٦ ٨٥)

стр. 4329

﴿وَهُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الأرض﴾ أي خلقَكم وبثَّكم فيها بالتَّناسلِ ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي تُجمعون يومَ القيامةِ بعد تفرُّقكم لا إلى غيرِه فما لكُم لا تُؤمنون به ولا تَشكرونَهُ

стр. 4330

﴿وهو الذي يحيي وَيُمِيتُ﴾ من غير أنْ يشاركَه في ذلك شيءٌ من الأشياءِ ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اختلاف الليل والنهار﴾ أي هُو المؤثِّرُ في اختلافِهما أي تعاقبِهما أو اختلافِهما ازدياداً وانتِقاصاً أو لأمرِه وقضائِه اختلافُهما ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي ألا تتفكَّرون فلا تعقلون أو أتتفكَّرون فلا تعقلونَ بالنَّظرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ منَّا وأنَّ قدرتَنا تعمُّ جميعَ الممكناتِ التي منْ جُملتِها البعثُ وقرئ يعقلونَ على أنَّ الالتفاتَ إلى الغَيبةِ لحكايةِ سوء حالِ المُخاطبين لغيرِهم وقيل على أنَّ الخطابَ الأَوَّلَ لتغليبِ المؤمنينَ وليس بذاكَ

стр. 4331

﴿بَلْ قَالُواْ﴾ عطفٌ على مضمرٍ يقتضيهِ المقامُ أي فلم يعقلُوا بل قالُوا ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾ أي آباؤُهم ومَن دان بدينهم

стр. 4332

﴿قالوا أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أئنا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تفسيرٌ لما قبله من المُبهم وتفصيلٌ لما فيهِ من الإجمالِ وقد مرَّ الكلامُ فيه

стр. 4333

﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا﴾ أي البعثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلِّقٌ بالفعلِ من حيثُ إسنادُه إلى آبائِهم لا إليهم أي ووُعد آباؤُنا من قبل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آباؤنا أي كائنينَ مِن قَبْلُ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما هذا ﴿إِلَاّ أساطير الأولين﴾ أي أكاذيبُهم التي سَطَرُوها جمع أُسطورةٍ كأُحدوثةٍ وأُعجوبةٍ وقيل جمعُ أسطارٍ جمعُ سطرٍ

стр. 4334

﴿قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا﴾ من المخلوقاتِ تغليباً للعُقلاءِ على غيرِهم ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ ثقةً بدلالة الاستفهامِ عليهِ أيْ إنْ كنتُم تعلمون شيئا ما فأخبرونِي به فإنَّ ذلك كافٍ في الجوابِ وفيهِ من المُبالغةِ في وضوحِ الأمرِ وفي تجهيلِهم ما لا يَخْفى أَوَ إنْ كنتُم تعلمون ذلكَ فأخبرونِي وفيه استهانةٌ بهم وتقريرٌ لجهلِهم ولذلك أخبرَ بجوابهم قبل أنْ يُجيبوا حيثُ قيل

стр. 4335

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ بديهةَ العقلِ تضطرُّهم إلى الاعترافِ بأنَّه تعالى خالقُها ﴿قُلْ﴾ أي عندَ اعترافِهم بذلك تبكيتاً لهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتعلمون ذلكَ أو أتقولون ذلكَ فلا تتذكَّرون أنَّ مَن فطرَ الأرضَ وما فيها ابتداءً قادرٌ على إعادتها ثانياً فإنَّ البَدْءَ ليس بأهونَ من الإعادةِ

стр. 4336

سورة المؤمنون (٨٦ ٩١) بلِ الأمرُ بالعكس في قياس العقول وقرئ تتذكَّرون على الأصل

стр. 4337

﴿قل من رب السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم﴾ أُعيد الرَّبُّ تنويهاً لشأن العرش ورفعاً لمحلِّه عن أن يكونَ تبعاً للسَّمواتِ وجُوداً وذِكراً ولقد رُوعي في الأمر بالسُّؤال التَّرقِّي من الأدنى إلى الأعلى

стр. 4338

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ باللامِ نظراً إلى معنى السُّؤالِ فإنَّ قولك مَن رَبُّه ولمنْ هُو في معنى واحدٍ وقرئ هُو وما بعدَهُ بغير لامٍ نظراً إلى لفظ السُّؤالِ ﴿قُلْ﴾ إفحاماً لهم وتوبيخاً ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي أتعلمون ذلك ولا تقُون أنفسَكم عقابَهُ بعدم العمل بموجب العلم حيثُ تكفرون به وتُنكرون البعث وتُثبتون له شريكاً في الرُّبوبيَّةِ

стр. 4339

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء﴾ ممَّا ذُكر ومَا لم يُذكرْ أي ملكه التَّامُّ القاهرُ وقيل خزائنُه ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ أي يُغيث غيرَه إذا شاء ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي ولا يُغيث أحدٌ عليه أي لا يُمنع أحدٌ منه بالنَّصر عليه ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي شيئاً ما أو ذلك فأجيبُوني على ما سبق

стр. 4340

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي لله ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو الذي يُجْيِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴿قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي فمِن أين تُخدعون وتُصرفون عن الرُّشدِ مع علمكم به إلى ما أنتم عليه من الغنى فإنَّ مَن لا يكونُ مسحوراً مختلَّ العقل لا يكونُ كذلك

стр. 4341

﴿بَلْ أتيناهم بالحق﴾ الذي لا محيدَ عنه من التَّوحيدِ والوعد بالبعث ﴿وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ فيما قالُوا من الشِّركِ وإنكار البعث

стр. 4342

﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ كما يقوله النَّصارى والقائلون إنَّ الملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلكَ عُلوًّا كبيراً ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ يُشاركه في الأُلوهيَّةِ كما يقوله عبدة الأوثان وغيرهم ﴿إذا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ﴾ جوابٌ لمحاجَّتِهم وجزاءٌ لشرطٍ قد حُذف لدلالةِ ما قبله عليه أي لو كان معه آلهةٌ كما يزعمون لذهبَ كلُّ واحدٍ منهم بما خلقَه واستبدَّ به وامتاز ملكُه عن مُلك الآخرينَ ووقع بينهم التَّغالبُ والتَّحارُبُ كما هُو الجاري فيما بينَ المُلوكِ ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ فلم يكن بيدِه وَحْدَهُ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو باطلٌ لا يقولُ به عاقلٌ قط مع قيام البرهان على استباد جميعِ المُمكنات إلى واجبِ الوجودِ واحد بالذَّاتِ ﴿سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونه

стр. 4343

سورة المؤمنون (٩٢ ٩٧) من أن يكون له أندادٌ وأولادٌ

стр. 4344

﴿عالم الغيب والشهادة﴾ بالجرِّ على أنه بدل من الجلالة وقيل صفةٌ لها وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ وأيا ما كان فهُو دليلٌ آخرُ على انتفاءِ الشَّريكِ بناءً على توافقهم في تفرُّدِه تعالى بذلك ولذلك رُتّب عليه بالفاءِ قولُه تعالى ﴿فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فإنَّ تفرُّدَه تعالى بذلك موجبٌ لتعاليهِ عن أنْ يكون له شريكٌ

стр. 4345

﴿قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى﴾ أي إن كان لابد مِن أنْ تريني ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذابِ الدنيوي المستأصلِ وأمَّا العذابُ الأُخرويُّ فلا يناسبُه المقامُ
следующие страницы →