Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
سورة النور (١٢)
سورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾
стр. 4377
﴿سُورَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هذه سورةٌ وإنَّما أُشير إليها مع عدمِ سبقِ ذكرِها لأنَّها باعتبار كونِها في شرف الذِّكرِ في حكم الحاضِرِ المشاهَد وقولُه تعالَى ﴿أنزلناها﴾ معَ ما عُطف عليه صفاتٌ لها مؤكِّدةٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الفخامة من حيثُ الذَّاتُ بالفخامة من حيثُ الصِّفاتُ وأمَّا كونُها مبتدأً محذوفَ الخبرِ على أنْ يكونَ التَّقديرُ فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها فيأباهُ أنَّ مُقتضى المقام بيانُ شأن السُّورةِ الكريمةِ لا أنَّ في جُملة ما أُوحي إلى النبيِّ ﷺ سورةً شأنُها كَذا وكَذا وحملُها على السُّورةِ الكَريمةِ بمعونةِ المقامِ يُوهم أنَّ غيرَها من السُّورِ الكريمةِ ليستْ على تلكَ الصِّفاتِ وقرئ بالنصب على إضمار فعلِ يُفسِّره أنزلناهَا فلا محلَّ له حينئذٍ من الإعرابِ أو على تقديرِ اقرأْ ونحوه أو دونك عند من يُسوِّغُ حذفَ أداةِ الإغراءِ فمحلُّ أنزلنا النَّصبُ على الوصفيَّةِ ﴿وفرضناها﴾ أي أو أوجبنَا ما فيها من الأحكامِ إيجاباً قطعيًّا وفيه من الإيذانِ بغايةِ وكادةِ الفرضيَّةِ ما لا يَخْفى وقرئ فرَّضناها بالتَّشديدِ لتأكيدِ الإيجابِ أو لتعددِ الفرائضِ أو لكثرةِ المفروضِ عليهم من السَّلفِ والخلفِ ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا﴾ أي في تضاعيفِ السُّورةِ ﴿آيات بَيّنَاتٍ﴾ إنْ أُريد بها الآياتُ التي نِيطتْ بها الأحكامُ المفروضةُ وهو الأظهرُ فكونُها في السُّورةِ ظاهرٌ ومعنى كونِها بيناتٍ وضوحُ دلالاتِها على أحكامِها لا على معانيها على الإطلاقِ فإنَّها أسوةٌ لسائرِ الآياتِ في ذلكَ وتكريرُ أنزلنا معَ استلزام إنزالِ السُّورةِ لإنزالِها لإبرازِ كمالِ العنايةِ بشأنِها وإنْ أُريد جميعُ الآياتِ فالظَّرفيةُ باعتبار اشتما ل الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائِه وتكريرُ أنزلنا مع أنَّ جميعَ الآياتِ عين السورة وإنزالها عين إنزالها لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيصِ إنزالِها بالذِّكرِ إبانةً لخطرِها ورفعاً لمحلِّها كقوله تعالى ونجيناه مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ بعد قوله تعالى ونجينا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التَّاءينِ وقرئ بإدغامِ الثَّانيةِ في الذَّالِ أي تتذكرونها فتعلمون بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذكرٍ منهم بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها
стр. 4378
﴿الزانية والزانى﴾ شروعٌ في تفصيلِ ما ذُكِر منَ الآياتِ البيِّناتِ وبيانِ أحكامِها
стр. 4379
سورة النور (٣) والزَّانيةُ هي المرأةُ المُطاوِعةُ للزِّنا الممكِّنةُ منه كما تنبئ عنه الصِّيغةُ لا المزنيةُ كُرهاً وتقديمُها على الزَّاني لأنَّها الأصلُ في الفعل لكونِ الدَّاعيةِ فيها أوفرَ ولولا تمكينُها منه لم يقعْ ورفعُهما على الابتداءِ والخبرُ قولُه تعالى ﴿فاجلدوا كلُّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مائةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاءُ لتضمُّنِ المبتدأِ معنى الشرط إذا اللَاّمُ بمعنى الموصولِ والتَّقديرُ التي زنتْ والذي زَنى كما في قوله تعالى واللذان يأتياها منكم فآذوهما وقيل الخبرُ محذوفٌ أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانيةُ والزَّاني أي حُكمهُما وقولُه تعالى فاجلدوا الخ بيانٌ لذلكَ الحُكمِ وكانَ هذا عامًّا في حقِّ المُحصنِ وغيرِه وقد نُسخَ في حقِّ المحصنِ قَطْعاً ويكفينا في تعيينِ الناسخ القطع بأنه ﷺ قد رجم ماعزا أو غيره فيكونُ من بابِ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المشهُورةِ وفي الإيضاحِ الرَّجمُ حكمٌ ثبتَ بالسنَّةِ المشهورةِ المتفقِ عليها فجازتِ الزيادةُ بها على الكتابِ ورُوي عن عليَ ﵁ جلدتُها بكتابِ اللَّهِ ورجمتُها بسنة رسول الله ﷺ وقيلَ نُسخ بآيةٍ منسوخةِ التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زينا فارجمُوهما البتة نكالاً من اللَّهِ واللَّهُ عزيزٌ حكيمٌ ويأباهُ ما رُوي عن علي ﵁ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ وقرئ بفتحِ الهمزةِ وبالمدِّ أيضاً على فَعَالةٍ أي رحمةٌ ورقَّةٌ ﴿فِى دِينِ الله﴾ في طاعتهِ وإقامةِ حدِّه فتطلوه أو تسامحوه فيهِ وقد قالَ رسولُ الله ﷺ لو سرقتْ فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لقطعتُ يدها ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ فإنَّ الإيمانَ بهما يقتضي الجدَّ في طاعته تعالى والاجتهادَ في إجراءِ أحكامِه وذكرُ اليومِ الآخرِ لتذكيرِ ما فيهِ من العقابِ في مقابلةِ المُسامحةِ والتَّعطيلِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين﴾ أي لتحضره زيادةً في التَّنكيلِ فإنَّ التَّفضيحَ قد يُنكِّلُ أكثرَ ممَّا يُنكلُّ التَّعذيبُ والطَّائفةُ فرقةٌ يُمكن أنْ تكونَ حافَّةً حولَ شيءٍ من الطَّوفِ وأقلُّها ثلاثةٌ كما روي عن فنادة وعن ابن عباس ﵄ أربعةٌ إلى أربعينَ وعن الحسنِ عشرةٌ والمرادُ جمعٌ يحصلُ بهِ التَّشهيرُ والزَّجرُ
стр. 4380
﴿الزانى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لَا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجر المؤمنين بهنَّ وقد رَغِب بعضٌ من ضَعَفةِ المُهاجرينَ في نكاح وسرات كانتْ بالمدينةِ من بَغَايا المُشركينَ فاستأذنُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ في ذلكَ فنُفِّروا عنه ببيانِ أنَّه من أفعالِ الزُّناةِ وخصائصِ المُشركين كأنَّه قيلَ الزَّاني لا يرغبُ إلَاّ في نكاحِ إحداهما والزَّانيةُ لا يرغبُ في نكاحِها إلا أحدُهما فلا تحومُوا حولَه كيلا تنتظمُوا في سلكهما أو تتسِمُوا بسمتِهما فإيرادُ الجُملةِ الأُولى مع أنَّ مناطَ التَّنفيرِ هي الثَّانيةُ إمَّا للتعريضِ بقصرهم الرَّغبةَ عليهنَّ حيثُ استأذنُوا في نكاحهنَّ أو لتأكيدِ العلاقةِ بين الجانبينِ مبالغة في الزجر والتنفير وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هوالزنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعاً في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ ﴿وَحُرّمَ ذلك﴾ أي نكاحُ الزَّواني ﴿عَلَى المؤمنين﴾ لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النسب واختلال
стр. 4381
سورة النور (٤) أمرِ المعاشِ وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلاً عنِ المُؤمنينَ ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ وقيل النَّفيُ بمعنى النهي وقد قرئ بهِ والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ ويُؤيده ما روي أنه ﷺ سُئلَ عنْ ذلِكَ فقالَ أولهُ سِفاحٌ وآخرُه نِكاحٌ والحرامُ لا يُحرِّمُ الحلالَ وما قيل من أن المرادَ بالنِّكاحِ هو الوطءُ بيِّنُ البُطلانِ
стр. 4382
﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ بيانٌ لحكمِ العَفَائفِ إذا نُسبن إلى الزِّنا بعد بيانِ حُكمِ الزَّوانِي ويُعتبر في الإحصان ههنا مع مدلولهِ الوضعيِّ الذي هو العِفَّةُ عن الزِّنا الحريَّةُ والبُلوغُ والإسلامُ وفي التَّعبيرِ عن التَّفوهِ بما قالُوا في حقهنَّ بالرَّمي المنبئ عن صلابةِ الآلةِ وإيلامِ المَرميِّ وبعدِه عن الرَّامِي إيذانٌ بشدَّةِ تأثيره فيهنَّ وكونهِ رجماً بالغيبِ والمرادُ به رميهنَّ بالزِّنا لا غير وعدمُ التَّصريحِ به للاكتفاءِ بإيرادهنَّ عقيبَ الزَّواني ووصفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوضعِ على نزاهتهن عن الزنا خاصَّة فإنَّ ذلكَ بمنزلةِ التَّصريحِ بكونِ رميهنَّ به لا محالة ولا حاجة في ذلكَ إلى الاستشهادِ باعتبارِ الأربعةِ من الشُّهداءِ على أنَّ فيه مؤنة بيانِ تأخُّرِ نزولِ الآيةِ عن قوله تعالى فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً ولا بعدمِ وجوبِ الحدِّ بالرَّميِ بغيرِ الزنا على أنَّ فيه شبهة المصاردة كأنَّه قيلَ والذينَ يرمُون العفائفَ المنزَّهاتِ عمَّا رُمين به من الزنا ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ يشهدونَ عليهنَّ بما رموهنَّ به وفي كلمةِ ثمَّ إشعارٌ بجوازِ تأخيرِ الإتيانِ بالشُّهودِ كما أنَّ في كلمةِ لم إشارةً إلى تحقيق العجزِ عن الإتيانِ بهم وتقرره خلا أنَّ اجتماعَ الشُّهودِ لا بُدَّ منه عندَ الأداءِ خلافاً للشَّافعيِّ رحمه الله تعالى فإنَّه جَوَّزَ التَّراخي بينَ الشَّهاداتِ كما بينَ الرَّميِ والشَّهادةِ ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُهم زوجَ المقذوفةِ خلافا له أيضا وقرئ بأربعة شهداء ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لظهورِ كذبهِم وافترائِهم بعجزِهم عن الإتيانِ بالشُّهداءِ لقوله تعالى فإذا لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله هُمُ الكاذبون وانتصابُ ثمانينَ كانتصابِ المصادرِ ونصبُ جلدةً على التَّمييزِ وتخصيصُ رميهنَّ بهذا الحكم مع أنَّ حكم رَميِ المُحصنين أيضاً كذلك لخصوصِ الواقعةِ وشيوعِ الرَّمي فيهنَّ ﴿وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً﴾ عطفٌ على اجلدُوا داخلٌ في حكمهِ تتمةٌ له لما فيه من معنى الزَّجرِ لأنَّه مؤلمٌ للقلبِ كما أنَّ الجلدَ مؤلمٌ للبدنِ وقد آذى المقذوفَ بلسانه فعُوقبَ بإهدار منافعهِ جزاءً وِفاقاً واللَاّمُ في لهُم متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من شهادةً قدمتْ عليها لكونها نكرةً ولو تأخرتْ عنها لكانتْ صفةً لها وفائدتُها تخصيصُ الردِّ بشهادتهم النَّاشئةِ عن أهليَّتهم الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّميِ وهُو السِّرُّ في قبولِ شهادةِ الكافرِ المحدودِ في القذفِ بعد التَّوبةِ والإسلامِ لأنَّها ليستْ ناشئةً عن أهليَّتهِ السَّابقةِ بل عن أهلية حَدَثتْ له بعد إسلامهِ فلا يتناولُها الردُّ فتدبَّرْ ودعْ عنك ما قيل من أنَّ المسلمينَ لا يعبأون بسبب الكفَّارِ فلا يلحقُ المقذوفَ بقذفِ الكافرِ من الشَّينِ والشَّنارِ ما يلحقهُ بقذفِ المسلمِ فإنَّ ذلكَ بدونِ مامر من الاعتبارِ تعليلٌ في مُقابلةِ النصِّ ولا يخفى حالُه فالمعنى لا تقبلُوا منهم شهادةً من الشَّهاداتِ حال كونها
стр. 4383
سورة النور (٥ ٦) حاصلةً لهم عندَ الرَّميِ ﴿أَبَدًا﴾ أي مُدَّة حياتهم وإنْ تابُوا وأصلحُوا لما عرفتَ من أنَّه تتمةٌ للحدِّ كأنَّه قيلَ فاجلدُوهم وردُّوا شهادتهم أي فاجمعُوا لهم الجلدَ والردَّ فيبقى كأصله ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبلَه ومبينٌ لسُّوءِ حالهم عند الله وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفسادِ أيْ أُولئك هم المحكومُ عليهم بالفسقِ والخروجِ عن الطَّاعةِ والتَّجاوزِ عن الحدودِ الكاملون فيه كأنَّهم هم المستحقُّون لإطلاقِ اسمِ الفاسقِ عليهم لا غيرُهم منَ الفَسَقةِ وقولُه تعالَى
стр. 4384
﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ﴾ استثناءٌ من الفاسقين كما ينبئ عنْهُ التَّعليلُ الآتِي ومحلُّ المستثني النصب لأنه من موجبٍ وقولُه تعالى ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ لتهويلِ المتوبِ عنه أي من بعدِ ما اقترفُوا ذلكَ الذَّنبَ العظيمَ الهائلَ ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي أصلحُوا أعمالَهم التي منْ جُملتِها ما فرطَ منهم بالتَّلافي والتَّداركِ ومنهُ الاستسلامُ للحدِّ والاستحلالُ من المقذوفِ ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تعليلٌ لمَا يفيدهُ الاستثناءُ منْ العفوِ عن المؤاخذةِ بموجبِ الفسقِ كأنَّه قيلَ فحينئذٍ لا يؤاخذُهم اللَّهُ تعالى بما فَرَط منهُم ولا ينظمهم في سلكِ الفاسقينَ لأنَّه تعالى مبالِغٌ في المغفرةِ والرَّحمةِ هذا وقد علق الشافعي ﵀ الاستثناءَ بالنَّهيِ فمحلُّ المستثنى حينئذٍ الجرُّ على البدليَّةِ من الضمير في لهم وجعل الأبدَ عبارةً عنْ مُدَّةِ كونه قاذفاً فتنتهي بالتَّوبةِ فتُقبل شهادتهُ بعدَها
стр. 4385
﴿والذين يَرْمُونَ أزواجهم﴾ بيانٌ لحكم الرَّامين لأزواجِهم خاصَّة بعد بيانِ حكم الرامين لغيرهنَّ لكنْ لا بأن يكونَ هذا مخصصاً للمحصناتِ بالأجنبياتِ ليلزم بقاءُ الآيةِ السَّابقةِ ظنيةً فلا يثبتُ بها الحدُّ فإنَّ من شرائطِ التَّخصيصِ أنْ لا يكونَ المخصصُ متراخيَ النزولِ بل بكونهِ ناسخاً لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما سيأتي فتبقى الآيةُ السَّابقةُ قطعية الدِّلالةِ فيما بقيَ بعدَ النَّسخِ لما بُيِّن موضعِه أنَّ دليلَ النَّسخِ غيرُ مُعلَّلٍ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء﴾ يشهدُون بما رموهن به من الزنا وقرئ بتأنيثِ الفعل ﴿إِلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ بدلٌ من شهداءُ أو صفةٌ لها على أن إلَاّ بمعنى غير جعلوا من جُملة الشُّهداء إيذاناً من أولِ الأمرِ بعدمِ إلغاءِ قولهم بالمرَّةِ ونظمِه في سلكِ الشَّهادةِ في الجُملةِ وبذلكَ ازدادَ حسنُ إضافةِ الشَّهادةِ إليهم في قوله تعالى ﴿فشهادة أَحَدِهِمْ﴾ أي شهادةُ كلِّ واحدٍ منهُم وهو مبتدأٌ وقولهُ تعالى ﴿أَرْبَعُ شهادات﴾ خبرُه أي فشهادتهم المشروعةُ أربعُ شهاداتٍ ﴿بالله﴾ متعلِّقٌ بشهاداتٍ لقُربِها وقيلَ بشهادةُ لتقدُّمِها وقرئ أربعَ شهاداتٍ بالنَّصبِ على المصدرِ والعاملُ فشهادةُ على أنَّه إمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فالواجبُ شهادةُ أحدهم وإمَّا مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أيْ فشهادةُ أحدهم واجبةٌ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ أي فيما رماها به من الزنا وأصلُه على أنَّه الخ فحُذفَ الجارُّ وكُسرتْ إنّ وعُلِّق العاملُ عنها للتَّأكيدِ
стр. 4386
سورة النور (٧١٠)
стр. 4387
﴿والخامسة﴾ أي الشهادةُ الخامسةُ للأربعِ المتقدِّمةِ أي الجاعلةُ لها خَمْساً بانضمامها إليهنَّ وإفرادُها عنهنَّ مع كونها شهادةً أيضاً لاستقلالها بالفحوى أو كادتها في إفادةِ ما يُقصد بالشَّهادةِ من تحقيقِ الخبرِ وإظهارِ الصِّدقِ وهي مبتدأٌ خبرُه ﴿أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين﴾ فيما رماها به من الزنا فإذالا عن الزَّوجُ حُبستِ الزَّوجةُ حتَّى تعترف فترجم أو تلاعن
стр. 4388
﴿ويدرأ عَنْهَا العذاب﴾ أي العذابَ الدنيويَّ وهو الحبسُ المغيَّا على أحد الوجهين الرجم الذي هو أشدُّ العذابِ ﴿أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ﴾ أي الزوج ﴿لَمِنَ الكاذبين﴾ أي فيما رَمَاني به من الزِّنا
стр. 4389
﴿والخامسة﴾ بالنصب على أربع شهادات ﴿أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ﴾ أي الزوج ﴿مِنَ الصادقين﴾ أي فيما رَمَاني به في الزنا وقرئ والخامسةُ بالرَّفعِ على الابتداءِ وقرئ أنْ بالتَّخفيفِ في الموضعينِ ورفع اللعنة والغضب وقرئ أنْ غضِبَ اللَّهُ وتخصيصُ الغضبِ بجانبِ المرأةِ للتغليظِ عليها لما أنَّها مادةُ الفجورِ ولأنَّ النِّساءَ كثيراً ما يستعملنَ اللَّعن فربما يجترئن على التفوُّهِ به لسقوطِ وقعهِ عن قلوبهنَّ بخلافِ غضبهِ تعالى رُوي أنَّ آيةَ القذفِ لمَّا نزلتْ قرأها رسولُ اللَّهِ ﷺ على المنبرِ فقامَ عاصمُ بن عدي الأنصاري ﵁ فقالَ جعلني اللَّهُ فداكَ إنْ وجدَ رجلٌ مع امرأته رجُلاً فأخبرَ جُلد ثمانينَ ورُدَّتْ شهادتُه وفُسِّقَ وإنْ ضربه بالسَّيفِ قُتل وإن سكت سكت عل غيظٍ وإلى أنْ يجيءَ بأربعةِ شهداءَ فقد قضى الرَّجلُ حاجته ومضى اللهمَّ افتحْ وخرجَ فاستقبله هلالُ بن أُميَّة أو عُويمرٌ فقال ما وراءكَ قالَ شَرٌّ وجدتُ على امرأتي خَوْلة وهي بنتُ عاصمٍ شريك بن سحماه فقالَ واللَّهِ هذا سُؤالي ما أسرعَ ما ابتُليتَ به فرجعا فأخبرا رسولَ الله ﷺ فكلم خولة فأنكرت فنزلت فلاعنَ بينهما والفُرقةُ الواقعةُ باللِّعانِ في حُكم التَّطليقةِ البائنةِ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهُما اللَّهُ ولا يتأبَّدُ حكمُها حتَّى إذا أكذبَ الرَّجلُ نفسَه بعدَ ذلكَ فحُدَّ جازَ له أنْ يتزوَّجها وعند أبي يوسف وزُفر والحسنِ بنِ زياد والشَّافعيِّ ﵏ هي فُرقةٌ بغيرِ طلاقٍ تُوجبُ تَحريماً مؤبَّداً ليس لهما اجتماعٌ بعد ذلكَ أبدا
стр. 4390
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ التفاتٌ إلى خطابِ الراجين والمرميَّاتِ بطريقِ التَّغليبِ لتوفيةِ مقامَ الامتنانِ حقَّه وجوابُ لولا محذوفٌ لتهويله والإشعارِ بضيق العبارة عن حصره كأنَّه قيل ولولا تفضُّلُه تعالى عليكم ورحمتُه وأنَّه تعالى مبالغٌ في قبولِ التَّوبةِ حَكِيمٌ في جميعِ أفعالِه وأحكامه التي من جملتها ما شرعَ لكُم من حكمِ اللِّعانِ لكانَ ما كانَ مما لا يحيطُ به نطاقُ البيانِ ومن جُمْلتهِ أنَّه تعالى لو لم يشرعْ لهم ذلك لوجبَ على الزَّوجِ حدُّ القذفِ مع أنَّ الظاهرَ صدقُه لأنَّه أعرفُ بحالِ زوجته وأنّه لا يفترِي عليها لاشتراكهما في الفضاحة وبعد ما شرعَ لهم ذلك لو جعل
стр. 4391
سورة النور (١١) شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر لها ولو جعل شهاداتها موجبةً لحدِّ القذفِ عليه لفاتَ النَّظرُ له ولا ريبَ في خروجِ الكلِّ عن سننِ الحكمةِ والفضلِ والرَّحمةِ فجعلَ شهاداتِ كلَ منهُما مع الجزمِ بكذبِ أحدِهما حتماً دارئةً لما توجَّهَ إليهِ من الغائلةِ الدُّنيويةِ وقد ابتُليَ الكاذبُ منهما في تضاعيفِ شهاداتهِ من العذابِ بما هو أتمُّ مما درأتْهُ عنه وأطمُّ وفي ذلكَ من أحكامِ الحكمِ البالغةِ وآثارِ التَّفضلِ والرحمةِ ما لا يخفى أمَّا على الصَّادقِ فظاهرٌ وأمَّا على الكاذبِ فهو إمهالُه والسَّترُ عليهِ في الدُّنيا ودرءُ الحدِّ عنه وتعريضُه للتَّوبةِ حسبما ينبئ عنه التَّعرضُ لعُنوانِ توَّابيته سُبحانه ما أعظمَ شأنَهُ وأوسعَ رحمتَهُ وأدقَّ حكمتَهُ
стр. 4392
﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ أي بأبلغَ ما يكونُ من الكذبِ والافتراءِ وقيل هو البُهتانُ لا تشعرُ به حتَّى يفجأكَ وأصلُه الإفكُ وهو القلبُ لأنه مأفوكٌ عن وجهه وسننهِ والمرادُ به ما أُفكَ بهِ الصديقة أم المؤمنين ﵂ وفي لفظ المجيءِ إشارةٌ إلى أنَّهم أظهرُوه من عندِ أنفسِهم من غير أن يكون له أصل وذلكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله علي وسلم كانَ إذا أرادَ سفراً أقرعَ بين نسائهِ فأيتهنَّ خرجتْ قرعتُها استصحبَها قالتْ عائشةَ ﵂ فأقرعَ بيننا في غزوةٍ غزاها قيلَ غزوةُ بني المُصطلقِ فخرجَ سهمي فخرجتُ معه صلى الله علي وسلم بعد نزولِ آيةِ الحجابِ فَحُملت في هَوْدجٍ فسرنا حتَّى إذا قفلنا ودنَونا من المدينةِ نزلنا منزلاً ثم نُودي بالرَّحيل فقُمت ومشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي فلمستُ صَدري فإذا عِقدي من جَزَعِ ظَفَارَ قد انقطعَ فرجعتُ فالتمستُه فحبسني ابتغاؤه وأقبلَ الرَّهطُ الذينَ كانُوا يُرحلون بي فاحتملُوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أنِّي فيه لخفَّتي فلم يستنكرُوا خفَّة الهودجِ وذهبُوا بالبعير ووجدت عقدي بعد ما استمررت الجيش فجئتُ منازلَهم وليس فيها داعٍ ولا مجيبٌ فتممت منزلي وظننتُ أنِّي سيفقدونني ويعودونَ في طَلَبي فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنِمتُ وكانَ صفوانُ بنُ المُعطِّلِ السُّلَميُّ من وراءِ الجيشِ فلمَّا رآنِي عرفنِي فاستيقظتُ باسترجاعهِ فخمرت وجهي بالجلبابي وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه وهَوى حتَّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فقمتُ إليها فركبتُها وانطلقَ يقودُ بي الرَّاحلةَ حتى أتينا الجيشَ مُوغرين في نحرِ الظَّهيرةِ وهُم نزولٌ وافتقدنِي النَّاسُ حين نزلُوا وماجَ القومُ في ذكرِي فبينا النَّاسُ كذلكَ إذ هجمتُ عليهم فخاضَ النَّاسُ في حديثي فهلكَ مَن هلكَ وقولُه تعالى ﴿عُصْبَةٌ مّنْكُمْ﴾ خبرُ إنَّ أي جماعةٌ وهي من العشرة إلى الأربعينَ وكذا العِصابةُ وهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيَ وزيدُ بنُ رفاعة وحسَّانُ بنُ ثابتٍ ومسطحُ بنُ أثاثة وحِمْنةُ بنتُ جحشٍ ومن ساعدهم وقولُه تعالى ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ استئنافٌ خُوطب به رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبوُ بكرٍ وعائشةُ وصفوانُ ﵃ تسليةً لهم من أولِ الأمرِ والضَّميرُ للإفكِ ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لاكتسابِكم به الثَّوابَ العظيمَ وظهورِ كرامتِكم على اللَّهِ بإنزالِ ثماني عشرة آيةً في نزاهةِ ساحتِكم وتعظيمِ شأنِكم وتشديدِ الوعيدِ فيمَن تكلَّم فيكُم والثَّناءِ على مَنْ ظنَّ بكُم خيرا ﴿لكل امرئ منهم﴾
стр. 4393
أي من أولئكَ العُصبةِ ﴿مَّا اكتسب مِنَ الإثم﴾ بقدرِ ما خاضَ فيه ﴿والذى تولى كِبْرَهُ﴾ أي معظمه وقرئ بضم الكاف وهي لغة فيهِ ﴿مِنْهُمْ﴾ من العُصبةِ وهو ابنُ أُبيَ فإنَّه بدأ به وأذاعَه بين النَّاسِ عداوةً لرسولِ اللَّهِ ﷺ وقيل هُو وحسَّانُ ومِسْطَحُ فإنَّهما شايعاهُ بالتَّصريحِ به فإفرادُ الموصولِ حينئذٍ باعتبارِ الفوجِ أو الفريقِ أو نحوهما ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي في الآخرةِ أو في الدُّنيا أيضاً فإنَّهم جلدُوا وردَّتْ شهادتهم وصارَ ابنُ أبيَ مطروداً مشهوداً عليه بالنِّفاق وحسَّانُ أعمى وأشلَّ اليدينِ ومسطحُ مكفوفَ البصرِ وفي التَّعبير عنه بالذي وتكريرِ الإسنادِ وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى
стр. 4394
﴿لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن رسول الله ﷺ وذويهِ إلى الخائضينَ بطريق الالتفاتِ لتشديد ما في لولا التحفيضة من التَّوبيخِ ثمَّ العدول عنه إلى الغيبةِ في قوله تعالى ﴿ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً﴾ لتأكيدِ التَّوبيخِ والتَّشنيعِ لكنْ لا بطريقِ الإعراضِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرهم على وجهِ المثابة بل بالتَّوسلِ بذلكَ إلى وصفهم بما يوجبُ الإتيانَ بالمحضض عليه ويقتضيهِ اقتضاءً تامًّا ويزجرُهم عن ضدِّه زَجْراً بليغاً فإنَّ كونَ وصفِ الإيمانِ ممَّا يحملُهم على إحسان الظَّنِّ ويكفُّهم عن أسامة بأنفسِهم أي بأبناءِ جنسِهم النَّازلين منزلة أنفسهم كقولهِ تعالى ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وقوله تعالى وَلَا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ ممَّا لايب فيه فإخلاهم بموجب ذلك الوصفِ أقبحُ وأشنعُ والتَّوبيخُ عليه أدخلُ مع ما فيه من التَّوسل به إلى التَّصريحِ بتوبيخ الخائضاتِ ثمَّ إنْ كان المرادُ بالإيمان الإيمانَ الحقيقيَّ فإيجابُه لما ذُكر واضحٌ والتَّوبيخُ خاصٌّ بالمؤمنينَ وإن كان مطلقَ الإيمانِ الشَّاملِ لما يُظهره المنافقون أيضاً فإيجابُه له من حيثُ أنَّهم كانُوا يحترزون عن إظهارِ ما يُنافي مُدَّعاهم فالتَّوبيخُ حينئذٍ متوجِّهٌ إلى الكلِّ وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وفعلِها لتخصيصِ التخصيص بأولِ زمانِ سماعهم وقصرُ التوبيخ على تأخير الإنيان بالمحضَّضِ عليه عن ذلك الآنَ والتَّردد فيه ليفيدَ أنَّ عدمَ الإتيانِ به رأساً في غايةِ ما يكونُ من القباحةِ والشَّناعةِ أي كان الواجبُ أنْ يظنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ أول ما سمعوه ممَّن اخترعَه بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من غيرِ تلعثُمٍ وترددٍ بمثلِهم من آحادِ المؤمنينَ خيراً ﴿وَقَالُواْ﴾ في ذلكَ الآنَ ﴿هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهرٌ مكشوفٌ كونُه إفكاً فكيفَ بالصِّدِّيقةِ ابنةِ الصِّدِّيقِ أمِّ المؤمنينَ حُرمةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4395
﴿لولا جاؤوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ إما من تمامِ القولِ المُحضَّضِ عليهِ مسوقٌ لحثِّ السامعينَ على إلزامِ المسمِّعين وتكذيبهم إ تكذيب ماسمعوه منهم بقولهم هذا إفكٌ مبينٌ وتوبيخهم على تركه أي هلَاّ جاءَ الخائضونَ بأربعةِ شُهداءَ يشهدُون على ما قالُوا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ﴾ بهم وإنَّما قيل ﴿بِالشُّهَدَاء﴾ لزيادة التَّقريرِ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الخائضينَ وما فيه من معنى البعد للإيذان بغلوهم في الفسادِ وبعد منزلتهم عن الشَّرِّ أي أولئك المُفسدون ﴿عَندَ الله﴾ أي في حُكمهِ وشَرْعه المؤسَّسِ على الدَّلائلِ الظَّاهرةِ المتقنةِ ﴿هُمُ الكاذبون﴾ الكاملونَ في الكذب المشهود
стр. 4396
سورة النور (١٤ ١٦) عليهم بذلك المستحقُّون لإطلاقِ الاسمِ عليهم دُونَ غيرهم ولذلك رتب عليهم الحدُّ خاصَّة وإما كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى للاحتجاج على كذبهم بكونِ ما قالُوه قولاً لا يساعدُه الدَّليلُ أصلاً
стр. 4397
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ للسَّامعينَ والمسمِّعينَ جميعاً ﴿وَرَحْمَتُهُ فِى الدنيا﴾ من فنونِ النِّعمِ التي من جُملتها الإمهالُ للتَّوبة ﴿والأخرة﴾ من الآلاءِ التي من جُملتها العفوُ بعد التَّوبةِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلاً ﴿فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ بسبب ما خضتُم فيه من حديث الإفكِ والإبهامُ لتهويل أمره والاستهجان بذكره بقال أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندفعَ وهضبَ بمعنى ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ يُستحقر دونَه التَّوبيخُ والجلدُ
стр. 4398
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التَّاءينِ ظرفٌ للمسِّ أي لمسَّكم ذلكَ العذابُ العظيمُ وقتَ تلقِّيكم إيَّاه من المخترعين ﴿بألسنتكم﴾ والتقي والتلقُّفُ والتلقُّنُ معانٍ متقاربةٌ خلا أنَّ في الأولِ معنى الاستقبالِ وفي الثَّاني معنى الخَطفِ والأخذِ بسرعةٍ وفي الثَّالثِ معنى الحِذْقِ والمهارة وقرئ تتلقونه تَتَلقَونه على الأصل وتلقونه من لقيَه وتلقونَه بكسرِ حرفِ المُضارعةِ وتُلقونه من إلقاء بعضهم على بعض وتَلْقُونه وتألقونَه من الولقِ والألق وهو الكذبُ وتثقفونَه من ثقفتُه إذا طلبتُه فوجدته وتثقفونه أي تتعبونه ﴿وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولونَ قولاً مختصًّا بالأفواهِ من غير أن يكون له مصداقٌ ومنشأٌ في القلوبِ لأنَّه ليسَ بتعبيرٍ عن علم به قلوبكم كقوله تعالى يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً﴾ سهلاً لا تبعةَ لهُ أو ليسَ له كثيرُ عقوبةٍ ﴿وَهُوَ عِندَ الله﴾ والحالُ أنَّه عنده (عظِيمٌ) لا يُقادرُ قَدرُه في الوِزرِ واستجرارِ العذابِ
стр. 4399
﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ من المخزعين والمشايعين لهم ﴿قُلْتُمْ﴾ تكذيباً لهُم وتهويلاً لما ارتكبُوه ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا﴾ ما يُمكننا ﴿أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا﴾ وما يصدرُ عنَّا ذلكَ بوجهٍ من الوجوهِ وحاصلُه نفيُ وجودِ التَّكلمِ به لا نفيُ وجوده على وجه الصِّحَّةِ والاستقامةِ والانبغاءِ وهذا إشارةٌ إلى ما سمعُوه وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وقلتُم لما مرَّ من تخصيص التخضيض بأول وقتِ السَّماعِ وقصرِ التَّوبيخِ واللَّومِ على تأخيرِ القولِ المذكورِ عن ذلك الآنَ ليفيدَ أنَّه المحتملُ للوقوع المفتقر إلى التخضيض على تركه وأما تركُ القول نفسه رأسا فيما لا يُتوهَّم وقوعُه حتَّى يحضَّض على فعلِه ويلامَ على تركه وعلى هذا ينبغي أنْ يحملَ ما قيل إنَّ المعنى أنَّه كان الواجب عليهم أن يتفادَوا أولَ ما سمعُوا بالإفك عن التَّكلُّم به فلمَّا كان ذكرُ الوقتِ أهم وجب التقديم وأماما قيل من أنَّ ظروفَ الأشياء منزلة منزَّلةٌ أنفسَها لوقوعِها فيها وأنها لا تنفكُّ عنها لذلك يتسع فيها مالا
стр. 4400
سورة النور (١٧١٩) يتَّسعُ في غيرِها فهي ضابطة ربما تستعمل فيماإذا وضع الظَّرفُ موضعَ المظروفِ بأن ج مفعولاً صريحاً لفعلٍ مذكورٍ كما في قوله تعالى واذكروا إذا جَعَلَكُمْ خُلَفَاء أو مقدَّرٍ كعامة الظروف المنصوبة إضمار اذكروا أما ههنا فلا حاجةَ إليها أصلاً لما تحققت أنَّ مناطَ التقديم توجبه التحضيضِ إليه وذلك يتحقَّقُ في جميع متعلقاتِ الفعلِ كما في قولِه تعالى فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا ﴿سبحانك﴾ تعجُّبٌ ممَّن تفوَّه به وأصلُه أن يذكرُ عند معاينةِ العجيبِ من صنائعِه تعالى تنزيها له سبحانه على أنْ يصعبَ عليه أمثالُه ثمَّ كثُر حتَّى استُعملَ في كلِّ متعجَّبٍ منه أو تنزيهٌ لهُ تعالَى عن أنْ تكونَ حُرمةُ نبيِّه فاجرةً فإنَّ فجورَها تنفيرٌ عنه ومخلٌّ بمقصودِ الزَّواجِ فيكون تقريراً لمَا قبلَه وتمهيداً لقوله تعالى ﴿هذا بهتان عظيم﴾ لعظم المبهوتِ عليه واستحالةِ صدقِه فإنَّ حقارةَ الذُّنوبِ وعظمَها باعتبار مُتعلقاتِها
стр. 4401
﴿يَعِظُكُمُ الله﴾ أي ينصحُكم ﴿أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ﴾ أي كراهةَ أنْ تعودُوا أو يزجركم من أن تعودوا أو في أن تعودُوا من قولِك وعظتُه في كذا فتركَه ﴿أَبَدًا﴾ أي مدَّةَ حياتِكم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ وازعٌ عنه لا محالةَ وفيه تهييجٌ وتقريعٌ
стр. 4402
﴿وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الأيات﴾ الدالةَ على الشَّرائعِ ومحاسنِ الآداب دلالة ذلك واضحةً لتتَّعِظوا وتتأدَّبوا بها أي يُنزلها كذلكَ أي مبنية ظاهرةَ الدِّلالةِ على معانيها لا أنَّه يُبينها بعد أن لم تكن كذلك وهذا كما في قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أي خلقَهُما صغيراً وكبيراً ومنه قولُك ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووُسِّعَ أسفلُها وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار شأنِ البيانِ ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوالِ جميعِ مخلوقاتِه جلائلِها دقائقها ﴿حَكِيمٌ﴾ في جميع تدابيرِه وأفعالِه فأنَّى يمكن صدقُ ما قيل في حقِّ حُرمةِ مَن اصطفاهُ لرسالاته وبعثه إلى كافة الخلقِ ليرشدَهم إلى الحقِّ ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وإظهارا الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الاعتراض التذبيلي والإشعارِ بعلَّةِ الأُلوهيَّةِ للعلم والحكمةِ
стр. 4403
﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ﴾ أي يُريدون ويقصدُون ﴿أَن تَشِيعَ الفاحشة﴾ أي تنتشرَ الخَصلةُ المفرطةُ في القُبح وهي الفريةُ والرَّميُ بالزِّنا أو نفسُ الزِّنا فالمراد بشيوعِها شيوعُ خبرِها أي يحبُّون شيوعَها ويتصدَّون مع ذلكَ لإشاعتِها وإنَّما لم يُصرِّحْ به اكتفاءً بذكرِ المحبَّةِ فإنَّها مستتبعةٌ له لا محالة ﴿في الذين آمنوا﴾ متعلق بتشيع أنْ تشيعَ فيما بين النَّاسِ وذكرُ المؤمنينَ لأنَّهم العمدةُ فيهم أو بمضمرٍ هو حالٌ من الفاحشةِ فالموصولُ عبارةٌ عن المؤمنينَ خاصة أن يحبُّون أنْ تشيعَ الفاحشةُ كائنةً في حقِّ المؤمنينَ وفي شأنهم ﴿لَهُمْ﴾ بسببِ ما ذُكر ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا﴾ من الحدِّ وغيرِه ممَّا يتفقُ من البَلايا الدُّنيويةِ ولقد ضرب رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي وحسَّاناً ومِسْطَحاً حدَّ القذفِ وضربَ صفوانُ حسَّاناً ضربةً بالسيف وعف بصره
стр. 4404
سورة النور (٢٠ ٢١) ﴿والأخرة﴾ من عذابِ النَّارِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يعلمُه الله ﴿والله يَعْلَمُ﴾ جميعَ الأمورِ التي من جملتها ما في الضَّمائر من المحبَّة المذكورةِ ﴿وأنتم تَعْلَمُونَ﴾ ما يعلمُه تعالى إنَّما تعلمونَ ما ظهرَ لكم من الأقوال والأفعالِ المحسوسة فابتلوا أموركم على ما تعملونه وعاقبُوا في الدُّنيا على ما تشاهدونَه من الأحوالِ الظَّاهرةِ والله سبحانَه هو المتولِّي للسَّرائرِ فيعاقبُ في الآخرةِ على ما تُكنُّه الصُّدورُ هذا إذا جُعلَ العذابُ الأليمُ في الدُّنيا عبارةً عن حدِّ القذفِ أو متنظما له كما أطبقَ عليه الجمهورُ أمَّا إذا بقي على إطلاقِه يُراد بالمحبَّةِ نفسُها من غيرِ أنْ يقارنَها التَّصدِّي للإشاعةِ وهو الأنسبُ بسياقِ النظمِ الكريم فيكونُ ترتيبُ العذابِ عليها تنبيها على أن عذاب مَن يُباشر الإشاعةَ ويتولَاّها أشدَّ وأعظمَ ويكون الاعتراض التذبيلي أعني قولَه تعالى والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ تقريراً لثبوت العذابِ الأليمِ لهم وتعليلاً له
стр. 4405
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ تكريرٌ للمنَّةِ بترك المعالجة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجزيرة ﴿وأن الله رؤوف رَّحِيمٌ﴾ عطفٌ على فضلُ الله وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ والإشعارِ باستتباع صفةِ الأُلوهية للرَّأفة والرَّحمةِ وتغييرُ سبكِه وتصديرُه بحرفِ التحقيق لما أن بيانُ اتِّصافِه تعالى في ذاتِه بالرَّأفةِ التي هي كمالُ الرَّحمةِ والرَّحيميةِ التي هي المبالغةُ فيها على الدَّوامِ والاستمرارِ لا بيانُ حدوثِ تعلُّق رأفتِه ورحمتِه بهم كما أن المراد بالمعطوفِ عليه وجوابُ لَولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه
стр. 4406
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ أي لا تسلكُوا مسالكَه كل ما تأتون وما تذرُون من الأفاعيل التي من جُملتِها إشاعةُ الفاحشةِ وحبها وقرئ خُطْواتِ بسكونِ الطَّاءِ وبفتحِها أيضاً ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان﴾ وُضعَ الظَّاهرانِ موضعَ ضمير يهما حيثُ لم يُقلْ ومَن يتبعها أو ومَن يتبع خطواتِه لزيادة التقريرِ والمبالغةِ في التَّنفيرِ والتَّحذيرِ ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر﴾ علَّة للجزاءِ وضعتْ موضعَه كأنَّه قيل فقدار تكب الفحشاء والمنكر لأن دأبُه المستمرُّ أنْ يأمرَ بهما فمَن اتبعَ خطواتِه فقدِ امتثلَ بأمرِه قطعاً والفحشاءُ ما أفرطَ قبحُه كالفاحشةِ والمنكرُ ما يُنكره الشرع ضمير إنَّه للشَّيطانِ وقيل للشَّأنِ على ما رأي مَن لا يوجبُ عودَ الضَّميرِ من الجُملةِ الجزائيَّةِ إلى اسمِ الشَّرطِ أو على أنَّ الأصلَ يأمرُه وقيل هو عائدٌ إلى مَن أي فإنَّ ذلك المتَّبعَ يأمرُ النَّاسَ بهما لأنَّ شأنَ الشَّيطانِ هو الإضلالُ فمن اتَّبعه يترقَّى من رُتبة الضَّلالِ والفساد إلى رُتبة الإضلالِ والإفسادِ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بما مِن جُملتِه هاتيك البياناتُ والتَّوفيقُ للتوبة الماحصة للذنوب وشرع الحُدودِ المُكفِّرةِ لها ﴿مَا زكا﴾ أي ما طهُر من دنسها وقرىءماركى بالتَّشديدِ أي ما طهَّر الله تعالى ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مّنكُمْ﴾ بيانيَّةٌ وفي قوله
стр. 4407
سورة النور (٢٢ ٢٣) تعالى ﴿مّنْ أَحَدٍ﴾ زائدةٌ وأحدٌ في حيِّزِ الرَّفعِ على الفاعليَّةِ على القراءةِ الأُولى وفي محلِّ النصبِ على المفعوليَّةِ على القراءةِ الثَّانيةِ ﴿أَبَدًا﴾ لا إلى نهايةٍ ﴿ولكن الله يُزَكّى﴾ يُطهِّر ﴿مَن يَشَآء﴾ من عباده بإضافة آثار فضله ورحمته على التَّوبةِ ثمَّ قبولِها منه كما فَعَل بكُم ﴿والله سَمِيعٌ﴾ مبالغٌ في سمعِ الأقوالِ التي مِنْ جُملتِها ما أظهرُوه من التَّوبةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جُملتِها نيَّاتُهم وفيه حثٌّ لهم على الإخلاص في التوبة وإظهارالإسم الجليلِ للإيذانِ باستدعاءِ الأُلوهيَّةِ للسمعِ والعلمِ مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذبيلي
стр. 4408
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أي لا يحلفْ افتعالٌ من الأَليّة وقيل لا يُقصِّرُ من الألو والأول هوالأظهر لنزولِه في شأنِ الصِّدِّيقِ ﵁ حينَ حلفَ أنْ لا ينفقَ على مِسْطحٍ بعدُ وكانَ ينفقُ عليه لكونِه ابنَ خالتِه وكانَ من فُقراءِ المُهاجرينَ ويَعضده قراءةُ من قرأ ولا يتأل ﴿أولوا الفضل مِنكُمْ﴾ في الدِّين وكفَى به دليلاً على فضلِ الصديقَ رضي الله تعالى عنه ﴿والسعة﴾ في المالِ ﴿أَن يُؤْتُواْ﴾ أيْ على أنْ لا يُؤتوا أو قرئ بناء الخطابِ على الالتفاتِ ﴿أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين فِى سَبِيلِ الله﴾ صفاتٌ لموصوفٍ واحد جئ بها بطريقِ العطفِ تنبيهاً على أنَّ كلاًّ منها علة مستقلة لاستحقاقه الإيتاء وقيل لموصوفاتٍ أقيمتْ هي مقامَها وحُذف المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظهورِه أي على أنْ لا يُؤتوهم شيئاً ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ ما فَرَطَ منهم ﴿وَلْيَصْفَحُواْ﴾ بالإغضاءِ عنه وقد قرئ الأمر أن بتاءِ الخطابِ على وفقِ قولِه تعالى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أن يغفر الله لكم﴾ أي بمقابلة عفوِكم وصفحِكم وإحسانِكم إلى مَن أساءَ إليكُم ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ مبالِغٌ في المغفرةِ والرحمةِ مع كمال قدرتِه على المؤاخذة وكثرة ذنوب الدَّاعيةِ إليها وفيهِ ترغيبٌ عظيمٌ في العفو ووعدٌ الكريم بمقابلتِه كأنَّه قيل ألا تحبون أن يغفر الله لكُم فهذا من موجباتِه روى أنه ﷺ قرأها على أبي بكرٍ ﵁ فقال بلى أحبُّ أنْ يغفرَ الله لي فرجع إلى مسطحٍ نفقته وقال الله أعلم لا أنزعها أبداً
стр. 4409
﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ أي العفائفَ ممَّا رُمين به من الفاحشةِ ﴿الغافلات﴾ عنها على الإطلاقِ بحيثُ لم يخطرْ ببالهنَّ شيءٌ منها ولا من مُقدِّماتِها أصلاً ففيها من الدِّلالةِ عَلى كمالِ النَّزاهةِ ما ليس في المحصناتِ أي السليمات الصدور التقيات القلوبِ عن كلِّ سوءٍ ﴿المؤمنات﴾ أي المتصفاتِ بالإيمانِ بكلِّ ما يجبُ أنْ يؤمن به من الواجبات والمحظوات وغيرِها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما ينبئ عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا قبلها مع أصالةِ وصفِ الإيمانِ فإنَّه للإيذان بأنَّ المرادَ بها المعنى الوصفي المعرب عما ذُكر لا المعنى الاسميُّ المصححُ لإطلاق الاسمِ في الجملةِ كما هو المتبادرُ على تقديرِ التَّقديمِ والمرادُ بها عائشة الصدِّيقةُ ﵂ والجمع باعتبار
стр. 4410
سورة النور (٢٤٢٥) أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله ﷺ كما في قوله تعالى كذبت قوم نوح لمرسلين ونظائرِه وقيلَ أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله وحمايةً مِنْ أنْ يحومَ حولَه أحد بسور حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمر عائشةَ ﵂ وهل هو منه ﵁ إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبيه على أن كفرٌ غليظٌ ﴿لُعِنُواْ﴾ بما قالُوه في حقهنَّ ﴿فِى الدنيا والأخرة﴾ حيثُ يلعنُهم اللاعنونَ من المؤمنينَ والملائكةِ أبداً ﴿وَلَهُمْ﴾ معَ ما ذُكر من اللَّعنِ الأبديِّ ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ هائلٌ لا يقادَرُ قدرُه لغاية عظمِ ما اقترفُوه من الجنايةِ وقولُه تعالى
стр. 4411
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ الخ إمَّا متصلٌ بما قبلَه مسوقٌ لتقريرِ العذابِ المذكورِ بتعيينِ وقتِ حلولِه وتهويلِه ببيان ظهور جناياتهم الموجبةِ له مع سائرِ جناياتِهم المستتبعةِ لعقوباتِها عَلَى كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ خارقةٍ للعاداتِ فيومَ ظرفٌ لما في الجارِّ والمجرورِ المتقدمِ من معنى الاستقرارِ لا لعذاب وإن أغضبنا عن وصفِه لإخلالِه بجزالةِ المعنى وإمَّا منقطعٌ عنه مسوق لتهويل اليوم ما يحويهِ على أنَّه ظرفٌ لفعلٍ مؤخَّرٍ قد ضُرب عنه الذِّكرُ صَفْحاً للإيذانِ بقصورِ العبارةِ عن تفصيل ما يفع فيهِ من الطَّامةِ التَّامةِ والداهية العامة كأنه قي قبل يوم تشهد عليكم ﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يكونُ من الأحوال والأهوال مالا يحيطُ به حيطةَ المقالُ على أنَّ الموصولَ المذكورَ عبارةٌ عن جميعِ أعمالِهم السَّيئةِ وجناياتِهم القبيحةِ لا عن جناياتهم المعهودةِ فَقَطْ ومعنى شهادةِ الجوارحِ المذكورةِ بها أنَّه تعالى يُنطقها بقدرته فتخبر كلُّ جارحةٍ منها بما صدرَ عنها من أفاعيل صاحبِها لا أنَّ كلاًّ منها يخبر بجناياتهم المعهودة فحسب والموصول والمحذوف عبارةٌ عنها وعن فنونِ العُقوباتِ المترتبةِ عليها كافَّة لا عنْ إحداهما خاصَّة ففيهِ من ضروبِ التَّهويلِ وبالإجمال والتَّفصيلِ ما لا مزيدَ عليه وجعلُ الموصولِ المذكورِ عبارة عن خصوص جناياتهم المعهودةِ وحملُ شهادةِ الجوارحِ على إخبارِ الكلِّ بها فَقَط تحجيرٌ للواسعِ وتهوينُ لأمر الوازعِ والجمعُ بين صيغتي الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على استمرارِهم عليها في الدُّنيا وتقديمُ عليهم على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون الشَّهادةَ ضارةٌ لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخرِ كما مرَّ مِراراً وقولُه تعالى
стр. 4412
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾ أي يومَ إذْ تشهدُ جوارحُهم بأعمالِهم القبيحةِ يطيعهم الله تعالى جزاءَهم الثَّابتَ الذي يحقِّقُ أنْ يثبتَ
стр. 4413
سورة النور (٢٦) لهم لا محالةَ وافياً كاملاً كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيانِ ترتيبِ حكمِ الشَّهادةِ عليها متض لبيان ذلك لمبهم المحذوفِ على وجهِ الإجمالِ ويجوزُ أنْ يكونَ يومَ يشهد ظرفاً ليوفِّيهم ويومئذٍ بدلاً منه وقيلَ هو منصوبٌ على أنه مفعول لفعل مضمرٍ أي اذكُر يومَ تشهد بالتذكير للفصل ﴿ويعملون﴾ عند معاينتِهم الأهوالَ والخُطوبَ حسبما نطقَ به القرآنُ الكريم ﴿أَنَّ الله هُوَ الحق﴾ الثَّابتُ الذي يحقُّ أن يثبت لا محالة في ذاته وصفا وأفعاله التي من جملتها كلماتها التامات المنبئة عن الشئون التي يشاهدونها منطبقة عليها ﴿المبين﴾ المظهرُ للأشياءِ كما هي في أنفسِها أو الظَّاهرُ أنَّه هو الحقُّ وتفسيرُه بظهورِ ألوهيَّتِه تعالى وعدمِ مشاركةِ الغير له فيها وعدمِ قُدرة ما سواه على الثَّوابِ والعقابِ ليس له كثيرُ مناسبةٍ للمقام كما أنَّ تفسيرَ الحقِّ بذي الحقِّ البين أي العادل الظَّاهر عدلُه كذلك ولو تتبعتَ ما في الفُرقان المجيدِ من آياتِ الوعيد الواردة حقِّ كلِّ كَفَّارٍ مريدٍ وجبَّارٍ عَنيدٍ لا تجدُ شيئا منها فوق هانيك القوارعِ المشحونةِ بفُنون التَّهديدِ والتَّشديدِ وما ذاكَ إلَاّ لإظهار منزلة النبيِّ ﷺ في عُلُّو الشَّأنِ والنباهةِ وإبراز رتبة الصدِّيقةُ ﵂ في العِفَّةِ والنَّزاهةِ وقولُه تعالى
стр. 4414
﴿الخبيثات﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ على قاعدةِ السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الخلقِ على موجب أنَّ لله تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهلِ أي الخبيثاتُ من النِّساءِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرِّجال أي مختصَّاتٌ بهم لا يكَدْنَ يتجاوزْنَهم إلى غيرِهم على أنَّ اللامَ للاختصاصِ ﴿والخبيثون﴾ أيضاً ﴿للخبيثات﴾ لأنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي الانضمامِ ﴿والطيبات﴾ منهنَّ ﴿للطيبين﴾ أيضا منهم ﴿والطيبون﴾ ﴿للطيبات﴾ منهنَّ بحيثُ لا يك يجاوزوهنَّ إلى من عداهنَّ وحيثُ كان رسولُ الله ﷺ أطيبَ الأطيبينِ وخيرةَ الأوَّلين والآخرين تبين كونُ الصِّدِّيقةِ ﵂ من أطيب الطَّيباتِ بالضَّرورةِ واتَّضح بطلانُ ما قيل في حقِّها من الخُرافاتِ حسبما نطق به قوله تعالى ﴿أولئك مبرؤون مما يقولون﴾ عل أنَّ الإشارةَ إلى أهلِ البيتِ المنتظِمين للصِّدِّيقةِ انتظاماً أوَّليًّا وقيل إلى رسولِ الله ﷺ والصِّدِّيقةِ وصفوانَ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئك الموصُوفون بعلُّوِ الشَّأنِ مُبرَّءون مما نقوله أهلُ الإفكِ في حقِّهم من الأكاذيبِ الباطلةِ وقيل الخبيثات من القول للخبثين من الرِّجالِ والنِّساءِ أي مختصَّة ولائقة بهم لا ينبغي أنْ تُقال في حقِّ غيرِهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحفاء بأنْ يُقال في حقِّهم خبائثُ القول والطَّيباتُ من الكلم للطَّيبين من الفريقينِ مختصَّةٌ وحقيقة بهم وهم أحفاء بأنْ يُقال في شأنهم طيِّباتُ الكلمِ أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقول الخبيثون في حقِّهم فمآلُه تنزيهُ الصِّدِّيقةِ أيضاً وقيل خبيثاتُ القول مختصَّةٌ بالخبيثين من فريقَيْ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تصدرُ عن غيرِهم والخبيثون من الفريقينِ مختصُّون بخبائث القولِ متعرِّضُون لها والطَّيباتُ من الكلام للطَّيبين من الفريقينِ أي مختصَّةٌ بهم لا تصدرُ عن غيرِهم والطَّيبون من الفريقينِ مختصُّون بطيِّباتِ الكلامِ لا يصدرُ عنهم غيرُها أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقولُه الخبيثون من
стр. 4415
سورة النور (٢٧ ٢٨) الخبائثِ أي لا يصدرُ عنهم مثلُ ذلك فمآلُه تنزيهُ القائلينِ سبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ عظيمةٌ لما لا يخلُو عنه البشرُ من الذُّنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنَّةُ
следующие страницы →