← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

﴿بَلْ أتيناهم بالحق﴾ الذي لا محيدَ عنه من التَّوحيدِ والوعد بالبعث ﴿وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ فيما قالُوا من الشِّركِ وإنكار البعث

стр. 4342

﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ﴾ كما يقوله النَّصارى والقائلون إنَّ الملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلكَ عُلوًّا كبيراً ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ يُشاركه في الأُلوهيَّةِ كما يقوله عبدة الأوثان وغيرهم ﴿إذا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ﴾ جوابٌ لمحاجَّتِهم وجزاءٌ لشرطٍ قد حُذف لدلالةِ ما قبله عليه أي لو كان معه آلهةٌ كما يزعمون لذهبَ كلُّ واحدٍ منهم بما خلقَه واستبدَّ به وامتاز ملكُه عن مُلك الآخرينَ ووقع بينهم التَّغالبُ والتَّحارُبُ كما هُو الجاري فيما بينَ المُلوكِ ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ فلم يكن بيدِه وَحْدَهُ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو باطلٌ لا يقولُ به عاقلٌ قط مع قيام البرهان على استباد جميعِ المُمكنات إلى واجبِ الوجودِ واحد بالذَّاتِ ﴿سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونه

стр. 4343

سورة المؤمنون (٩٢ ٩٧) من أن يكون له أندادٌ وأولادٌ

стр. 4344

﴿عالم الغيب والشهادة﴾ بالجرِّ على أنه بدل من الجلالة وقيل صفةٌ لها وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ وأيا ما كان فهُو دليلٌ آخرُ على انتفاءِ الشَّريكِ بناءً على توافقهم في تفرُّدِه تعالى بذلك ولذلك رُتّب عليه بالفاءِ قولُه تعالى ﴿فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فإنَّ تفرُّدَه تعالى بذلك موجبٌ لتعاليهِ عن أنْ يكون له شريكٌ

стр. 4345

﴿قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى﴾ أي إن كان لابد مِن أنْ تريني ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذابِ الدنيوي المستأصلِ وأمَّا العذابُ الأُخرويُّ فلا يناسبُه المقامُ

стр. 4346

﴿رَبّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى القوم الظالمين﴾ أي قَريناً لهم فيمَا هُم فيهِ من العذابِ وفيه إيذانٌ بكمالِ فظاعةِ ما وُعدوه من العذابِ وكونِه بحيثُ يجبُ أنْ يستعيذَ منه من لا يكاد يمكن أن يخيق به ورُدَّ لإنكارِهم إيَّاهُ واستعجالِهم به على طريقة الاستهزاءِ به وقيل أُمر به ﷺ هضماً لنفسِه وقيل لأنَّ شُؤمَ الكَفَرةِ قد يحيقُ بمن وَرَاءهُم كقولِه تعالى واتقوا فِتْنَةً لا تصبن الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً ورُوي أنَّه تعالى أخبرَ نبيه ﷺ بأنَّ له في أمَّتِه نقمةً ولم يُطلعه على وقتِها فأمرَه بهذا الدُّعاءِ وتكريرِ النِّداءِ وتصديرُ كلَ من الشَّرطِ والجزاءِ به لإبرازِ كمالِ الضَّراعةِ والابتهالِ

стр. 4347

﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ ﴿لقادرون﴾ ولكنَّا نُؤخِّره لعلمنا بأنَّ بعضَهم أو بعضَ أعقابهم سيؤمنون أولأنا لا نُعذبهم وأنتَ فيهم وقيل قد أَراهُ ذلكَ وهو ما أصابَهم يومَ بدرٍ أو فتحُ مكَّةَ ولا يَخْفى بُعدُه فإنَّ المبتادر أنْ يكونَ ما يستحقُّونه من العذابِ الموعودِ عذاباً هائلاً مستأصِلاً لا يظهرُ على يديه ﷺ للحكمة الدَّاعيةِ إليه

стр. 4348

﴿ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصَّفحُ عنها والإحسانُ في مقابلتِها لكن لا بحيثُ يؤدِّي إلى وَهَن في الدِّينِ وقيل هي كلمةُ التَّوحيدِ والسَّيئةُ الشِّركُ وقيل هو الأمرُ بالمعروفِ والسَّيئةُ المنكرُ وهو أبلغُ من ادفعْ بالحسنةِ السَّيئةَ لما فيه من التَّنصيصَ على التَّفضيلِ وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول في الموضعينِ للاهتمامِ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي بما يصفونَك به أو بوصفِهم إيَّاك على خلافِ ما أنتَ عليه وفيه وعيدٌ لهم بالجزاءِ والعُقوبة وتسلية لرسول الله ﷺ وإرشاد له ﷺ إلى تفويضِ أمرِه إليه تعالى

стр. 4349

﴿وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ أي وساوسِهم المُغريةِ على خلاف ما أُمرت به من المحاسنِ التي من جُملتها

стр. 4350

سورة المؤمنون (٩٨ ١٠١) دفعُ السَّيئةِ بالحسنةِ وأصلُ الهمزِ النَّخسُ ومنه مهمازُ الرَّائضِ شُبِّه حثُّهم للنَّاسِ على الماصي بهمزِ الرَّائضِ الدَّوابَّ على الإسراعِ أو الوثبِ والجمعُ للمرَّاتِ أو لتنوُّعِ الوساوسِ أو لتعدُّدِ المضافِ إليه

стр. 4351

﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يحضرون﴾ أمر ﷺ بأنْ يعوذَ به تعالى من حضورِهم بعد ما أمر بالعوذ من همزاتِهم للمبالغة في التَّحذيرِ مِن مُلابستهم وإعادةُ الفعلِ مع تكريرِ النِّداءِ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بالمأمورِ به وعرضِ نهايةِ الابتهالِ في الاستدعاءِ أي أعوذُ بك مِن أنْ يحضرونِي ويحومُوا حولي في حالٍ من الأحوالِ وتخصيصُ حالِ الصَّلاةِ وقراءةِ القُرآنِ كما رُويَ عن ابنِ عباس ﵄ وحالِ حلولِ الأجلِ كما روى عن عكرمة ﵀ لأنَّها أحرى الأحوالِ بالاستعاذةِ منها

стр. 4352

﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت﴾ حتَّى هي التي يُبتدأ بها الكلامُ دخلتْ على الجملةِ الشرطيةِ وهي مع ذلك غايةٌ لما قبلها متعلِّقةٌ بيصفُون وما بينهُما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإغضاءِ بالاستعاذة به تعالى من الشياطين أن يزلوه ﷺ عن الحِلْمِ ويُغروه على الانتقام لكنْ لا بمعنى أنَّه العاملُ فيه لفساد المعنى بل بمعنى أنَّه معمولٌ لمحذوفٍ يدلُّ عليه ذلك وتعلُّقها بكاذبونَ في غاية البُعدِ لفظاً ومعنى أي يسمرون على الوصف المذكورِ حتَّى إذا جاءَ أحدَهم أيَّ أحدٍ كان الموتُ الذي لأمر دله وظهرتْ له أحوالُ الآخرةِ ﴿قَالَ﴾ تحسُّراً على ما فَرَّطَ فيه من الإيمانِ والطَّاعةِ ﴿رَبّ ارجعون﴾ أي رُدَّني إلى الدُّنيا والواوُ لتعظيم المخاطَبِ وقيل لتكرير قوله ارجعنِي كما قيل في قفانيك ونظائرِه

стр. 4353

﴿لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي في الإيمان الذي تركتُه لم ينظمه في سلك الرَّجاءِ كسائر الأعمالِ الصَّالحةِ بأنْ يقولَ لعلى أو من فأعمل الخ للإشعار بأنَّه أمرٌ مقرَّرُ الوقوعِ غنيٌّ عن الإخبارِ بوقوعِه قطعاً فضلاً عن كونِه مرجوَّ الوقوعِ أي لعلي أعملُ في الإيمانِ الذي أتى به البتةَ عملاً صلاحا وقيل فيما تركتُه من المالِ أو من الدُّنيا وعنه ﷺ إذا عاين المؤمنُ الملائكةَ قالوا أنرجعك إلى الدُّنيا فيقول إلى دار الهُموم والأحزانِ بل قُدوماً إلى الله ﵎ وأمَّا الكافرُ فيقول أرجعونِي ﴿كَلَاّ﴾ ردعٌ عن طلب الرَّجعةِ واستبعادٌ لها ﴿أَنَّهَا﴾ أي قوله ربِّ ارجعون الخ ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا محالةَ لتسلُّط الحسرة عليه ﴿وَمِن وَرَائِهِمْ﴾ أي أمامَهم والضَّميرُ لأحدِهم والجمعُ باعتبار المعنى لأنَّه في حُكم كلِّهم كما أنَّ الإفرادَ في الضَّمائرِ الأُوَلِ باعتبار اللَّفظِ ﴿بَرْزَخٌ﴾ حائلٌ بينهم وبين الرَّجعةِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامةِ وهو إقناطٌ كُلِّيٌّ عن الرَّجعة إلى الدُّنيا لما عُلم أنَّه لا رجعة يومَ البعثِ إلى الدُّنيا وإنَّما الرَّجعةُ يومئذٍ إلى الحياةِ الأُخرويَّةِ

стр. 4354

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور﴾ لقيام السَّاعة وهي النَّفخةُ الثَّانيةُ التي يقع عندها البعث والنُّشورُ وقيل المعنى فإذا نفخ

стр. 4355

سورة المؤمنون (١٠٢ ١٠٦) في الأجساد أرواحُها على أنَّ الصُّورَ جمع الصُّورةِ لا القَرنِ ويؤيِّده القراءةُ بفتح الواو به مع كسرِ الصَّادِ ﴿فَلَا أنساب بَيْنَهُمْ﴾ تنفعُهم لزوال الزاحم والتَّعاطُفِ من فرط الحيرة واستيلاءِ الدَّهشةِ بحيث يفرُّ المرءُ مِنْ أَخِيهِ وأمِّه وَأَبِيهِ وصاحبتِه وبنيهِ أو لا أنسابَ يفتخرون بها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كما هي بينُهم اليَّومَ ﴿وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ أي لا يسألُ بعضُهم بعضاً لاشتغالِ كلَ منهُم بنفسِه ولا يناقضُه قولُه تعالى فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ لأنَّ هذا عند ابتداءِ النَّفخةِ الثَّانيةِ وذلك بعد ذلك

стр. 4356

﴿فَمَن ثَقُلَتْ موازينه﴾ موزوناتُ حسناتِه من العقائدِ والأعمالِ أي فمن كانتْ له عقائدُ صحيحةٌ وأعمالٌ صالحةٌ يكون لها وزنٌ وقدرٌ عند الله تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون﴾ الفائزونَ بكل مطلوبٍ النَّاجُون من كلِّ مهروبٍ

стр. 4357

﴿وَمَنْ خَفَّتْ موازينه﴾ أي ومَن لم يكُن له من العقائد والأعمال ماله وزن وقدر عنده وهم الكُفَّارُ لقوله تعالى فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً وقد مرَّ تفصيلُ ما في هذا المقامِ من الكلامِ في تفسيرِ سورة الأعرافِ ﴿فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم﴾ ضيَّعُوها بتضييع زمانِ استكمالِها وأبطلُوا استعدادها لنيل كما لها واسمُ الإشارةِ في الموضعينِ عبارةٌ عن الموصولِ وجمعُه باعتبار معناه كما أنَّ أفرادَ الضميرينِ في الصِّلتينِ باعتبارِ لفظه ﴿فِى جَهَنَّمَ خالدون﴾ بدلٌ من الصلة أو الخبر ثانٍ لأولئك

стр. 4358

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار﴾ تحرِقُها واللَّفحُ كالنَّفخُ إلَاّ أنَّه أشدُّ تأثيراً منه وتخصيصُ الوجوهِ بذلك لأنَّها أشرفُ الأعضاء فبيانُ حالِها أزجرُ عن المعاصي المؤدِّيةِ إلى النَّارِ وهو السِّرُّ في تقديمها على الفاعل ﴿وَهُمْ فِيهَا كالحون﴾ من شدَّةِ الاحتراقِ والكُلوحُ تقلُّصُ الشَّفتينِ عن الأسنان وقرئ كلحون

стр. 4359

﴿ألم تكُن آياتِي تُتلى عَلَيْكُمْ﴾ على إضمارِ القولِ أي يُقال لهم تعنيفاً وتوبيخاً وتذكيراً لما به استحقُّوا ما ابتُلوا به من العذابِ ألم تكُن آياتِي تُتلى عليكمُ في الدُّنيا ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ﴾ حينئذٍ

стр. 4360

﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا﴾ أي ملكتَنا ﴿شِقْوَتُنَا﴾ التي اقترفناها بسوءِ اختيارِنا كما ينبئ عنه إضافتُها إلى أنفسِهم وقرئ شقوتنا بالفتح وشقاواتنا أيضاً بالفتحِ والكسرِ ﴿وَكُنَّا﴾ بسببِ ذلك ﴿قَوْماً ضَالّينَ﴾ عن الحق لذلك فعلنَا مَا فعلنَا منْ التَّكذيب وهذا كما ترى اعترافٌ منهم بأنَّ ما أصابهم قد أصابَهم بسوءِ صنيعهم وأمَّا ما قيل من أنَّه اعتذارٌ منهم بغلبة ما كُتب عليهم من الشَّقاوةِ الأزليَّةِ فمع أنَّه باطلٌ في نفسِه لما أنَّه لا يُكتبُ عليهم من السَّعادةِ والشَّقاوةِ إلا ما علمَ الله تعالى أنَّهم يفعلونَه باختيارِهم ضرورةَ أنَّ العلمَ تابعٌ للمعلومِ يردُّه قولُه تعالى

стр. 4361

سورة المؤمنون (١٠٧ ١١٢)

стр. 4362

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون﴾ أي أخرجْنَا من النَّار وارجعنا إلى الدُّنيا فإنْ عُدنا بعد ذلكَ إلى ما كُنَّا عليهِ من الكُفر والمَعاصي فإنَّا مُتجاوزون الحدَّ في الظُّلم ولو كانَ اعتقادُهم أنَّهم مجبورون على ما صَدَر عنهم لما سألُوا الرَّجعةَ إلى الدُّنيا ولما وَعدُوا الإيمانَ والطَّاعةَ بل قولُهم فإنْ عُدنا صريحٌ في أنَّهم حينئذٍ على الإيمانِ والطَّاعةِ وإنَّما الموعُود على تقدير الرَّجعةِ إلى الدنيا إحدائهما

стр. 4363

﴿قال اخسؤوا فِيهَا﴾ أي اسكتُوا في النَّارِ سكوتَ هوانٍ وذِلُّوا وانزجرُوا انزجارَ الكلابِ إذا زُجرتْ من خسأتُ الكلبَ إذا زجرتَه فَخَسِأ أي انزجرَ ﴿وَلَا تُكَلّمُونِ﴾ أي باستدعاءِ الإخراجِ من النَّار والرَّجْعِ إلى الدُّنيا وقيل لا نكلمون في رفع العذابِ ويردُّه التعليل الآتِي وقيل لا تُكلِّمونِ رأساً وهو آخرُ كلامٍ يتكلَّمونَ به ثم لا كلامَ بعد ذلكَ إلا الشَّهيقُ والزَّفيرُ والعُواءُ كعواءِ الكلبِ لا يَفْهمون ولا يُفهمون ويردُّه الخطاباتُ الآتيةُ قطعاً وقوله تعالى

стр. 4364

﴿إنه﴾ تعليل لما قبله من الزجرِ عن الدُّعاءِ أي أن الشأن وقرئ بالفتحِ أي لأنَّ الشَّأنَ ﴿كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى﴾ وهم المؤمنون وقيل أنهم الصَّحابةُ وقيل أهلُ الصُّفَّةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ ﴿يَقُولُونَ﴾ في الدُّنيا ﴿ربنا آمنا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خير الراحمين﴾

стр. 4365

﴿فاتخذتموهم سِخْرِيّاً﴾ أي اسكتُوا عن الدُّعاءِ بقولكم ربنا الخ لأنَّكم كنتُم تستهزئُون بالدَّاعينَ بقولهم ربنا آمنا الخ وتتشاغلُون باستهزائِهم ﴿حتى أَنسَوْكُمْ﴾ أي الاستهزاءُ بهم ﴿ذِكْرِى﴾ من فرطِ اشتغالِكم باستهزائِهم ﴿وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ وذلك غايةُ الاستهزاءِ وقولُه تعالى

стр. 4366

﴿إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم﴾ استئنافٌ لبيانِ حُسنِ حالِهم وأنَّهم انتفعُوا بمَا آذوهم ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ بسبب صبرِهم على أذيَّتِكم وقولُه تعالى ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون﴾ ثاني مفعولَيْ الجزاءِ أي جزيتُهم فوزَهم بمجامع مرادتهم مخصوصين به وقرئ بكسرِ الهمزةِ على أنَّه تعليلٌ للجزاءِ وبيانٌ لكونِه في غايةِ ما يكونُ من الحُسنِ

стр. 4367

﴿قَالَ﴾ أي الله أو المَلَكُ المأمور بذلك تذكيراً لِما لبثُوا فيما سألوا الرجوع غليه من الدُّنيا بعد التَّنبيهِ على استحالته بقوله اخسئوا فيها الخ وقرئ قُل على الأمرِ للمَلَكِ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرض﴾ التي تدعون إليها ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ تمييزٌ لكم

стр. 4368

سورة المؤمنون (١١٣ ١١٧)

стр. 4369

﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصاراً لمدَّةِ لبثهم فيها ﴿فَاسْأَلِ العادين﴾ أي المتمكِّنينِ من العدِّ فإنما بما دهمَنا من العذاب بمعزلٍ من ذلك أو الملائكةَ العادِّين لأعمار العبادِ وأعمالهم وقرئ العادين بالتخفيف أي المعتدين فإنَّهم أيضاً يقولُون ما نقولُ كأنَّهم الأتباعُ يُسمُّون الرُّؤساءَ بذلك لظُلمهم إيَّاهم إضلالهم وقرئ العَاديينَ أي القدماءَ المُعمِّرين فإنَّهم أيضاً يستقصرُون مدَّة لبثِهم

стр. 4370

﴿قَالَ﴾ أي الله تعالَى أو الملك وقرئ قُل كما سبق ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ تصديقاً لَهُم في ذلك ﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعمون شيئا ولو كنتُم من أهلِ العلمِ والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبقَ عليه أي لعلمتُم يومئذٍ قلَّةَ لبثِكم فيها كما علمتُم اليومَ ولعملتم بموجبِه ولم تُخلِدوا إليها

стр. 4371

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً﴾ أي ألم تعلمُوا شيئاً فحسبتُم أنَّما خلقناكُم بغيرِ حكمةٍ بالغةٍ حتَّى أنكرتُم البعثَ فعبثاً حالٌ من نون العظمةِ أي عابثينَ أو مفعول له أي إنَّما خلقناكم للعَبَث ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ عطفٌ على أنَّما فإنَّ خلقَكم بغير بعثٍ من قبيل العَبَثِ وإنَّما خلقناكُم لنعيدَكُم ونجازيكم على أعمالكم وقرئ ترجعون بفتح التاء من الرُّجوعِ

стр. 4372

﴿فتعالى الله﴾ استعظامٌ له تعالى لشئون التي تُصرَّفُ عليها عبادُه من البدءِ والإعادةِ والإثابةِ والعقابِ بموجب الحكمةِ البالغةِ أي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاتِه وصفاتِه وأحوالِه وأفعالِه وعن خلوِّ أفعالِه عن الحكمِ والمصالحِ والغاياتِ الحميدةِ ﴿الملك الحق﴾ الذي يحقُّ له الملك على الإطلاق إيجادا وإعداما بدءا إعادة إحياءً وإماتةً عقاباً وإثابةً وكلُّ ما سواهُ مملوكٌ له مقهورٌ تحتَ ملكوتِه ﴿لا إله إلا هو﴾ فإنَّ كلَّ ما عداهُ عبيدُه ﴿رَبُّ العرش الكريم﴾ فكيف بما تحتَهُ ومحاط به من الموجوداتِ كائناً ما كان ووصفُه بالكرمِ إمَّا لأنَّه منه ينزلُ الوحيُ الذي منه القرآنُ الكريمُ أو الخيرُ والبركةُ والرحمةُ أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين وقرئ الكريمُ بالرَّفعِ عَلى أنَّه صفةُ الرَّبِّ كما في قوله تعالى ذُو العرش المجيد

стр. 4373

﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إلها آخر﴾ يعبده إفرادا وإشراكا ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفةٌ لازمةٌ لإلها كقولِه تعالى يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ جيءَ بها للتَّأكيدِ وبناءِ الحُكمِ عليه تنبيهاً على أنَّ التَّدينِ بما لا دليلَ عليه باطلٌ فكيفَ بما شهدتْ بديهةُ العُقولِ بخلافِه أو اعتراضٌ بين الشَّرط والجزاء كقولك من

стр. 4374

سورة المؤمنون (١١٨) أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ منه بالإحسانِ فالله مثيبُه ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ﴾ فهو مجازٍ له على قدرِ ما يستحقُّه ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكافرون﴾ أي إنَّ الشَّأنَ الخ وقرئ بالفتحِ على أنَّه تعليلٌ أو خبرٌ ومعناهُ حسابُه عدمُ الفلاحِ والأصلُ حسابُه إنَّه لا يُفلحُ هو فوُضعَ الكافرونَ موضعَ الضّميرِ لأنَّ من يدعُ في معنى الجمعِ وكذلك حسابُه أنَّه لا يفلحُ في معنى حسابُهم أنَّهم لا يُفلحون بُدئتِ السُّورةُ الكريمةُ بتقريرِ فلاحِ المُؤمنين وخُتمتْ بنفيِ الفلاحِ عن الكافرينَ ثم أُمر رسولُ الله ﷺ بالاستغفارِ والاسترحامِ فقيل

стр. 4375

﴿وَقُل رَّبّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين﴾ إيذاناً بأنَّهما من أهمِّ الأمورِ الدِّينيةِ حيثُ أُمر به من قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر فكيف بمَن عداهُ عنِ النبيِّ ﷺ مَن قرأَ سورةَ المُؤمنين بشَّرتْهُ الملائكةُ بالرَّوحِ والرَّيحانِ وما تقرُّ به عينُه عند نزولِ مَلَك الموتِ وعنه ﷺ أنَّه قال لقد أُنزلتْ عليَّ عشرُ آياتٍ من أقامهنَّ دخلَ الجنَّة ثُم قرأَ قد أفلحَ المُؤمنون حتَّى خَتَم العشرَ ورُوي أنَّ أوَّلَها وآخرَها من كنوزِ الجنَّةِ من عملَ بثلاثِ آياتٍ من أوَّلِها واتَّعظ بأربعٍ من آخرِها فقد نَجَا وأفلحَ

стр. 4376

سورة النور (١٢) سورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾

стр. 4377

﴿سُورَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هذه سورةٌ وإنَّما أُشير إليها مع عدمِ سبقِ ذكرِها لأنَّها باعتبار كونِها في شرف الذِّكرِ في حكم الحاضِرِ المشاهَد وقولُه تعالَى ﴿أنزلناها﴾ معَ ما عُطف عليه صفاتٌ لها مؤكِّدةٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الفخامة من حيثُ الذَّاتُ بالفخامة من حيثُ الصِّفاتُ وأمَّا كونُها مبتدأً محذوفَ الخبرِ على أنْ يكونَ التَّقديرُ فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها فيأباهُ أنَّ مُقتضى المقام بيانُ شأن السُّورةِ الكريمةِ لا أنَّ في جُملة ما أُوحي إلى النبيِّ ﷺ سورةً شأنُها كَذا وكَذا وحملُها على السُّورةِ الكَريمةِ بمعونةِ المقامِ يُوهم أنَّ غيرَها من السُّورِ الكريمةِ ليستْ على تلكَ الصِّفاتِ وقرئ بالنصب على إضمار فعلِ يُفسِّره أنزلناهَا فلا محلَّ له حينئذٍ من الإعرابِ أو على تقديرِ اقرأْ ونحوه أو دونك عند من يُسوِّغُ حذفَ أداةِ الإغراءِ فمحلُّ أنزلنا النَّصبُ على الوصفيَّةِ ﴿وفرضناها﴾ أي أو أوجبنَا ما فيها من الأحكامِ إيجاباً قطعيًّا وفيه من الإيذانِ بغايةِ وكادةِ الفرضيَّةِ ما لا يَخْفى وقرئ فرَّضناها بالتَّشديدِ لتأكيدِ الإيجابِ أو لتعددِ الفرائضِ أو لكثرةِ المفروضِ عليهم من السَّلفِ والخلفِ ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا﴾ أي في تضاعيفِ السُّورةِ ﴿آيات بَيّنَاتٍ﴾ إنْ أُريد بها الآياتُ التي نِيطتْ بها الأحكامُ المفروضةُ وهو الأظهرُ فكونُها في السُّورةِ ظاهرٌ ومعنى كونِها بيناتٍ وضوحُ دلالاتِها على أحكامِها لا على معانيها على الإطلاقِ فإنَّها أسوةٌ لسائرِ الآياتِ في ذلكَ وتكريرُ أنزلنا معَ استلزام إنزالِ السُّورةِ لإنزالِها لإبرازِ كمالِ العنايةِ بشأنِها وإنْ أُريد جميعُ الآياتِ فالظَّرفيةُ باعتبار اشتما ل الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائِه وتكريرُ أنزلنا مع أنَّ جميعَ الآياتِ عين السورة وإنزالها عين إنزالها لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيصِ إنزالِها بالذِّكرِ إبانةً لخطرِها ورفعاً لمحلِّها كقوله تعالى ونجيناه مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ بعد قوله تعالى ونجينا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التَّاءينِ وقرئ بإدغامِ الثَّانيةِ في الذَّالِ أي تتذكرونها فتعلمون بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذكرٍ منهم بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها

стр. 4378

﴿الزانية والزانى﴾ شروعٌ في تفصيلِ ما ذُكِر منَ الآياتِ البيِّناتِ وبيانِ أحكامِها

стр. 4379

سورة النور (٣) والزَّانيةُ هي المرأةُ المُطاوِعةُ للزِّنا الممكِّنةُ منه كما تنبئ عنه الصِّيغةُ لا المزنيةُ كُرهاً وتقديمُها على الزَّاني لأنَّها الأصلُ في الفعل لكونِ الدَّاعيةِ فيها أوفرَ ولولا تمكينُها منه لم يقعْ ورفعُهما على الابتداءِ والخبرُ قولُه تعالى ﴿فاجلدوا كلُّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مائةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاءُ لتضمُّنِ المبتدأِ معنى الشرط إذا اللَاّمُ بمعنى الموصولِ والتَّقديرُ التي زنتْ والذي زَنى كما في قوله تعالى واللذان يأتياها منكم فآذوهما وقيل الخبرُ محذوفٌ أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانيةُ والزَّاني أي حُكمهُما وقولُه تعالى فاجلدوا الخ بيانٌ لذلكَ الحُكمِ وكانَ هذا عامًّا في حقِّ المُحصنِ وغيرِه وقد نُسخَ في حقِّ المحصنِ قَطْعاً ويكفينا في تعيينِ الناسخ القطع بأنه ﷺ قد رجم ماعزا أو غيره فيكونُ من بابِ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المشهُورةِ وفي الإيضاحِ الرَّجمُ حكمٌ ثبتَ بالسنَّةِ المشهورةِ المتفقِ عليها فجازتِ الزيادةُ بها على الكتابِ ورُوي عن عليَ ﵁ جلدتُها بكتابِ اللَّهِ ورجمتُها بسنة رسول الله ﷺ وقيلَ نُسخ بآيةٍ منسوخةِ التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زينا فارجمُوهما البتة نكالاً من اللَّهِ واللَّهُ عزيزٌ حكيمٌ ويأباهُ ما رُوي عن علي ﵁ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ وقرئ بفتحِ الهمزةِ وبالمدِّ أيضاً على فَعَالةٍ أي رحمةٌ ورقَّةٌ ﴿فِى دِينِ الله﴾ في طاعتهِ وإقامةِ حدِّه فتطلوه أو تسامحوه فيهِ وقد قالَ رسولُ الله ﷺ لو سرقتْ فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لقطعتُ يدها ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ فإنَّ الإيمانَ بهما يقتضي الجدَّ في طاعته تعالى والاجتهادَ في إجراءِ أحكامِه وذكرُ اليومِ الآخرِ لتذكيرِ ما فيهِ من العقابِ في مقابلةِ المُسامحةِ والتَّعطيلِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين﴾ أي لتحضره زيادةً في التَّنكيلِ فإنَّ التَّفضيحَ قد يُنكِّلُ أكثرَ ممَّا يُنكلُّ التَّعذيبُ والطَّائفةُ فرقةٌ يُمكن أنْ تكونَ حافَّةً حولَ شيءٍ من الطَّوفِ وأقلُّها ثلاثةٌ كما روي عن فنادة وعن ابن عباس ﵄ أربعةٌ إلى أربعينَ وعن الحسنِ عشرةٌ والمرادُ جمعٌ يحصلُ بهِ التَّشهيرُ والزَّجرُ

стр. 4380

﴿الزانى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لَا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجر المؤمنين بهنَّ وقد رَغِب بعضٌ من ضَعَفةِ المُهاجرينَ في نكاح وسرات كانتْ بالمدينةِ من بَغَايا المُشركينَ فاستأذنُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ في ذلكَ فنُفِّروا عنه ببيانِ أنَّه من أفعالِ الزُّناةِ وخصائصِ المُشركين كأنَّه قيلَ الزَّاني لا يرغبُ إلَاّ في نكاحِ إحداهما والزَّانيةُ لا يرغبُ في نكاحِها إلا أحدُهما فلا تحومُوا حولَه كيلا تنتظمُوا في سلكهما أو تتسِمُوا بسمتِهما فإيرادُ الجُملةِ الأُولى مع أنَّ مناطَ التَّنفيرِ هي الثَّانيةُ إمَّا للتعريضِ بقصرهم الرَّغبةَ عليهنَّ حيثُ استأذنُوا في نكاحهنَّ أو لتأكيدِ العلاقةِ بين الجانبينِ مبالغة في الزجر والتنفير وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هوالزنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعاً في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ ﴿وَحُرّمَ ذلك﴾ أي نكاحُ الزَّواني ﴿عَلَى المؤمنين﴾ لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النسب واختلال
следующие страницы →