← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ الخ إمَّا متصلٌ بما قبلَه مسوقٌ لتقريرِ العذابِ المذكورِ بتعيينِ وقتِ حلولِه وتهويلِه ببيان ظهور جناياتهم الموجبةِ له مع سائرِ جناياتِهم المستتبعةِ لعقوباتِها عَلَى كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ خارقةٍ للعاداتِ فيومَ ظرفٌ لما في الجارِّ والمجرورِ المتقدمِ من معنى الاستقرارِ لا لعذاب وإن أغضبنا عن وصفِه لإخلالِه بجزالةِ المعنى وإمَّا منقطعٌ عنه مسوق لتهويل اليوم ما يحويهِ على أنَّه ظرفٌ لفعلٍ مؤخَّرٍ قد ضُرب عنه الذِّكرُ صَفْحاً للإيذانِ بقصورِ العبارةِ عن تفصيل ما يفع فيهِ من الطَّامةِ التَّامةِ والداهية العامة كأنه قي قبل يوم تشهد عليكم ﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يكونُ من الأحوال والأهوال مالا يحيطُ به حيطةَ المقالُ على أنَّ الموصولَ المذكورَ عبارةٌ عن جميعِ أعمالِهم السَّيئةِ وجناياتِهم القبيحةِ لا عن جناياتهم المعهودةِ فَقَطْ ومعنى شهادةِ الجوارحِ المذكورةِ بها أنَّه تعالى يُنطقها بقدرته فتخبر كلُّ جارحةٍ منها بما صدرَ عنها من أفاعيل صاحبِها لا أنَّ كلاًّ منها يخبر بجناياتهم المعهودة فحسب والموصول والمحذوف عبارةٌ عنها وعن فنونِ العُقوباتِ المترتبةِ عليها كافَّة لا عنْ إحداهما خاصَّة ففيهِ من ضروبِ التَّهويلِ وبالإجمال والتَّفصيلِ ما لا مزيدَ عليه وجعلُ الموصولِ المذكورِ عبارة عن خصوص جناياتهم المعهودةِ وحملُ شهادةِ الجوارحِ على إخبارِ الكلِّ بها فَقَط تحجيرٌ للواسعِ وتهوينُ لأمر الوازعِ والجمعُ بين صيغتي الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على استمرارِهم عليها في الدُّنيا وتقديمُ عليهم على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون الشَّهادةَ ضارةٌ لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخرِ كما مرَّ مِراراً وقولُه تعالى

стр. 4412

﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾ أي يومَ إذْ تشهدُ جوارحُهم بأعمالِهم القبيحةِ يطيعهم الله تعالى جزاءَهم الثَّابتَ الذي يحقِّقُ أنْ يثبتَ

стр. 4413

سورة النور (٢٦) لهم لا محالةَ وافياً كاملاً كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيانِ ترتيبِ حكمِ الشَّهادةِ عليها متض لبيان ذلك لمبهم المحذوفِ على وجهِ الإجمالِ ويجوزُ أنْ يكونَ يومَ يشهد ظرفاً ليوفِّيهم ويومئذٍ بدلاً منه وقيلَ هو منصوبٌ على أنه مفعول لفعل مضمرٍ أي اذكُر يومَ تشهد بالتذكير للفصل ﴿ويعملون﴾ عند معاينتِهم الأهوالَ والخُطوبَ حسبما نطقَ به القرآنُ الكريم ﴿أَنَّ الله هُوَ الحق﴾ الثَّابتُ الذي يحقُّ أن يثبت لا محالة في ذاته وصفا وأفعاله التي من جملتها كلماتها التامات المنبئة عن الشئون التي يشاهدونها منطبقة عليها ﴿المبين﴾ المظهرُ للأشياءِ كما هي في أنفسِها أو الظَّاهرُ أنَّه هو الحقُّ وتفسيرُه بظهورِ ألوهيَّتِه تعالى وعدمِ مشاركةِ الغير له فيها وعدمِ قُدرة ما سواه على الثَّوابِ والعقابِ ليس له كثيرُ مناسبةٍ للمقام كما أنَّ تفسيرَ الحقِّ بذي الحقِّ البين أي العادل الظَّاهر عدلُه كذلك ولو تتبعتَ ما في الفُرقان المجيدِ من آياتِ الوعيد الواردة حقِّ كلِّ كَفَّارٍ مريدٍ وجبَّارٍ عَنيدٍ لا تجدُ شيئا منها فوق هانيك القوارعِ المشحونةِ بفُنون التَّهديدِ والتَّشديدِ وما ذاكَ إلَاّ لإظهار منزلة النبيِّ ﷺ في عُلُّو الشَّأنِ والنباهةِ وإبراز رتبة الصدِّيقةُ ﵂ في العِفَّةِ والنَّزاهةِ وقولُه تعالى

стр. 4414

﴿الخبيثات﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ على قاعدةِ السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الخلقِ على موجب أنَّ لله تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهلِ أي الخبيثاتُ من النِّساءِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرِّجال أي مختصَّاتٌ بهم لا يكَدْنَ يتجاوزْنَهم إلى غيرِهم على أنَّ اللامَ للاختصاصِ ﴿والخبيثون﴾ أيضاً ﴿للخبيثات﴾ لأنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي الانضمامِ ﴿والطيبات﴾ منهنَّ ﴿للطيبين﴾ أيضا منهم ﴿والطيبون﴾ ﴿للطيبات﴾ منهنَّ بحيثُ لا يك يجاوزوهنَّ إلى من عداهنَّ وحيثُ كان رسولُ الله ﷺ أطيبَ الأطيبينِ وخيرةَ الأوَّلين والآخرين تبين كونُ الصِّدِّيقةِ ﵂ من أطيب الطَّيباتِ بالضَّرورةِ واتَّضح بطلانُ ما قيل في حقِّها من الخُرافاتِ حسبما نطق به قوله تعالى ﴿أولئك مبرؤون مما يقولون﴾ عل أنَّ الإشارةَ إلى أهلِ البيتِ المنتظِمين للصِّدِّيقةِ انتظاماً أوَّليًّا وقيل إلى رسولِ الله ﷺ والصِّدِّيقةِ وصفوانَ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئك الموصُوفون بعلُّوِ الشَّأنِ مُبرَّءون مما نقوله أهلُ الإفكِ في حقِّهم من الأكاذيبِ الباطلةِ وقيل الخبيثات من القول للخبثين من الرِّجالِ والنِّساءِ أي مختصَّة ولائقة بهم لا ينبغي أنْ تُقال في حقِّ غيرِهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحفاء بأنْ يُقال في حقِّهم خبائثُ القول والطَّيباتُ من الكلم للطَّيبين من الفريقينِ مختصَّةٌ وحقيقة بهم وهم أحفاء بأنْ يُقال في شأنهم طيِّباتُ الكلمِ أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقول الخبيثون في حقِّهم فمآلُه تنزيهُ الصِّدِّيقةِ أيضاً وقيل خبيثاتُ القول مختصَّةٌ بالخبيثين من فريقَيْ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تصدرُ عن غيرِهم والخبيثون من الفريقينِ مختصُّون بخبائث القولِ متعرِّضُون لها والطَّيباتُ من الكلام للطَّيبين من الفريقينِ أي مختصَّةٌ بهم لا تصدرُ عن غيرِهم والطَّيبون من الفريقينِ مختصُّون بطيِّباتِ الكلامِ لا يصدرُ عنهم غيرُها أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقولُه الخبيثون من

стр. 4415

سورة النور (٢٧ ٢٨) الخبائثِ أي لا يصدرُ عنهم مثلُ ذلك فمآلُه تنزيهُ القائلينِ سبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لما لا يخلُو عنه البشرُ من الذُّنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنَّةُ

стр. 4416

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إثرَ ما فُصل عن الزِّنا وعن رميِ العفائف عنه شُرع في تفصيل الزَّواجر عمَّا عسى يُؤدِّي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولِهم عليهنَّ في أوقات الخلوات وتعليمِ الآدابِ الجميلة والأفاعيل المرضيَّة المستتبعة لسعادةِ الدَّارين ووصف البيوت بمغايرة بيوتِهم خارجٌ مخرجَ العادة التي هي سُكنى كلِّ أحدٍ في ملكه وإلا فالمآجر والمُعير أيضاٌ منهيَّانِ عن الدخول بغير إذن وقرئ بِيوتاً غيرَ بِيوتكم بكسرِ الباءِ لإجلِ الياءِ ﴿حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ أي تستأذنوا مَن يملكُ الإذن من أصحابها من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال مستكشف أنه هل يؤذن له أو من الستئساس الذي هو خلاف الاستيحاش لما أن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس ﴿وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ عند الاستئذان روي عنِ النبيِّ ﷺ أن التسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع ﴿ذلكم﴾ أي الاستئذان مع التسليم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من أن تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث كانَ الرجلُ منهُم إذَا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول حييتم صباحاً حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وروي أن رجلا قال للنبي ﷺ أستأذن على أمي قال له نعم قال ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كما دخلت قال ﷺ أتحب أن تراها عريانة قال لا قال ﷺ فاستأذن ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه

стр. 4417

﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً﴾ أي ممن يملك الإذن على أنَّ مَن لا يملكه من النِّساءِ والولدانُ وُجدانُه كفُقدانِه أو أحداً أصلاً على أنَّ مدلول النصِّ الكريم عبارةٌ هو النَّهي عن دُخول البيوتِ الخاليةِ لما فيه من الاطلاع على ما يعتادُ النَّاسُ إخفاءَه مع أنَّ التَّصرفَ في ملك الغير محظور وطلقا وأمَّا حُرمة دخول ما فيه النساء والولدان فثابتةٌ بدلالة النصِّ لأنَّ الدخول حيث حَرُمَ مع ما ذكر من العلَّة فلأن يحرُمَ عند انضمامِ ما هو أقوى منه إليه أعني الاطِّلاعَ على العَورات أَولى ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ واصبروا ﴿حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ﴾ أي من جهة مَن يملكُ الإذنَ عند إتيانه ومَن فسَّره بقوله حتى يأتي من بأذن لكم أو حتَّى تجدوا مَن يأذنُ لكم أو حتَّى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز القطعيَّ في معرض الاحتمال ولما كان جعل النهي مغيا بالإذنِ ممَّا يُوهم الرُّخصة في الانتظار على الأبواب مُطلقاً بل في تكرير الاستئذانِ ولو بعد الردِّ ذلك بقوله ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا﴾ أي إن

стр. 4418

سورة النور (٢٩ ٣٠) أُمرتم من جهةِ أهلِ البيتِ بالرُّجوع سواء كان الأمرُ ممَّن يملكُ الإذن أولا فارجعُوا ولا تلحّوا بتكرير الاستئذانِ كما في الوجهِ الأول ولا تلجوا بالإصرار على الانتظار إلى أنْ يأتيَ الآذنُ كما في الثَّاني فإنَّ ذلك ممَّا يجلبُ الكراهةَ في قلوب النَّاسِ ويقدحُ في المروءةِ أيَّ قدحٍ ﴿هُوَ﴾ أي الرُّجوعُ ﴿أزكى لَكُمْ﴾ أي أظهر مما لا يخلوا عنه اللجُّ والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءةِ والرَّذالة ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فيعلم ما تأتونَ وما تذرونَ ممَّا كلفتموه فيجازيكم عليه

стр. 4419

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ﴾ أي بغير استئذانٍ ﴿بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أي غيرَ موضوعةٍ لسكنى طائفةٍ مخصوصةٍ فقط بل ليتمتَّعَ بها من يُضطر إليها كائنا من كان من غير أنْ يتخذَها سكناً كالرُّبطِ والخَاناتِ والحوانيتِ والحمَّاماتِ ونحوِها فإنَّها معدَّةٌ لمصالح الناس كافة كما ينبئ عنه قولُه تعالى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ فإنَّه صفةٌ للبيوتِ أو استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لعدم الجُناح أي فيها حقُّ تمتعٍ لكم كالاستكنان من الحرِّ والبرد وإيواء الأمتعة والرجال والشِّراءِ والبيعِ والاغتسالِ وغيرِ ذلك ممَّا يليقُ بحال البُيوت وداخليها فلا بأسَ بدخولها بغير استئذانٍ من داخليها من قبل ولا ممن بعد يتولَّى أمرَها ويقومُ بتدبيرها من قوام الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصحاب الحوانيت ومتصر في الحمَّاماتِ ونحوِهم ويُروى أنَّ أبا بكرٍ ﵁ قالَ يا رسولَ الله إنَّ الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان وإنَّا نختلفُ في تجاراتِنا فننزل هذه الخاناتِ أفلا ندخلها إلابإذن فنزلتْ وقيل هي الخَرِباتُ يُتبرَّزُ فيها والمتاع التَّبرزُ والظَّاهر أنَّها من جُملة ما ينتظمه البيوتُ لا أنها المرادةُ فقط وقولُهُ تعالى ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وما تكتمون﴾ وعيدا لمن يدخلُ مدخلاً من هذه المداخل لفسادٍ أو اطِّلاعٍ على عوراتٍ

стр. 4420

﴿قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ﴾ شروعٌ في بيان أحكام كليَّة شاملة للمؤمنين كافَّة يندرج فيها حكم المستأذنين عند خولهم البيوت اندراجاً أوليًّا وتلوينُ الخطاب وتوجيهه إلى رسولِ الله ﷺ وتفويضُ ما في حيِّزِه من الأوامر والنَّواهي إلى رأيه ﷺ لأنَّها تكاليفُ متعلِّقةٌ بأمورٍ جُزئيةٍ كثيرةِ الوقوعِ حقيقةٌ بأن يكون الأمر بهار المتصدي لتدبيرها حافظاً ومُهيمناً عليهم ومفعولُ الأمر أمرٌ آخرُ قد حُذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قُل لهم غُضُّواً ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم﴾ عمَّا يحرُم ويقتصر به على ما يحلُّ ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ إِلَاّ على أزواجِهم أَوْ ما ملكتْ أيمانُهم وتقييدُ الغضِّ بمن التبعيضيَّةِ دونَ الحفظ لما في أمر النَّظر من السَّعةِ وقيل المرادُ بالحفظِ ههنا خاصَّة هو السِّترُ ﴿ذلك﴾ أي ما ذكر من الغضِّ والحفظ ﴿أزكى لَهُمْ﴾ أي طهر لهم من دنس الرِّيبة ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيءٌ ممَّا يصدرُ عنهم من الأفاعيل التي من جملتها جالة النَّظرِ واستعمالُ سائرِ الحواس وتحريك

стр. 4421

سورة النور (٣١) الجوارحِ وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذرٍ منه في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون

стр. 4422

﴿وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن﴾ فلا ينظرون إلى ما لا يحلُّ لهنَّ النَّظرُ إليه ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بالتَّسترِ أو التَّصونِ عن الزِّنا وتقديمُ الغضِّ لأن النظر يريد الزِّنا ورائدُ الفسادِ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كالحُليِّ وغيرِها ممَّا يُتزين بهِ وفيهِ من المبالغةِ في النَّهيِ عن إبداء مواضعها ما لا يخفى ﴿إِلَاّ مَا ظهر منها﴾ عند مزوالة الأمورِ التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتمِ والكُحلِ والخضابِ ونحوها فإنَّ في سترها حرجا بيننا وقيلَ المرادُ بالزِّينةِ مواضعُها على حذف المضافِ أو ما يعمُّ المحاسنَ الخَلقيةَ والتزيينة والمُستثنى هو الوجهُ والكفَّانِ لأنَّها ليستْ بعورةٍ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائِها وقد كانتِ النِّساءُ على عادةِ الجاهليةِ يسدُلْن خُمرَهنَّ من خلفهنَّ فتبدو نحو رهن وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأُمرن بإرسالِ خمرهنَّ إلى جيوبهنَّ ستراً لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاء فعلى بعدى وقُرىء بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار الناظر بعدما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبارِ المنظُور ﴿إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فإنَّهم المقصودون بالزِّينة ولهم أنْ ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضعِ المعهودِ ﴿أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ لكثرةِ المخالطةِ الضَّروريَّةِ بينهم وبينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في الطباع الفريقينِ من النَّفرة عن الماسة القرائبِ ولهم أنْ ينظرُوا منهن ما عند المهنةِ والخدمةِ وعدمُ ذكر وعدمُ ذكرِ الأعمامِ والأخوالِ لما أنَّ الأحوطَ أنْ يتسترن عنهم حذرا أنْ يصفوهنَّ لأبنائهم ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ المختصَّات بهن بالصُّحبة والخدمةِ من حرائر المؤمناتِ فإنَّ الكوافرَ لا يتحرجنَّ عن وصفهنَّ للرِّجالِ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم﴾ أي من الإماءِ فإنَّ عبدَ المرأةِ بمنزلة الأجنبيِّ منها وقيل مِن الإماءِ والعَبيدِ لما روى أنه ﷺ أتى فاطمة ﵂ بعبدٍ وهبه لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعتْ به رأسَها لم يبلغْ رجليها وإذا غطَّت رجليها لم يبلغ رأسها فقال ﷺ إنَّه ليس عليك بأسٌ إنَّما هو أبوكِ وغلامكِ ﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال﴾ أي أولي الحاجةِ إلى النِّساء وهم شيوخ الهم والممسوحون في المحبوب والخَصيِّ خلافٌ وقيل هُم البُله الذين يتتبعون النَّاس لفضل طعامِهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النِّساء وقُرىء غيرَ بالنَّصبِ على الحاليَّةِ ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء﴾

стр. 4423

سورة النور (٣٢) لعدم تمييزهم من الظُّهور بمعنى الاطِّلاع أو لعدم بلوغهم حدَّ الشَّهوةِ من الظُّهور بمعنى الغَلَبة والطِّفلُ جنس وضع موضع الجمع اكتفاءً بدلالةِ الوصفِ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ﴾ أي ما يخفينَه من الرؤيةِ ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أي ولا يضربن بأرجلِهنَّ الأرض ليتقعقع خلخالهن فليعلم أنهن ذوات خلخال فإنَّ ذلك ممَّا يُورث الرِّجالَ ميلاً إليهنَّ ويُوهم أن لهن ميلا إليهم وفي النَّهيِ عن إبداء صوتِ الحُلى بعد النَّهي عن إبداءِ عينها من المبالغةِ في الزَّجرِ عن إبداء موضعها مالا يخفى ﴿وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً﴾ تلوينٌ للخطابِ وصرْفٌ له عن رسول الله ﷺ إلى الكُلِّ بطريق التَّغليبِ لإبراز كمال العنايةِ بما في حيِّزه من أمرِ التوبة وأنَّها من معظمات المهمَّاتِ الحقيقة بأنْ يكونَ هو الآمرَ بها لما أنه لا يكاد يخلوا أحدٌ من المكلَّفين عن نوعِ تفريطٍ في إقامة مواجبِ التَّكاليفِ كما ينبغي وناهيك يقول رسول الله ﷺ شيَّبتني سورةُ هودٍ لمَا فيها من قولهِ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ لا سيما إذا كان المأمورُ به الكفَّ عن الشَّهواتِ وقيل توبُوا عمَّا كنتُم تفعلونَه في الجاهليَّةِ فإنه إن وجب بالإسلام لكن يجب الندم عليه والعزمِ على تركهِ كلَّما خطرَ ببالهِ وفي تكرير الخطابِ بقوله تعالى ﴿أيها المؤمنون﴾ تأكيدٌ للإيجاب وإيذانٌ بأنَّ وصفَ الإيمانِ موجبٌ للامتثال حتما وقرئ أيّهُ المؤمنون ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفوزونَ بذلكَ بسعادةِ الدَّارينِ

стр. 4424

﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ بعد ما زَجر تعالى عن السِّفاحِ وماديه القريبةِ والبعيدةِ أمرَ بالنِّكاحِ فإنَّه مع كونهِ مقصُوداً بالذَّات من حيثُ كونُه مناطاً لبقاء النَّوعِ خيرُ مزجرةٍ عن ذلك وأيامى مقلوب أيا يم جمعُ أيِّم وهو مَن لا زوج له من الرِّجالِ والنِّساءِ بكراً كان أو ثيِّباً كما يُفصح من قالَ ... فإنْ تَنْكحِي أنكِحْ وإنْ تتأيَّمي ... وإنْ كُنتُ أفتى مِنكُم أتأيَّمِ ... أي زَوِّجُوا مَن لا زوجَ له مِن الأحرارِ والحَرَائرِ ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ على أنَّ الخطابَ للأولياءِ والسَّاداتِ واعتبارُ الصَّلاحِ في الأرقَّاءِ لأنَّ من لا صلاحَ له منهم بمعزل من أن يكون خليفا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشق عليه ويتكلَّفُ في نظمِ مصالحهِ بما لا بدَّ منه شَرعاً وعادةً من بذل المالِ والمنافعِ بل حقه أن يستبقيَه عنده وأمَّا عدمُ اعتبار الصَّلاحِ في الأحرارِ والحرائرِ فلأنَّ الغالبَ فيهم الصَّلاحُ على أنَّهم مُستبدُّون في التَّصرفاتِ المتعلِّقةِ بأنفسهِم وأموالهم فإذا عزمُوا النِّكاحَ فلا بدَّ من مساعدةِ الأولياءِ لهم إذ ليسَ عليهم في ذلك غرامةٌ حتَّى يُعتبر في مقابلتها غنيمةٌ عائدةٌ إليهم عاجلةً أو آجلةً وقيل المرادُ هو الصَّلاحُ للنِّكاحِ والقيامِ بحقوقهِ ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ إزاحةً لما عسى يكونُ وازعاً من النِّكاحِ من فقرِ أحدِ الجانبينِ أي لا يمنعنَّ فقرُ الخاطبِ أو المخطوبةِ من المُناكحةِ فإنَّ في فضل اللَّهِ غُنيةً عن المال فإنه فقر أحد غادروائح يرزق مَن يشاء مِن حيثُ لَا يحتسبُ أو وعدٌ منه سبحانه بالإغناءِ لقوله ﷺ اطلبُوا الغِنى في هذه الآيةِ لكنَّه مشروطٌ بالمشيئةِ كما في قوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إن شاء الله ﴿والله واسع﴾ غنيٌّ ذُو سَعةٍ لا يرزؤُه إغناءُ الخلائق إذا لا نفادَ لنعمتهِ ولا غاية لقدرته مع ذلك ﴿عليم﴾ يبسط

стр. 4425

سورة النور (٣٢) الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ حسبما تقضيه الحكمةُ والمصلحةُ

стр. 4426

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ إرشادٌ للعاجزينَ عن مبادِي النِّكاحِ وأسبابِها إلى ما هُو أولى لهم وأحْرى بهم بعدَ بيانِ جواز منا كحة الفُقراءِ أي ليجتهدْ في العفة وقمع شهوة ﴿الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ أي أسباب نكاح أولا يتمكَّنون ممَّا يُنكح به من المالِ ﴿حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ عدةٌ كريمة بالتفضل عليه بالغِنى ولطفٌ لهم في استعفافِهم وتقويةٌ لقلوبهم وإيذانٌ بأنَّ فضلَه تعالى أولى بالإعفاءِ وأدنى من الصُّلحاءِ ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ بعد ما أمرَ بإنكاحِ صَالحي المماليك الأحقَّاءِ بالإنكاح أمرَ بكتابة من ستحقها منهم والكتابُ مصدر كاتبَ كالمُكاتبة أي الذين يطلبون المكاتبة ﴿من ما مَلَكَتْ أيمانكم﴾ عبداً كان أو أمةً وهي أنْ يقولَ المولى لمملوكه كاتبتُك على كذا درهماً تؤدِّيه إليَّ وتعتق ويقول المملوكُ قبلتُه أو نحوُ ذلك فإنْ أدَّاه إليه عتق قالوا معناه وكتبت لك على نفسي أنْ تعتق منِّي إذا وفَّيت بالمال وكتبت لي على نفسك أنْ تفيَ بذلك أو كتبت عليك الوفاءَ بالمال وكتبتُ عليَّ العتقَ عنده والتَّحقيقُ أنَّ المكاتبةَ اسمٌ للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العُقودِ الشَّرعيَّةِ المُنعقدةِ بالإيجاب والقبولِ ولا ريب في أن ذلك لا يصدرُ حقيقةً إلا من المتعاقدين وليس وظيفةُ كلِّ منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحد شطريه مُعرباً عمَّا يتمُّ من قِبله ويصدر عنه من الفعلِ الخاصِّ به من غير تعرُّضٍ لما يتمُّ من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاصِّ به إلَاّ أنَّ كلاًّ من ذينكَ الفعلينِ لما كان بحيثُ لا يمكن تحقُّقه في نفسهِ إلا منوطاً بتحقُّقِ الآخرِ ضرورةَ أنَّ التزامَ العتقِ بمقابلة البدلِ من جهة المولى لا يُتصور تحقُّقه إلا بالتزام البدل من طرف العبد كما أنَّ عقدَ البيع الذي هو تمليك المَبيعِ بالثَّمن من جهة البائعِ لا يُمكن تحققه بتملُّكه به من جانب المشتري لم يكن بدمن تضمينِ أحدهِما الآخر وقت الإنشاء فكما أنَّ قول البائع بعتُ إنشاءٌ لعقد البيع على معنى أنَّه إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله أصالةً ولما يتمُّ من قبل المُشتري ضمناً إيقاعاً متوقفاً على رأيهِ توقفاً شبيهاً بتوقُّفِ عقد الفضوليِّ كذلك قولُ المولى كاتبتُك على كذا إنشاء لعقدِ الكتابةِ أي إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله من التزام العتقِ بمقابلة البدلِ أصالةً ولما يتمُّ من قبلِ العبدِ من التزامِ البدلِ ضمناً إيقاعاً متوقِّفاً على قبوله فإذا قُبل تمَّ العقدُ ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداء خبرُه ﴿فكاتبوهم﴾ والفاءُ لتضمُّنهِ معنى الشَّرطِ أو النَّصبُ على أنه مفعول لمضمر يفسِّره هذا والأمر فيه للنَّدب لأنَّ الكتابة عقدٌ يتضمَّن الإرفاقَ فلا تجبُ كغيرِها ويجوزُ حالاً ومؤجَّلاً ومنجَّماً وغيرَ منجَّمٍ وعندَ الشافعيِّ ﵀ لا يجوزُ إلا مؤجَّلاً منهما وقد فُصل في موضعه ﴿إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي أمانةً ورُشداً وقدرة على أداء البدلِ بتحصيله من وجه حلال وصلاحها لا يؤذي النَّاسَ بعد العتق وإطلاق العنان ﴿وآتوهم مِن مَّالِ الله الذى آتاكم﴾ أمر للوالي ببذل شيءٍ من أموالهم وفي حكمه حطُّ شيء

стр. 4427

من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقلُّ ما يتمول وعَنْ عليَ ﵁ حطُّ الرُّبع وعن ابن عباس ﵄ الثُّلثُ وهو للنَّدبِ عندنا وعند الشافعيِّ للوجوبِ ويردُّه قوله ﷺ المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم إذا لو وجب الحطُّ لسقط عنه الباقي حتماً وأيضاً لو وَجَب الحطُّ لكان وجوبُه معلَّقاً بالعقد فيكون العقد مُوجِباً ومُسقِطاً معاً وأيضاً فهو عقدُ مُعاوضةٍ فلا يُجبر على الحَطيطةِ كالبيع وقيل معنى آتُوهم أقرِضُوهم وقيل هو أمرٌ لهم بأنْ يُنفقوا عليهم بعد أنْ يؤدُّوا ويعتقوا وإضافةُ المال إليه تعالى ووصفه بإينائه إيَّاهم للحثِّ على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فإنَّ ملاحظة وصولِ المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالكَ الحقيقيَّ له من أَقْوى الدَّواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها وقيل هو أمرٌ بإعطاءِ سهمهِم من الصَّدقات فالأمرُ للوجوبِ حَتْماً والإضافةُ والوصفُ لتعيين المأخذِ وقيل هو أمرُ ندبٍ لعامَّة المسلمين بإعانة المُكاتبين بالتَّصدق عليهم ويحلُّ ذلك للمولى وإنْ كان غنيًّا لتبدل العُنوان حسبما ينطِق به قوله ﷺ في حديثِ بَريرةَ هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فتياتكم﴾ أي إماءكم فإنَّ كُلَاّ من الفَتَى والفَتاةِ كنايةٌ مشهورةٌ عن العبدِ والأمَةِ وعلى ذلك مبنى قوله ﷺ ليقُلْ أحدُكم فتاي وفتاتي ولا يقُل عبدي وأمَتي لهذه العبارةِ في هذا المقامِ باعتبار مفهومِها الأصلي حسنُ موقعٍ ومزيدُ مناسبةٍ لقولهِ تعالى ﴿عَلَى البغاء﴾ وهو الزِّنا من حيثُ صدورُه عن النساءِ لأنهنَّ اللَاّتي يُتوقَّع منهنَّ ذلك غالباً دُون مَن عداهنَّ من العجائزِ والصَّغائرِ وقولُه تعالى ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ليس لتخصيص النَّهي بصورة إرادتهِنَّ التَّعففَ عن الزِّنا وإخراجِ ما عداها من حُكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنَّ الزِّنا لخصوصِ الزَّاني أو لخصوصِ الزَّمانِ أو لخصوصِ المكانِ أو لغيرِ ذلكَ من الأُمور المُصحِّحةِ للإكراه في الجُملةِ بل للمحافظةِ على عادتهم المستمرَّة حيثُ كانُوا يكرهونهنَّ على البغاء وهنَّ يُردن التَّعففَ عنه مع وفورِ شهوتهنَّ الآمرةِ بالفُجورِ وقصورهنَّ في معرفةِ الأمورِ الدَّاعيةِ إلى المحاسنِ الزَّاجرةِ عن تَعَاطي القبائحِ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيَ كانت له ست جوار يكرهن على الزِّنا وضربَ عليهنَّ ضرائبَ فشكتِ اثنتانِ منهنَّ إلى رسول الله ﷺ فنزلتْ وفيهِ من زيادةِ تقبيحِ حالهم وتشنيعهِم على ما كانُوا عليهِ من القبائحِ ما لا يَخْفى فإنَّ مَن له أدنى مروءةٍ لا يكادُ يرضى بفجور من يحويهِ حرمُه من إمائهِ فضلاً عن أمرهن به أو إكراهن عليه لا سيما إرادتهنَّ التَّعففَ فتأمَّلْ ودَعْ عنكَ ما قيلَ من أنَّ ذلكَ لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلا مع إرادة التَّحصُّنِ وما قيل من أنَّه إنْ جُعل شرطاً للنَّهي لا يلزم من عدمِه جوازُ الإكراه لجوازِ أنْ يكون ارتفاعُ ئالنهى لامتناع المنهيِّ عنه فإنَّهما بمعزلٍ من التَّحقيق وإيثار كلمةِ إنْ على إذا مع تحقُّق الإرادةِ في موردِ النَّصِّ حتماً للإيذانِ بوجوبِ الانتهاء عن الإكراه عند كونِ إرادةِ التَّحصنِ في حيِّز التَّردد والشَّكِّ فكيفَ إذا كانت مُحقَّقة الوقوع كما هو الواقعُ وتعليلُه بأنَّ الإرادةَ المذكورة منهنَّ في حيِّز الشَّاذ النادرِ مع خُلوه عن الجَدْوى بالكُلِّية يأباهُ اعتبارُ تحققها إباء ظاهرا تعالى ﴿لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾ قيدٌ للإكراه لكنْ لا باعتبارِ أنَّه مدارٌ النهى عنه باعتبار أنَّه المعتادُ فيما بينهم كما قبله لهُم فيما هُم عليه من احتمال الوزرِ الكبيرِ لأجل النَّزْرِ الحقيرِ أي لا تفعلُوا ما أنتُم عليه من إكراههنَّ على البغاءِ لطلب المتاعِ السَّريعِ الزَّوالِ الوشيكِ الاضمحلالِ فالمرادُ بالابتغاء الطَّلبُ المقارنُ لنيل المطلوبِ واستيفائهِ بالفعل إذْ

стр. 4428

سورة النور (٣٤) هُو الصَّالحُ لكونه غايةً للإكراهِ مترتِّباً عليه لا المطلقُ المتناولُ للطَّلبِ السَّابقِ الباعثِ عليه ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ﴾ الخ جملةٌ مستأنفةٌ سِيقتْ لتقرير النَّهيِ وتأكيدِ وجوبِ العملِ به ببيان خلاص المكروهات عن عقوبة المُكره عليه عبارةً ورجوعِ غائلة الإكراه إلى المُكرِهين إشارةً أي ومَن يكرهنَّ على ما ذُكر من البغاء ﴿فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لهنَّ كما وقع في مصحف ابن مسعود عليه قراءةُ ابن عبَّاسً رضي الله تعالى عنهم وكما ينبئ عَنْهُ قولِهِ تَعَالى مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ أي كونهنَّ مكرهاتٍ على أنَّ الإكراه مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فإن توسيطَه بين اسمِ إنَّ وخبرِها للإيذانِ بأنَّ ذلك هو السببُ للمغفرةِ والرَّحمةِ وكان الحسنُ البصريُّ ﵀ إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ لهنَّ واللَّهِ لهنَّ والله في تخصيصها بهنَّ وتعيين مدارِهما مع سبق ذِكرِ المكرهين أيضاً في الشَّرطيةِ دلالةٌ بينة على كونهم محرومين منهما بالكُلِّية كأنَّه قيل لا للمكروه ولظهوره هذا التَّقديرِ اكتفى به عن العائدِ إلى اسم الشرط فتجويز تعلقها بهم بشرطِ التَّوبةِ استقلالاً أو معهنَّ إخلالٌ بجزالة النَّظمِ الجليلِ وتهوينٌ لأمر النَّهيِ في مقامِ التَّهويلِ وحاجتهن إلى المغفرة المتنبئة عن سابقةِ الإثمِ إمَّا باعتبار أنهنَّ وإن كنَّ مكروهات لا يخلون في تضاعيفِ الزِّنا عن شائبة مطاوعةٍ ما بحكم الجبلَّة البشريَّةِ وإمَّا باعتبارِ أنَّ الإكراه قد يكونُ قاصراً عن حدِّ الإلجاءِ المُزيلِ للاختيارِ بالمرَّة وإما لغايةِ تهويلِ أمرِ الزِّنا وحثِّ المكرهاتِ على التثبت في التَّجافي عنه والتَّشديد في تحذيرِ المُكرهين ببيانِ أنهنَّ حيثُ كنَّ عرضةً للعقوبة لولا أن تدارَكَهن المغفرةُ والرَّحمةُ مع قيام العُذر في حقهنَّ فما حالُ من يكرهن في استحقاقِ العذاب

стр. 4429

﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ كلامٌ مستأنَفٌ جيءَ به في تضاعيف ما وردَ من الآيات السَّابقةِ واللاحقة لبيان جلالة شئونها المستوجبةِ للإقبال الكليِّ على العمل بمضمونِها وصُدِّر بالقسم الذي تُعرب عنه اللَاّمُ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأنهِ أي وباللَّهِ لقد أنزلنا إليكم هذه السورةِ الكريمة آياتٍ مبيِّناتٍ لكلِّ ما بكم حاجةٌ إلى بيانه من الحدود وسائرِ الأحكام والآدابِ وغير ذلك ممَّا هو من مبادئ بيانِها على أنَّ إسنادَ التبيينِ إليها مجازيٌّ أو آياتٍ واضحاتٍ تصدِّقها الكتبُ القديمةُ والعقولُ السَّليمةُ على أنَّ مبيِّنات من بيَّن بمعنى تَبيَّن ومنه المثلُ قد بَيَّن الصّبحُ لذي عينين وقرئ على صيغة التي بُيِّنتْ وأوضحتْ في هذه السورةِ من معاني الأحكامِ والحدودِ وقد جُوِّز أن يكونَ الأصلُ مبيَّناً فيها الأحكام فانسع في الظَّرف بإجرائه مُجرى المفعولِ ﴿وَمَثَلاً مّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ عطفٌ على آياتٍ أي وأنزلنا مثلاً كائناً من قبيل أمثالِ الذين مضوا من قبلِكم من القصصِ العجيبةِ والأمثالِ المضروبة لهم في الكتب السَّابقةِ والكلماتِ الجاريةِ على ألسنة الأنبياءِ ﵈ فينتظمُ قصَّة عائشة ﵂ المحاكية لقصَّةِ يوسفَ ﵇ وقصة مريم ﵂ وسائرِ الأمثالِ الواردةِ في السُّورةِ الكريمةِ انتظاماً واضحاً وتخصيصُ الآياتِ المبيِّناتِ بالسوابقِ وحملُ المثلِ على القصَّة العجيبة فقط يأباه تعقيب الكلامِ بما سيأتِي من التمثيلاتِ ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ تتَّعظِون به وتنزجِرُون عمَّا لا ينبغي من المحرَّمات والمكروهاتِ وسائرِ ما يخلُّ بمحاسنِ الآدابِ فهي عبارةٌ عمَّا سبقَ من الآيات والمثل لظهورِ كونها من المواعظ بالمعنى المذكور

стр. 4430

سورة النور (٣٥) ومدارُ العطف هو التَّغايرُ العنوانيُّ المنزَّلُ منزلة التَّغايرِ الذَّاتيِّ وقد خُصَّت الآياتُ بما يبيِّنُ الحدودَ والأحكامَ والموعظةَ بما وُعظ به من قولهِ تعالى وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله وقوله تعالى لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ وغيرِ ذلك من الآياتِ الواردةِ في شأنِ الآدابِ وإنَّما قيل ﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ مع شمولِ الموعظةِ للكلِّ حسب شمول الإنزال لقوله تعالى أَنْزَلْنَا إليكم حثا للخاطبين على الاعتناء بالانتظام في سلك المتَّقين ببيان أنَّهم المغتنمون لآثارها المُقتبسون من أنوارها فحسب وقيل المرادُ بالآيات المبيناتِ والمثلِ والموعظةِ جميعُ ما في القُرآنِ المجيدِ من الآياتِ والأمثالِ والمواعظِ فقولُه تعالى

стр. 4431

﴿الله نور السماوات والأرض﴾ الخ حينئذٍ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريرِ ما فيها من البيانِ مع الإشعارِ بكونه في غاية الكمالِ على الوجه الذي ستعرفُه وأمَّا على الأوَّلِ فلتحقيقِ أنَّ بيانه تعالى ليس مقصُوراً على ما وردَ في السُّورة الكريمة بل هو شاملٌ لكلِّ ما يحقُّ بيانُه من الأحكام والشَّرائعِ ومباديها وغاياتها المترتِّبة عليها في الدُّنيا والآخرة وغيرِ ذلك ممَّا له مدخلٌ في البيان وأنَّه واقعٌ منه تعالى على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها حيث عبَّر عنه بالتَّنوير الذي هو أقوى مراتب البيانِ وأجلاها وعبَّر عن المنوِّر بنفس النُّور تنبيهاً على قوَّةِ التَّنوير وشدَّةِ التَّأثيرِ وإيذاناً بأنه تعالى ظاهرٌ بذاته وكلُّ ما سواه ظاهرٌ بإظهاره كما أنَّ النُّور نيِّرٌ بذاته وما عداه مستنير به وأضيف النُّور إلى السَّمواتِ والأرضِ للدِّلالةِ على كمال شيوع البيان المُستعار له وغاية شمولهِ لكلِّ ما يليقُ به من الأمور التي لها مدخل في إرشاد النَّاسِ بوساطة بيان شمول المُستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقُّه من الأجرام العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ فإنَّهما قُطرانِ للعالم الجسمانيِّ الذي لا مظهر للنُّور الحسيِّ سواه أو على شمول البيان لأحوالهما وأحوال مَا فِيهمَا مِنَ الموجُودات إذ ما من موجودٍ إلا وقد بُيِّن من أحواله ما يستحقُّ البيانَ إمَّا تفصيلاً أو إجمالاً كيف لا ولا ريبَ في بيان كونهِ دليلاً على وجود الصَّانعِ وصفاته وشاهداً بصحَّة البعثِ أو على تعلُّق البيان بأهلهما كما قال ابن عباس ﵄ هادي أهل السماوات والأرضِ فهم بنوره يهتدون وبهداه من حَيرة الضَّلالةِ ينجُون هذا وأما حملُ التَّنوير على إخراجهِ تعالى للماهيَّاتِ من العدمِ إلى الوجود إذ هو الأصلُ في الإظهار كما أنَّ الإعدامَ هو الأصلُ في الإخفاء أو على تزيينِ السموات بالنيِّرينِ وسائر الكواكب وما يفيض منها من الأنوار أو بالملائكة ﵈ وتزيين الأرض بالأنبياءِ ﵈ والعلماء والمؤمنين أو بالنبات والأشجارِ أو على تدبيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما فمما لا يلائمُ المقامَ ولا يساعد حسنُ النِّظامِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نورهِ الفائض منه تعالى على الأشياء المُستنيرة به وهو القرآنُ المبينُ كما يعرب عنهُ ما قبلَهُ من وصف آياته بالإنزال والتَّبيينِ وقد صرّح بكونهِ نوراً أيضاً في قولِه تعالى وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً وبه قال ابن عباس ﵄ والحسن وزيد

стр. 4432

ابن أسلم رحمهم الله تعالى وجعلُه عبارةً عن الحقِّ وإن شاع استعارته له كا ستعارة الظُّلمة للباطل يأباه مقامُ بيان شأن الآياتِ ووصفِها بما ذُكر منْ التَّبيين مع عدم سبق ذكر الحقِّ ولأنَّ المعتبرَ في مفهوم النُّور هو الظُّهورُ والإظهار كما هو شأنُ القُرآن الكريم وأما الحقُّ فالمعتبر في مفهومِه من حيثُ هو حقٌّ هو الظُّهورُ لا الإظهارُ والمراد بالمثل الصِّفةُ العجيبةُ أي صفة نوره العجيبة ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ أي كصفة كوة نافذةٍ في الجدار في الإنارة والتَّنويرِ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ وقيل المشكاةُ الأُنبوبةُ في وسطِ القنديلِ والمصباحُ الفتيلةُ المشتعلةُ ﴿المصباح فِى زُجَاجَةٍ﴾ أي قنديلٍ من الزُّجاجِ الصَّافي الأزهر وقرئ بفتح الزَّاي وكسرِها في الموضعينِ ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دري﴾ متلألئ وقَّادٌ شبيه بالدُّرِّ في صفائه وزُهرته ودراري الكواكب عظامها المشهورة وقرئ درئ بدالٍ مكسورةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ وياءٍ ممدودةٍ بعدها همزةٌ على أنَّه فِعيلٌ من الدَّرءِ وهو الدَّفعُ أي مبالغٌ في دفعِ الظَّلامِ بضوئهِ أو في دفعِ بعضِ أجزاءِ ضيائهِ لبعضٍ عند البريق واللمعان وقرئ بضمِّ الدَّال والباقي على حالهِ وفي إعادةِ المصباحِ والزجاجة معرفين إثرَ سبقهما مُنكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقالَ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في زجاجةٍ كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ من تفخيمِ شأنهما ورفعِ مكانهِما بالتَّفسيرِ إثرَ الإبهامِ والتفصيل بعد الإجمال وبإثبات ما بعدهما لهما بطريقِ الإخبار المنبئ عن القصد الأصليِّ دونَ الوصفِ المبنيِّ على الإشارة إلى الثُّبوت في الجملةِ ما لا يخفى ومحلُّ الجملةِ الأُولى الرفع على أنها صفةُ لمصباحٌ ومحلُّ الثَّانيةِ الجرُّ على أنَّها صفةٌ لزجاجةٍ واللَاّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنه قيل فيها لمصباح الجرُّ على أنها صفةٌ لزجاجةٍ واللَاّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنَّه قيل فيها مصباحٌ هو في زُجاجةٍ هي كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾ أي يبتدأُ إيقادُ المصباحِ من شجرةٍ ﴿مباركة﴾ أي كثيرةِ المنافعِ بأنْ رُويت ذبالتُه بزيتها وقيلَ إنَّما وُصفتْ بالبركةِ لأنَّها تنبتُ في الأرضِ التي باركَ اللَّهُ تعالى فيها للعالمينَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدلٌ من شجرةٍ وفي إبهامِها ووصفِها بالبركةِ ثم الإبدالِ منها تفخيمٌ لشأنِها وقرئ توقد بالناء على أنَّ الضَّميرَ القائمَ مقامَ الفاعل للزُّجاجة دون المصباح وقرئ توقَّدَ على صيغة الماضي من التَّفعُّلِ أي ابتداءُ ثقوب المصباح منها وقرئ تَوقَّدُ بحذف إحدى التَّاءين من تتوقدُ على إسناده إلى الزُّجاجةِ ﴿لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تقعُ الشَّمسُ عليها حيناً دُونَ حينٍ بل بحيثُ تقعُ عليها طولَ النَّهار كالتي على قُلَّة أو صحراء واسعةٍ فتقع الشَّمسُ عليها حالتَيْ الطُّلوع والغروب وهَذا قولُ ابنِ عبَّاسِ ﵄ وسعيدُ بن جبير وقَتادة وقال الفرَّاءُ والزَّجاجُ لا شرقيَّة وحدها ولا غربيَّة وحدها لكنَّها شرقيَّةٌ وغربيَّةٌ أي تصيبها الشَّمسُ عند طلوعِها وعند غروبِها فتكون شرقيَّةً وغربيَّةً تأخذ حظَّها من الأمرينِ فيكون زيتُها أضوأ وقيل لا ثابتة في شرقِ المعمُورة ولا في غربِها بل في وسطِها وهو الشَّامُ فإن زيوتَها أجودُ ما يكون وقيل لا في مَضحى تشرقُ الشَّمسُ عليها دائماً فتحرِقُها ولا في مَقْنأةٍ نغيب عنها دائما فتتركها نيأ وفي الحديث لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مَقْنأةٍ ولا خير فيهما في مَضْحى ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لم تمسسه نار﴾ أي هو في الصَّفاءِ والإنارةِ بحيثُ يكادُ يُضيءُ بنفسِه من غير مساسِ نارٍ أصلا وكلمة في أمثالِ هذهِ المواقعِ ليستْ لبيان انتفاء شيءٍ في الزمان الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةٍ بدلالةِ ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصدِ إلى بيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابق من الحُكم الموجَبِ أو المنفى كلما

стр. 4433

كل حالٍ مفروض من الأحوال المُقارنة له إجمالاً بإدخالها على أبعدها منه إما لوجودِ المانع كما في قولِه تعالى أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وإما لعدم الشَّرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهرَ بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقَّقَ مع ما ينافيه من وجود المانعِ أو عدم الشَّرطِ فلأنْ يتحققَ بدون ذلك أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ آخرُ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة عل نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيلِ الإجمالِ وهذا أمر مطَّرد في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ فإنَّك إذا قلت فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنيًّا تريد بيان تحقُّقِ الإعطاء في الأوَّلِ وعدم تحقُّقِه في الثَّانِي في جميع الأحوال المفروضة والتَّقديرُ يُعطي لو لم يكنْ فَقيراً ولو كان فقيراً ولا يُعطي لو لم يكن غنيا ولو كان غنيًّا فالجملة مع ما عُطفت هي عليه في حيز النصبِ على الحاليةِ من المستكنِّ في الفعل الموجب أو المنفيِّ أي يعطى أولا يُعطي كائناً على جميعِ الأحوال وتقديرُ الآية الكريمة يكادُ زيتُها يضيءُ لو مسَّته نارٌ ولو لم تمسه نارٌ أي يضيءُ كائناً على كل حال من وجود الشَّرطِ وعدمه وقد حُذفت الجملةُ الأولى حسبما هو المطَّردُ في الباب لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً ﴿نُورٍ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى ﴿على نُورٍ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ هو صفةٌ له مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والجملة فَذْلكةٌ للتَّمثيل وتصريحٌ بما حصلَ منه وتمهيدٌ لما يعقبه أي ذلك النُّور الذي عُبِّر به عن القرآن ومُثِّلتْ صفتُه العجيبةُ الشَّأنِ بما فُصِّل من صفة المشكاة نورٌ عظيمٌ كائن على نور كذلك لا على أنَّه عبارةٌ عن نور واجد معيَّن أو غير معيَّنٍ فوق نور آخرَ مثله ولا عن مجموع نورينِ اثنينِ فقط بل عن نورٍ مُتضاعفٍ من غير تحديد لتضاعفه بحدَ مُعيَّنٍ وتحديدُ مراتبِ تضاعُف ما مُثّل به من نورِ المشكاةِ بما ذُكر لكونِه أقصى مراتب تضاعفِه عادةً فإنَّ المصباحَ إذا كان في مكانٍ متضايق كالمشكاةِ كان أضوأَ له وأجمعَ لنورِه بسبب انضمامِ الشُّعاعِ المنعكس منه إلى أصلِ الشُّعاعِ بخلاف المكان المتَّسعِ فإنَّ الضَّوءَ ينبثُّ فيه وينتشرُ والقنديل أعونُ شيءٍ على الزيادة الإنارة وكذلك الزي وصفاؤه وليس وراء هذه المراتبِ ممَّا يزيد نورَها إشراقاً ويمدُّه بإضاءةٍ مرتبةٌ أُخرى عادةً هذا وجعل النُّورِ عبارةً عن النُّورِ المشبه به مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل ﴿يَهْدِى الله لِنُورِهِ﴾ أي يَهْدِى هدايةً خاصَّةً موصِلةً إلى المطلوب حتماً لذلك النُّور المتضاعف العظيمِ الشَّأنِ وإظهارُه في مقام الإضمارِ لزيادة تقريرِه وتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيَّةِ بفخامتِه الإضافيةِ النَّاشئةِ من إضافتِه إلى ضميره ﴿مَن يَشَآء﴾ هدايتَه من عباده بأنْ يوفِّقَهم لفهم مَا فيهِ منْ دلائلِ حقِّيتِه وكونِه من عندِ الله تعالى من الإعجاز والإخبارِ عن الغيبِ وغير ذلك من مُوجباتِ الإيمانِ به وفيه إيذانٌ بأنَّ ماط هذه الهدايةِ ومِلاكَها ليس إلا مشيئتَه تعالى وأنَّ تظاهرَ الأسباب بدونها بمعزلٍ من الإفضاء إلى المطالب ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ في تضاعيف الهداية حسبَما يقتضِي حالُهم فإنَّ له دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنه إبرار للمعقول في هيئة المحسوس وتصويرٌ لأوابدِ المعاني بصورة المأنُوسِ ولذلك مُثّل نورُه المعبد به عن القُرآن المُبين بنور المشكاة وإظفاره الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمار للإيذان

стр. 4434

سورة النور (٣٦) باختلاف حال ما أُسند إليه تعالى من الهدايةَ الخاصَّةَ وضربِ الأمثالِ الذي هو من قبيلِ الهداية العامَّةِ كما يُفصح عنه تعليقُ الأُولى بمن يشاءُ والثَّانيةِ بالنَّاس كافَّة ﴿والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ مفعولا كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً ومن قضيَّتِه أنْ تتعلقَ مشيئتُه بهداية مَن يليق بها ويستحقُّها مِن النَّاسِ دُونَ مَن عداهم لمخالفتِه الحكمةَ التي عليها مبْنى التكوينِ والتَّشريعِ وأنْ تكونَ هدايتُه العامَّة على فنونٍ مختلفةٍ وطرائقَ شتَّى حسبما تقتضيهِ أحوالُهم والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله وإظهارُ الاسمِ الجليل لتأكيد استقلالِ الجملة والإشعارِ بعلَّةِ الحكم وبما ذُكر من اختلافِ حال المحكومِ به ذاتاً وتعلُّقاً

стр. 4435

﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ لمَّا ذُكر شأنُ القرآن الكريم في بيانه للشَّرائع والأحكام ومباديها وغاياتها المترتِّبةِ عليها من الثَّوابِ والعقاب وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالِها وأُشير إلى كونِه في غايةِ ما يكونُ من التَّوضيحِ والإظهار حيثُ مُثِّل بما فُصِّل من نور المشكاة وأُشير إلى أنَّ ذلك النُّورَ مع كونِه في أقصى مراتبِ الظُّهور إنَّما يهتدي بهداه من تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى بهدايته دُونَ مَن عداه عقَّب ذلك بذكر الفريقينِ وتصوير بعض أعمالهم المُعربةِ عن كيفيَّةِ حالهم في الاهتداءِ وعدمه والمرادُ بالبيوتِ المساجدُ كلِّها حسبما رُوي عن ابن عباس ﵄ وقيل هي المساجدُ التي بناها نبيٌّ من أنبياء الله تعالى الكعبةُ التي بناها إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵉ وبيتُ المقدسِ الذي بناه داودُ وسليمانُ ﵉ ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباءَ اللذانِ بناهما رسولُ الله ﷺ وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بالإذنِ في رفعها الأمرُ ببنائها رفيعةً لا كسائر البيوتِ وقيل هو الأمر برفعِ مقدارها بعبادة الله تعالى فيها فيكونُ عطفُ الذِّكرِ عليه من قبيل العطفِ التفسيري وأياما كان ففي التَّعبير عنه بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائقَ بحال المأمور أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى المأمور به قبل ورود الأمر به ناوياً لتحقيقِه كأنَّه مستأذنٌ كأنَّه مستأذنٌ في ذلك فيقع الأمرُ به موقعَ الإذن فيه والمرادُ بذكر اسمه تعالى ما يعمُّ جميع أدكاره تعالى وكلمةُ في متعلِّقةٌ بقوله تعالى ﴿يُسَبّحُ لَهُ﴾ وقولُه تعالى ﴿فِيهَا﴾ تكريرٌ لها للتَّأكيد والتَّذكيرِ لما بينهما من الفاصلةِ وللإيذانِ بأنَّ التَّقديمَ للاهتمام لا لقصر التَّسبيحِ على الوقوع في البيوت فقط وأصلُ التَّسبيحِ التَّنزيهُ والتَّقديسُ يُستعملُ باللامِ وبدونِها أيضاً كَما في قولِه تعالى ﴿سَبِّحِ اسم ربك الأعلى﴾ به الصَّلواتُ المفروضةُ كما ينبئ عنه تعيينُ الأوقاتِ بقوله تعالى ﴿بالغدو والأصال﴾ أي بالغَدَواتِ والعَشَايا على أنَّ الغُدوَّ إمَّا جمعُ غداةٍ كقُنيَ في جمع قَنَاةٍ كما قيل أو مصدرٌ أُطلق على الوقت حسبما يشعر به اقترانه بالآصالو هو جمع أَصيلٍ وهو العَشِيُّ والعشى وهو الشامل الأوقات ما عدا صلاةَ الفجرِ المؤداة يالغداة ويجوزُ أن يرادَ بهِ نفسُ التَّنزيه على أنَّه عبارة عمَّا يقعُ منه في أثناء الصَّلواتِ وأوقاتها لزيادةِ شرفِه وإنافتِه على سائر أفراده أو عمَّا يقعُ في جميع الأوقاتِ وإفرادُ طَرَفي النَّهارِ بالذِّكرِ لقيامِهما مقامَ كلِّها لكونِهما العمدة فيها بكونهما مشهودين وكونِهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال والاشتغالُ بالاشغال وقرئ والإيصالِ وهو الدُّخولُ في الأصيل وقوله تعالى

стр. 4436

سورة النور (٣٧ ٣٨)

стр. 4437

﴿رِجَالٌ﴾ فاعلُ يسبِّح وتأخيرُه عن الظُّروفِ لما مرَّ مرارا من الاعتناء بالمقدم والتَّشويق إلى المؤخَّر ولأنَّ في وصفِه نوعَ طُولٍ فيُخلُّ تقديمُه بحسن الانتظام وقرئ يُسبِّح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظُّروف ورحال مرفوع بما ينبئ عنه حكايةُ الفعلِ من غير تسميةِ الفاعل على طريقة قوله لبيك يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ كأنه قيل مَنْ يُسبِّح له فقيل يُسبِّح له رجالٌ وقرئ تُسبِّح بتأنيثِ الفعلِ مبنيًّا للفاعلِ لأنَّ جمعَ التَّكسيرِ قد يُعامل معاملةَ المؤنَّثِ ومبنياً للمفعول على أنْ يسند إلى أوقات الغدو والآصالِ بزيادة الباءِ وتجعلُ الأوقاتُ مسبِّحةً مع كونِها مسبحا فيها أو يُسند إلى ضمير التسبيحة أي تسبيح له التَّسبيحةُ على المجازِ المسوِّغ لإسناده إلى الوقتينِ كما خرَّجُوا قراءة أبي جَعفرٍ ليُجزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قَوْماً بل هذا أولى من ذل هنا مفعولٌ صريحٌ ﴿لَاّ تُلْهِيهِمْ تجارة﴾ صفةٌ لرجالٌ مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ مفيدةٌ لكمال تبتُّلِهم إلى الله تعالى واستغراقهم فيها حُكي عنهم من التَّسبيحِ من غير صارف يلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم كائناً ما كان وتخصيصُ التِّجارةِ بالذكر لكونهما أقوى الصَّوارفِ عندهم وأشهرَها أي لا يشغلُهم نوعٌ من أنواعِ التِّجارةِ ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ أي ولا فردٌ من أفراد البياعاتِ وإنْ كانَ في غايةِ الرِّبحِ وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ التِّجارة للإيذانِ بإنافتِه على سائرِ أنواعِها لأنَّ ربحَهُ متيقَّنٌ ناجزٌ وربحُ ما عداه متوقَّعٌ في الثاني الحال عند البيع فلم يلزمْ من نفيِ إلهاءِ ما عداه نفيُ إلهائِه ولذلك كُرِّرت كلمةُ لا لتذكيرِ النَّفيِ وتأكيدِه وقد نُقل عن الواقديِّ أنَّ المرادَ بالتِّجارة هو الشِّراءُ لأنَّه أصلُها ومبدؤها وقيل هو الجَلَبُ لأنَّه الغالبُ فيها ومنه يُقال تَجَر في كَذا أي جَلَبه ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ ﴿وإِقَامِ الصلاة﴾ أي إقامتِها لمواقيتها من غير تأخيرٍ وقد أُسقطتْ التَّاءُ المعوض عن العينِ السَّاقطةِ بالإعلال وعُوِّض عنها الإضافةُ كما في قوله [وَأَخْلفُوك عِدَ الأمرِ الذي وَعدُوا] أي عدة الأمر ﴿وإيتاء الزكاة﴾ أي المال الذي فُرض إخراجه للمستحقين وإيراده ههنا وإنْ لم يكن ممَّا يُفعل في البيوت لكونِه قرينةً لا تُفارق إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّة المواضع مع ما فيه من التَّنبيه على أنَّ محاسنَ أعمالِهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقعُ في المساجدِ وكذلك قوله تعالى ﴿يَخَافُونَ﴾ الخ فإنه صفةٌ ثانيةٌ لرجالٌ أو حالٌ من مفعول لا تُلهيهم وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصُوراً على كونِهم في المساجد وقوله تعالى ﴿يَوْماً﴾ مفعولُ ليخافون لا ظرفٌ له وقولُه تعالى ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾ صفةٌ ليوماً أي تضطربُ وتتغيرُ في أنفسها من الهول والفزعِ وتشخصُ كما في قولِه تعالى وإذ زاغت والأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر أو تتغيرُ أحوالُها وتتقلَّب فتتفقّه القلوبُ بعد أن كانتْ مطبوعاً عليها وتُبصر الأبصارُ بعد أنْ كانت عمياءَ أو تتقلَّب القلوبُ بين توقع النجارة وخوفِ الهلاكِ والإبصار من أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم ويُؤتى كتابُهم

стр. 4438

﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله﴾ متعلِّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه ما حُكي من أعمالهم المرضيَّةِ أي

стр. 4439

سورة النور (٣٩) يفعلون ما يفعلون من المُداومة على التَّسبيح والذِّكرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخوفِ من غير صارفٍ لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي أحسنَ جزاءِ أعمالِهم حسبما وعد لهم بمقابلةِ حسنةٍ واحدة عشرة أمثالهِا إلى سبعمائةِ ضعفٍ ﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ أي يتفضَّلُ عليهم بأشياءَ لم تُوعد لهم بخصوصيَّاتِها أو بمقاديرِها ولم تخطُر ببالِهم كيفيَّاتُها ولا كميَّاتُها بل إنَّما وُعدت بطريقِ الإجمالِ في مثلِ قولِه تعالى لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ وقوله ﷺ حكايةً عنه أعددت لعبادي الصالحين مالا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشرٍ وغيرِ ذلك من المواعيدِ الكريمةِ التي من جملتها قوله تعالى ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بغير حساب﴾ فإنه تذبيل مقرر للزيادة وعد كريم بأنَّه تعالى يُعطيهم غيرَ أجزيةِ أعمالِهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب وأما عدمُ سبقِ الوعدَ بالزِّيادة ولو إجمالاً وعدمُ خُطورِها ببالِهم ولو بوجهٍ ما فيأباهُ نظمُها في سلك الغايةِ والموصولُ عبارةٌ عمَّن ذُكرتْ صفاتُهم الجميلةُ كأنَّه قيل والله يرزقُهم بغير حسابٍ ووضعه موضع ضميرهم للتنبيهِ بما في حيزِ الصلة على أنَّ مناطَ الرِّزقِ المذكُور في محضُ مشيئتِه تعالى لا أعمالُهم المحكيَّةُ كما أنَّها الماط لما سبقَ من الهداية لنوره تعالى لا لظاهر الأسباب وللإيذان بأنَّهم ممَّن شاء الله تعالى لأن يرزقَهم كما أنَّهم ممَّن شاء الله تعالى أن يهديَهم لنُوره حسبَما يُعرب عنه ما فُصِّل من أعمالهم الحسنةِ فإنَّ جميعَ مل ذُكر من الذِّكرِ والتَّسبيحِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وخوفِ اليوم الآخرِ وأهوالِه ورجاءِ الثَّوابِ مقتبسٌ من القرآن الكريم العظيم الذي هو المعنيُّ بالنُّور وبه يتمُّ بيانُ أحوالِ مَن اهتدى بهُداه على أوضح وجه وأجلاه وهذا وقد قيلَ قولُه تعالى فِى بُيُوتٍ الخ من تتمة التَّمثيلِ وكلمةُ في متعلقةٌ بمحذوفٍ هي صفة لمشكاةٍ أي كائنةٍ في بيوتٍ وقيل لمصباح وقيل لزجاجة وقيل متعلِّقةٌ بيُوقَد والكلُّ مما لا يليقُ بشأن التنزيلِ الجليلِ كيف لا وأنَّ ما بعد قولِه تعالى وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ على ما هو الحقُّ أو ما بعد قوله تعالى نُّورٌ على نُورٍ على ما قيل إلى قولِه تعالى بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ كلامٌ متعلِّقٌ بالمُمَثَّل قطعاً فتوسيطُه بين أجزاءِ التَّمثيل مع كونِه من قبيل الفصل بين الشَّجر ولحائِه بالأجنبيِّ يؤدِّي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتَّمثيلِ المهديِّينَ لنور القُرآن الكريم بطريق الاستتباعِ والاستراط مع كون بيان حال أضدادِهم مقصوداً بالذَّاتِ ومثلُ هذا ممَّا لا عهدَ به في كلام الناسِ فضلاً أنْ يُحملَ عليه الكلامُ المعجِزُ

стр. 4440

﴿والذين كَفَرُواْ﴾ عطف على ما ينساق إليه ما قبلَهُ كأنَّه قيلَ الذين آمنوا أعمالهم حالا وما لا كما وُصفَ والذين كفرُوا ﴿أعمالهم﴾ أي أعمالُهم التي هي من أبواب البِرِّ كصلةِ الأرحامِ وفكِّ العُناةِ وسقاية الحاجِّ وعمارة البيت وإغاثة الملهُوفين وقِرى الأضيافِ ونحوِ ذلك ممَّا لو قارنَه الإيمانُ لاستتبعَ الثوابَ كما في قوله تعالى مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ الآيةَ ﴿كَسَرَابٍ﴾ وهو ما يُرى في الفَلَوات من لمَعَانِ الشَّمسِ عليها وقتَ الظَّهيرةِ فيُظنُّ أنه ماء يسرب أي يجري ﴿بِقِيعَةٍ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ هو صفةٌ لسرابٍ أي كائن في قاعٍ وهي الأرض المنبسطة

стр. 4441

سورة النور (٤٠) المستويةُ وقيل هي جمعُ قاعٍ كجيرة جمعُ جارٍ وقُرىء بقيعاتٍ بتاء ممدودةٍ كديماتٍ إمَّا على أنَّها جمعُ قيعةٍ أو على أنَّ الأصلَ قيعة قد أُشبعت فتحةُ العينِ فتولَّد منها ألِفٌ ﴿يَحْسَبُهُ الظمان مَاء﴾ صفةٌ أخرى لسرابٍ وتخصيص الحسبان بالظَّمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائنا من كان من العطشانِ والريَّانِ لتكميل التَّشبيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجهِ الشَّبهِ الذي هو المطلع المطمع والمقطع الموئس ﴿حتى إذا جاءه﴾ أي إذا جاءَ العطشانُ ما حَسِبَه ماءً وقيل موضعَه ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ أي ما حسبَه ماءً وعلَّق به رجاءه ﴿شيئا﴾ أصلالا محقَّقاً ولا متوهَّماً كما كان يراهُ من قبلُ فضلاً عن وجدانه ماء وبه تمَّ بيانُ أحوالِ الكفرة بطريق التَّمثيل وقوله تعالى ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ بيانٌ لبقيَّة أحوالِهم العارضة لهم بعد ذلك بطريقِ التَّكملة لئلَاّ يتوَّهم أنَّ قُصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقنوط فقطْ كما هُوَ شأنُ الظَّمآنِ ويظهر أنَّه يعتريهم بعد ذلك التَّمثيل من عدمِ وجدان الكَفَرةِ من أعمالِهم المذكُورةِ عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً كيف لا وأنَّ الحكم بأنَّ أعمالَ الكَفَرة كسرابٍ يحسبه الظمآنُ ماء حتَّى إذا جاءه لم يجدُه سيئا حكمٌ بأنَّها بحيث يحسبونَها في الدُّنيا نافعةً لهم في الآخرة حتَّى إذا جاءوها لم يجدُوها شيئاً كأنه قيل حتى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامةِ أعمالَهم التي كانُوا في الدُّنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرة يجدُوها شيئاً ووجدُوا الله أي حكمَهُ وقضاءَهُ عند المجيءِ وقيل عند العملِ فوفَّاهم أي أعطاهُم وافياً كاملاً حسابَهم أي حسابَ أعمالِهم المذكورةِ وجزاءها فإنَّ اعتقادَهم لنفعها بغير إيمانٍ وعملهم بموجبه كفرٌ على كفره وجب للعقاب قطا وإفرادُ الضَّميرينِ الرَّاجعينِ إلى الذين كفروا إمَّا لإرادة الجنس كالضمان الواقع في التَّمثيلِ وإمَّا للحملِ على كلِّ واحدٍ منهم وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالِهم هذا وقدفيل نزل في عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ أُميَّة كان قد تعبَّد في الجاهليَّةِ وليس المسوحَ والتمسَ الدِّينَ فلمَّا جاء الإسلامُ كفرَ

стр. 4442

﴿أَوْ كظلمات﴾ عطفٌ على كسراب وكلمة للتَّنويع ٤٠ إثرَ ما مُثِّلت أعمالُهم التي كانُوا يعتمدونَ عليها أقوى اعتمادٍ ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السَّرابِ مع زيادةِ حسابٍ وعقابٍ مُثِّلتْ أعمالُهم القبيحةُ التي ليس فيها شائبةٌ خيريَّةٌ يغترُّ بها المغترُّون بظلماتٍ كائنة ﴿فِى بَحْرٍ لُّجّىّ﴾ أي عميقٍ كثيرِ الماءِ منسوبٍ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ ماءِ البحرِ وقيل إلى اللُّجَّةِ وهي أيضاً معظمُه ﴿يغشاه﴾ صفة أُخرى للبحر أي يسترُه ويُغطِّيه بالكُلِّية ﴿مَوْجٍ﴾ وقوله تعالى ﴿من فوقه مَوْجٌ﴾ جملةٌ مِن مبتدأ أو خبر محلُّها الرَّفعُ على أنَّها صفةُ لموجٌ أو الصِّفةُ هي الجارُّ والمجرورُ وموجٌ الثَّانِي فاعلٌ له لاعتمادِه على الموصوفِ والكلامُ فيهِ كما مرَّ في قوله تعالى نُّورٌ على نُورٍ أي يغشاهُ أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ وقوله تعالى ﴿من فوقه سَحَابٌ﴾ صفةٌ لموجٌ الثَّاني على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ من فوق ذلك الموجِ سحابٌ ظلمانيٌّ ستَر أضواءَ النُّجومِ وفيه إيماءٌ إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعيفها حتى كأنها بلغت

стр. 4443

سورة النور (٤١) السحاب ﴿ظلمات﴾ حبر مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هيَ ظلماتٌ ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي متكاثفة متراكمة وهذا بيان لكمال شدَّةِ الظُّلماتِ كما أن قوله تعالى نُورٍ بيانٌ لغاية قُوَّةِ النُّورِ خلا أنَّ ذلك متعلِّق بالمشبَّهِ وهذا بالمشبَّه به كما يُعرِبُ عنه ما بعده وقُرىء بالجرِّ على الإبدالِ من الأُولى وقُرىء بإضافةِ السَّحابِ إليها ﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ أي مَن ابتُليَ بها وإضمارُه من غير ذكرِه لدلالة المَعْنى عليه دلالةً واضحة ﴿يَدَهُ﴾ جعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظرَ إليها ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ وهي أقربُ شيءٍ منه فضلاً عن أنْ يراها ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً﴾ الخ اعتراضٌ تذييليٌّ جىءَ به لتقدير ما أفاده التَّمثيلُ من كون أعمالِ الكَفَرةِ كما فُصِّل وتحقيق أنَّ ذلك لعدمِ هدايتِه تعالى إيَّاهم لنورِه وإيرادُ الموصولِ للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأيهم ممَّن لم يشأ الله تعالى هدايتهم أي مَن لم يشأ الله أنْ يهديَه لنوره الذي هُو القرآنُ هدايةً خاصَّةً مستتبعة للاهتداء حتماً ولم يوقفه للإيمان به ﴿فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي فما له هدايةٌ ما من أحدٍ أصلاً وقوله تعالى

стр. 4444

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخ استئنافٌ خُوطبَ بهِ النبيُّ ﷺ للإيذان بأنه تعالى أفاض عليه ﷺ أعلى المراتب النُّور وأجلاها وبيَّن له من أسرار الملك الملكوت وأدقها وأخفَاها والهمزةُ للتَّقرير أي قد علمت عملا يقينيّاً شبيهاً بالمشاهدة في القوَّة والرَّصانةِ بالوحي الصَّريحِ والاستدلالِ الصَّحيحِ ﴿أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ﴾ أي ينزهه تعالى على الدَّوام في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ عن كل مالا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقص أو خللٍ ﴿مَن في السماوات والأرض﴾ أي ما فيهما إما بطريف الاستقرارِ فيهما من العُقلاء وغيرِهم كائناً ما كان أو بطريق الجزئية منهما تنزيها تفهمه العقولُ السَّليمةُ فإنَّ كل موجود من الموجودات المُمكنة مُركبّاً كان أو بسيطاً فهو من حيثُ ماهيته ووجود أحواله يدلُّ على وجود صانعٍ واجبِ الوجود متَّصفٌ بصفاتِ الكمال مقدَّسٌ عن كلِّ مالا يليق بشأن من شئونه الجليلةِ وقد نبَّه على كمالِ قُوَّةِ تلك الدِّلالةِ وغاية وضوحِها حيثُ عبَّر عنها بما يخص العقلاء من التَّسبيح الذي هو أقوى مراتب التَّنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحالِ منزلةَ لسانِ المقالِ وأكَّدَ ذلك بإيثار كلمةِ مَن على مَا كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عزَّ وهان وكلَّ فردٍ من أفراد الأعراضِ والأعيان عاقلٌ ناطقٌ ومخبرٌ صادقٌ بعلُّوِ شأنِه تعالى وعزَّةِ سُلطانه وتخصيصُ التَّنزيه بالذِّكر مع دلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنعوتِ الكمالِ أيضاً لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتقبيح حال الفكرة في إخلالهم بالتَّنزيه بجعلهم الجماداتِ شركاءَ له في الأُلوهيَّةِ ونسبتهم إيَّاه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلكَ عُلُّواً كبيراً وحملُ التَّسبيح على ما يليقُ بكلِّ نوعٍ من أنواع المخلوقات بأن يرادبه معنى مجازيٌّ شاملٌ لتسبيحِ العُقلاءِ وغيرهم حسبما هو المتبادرُ من قوله تعالى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يردُّه أنَّ بعضاً من العُقلاءِ وهم الكفرةُ من الثَّقلينِ لا يسبِّحونَهُ بذلك المعنى قطعاً وإنَّما تسبيحُهم ما ذُكر من الدِّلالةِ التي يُشاركهم فيها غيرُ العُقلاءِ أيضاً وفيه مزيد تخطئة لهم وتعيير ببيان أنَّهم يسبِّحونه تعالى باعتبارِ أخسِّ جهاتهم التي هي الجماديَّةُ والجسميَّةُ والحيوانيَّةُ ولا

стр. 4445

يسبِّحونه باعتبارِ أشرفها التي هي الإنسانيَّةُ ﴿والطير﴾ بالرَّفعِ عطفاً على مَن وتخصيصُها بالذكر مع اندارجها في جُملة ما في الأرض لعدم استقرار قراها واستقلالها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائعٍ قُصد بيانُ تسبيحها من تلك الجهةِ لوضوح إنبا عن كمال قُدرةِ صانعِها ولطفِ تدبير مُبدعِها حسبما يعرب عنه التقيد بقوله تعالى ﴿صافات﴾ أي تسبيحه تعالى حال كونِها صافاتٍ أجنحتَها فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثَّقيلةِ ما تتمكنُ من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ من الأجنحةِ والأذنابِ الخفيفةِ وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبضِ والبسط حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بيِّنة لقومٍ يعقلون دالَّةٌ على كمالِ قُدرة الصَّانعِ المجيد وغاية حكمة المبتدىء المُعيدِ وقولُه تعالى ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ بيانٌ لكمالِ عراقةِ كلِّ واحدٍ مما ذكر في التَّنزيه ورسوخ قدمِه فيه بتمثيل حالِه بحالِ مَن يَعلمُ ما يصدرُ عنه من الأفاعيلِ فيفعلها عن قصدٍ ونيَّةٍ لا عن اتفاقٍ بلا رويَّةٍ وقد أدمج في تضاعيفِه الإشارة إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورةِ مع ما ذُكر من التَّنزيه حاجةً ذاتيَّةً إليه تعالى واستفاضه من لا يهمه بلسان استعدادِه وتحقيقه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجُوداتِ الممكنةِ في حدِّ ذاته بمعزلٍ من استحقاقِ الوجودِ لكنَّه مستعدٌّ لأنْ يفيضَ عليه منه تعالى ما يلقى بشأنه من الوجودِ وما يتبعه من الكمالاتِ ابتداءً وبقاء فهو مستفيضٌ منه تعالى على الاستمرار ففيض عليه في كلِّ آنٍ من فيوض الفُنونِ المتعلِّقةِ بذاته وصفاته مالا يحيط به نطاق البيان بحيثُ لو انقطعَ ما بينه وبين العناية والربانية من العلاقة لانعدم بالمدة وقد عبَّر عن تلك الاستفاضةِ المعنويَّةِ بالصَّلاةِ التي هي الدُّعاءُ والابتهالُ لتكميل التَّمثيل وإفادة المزايا المذكُورة فيما مرَّ على التَّفصيلِ وتقديمُها على التَّسبيحِ في الذكر لقدمها عليه في الرتبة وهذا ويجور أنْ يكونَ العلمُ على حقيقتِه ويراد به مطلقُ الإدراكِ وبما ناب عنه التَّنوينُ في كلِّ أنواع الطير وأفرادها بالصلاة وبالتسبيح ما ألهمه الله تعالى كلُّ واحدٍ منها من الدُّعاءِ والتَّسبيحِ المخصوصينِ بِهِ لكنْ لا على أن يكونَ الطَّيرُ معطُوفاً على كلمة مَن مرفوعاً برافعِها فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُرادَ بالتَّسبيح معنى مجازيٌّ شاملٌ للتَّسبيحِ المقاليِّ والحاليِّ من العُقلاءِ وغيرهم وقد عرفتَ ما فيه بل بفعل مُضمرٍ أريد به التَّسبيحُ المخصوص بالطَّيرِ معطوف على المذكورِ كما مرَّ في قولِه تعالى وَكَثِيرٌ من الناس أي تسبح الطَّيرِ تسبيحاً خاصًّا بها حال كونها صافات أجنحتها وقوله تعالى قل قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي دعاه وتسبيحَه اللَّذينِ ألهمهما الله إيَّاه لبيان كمال رُسوخه فيهما وأنَّ صدورَهما عنه ليس بطريقِ الاتفاق بلا رويَّةٍ بل عن علمٍ وإيقانٍ من غير إخلالٍ بشيءٍ منهما حسبما ألهمَه الله تعالى فإنَّ إلهامَه تعالى لكلِّ نوعٍ من أنواعِ المخلوقاتِ علوماً دقيقةً لا يكادُ يهتدِي إليه جهابذةُ العُقلاءِ ممَّا لا سبيلَ إلى إنكارِه أصلا كيف لا وإن القُنفذَ مع كونه أبعدَ الأشياءِ من الإدراك قالُوا إنَّه يحسُّ بالشَّمالِ والجَنوبِ قبل هبوبِها فيغير المدخلَ إلى حجرة حتَّى رُوي أنَّه كان بقُسطنطينيَّةَ قبل الفتحِ الإسلاميِّ رجلٌ قد أثرى بسببِ أنَّه كان يُنذر النَّاسَ بالرِّياحِ قبل هبوبِها وينتفعون بإنذارِه بتدارُكِ أمورِ سفائنِهم وغيرها وكانَ السَّببُ في ذلك أنَّه كان يقتنِي في دارِه قُنفذاً يستدلُّ بأحوالِه على ما ذُكر وتخصيص تسبيحِ الطَّيرِ بهذا المَعْنى بالذِّكرِ لما أنَّ أصواتَها أظهرُ وجُوداً وأقربُ حملاً على التَّسبيحِ وقولُه تعالَى ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ أي ما يفعلونَهُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله وما على الوجه الأوَّل عبارةَ عمَّا ذُكر من الدِّلالة الشَّاملةِ لجميع الموجُوداتِ من العُقلاءِ وغيرِهم والتَّعبيرُ عنها بالفعل مسنداً

стр. 4446

سورة النور (٤٢ ٤٣) إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ وعلى الثَّاني إمَّا عبارة عنها عن التَّسبيح الخاصِّ بالطَّير معاً أو تسبيح الطَّيرِ فقط فالفعلُ على حقيقته وإسناده إلى ض لما مرَّ والاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لتسبيح الطَّيرِ فقط وعلى الأوَّلينِ لتسبيح الكلِّ هذا وقد قيلَ إنَّ الضَّمير في قولِه تعالى وقد علم الله وفي صلاته وتسبيحه لكلٌّ أي قدْ علَم الله تعالَى صلاةَ كلِّ واحدٍ مما في السماوات والأرضِ وتسبيحه فالاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لمضمونه على الوجهينِ لكن لأعلى أنْ تكونَ ما عبارةً عمَّا تعلَّق به علمُه تعالى من صلاتِه وتسبيحِه بل عن جميع أحوالِه العارضةِ له وأفعاله الصَّادرةِ عنه وهما داخلتانِ فيها دخولاً أوليًّا

стр. 4447

﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ لا لغيرِه لأنَّه الخالقُ لهما ولما فيهما من الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المتصرفُ في جميعِها إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادةً وقولُه تعالى ﴿وإلى الله﴾ أي إليهِ تعالى خاصَّة لا إلى غيرِه ﴿المصير﴾ أي رجوعُ الكلِّ بالفناء والبعثِ بيانٌ لاختصاصِ المُلك به تعالى في المعادِ إثرَ بيانِ اختصاصِه به تعالى في المبدإِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار لتربية المهابةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحُكم

стр. 4448

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً﴾ الإزجاءُ سوقُ الشَّيءِ برفقٍ وسهولة غلبَ في سوقِ شيءٍ يَسيرٍ أو غيرِ معتدَ به ومنه البضاعةُ المُزجاة ففيه إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى مما لا يعتد به ﴿ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ﴾ أي بين أجزائِه بضمِّ بعضِها إلى بعض وقرئ يُوَلِّف بغير همزةٍ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ أي مُتراكماً بعضُه فوقَ بعضٍ ﴿فَتَرَى الودق﴾ أي المطرَ إثرَ تراكمِه وتكاثفِه وقوله تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي من فتوقِه حالٌ من الوَدْق لأنَّ الرُّؤيةَ بصريَّةٌ وفي تعقيب الجعلِ المذكورِ برؤيته خارجاً لا بخروجه من المبالغةِ في سرعةِ الخُروج على طريقة قوله تعالى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ومن الاعتناءِ بتقرير الرُّؤيةِ ما لا يخفى والخِلالُ جمع خَلَلٍ كجِبَالٍ وجَبَلٍ وقيل مفردٌ كحِجابٍ وحِجاز ويؤيده أنه قرئ من خَلَلِه ﴿وَيُنَزّلُ مِنَ السماء﴾ من الغمامِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ ﴿مِن جِبَالٍ﴾ أي من قطعٍ عظامٍ تُشبه الجبالَ في العِظَمِ كائنة ﴿فِيهَا﴾ وقوله تعالى ﴿مِن بَرَدٍ﴾ مفعولُ ينزل على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ والأُوليانِ لابتداء الغايةِ على أنَّ الثَّانية بدلُ اشتمالٍ من الأُولى بإعادة الجار أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعضُ يرد وقيل المفعولُ محذوفٌ ومِن برد بيان للجبال أن ينزل مبتدئا من السماء من جبالٍ فيها من جنس البَرَدِ برداً والأولُ أظهرُ لخُلوهِ عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضه المنزل وقيل المفعولُ مِن مشبهة بالجبالِ في الكثرةِ وأياما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول لما غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدم

стр. 4449

سورة النور (٢٤ ٤٥) والتشريق إلى المؤخَّر وقيل المرادُ بالسَّماءِ المظلة وفيها جبال من برد أن كما في الأرض جبالاً من حَجَرٍ وليس في العقل وما ينفيه من قاطع والمشهر أن الأنجرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبق الباردةَ من الهواءِ وقوي البردُ اجتمع هناك وصار سَحَاباً وإنْ لم يشتدَّ البردُ تقاطر مطراً وإنِ اشتدَّ فإنْ وصلَ إلى الأجزاء البُخاريَّةِ قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بَرَداً وقد يبردُ الهواءُ برداً مُفرطاً فينقبض وينعقدُ سحاباً وينزل منه المطر أو الثلجُ وكلُّ ذلك مستند إلى إدارة الله تعالى ومشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكم والمَصَالحِ ﴿فَيُصِيبُ به﴾ أي ما ينزله من البَرَد ﴿مَن يَشَآء﴾ أنْ يصيبَه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه وماله ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء﴾ أنْ يصرفَه عنه فينجُو من غائلتِه ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي ضوءُ برقِ السَّحابِ الموصوفِ بما مرَّ من الإزجاءِ والتَّأليفِ وغيرِهما وإضافةُ البرقِ إليه قبل الإخبار بوجودِه فبه للإيذانِ بظهور أمرِه واستغنائِه عن التَّصريح به وقُرىء بالمدِّ بمعنى الرِّفعةِ والعُلو وبإدغامِ الدَّالِ في السِّينِ وبرقه يفتح الرَّاءِ على أنَّه جمع برقه وهي مقدار على البرق كالغُرفةِ وبضمِّها للإتباع لضمَّة الباءِ ﴿يَذْهَبُ بالأبصار﴾ أي يخطفُها من فرطِ الأضاءة وسرعق ورودِها وفي إطلاق الأبصارِ مزيدُ تهويلٍ لأمرِه وبيانٌ لشدَّةِ تأثيرِه فيها كأنَّه يكادُ يذهبُ بها ولو عندَ الإغماضِ وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كمالِ القُدرةِ من حيثُ أنَّه توليدٌ للضدِّ من الضدِّ وقُرىء يُذهب من الإذهابِ على زيادةِ الباءِ

стр. 4450

﴿يقلب الله الليل والنهار﴾ بالمُعاقبة بينهما أو ينقص أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغيير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جملها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما فُصِّل آنِفاً وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ المشارِ إليه للإيذان يعلو رتبته بعد منزلتِه ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي لدلالةً واضحةً على وجود الصَّانعِ القديمِ ووحدتِه وكمال قُدرتِه وإحاطة علمِه بجميعِ الأشياءِ ونفاذ مشيئته وتنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأن العليِّ ﴿لأُوْلِى الأبصار﴾ لكلِّ مَن له بصرٌ
следующие страницы →