Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
سورة الفرقان ٤٥
стр. 4552
﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ﴾ بيانٌ لبعضِ دلائل التَّوحيدِ إثرَ بيانِ جهالةِ المُعرِضينِ عنها وضلالتهم والخطابُ لرسولِ الله ﷺ والهمزةُ للتَّقريرِ والتَّعرضُ لعُنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لتشريفه ﷺ وللإيذانِ بأنَّ ما يعقُبه من آثارِ ربوبيَّتِه ورحمتِه تعالى أيْ ألمْ تنظرُ إِلَى بديعِ صُنعه تعالى ﴿كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ أي كيف أنشأ ظلَّ أيَّ مُظَلَ كان من جبلٍ أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشَّمسِ ممتداً لا أنَّه تعالى مدَّهَ بعد أنْ لم يكن كذلك كما بعدَ نصفِ النهار إلى غروبها فإنَّ ذلك مع خُلوِّه عن التَّصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثِه يأباهُ سياق النظم الكريم وأم ما قيل من أن المرادَ بالظِّل ما بينَ طُلوعِ الفجرِ وطُلوع الشَّمسِ وأنه أطيبُ الأوقاتِ فإنَّ الظُّلمةَ الخالصةَ تنفِرُ عنها الطِّباعُ وشعاع الشمس يسخِّنُ الجوَّ ويبهر البصرَ ولذلك وَصَف به الجَّنةَ في قوله تعالى وَظِلّ مَّمْدُودٍ فغير سديد إذ لاريب في أنَّ المرادَ تنبيهُ النَّاسِ على عظيم قُدرة الله وبالغِ حكمتِه فيما يشاهدونَه فلا بدَّ أنْ يُرادُ بالظلِّ ما يتعارفونه من حالةٍ مخصوصةٍ يشاهدونها في موضعٍ يحول بينه وبين الشَّمسِ جسمٌ كثيفٌ مخالفةً لما في جوانبه من مواقعِ ضحِّ الشَّمسِ وما ذُكر وإن كانَ في الحقيقةِ ظلَاّ للأفق الشرقيِّ لكنَّهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافهِ المعهودةِ ولعلَّ توجيه الرُّؤية إليه مع أنَّ المرادَ تقرير رؤيته ﷺ لكيفة مدِّ الظِّلِّ للتنبيهِ على أن نظره ﷺ غير مقصور على ما يُطالعه من الآثارِ والصَّنائعِ بل مطمح أنظارِه معرفةُ شئون الصَّانعِ المجيدِ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شَآء لجعله ساكنا﴾ جملةٌ اعترضتْ بين المعطوفين للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى أنَّه لا مدخل فيما ذكر من المدِّ للأسباب العاديَّةِ وإنَّما المؤثر فيه المشيئةُ والقدرةُ ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ أي ولو شاء سكونَه لجعله ساكناً أي ثابتاً على حالِه من الطُّولِ والامتدادِ وإنما عُبِّر عن ذلك بالسُّكونِ لما أنَّ مقابِلَه الذي هو تغيُّر حاله حسب تغُّيرِ الأوضاعِ بين المضل وبين الشَّمسِ يُرَى رأيَ العينِ حركة وانتقالاً وحاصلُه أنه لا يعتريهِ اختلافُ حالٍ بأن لا تنسخه الشَّمسُ وأمَّا التَّعليلُ بأنْ يجعل الشَّمسَ مقيمةً على وضع واحد فمداره الغفُول عما سيق له النظم الكريم ونطقَ به صريحاً من بيان كمال قُدرته القاهرة وحِكمته الباهرة بنسبة جميعِ الأمور الحادثة إليه تعالى الذات وإسقاط الأسباب العاديَّةِ عن رُتبة السَّببيَّةِ والتَّاثيرِ بالكُلِّيةِ وقصرِها على مجرَّدِ الدِّلالةِ على وجود المسبَّبات لا بذكر قُدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامةِ الشَّمسِ في مُقام واحدٍ على أنَّها أعظمُ من إبقاء الظلِّ على حالِه في الدِلالة على ما ذُكر من كمال القُدرةِ والحكمة مكونه من فُروعها ومُستتبعاتها فهي أَوْلَى وأحقُّ بالإيراد في معرضِ البيانِ وقولُه تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ عطفٌ على مدَّ داخلٌ في حُكمهِ أيْ جعلناها علامةً يستدلُّ بأحوالها المتغيِّرة على أحوالِه من غير أنْ يكونَ بينهما سببيّة وتأثيرٌ قطعاً حسبما نطقَ به الشَّرطيةُ المعترضة والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لما في الجعلِ المذكورِ العاري عن التَّأثيرِ مع ما يشاهد بين الشَّمسِ والظلِّ من الدَّورانِ المُطَّردِ المنبىءِ عن السَّببيّةِ من مزيد دلالة على عظمِ القُدرةِ ودقة الحكمةِ وهو السرُّ في إيراد كلمة التَّراخي وقولُه تعالى ﴿ثُمَّ قبضناه﴾
стр. 4553
سورة الفرقان (٤٦ ٤٨)
стр. 4554
﴿ثُمَّ قبضناه﴾ عطف على مد داخل في حكمه وثمَّ للتَّراخي الزَّماني لما أنَّ في بيان كون القبض والمد مر تبين دائرينِ على قطبِ مصالحِ المخلوقاتِ مزيدَ دلالةِ على الحكمة الرَّبانيَّةِ ويجوز أنْ تكونَ للتَّراخي الرُّتبي أي أزلناه بهد ما أنشأناهُ ممتدَّاً ومحوناه بمحص قُدرتنا ومشيئتنا عند إيقاعِ شعاعِ الشَّمس موقعَه من غير أن يكون له تأثيرٌ في ذلك أصلاً وإنَّما عبَّر عنه بالقبضِ المنبىء عن جميع المنبسطِ وطيِّه لمَا أنَّه قد عبَّر عن إحداثِه بالمدِّ الذي هو البسطُ طولاً وقوله تعالى ﴿إِلَيْنَا﴾ للتَّنصيصِ على كونِ مرجعِه إليه تعالى كما أنَّ حدوثَه منع ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾ أي على مهل قليلاً حسب ارتفاعِ دليله على وتيرة معيَّنةٍ مطَّردةٍ مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إنَّ الله تعالى حين بنى السماء كالقبلة المضروبة ودَحَا الأرضَ تحتها ألقت القبة طلها على الأرضِ لعدمِ النيِّر وذلك مدُّه تعالى إيَّاه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرَّاً على تلك الحالةِ ثم خلق الشَّمسَ وجعلها على ذلك الظلِّ أي سلَّطها عليه ونصَبها دليلاً متبوعاً له كما يتبعُ الدَّليل في الطَّريقِ فهو يزيدُ بها وينقصُ ويمتدُّ ويقلصُ ثم نسخه بها فقبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسيرا وقبضا سهلاً عند قيام السَّاعةِ بقبضِ أسبابهِ وهي الأجرامُ التي تلقي الظلَّ فيكون قد ذُكر إعدامُه بإعدامِ أسبابِه كما ذُكر إنشاؤه بإنشائِها ووصفه باليسرِ على طريقةِ قوله تعالى ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحقُّقِ الوقوع
стр. 4555
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ بيانٌ لبعض بدائعِ آثارِ قُدرتِه تعالى وحكمتِه وروائع أحكام رحمته ونعمه الفائضِة على الخلق وتلوينُ الخطابِ لتوفيةِ مقامِ الامتنانِ حقَّه واللامُ متعلِّقةٌ بجعلَ وتقديمُها على مفعولَيْه للاعتناءِ ببيان كونِ ما يعقُبه من منافعِهم وفي تعقيبِ بيان أحوال الظل ببيان أحكامِ اللَّيلِ الذي هُو ظلُّ الأرضِ من لُطف المسلكِ ما لا مزيدَ عليه أي هُوَ الذى جعلَ لكُم اللَّيلَ كاللِّباسِ يسترُكم بظلامِه كما يسترُكم اللِّباسُ ﴿والنوم سُبَاتاً﴾ أي وجعلَ النَّومَ الذي يقعُ في اللَّيلِ غالباً قطعاً عن الأفاعيل المختصَّة بحال اليقظةِ عبَّر عنه بالسُّباتِ الذي الموتُ لما بينها من المُشابهةِ التَّامةِ في انقطاعِ أحكامِ الحياةِ وعليهِ قولُه تعالى وَهُوَ الذى يتوفاكم بالليل وقولُه تعالى الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ أي زمانَ بعثٍ من ذلك السُّباتِ كبعثِ الموتى على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه أو نفسُ البعثِ على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النَّومَ واليقظةَ أنموذجٌ للموتِ والنُّشورِ وعن لُقمانَ ﵇ يا بُنيَّ كما تنامُ فتوقظُ كذلك تموتُ وتنشرُ
стр. 4556
﴿وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح﴾ وقُرىء بالتَّوحيدِ على أنَّ المرادَ هو الجنسُ ﴿بُشْرًا﴾ تخفيفُ بُشُر جمعُ بَشُورٍ أي مُبشِّرينَ وقُرىء بُشْرى وقرى نُشْراً بالنُّونِ جمعُ نَشور أي ناشرات للَّسَّحابِ وقُرىء بالتَّخفيفِ وبفتحِ النُّونِ أيضاً على أنه مصدرٌ
стр. 4557
سورة الفرقان (٤٦ ٤٨)
وُصف به مبالغةً وقولُه تعالى ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ استعارةٌ بديعةٌ أي قُدامَ المطرِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ في قولِه تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا من السماء ماء طَهُوراً﴾ لإبرازِ كمالِ العنايةِ بالإيزال لأنَّه نتيجةُ ما ذُكر من إرسالِ الرِّياحِ أي أنزلنا بعظمتِنا بما رتَّبنا من إرسالِ الرِّياح من جهةِ الفوقِ ماءً بليغاً في الطَّهارةِ وما قيل إنَّه ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيرهِ فهو شرح لبلاغته في الطَّهارةِ كما ينبُىء عنه قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ فإنَّ الطَّهورَ في العربيةِ إمَّا صفةٌ كما تقول ماء طهورا واسم كما في قوله ﷺ التُّرابُ طهورُ المؤمنِ وقد جاء بمعنى الطَّهارةِ كما في قولك تطهرتُ طَهوراً حسناً كقولك وَضُوءاً حسناً ومنه قوله تعالى ﷺ لا صلاةَ إلا بطَهورٍ ووصف الماءِ به إشعارٌ بتمام النِّعمةِ فيه وتتميم للنِّعمةِ فيما بعده فإنَّ الماءَ الطَّهورَ أهنأُ وأنفعُ ممَّا خالطه ما يزيل طهوريَّتَه وتنبيه على أنَّ ظواهرهم لما كانت ممَّا ينبغي أن يطهورها فبواطهم أحقُّ بذلك وأولى
стр. 4558
﴿لّنُحْيِىَ بِهِ﴾ أي بما أنزلنا من الماءِ الطَّهورِ ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ بإنبات النَّباتِ والتَّذكيرُ لأنَّ البلدةَ بمعنى البلدِ ولأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغةِ فأُجريَ مُجرى الجامدِ والمرادُ به القطعةُ من الأرضِ عامرةً كانت أو غامرةً ﴿وَنُسْقِيَهِ﴾ أي ذلك الماءُ الطَّهورُ عند جريانه في الأوديةِ أو اجتماعه في الحياضِ والمنافعِ أو الآبارِ ﴿مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً﴾ أي أهلَ البوادي الذين يعيشون بالحَيَا ولذلك نكَّر الأنعامَ والأَناسيَّ وتخصيصهم بالذكر لأنَّ أهل القرى والأمصار يقيمون بقرب الأنهار والمبالغ فيهم وبما لهم من الأنعام غنيةٌ عن سُقيا السَّماءِ وسائرُ الحيوانات تبعدُ في طلب الماء فلا يُعوِزُها الشُّربُ غالباً مع أنَّ مساقَ الآياتِ الكريمةِ كما هو للدِّلالة على عظم القدرة فهو لتعداد أنواع النِّعمةِ والأنعامُ حيث كانت قُنيةً للإنسان وعامة منافعهم ومعايشهم مَنوطةٌ بها قُدِّمَ سقيُها على سقيهم كما قُدِّم عليها إحياءُ الأرضِ فإنَّه سببٌ لحياتِها وتعيُّشِها وقُرىء نُسقيه وأَسْقَى وسَقَى لغتان وقيل أسقاهُ جعل له سُقيا وأَناسيَّ جمع إنسيَ أو إنسانٍ كظرابي في ظربان على أنَّ أصله أناسينَ فقُلبت نونُه ياءً وقُرىء أَناسيْ بالتَّخفيفِ بحذف ياءِ أفاعيلَ كأناعمَ في أناعيمَ
стр. 4559
﴿ولقد صرفناه﴾ أي وبالله لقد كررنا هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر لما مر من الغايات الجميلة في القرآن وغيره من الكتب السماوية ﴿بينهم﴾ أي بين الناس من المتقدمين والمتأخرين ﴿ليذكروا﴾ ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع رحمته في ذلك ويقوموا بشكر نعمته حق قيام وقيل الضمير للمطر وتصريفه بينهم إنزاله في بعض البلاد دون غيرها أو في بعض الأوقات دون بعض أو جعله تارة وابلا وأخرى طلا وحينا ديمه ووقتا رهمة والأول هو الأظهر ﴿فأبى أكثر الناس﴾ ممن سلف وخلف ﴿إلا كفورا﴾ أي لم يفعل إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو وإلا جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكر وصنع الله تعالى ورحمته ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء فهو كافر بخلاف من يرى أن الكل يخلق الله تعالى
стр. 4560
سورة الفرقان (٥١ ٥٣)
والأنواء أمارات لجعله تعالى
стр. 4561
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ نبيَّاً ينذر أهلها فيخف عليك أعباءَ النبوةِ لكن لم نشأْ ذلك فلم نفعلْه بل قصرنا الأمرَ عليك حسبما ينطِق به قوله تعالى لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً إجلالاً لك وتعظيماً وتفضيلاً لك على سائر الرُّسلِ
стр. 4562
﴿فَلَا تُطِعِ الكافرين﴾ أي فقابل ذلك بالثَّباتِ والاجتهاد في الدَّعوةِ وإظهار الحقِّ والتَّشددِ معهم كأنَّه نهيٌ لرسول الله ﷺ عن المُداراة معهم والتَّلطفِ في الدَّعوةِ لما أنَّه ﷺ كان يودُّ أنْ يدخُلوا في الإسلام ويجتهدُ في ذلك بتأليفِ قلوبهم أشدَّ الاجتهاد ﴿وجاهدهم بِهِ﴾ أي بالقُرآن بتلاوةِ ما في تضاعيفِه من القوارع والزَّواجرِ والمَواعظِ وتذكير أحوال الأممِ المكذِّبةِ ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾ فإنَّ دعوةَ كلِّ العالمينَ على الوجهِ المذكورِ جهادٌ كبيرٌ لا يُقادرُ قدرُه كمًّا وكيفاً وقيل الضَّميرُ المجرورُ لتِركِ الطَّاعةِ المفهوم من النَّهي عن الطَّاعةِ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ مجرَّد تركِ الطَّاعةِ يتحقَّقُ بلا دعوةٍ أصلاً وليس فيه شائبةُ الجهاد فضلان عن الجهاد الكبيرِ اللهمَّ إلَاّ أنْ تجعلَ الباء للملابسةِ ليكون المعنى وجاهِدْهم بما ذُكر من أحكامِ القُرآن الكريم ملابَساً بتركِ طاعتِهم كأنَّه قيل فجاهدْهم بالشِّدَّةِ والعُنفِ لا بالمُلاءمةِ والمُداراةِ كما في قوله تعالى يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وقد جُعل الضميرُ لما دلَّ عليه قولُه تعالى ولو شئنا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نذيرا من كونه ﷺ نذيرَ كافَّةِ القُرى لأنَّه لو بُعث في كلِّ قرية نذير لوجبَ على كلِّ نذير مجاهدةُ قريتِه فاجتمعتْ على رسُولِ الله ﷺ تلك المجاهداتُ كلُّها فكبُر من أجلِ ذلك جهادُه وعظم فقيل له ﷺ وجاهدْهم بسببِ كونِك نذيرَ كافَّةِ القُرى جهاداً كبيراً جامعاً لكلِّ مُجاهدةٍ وأنت خبيرٌ بأنَّ بيانَ سبب كِبَرِ المُجاهدةِ بحسب الكميَّةِ ليس فيه مزيد فإنَّه بيِّنٌ بنفسِه وإنَّما اللائقُ بالمقامِ بيانُ سببِ كبرِها وعظمِها في الكيفيَّةِ
стр. 4563
﴿وَهُوَ الذى مَرَجَ البحرين﴾ أي خلَاّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ من مَرَجَ دابَّته إذا خلَاّها ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ بليغُ المُلوحةِ وقُرىء مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قوله تعالى بغير عمد وترونها ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ وتنافراً مُفرِطاً كأن كلامهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها وقيل المرادُ بالبحرِ العذبِ اله العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبيرُ وبالبرزخ ما بينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ مع أنَّ مُقتضى طبيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتشابه في الكيفية
стр. 4564
سورة الفرقان (٥٤ ٥٩)
стр. 4565
﴿وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً﴾ هو الماءُ الذي خمَّر به طينة آدمَ ﵇ أو جعله جُزءاً من مادَّةِ البشر ليجتمع ويسلسَ ويستعدَّ لقبول الأشكال والهيئاتِ بسهولة أو هو النُّطفةُ ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ أي قسمه قسمينِ ذوَيْ نسبٍ أي ذكوراً يُنتسبُ إليهم وذوات صهرا أي أناثاً يُصاهرُ بهنَّ كقولهِ تعالى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والانثى ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ مبالغاً في القُدرة حيث قدرَ على أنْ يخلقَ من مادَّةٍ واحدةٍ بشراً ذَا أعضاءٍ مختلفةٍ وطباعٍ مُتباعدةٍ وجعله قسمين متقابلتين ورُبَّما يخلق من نُطفةٍ واحدة توأمين ذكرا وأنثى
стр. 4566
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الذي شأنه ما ذكر ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ أي ما ليس من شأنِه النَّفعُ والضُّرُّ أصلاً وهو الأصنامُ أو كل ما يعبدون من دونه تعالى إذْ ما من مخلوقٍ يستقلُّ بالنَّفع والضُّرُّ ﴿وَكَانَ الكافر على رَبّهِ﴾ الذي ذُكرتْ آثارُ ربوبَّيتهِ ﴿ظَهِيرًا﴾ يُظاهر الشَّيطانَ بالعداوةِ والشركِ والمرادُ بالكافر الجنسُ أو أبُو جهلٍ وقيل هيِّناً مهيناً لا اعتدادَ به عندَه تعالى من قولِهم ظهرتَ به إذا نبذته خلفَ ظهرِك فيكون كقولِه تعالى وَلَا يُكَلّمُهُمُ الله وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ
стр. 4567
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ مُبَشّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين
стр. 4568
﴿قُلْ﴾ لهم ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على تبليغِ الرَّسالةِ الذي ينبىءُ عنه الإرسالُ مِنْ ﴿أَجْرٍ﴾ من جهتكم ﴿إِلَاّ مَن شَاء أن يتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً﴾ أي الأفعال من يُريد أنْ يتقرَّبَ إليه تعالى ويطلبَ الزُّلْفى عندَه بالإيمانِ والطَّاعةِ حسبَما أدعُوهم إليهما فصوَّرَ ذلك بصورةِ الأجرِ من حيثُ إنَّه مقصودُ الإتيانِ به واستثنى منه قلعاً كلَّياً لشائبةِ الطَّمعِ وإظهاراً لغاية الشَّفقةِ عليهم حيثُ جعلَ ذلك مع كونِ نفعِه عائدا إليهم عائدا إليه ﷺ وقيل الاستثناءُ منقطعٌ أي لكِنْ منَ شاء أنْ يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعلْ
стр. 4569
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لَا يَمُوتُ﴾ في الاستكفاءِ عن شرورِهم والإغناءِ عن أجورِهم فإنَّه الحقيقُ بأنْ يتوكل بأن عليه دون الأحياء الذين من شأنِهم الموتُ فإنَّهم إذا ماتوا اضاع مَن توكَّل عليهم ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ونزَّهه عن صفاتِ النُّقصانِ مُثنياً عليه بنعوتِ الكمالِ طالباً لمزيدِ الإنعامِ بالشُّكرِ على سوابغِه ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظهرَ منها وما بطنَ ﴿خَبِيراً﴾ أي مُطَّلِعاً عليها بحيثُ لا يَخْفى عليه شيءٌ منها فيجزيهم جزاءً وافيا
стр. 4570
﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾
стр. 4571
قد سلفَ تفسيرُه ومحلُّ الموصولِ الجرُّ على أنَّه صفةٌ أُخرى للحيِّ وصف بالصِّفةِ الفعلية بعد وصفهِ بالأبديَّةِ التي هي من الصَّفاتِ الذَّاتيةِ والإشارةُ إلى الصافة بالعلمِ الشَّاملِ لتقريرِ وجوبُ التوكلِ عليه تعالى وتأكيده فإنَّ من أنشأَ هذه الأجرامَ العظامَ على هذا النمطِ الفائقِ والنَّسقِ الرَّائقِ بتدبيرٍ متينٍ وترتيبٍ رصينٍ في أوقاتٍ معيَّنة مع كمال قدرتِه على إبداعها دفعةً لحكمِ جليلةٍ وغاياتٍ جميلةٍ لا تقف على تفاصيلِها العقولُ أحقُّ مَن يُتوكَّل عليه وأَولى من يُفوَّضُ الأمرُ إليه ﴿الرحمن﴾ مرفوعٌ على المدحِ أي هو الرحمنُ وهو في الحقيقةِ وصفٌ آخرُ للحيِّ كما قُرىء بالجرِّ مفيد لزيادة تأكيد ما ذُكر من وجوبُ التوكلِ عليه تعالى وإنْ لم يتبْعه في الإعرابِ لما تقرَّر من أنَّ المنصوبَ والمرفوعَ مَدحاً وإنْ خرجَا عن التبيعة لما قبلهما صورةً حيثُ لم يتبعاهُ في الإعرابِ وبذلك سُمّيا قطعاً لكنَّهما تابعانِ له حقيقةً أَلَا يرى كيف النزموا حذف الفعل والمتدأ في النصب والرفع وما لتصوير كلَ منهما بصورةِ متعلِّقٍ من متعلَّقات ما قبلَه وتنبيهاً على شدَّةِ الاتِّصالِ بينهما وقد مرَّ تمامُ التَّحقيق في تفسير قولِه الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب الآيةَ وقيل الموصولُ مبتدأٌ والرَّحمنُ خبرُه وقيل الرَّحمنُ بدلٌ من المستكنِّ في استوى ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي بتفاصيلِ ما ذُكر إجمالاً من الخَلْقِ واستواء لا بنفسِهما فقط إذْ بعد بيانِهما لا يبقى إلى السُّؤالِ حاجةٌ ولا في تعديتهِ بالباءِ فائدةٌ فإنَّها مبنيَّةٌ على تضمينهِ معنى الاعتناءِ المستدعِي لكون المسؤل أمراً خطيراً مهتمًّا بشأنِه غيرَ حاصلٍ للسَّائلِ وظاهرٌ أنَّ نفسَ الخلقِ والاستواءِ بعد الذِّكرِ ليس كذلكَ وما قيل من أن التَّقديرَ إنْ شككتَ فيه فاسألْ به خَبيراً على أن الخطاب له ﷺ والمرادَ غيرُه بمعزلٍ من السَّدادِ بل التَّقديرُ إنْ شئتَ تحقيقَ ما ذُكر أو تفصيلَ ما ذُكر فاسألْ معنيًّا بهِ ﴿خَبِيراً﴾ عظيمَ الشَّأنِ محيطاً بظواهرِ الأمورِ وبواطِنها وهو الله سبحانَه يُطلعك على جليَّةِ الأمرِ وقيل فاسألْ به من جده في الكتبِ المتقدِّمةِ ليصدُقكَ فيه فلا حاجةَ حينئذٍ إلى ما ذَكرنا وقيل الضَّميرُ للرَّحمنِ والمعنى إنْ أنكرُوا إطلاقُه على الله تعالى فاسألْ عنه مَن يُخبرك من أهلِ الكتابِ ليعرفوا مجيء ما يردافه في كتبِهم وعلى هَذا يجوزُ أنْ يكونَ الرَّحمنُ مبتدأ وما بعده خبرا وقُرىء فَسَلْ
стр. 4572
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن﴾ قالوا لما أنهم ما كانوا يُطلقونَهُ على الله تعالى أو لأنَّهم ظنُّوا أنَّ المرادَ به غيرُه تعالى ولذلك قالُوا ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أي للذي تأمرُنا بسجودِه أو لأمرِك إيَّانا من غيرِ أنْ نعرفَ أن المسجود له ماذا وقيل لأنَّه كانَ مُعرَّباً لم يسمعُوه وقُرىء يأْمُرنا بياءِ الغَيبةِ على أنَّه قولُ بعضِهم لبعضٍ ﴿وَزَادَهُمْ﴾ أي الأمرُ بسجودِ الرَّحمنِ ﴿نُفُورًا﴾ عن الإيمانِ
стр. 4573
﴿تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً﴾ هيَ البروجُ الاثنَا عشرَ سُّمِّيتْ به وهي القُصور العاليةُ لأنَّها للكواكبِ السَّيارةِ كالمنازلِ الرَّفيعةِ لسُكَّانِها واشتقاقُه من البُرجِ لظهورِه ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾ هي الشَّمسُ لقولِه تَعالَى وجعل الشَّمسَ سراجاً وقُرىء سرجا وهي
стр. 4574
سورة الفرقان (٦٢ ٦٥)
الشَّمسُ والكواكبُ الكبارُ ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ مُضيئاً بالليَّل وقُرىء قمرا أي ذا قمر وهي مع قَمراءَ ولما أنَّ اللَّياليَ بالقمر تكون قمرا ضيف إليها ثمَّ حُذفَ وأُجريَ حكمُه على المضافِ إليهِ القائمِ مقامَهُ كما في قولِ حسَّانَ ﵁ ﴿بردى يضيق بالرَّحيقِ السَّلسلِ﴾ أي ماءُ بَردى ويُحتمل أنَّ يكونَ بمعنى القمرِ كالرَّشدِ والرُّشدِ والعَرَبِ والعُرْبِ
стр. 4575
﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً﴾ أي ذَوَي خلفةٍ يخلفُ كلٌّ منهما الآخرَ بأنْ يقومَ مقامَه فيما ينبغي أنْ يَعملَ فيه أو بأنْ يَعتِقبا كقوله تعالى واختلاف الليل والنهار وهي اسمٌ للحالةِ من خلفَ كالرِّكبةِ والجِلسةِ من رَكِبَ وجَلَس ﴿لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ أي يتذكَّر آلاءَ الله ويتفكَّر في بدائعِ صُنَعهِ فيعلم أنَّه لا بُدَّ لها من صانعٍ حكيمٍ واجبِ الذَّاتِ رحيمٍ للعبادِ ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ أي أنْ يشكَر الله تعالى على ما فيهما من النِّعمِ أو ليكونا وقتين للذاكربن مَن فاتَهُ وِرْدُه في أحدهما تداركه في الآخر وقرى أنْ يذكُرَ من ذَكَر بمعنى تذكَّر
стр. 4576
﴿وَعِبَادُ الرحمن﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أو صاف خلَّصِ عبادِ الرَّحمنِ وأحوالِهم الدَّنيويةِ والأخُروَّيةِ بعد بيان حال النَّافرين عن عبادتِه والسُّجودِ له والإضافةُ للتَّشريفِ وهو مبتدأ خبرُه ما بعدَهُ من الموصولِ وما عُطف عليهِ وقيلَ هو ما في آخرِ السُّورةِ الكريمةِ من الجُملةِ المصدَّرةِ الإشارةِ وقُرىء عبادُ الرَّحمنِ أي عبادُه المقبُولونَ ﴿الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً﴾ أي بسكينةٍ وتواضعٍ وهَوْناً مصدرٌ وُصف به ونصبُه إمَّا على أنَّه حالٌ من فاعلِ يمشُون أو على أنه نعث لمضدره أي يمشُون هيِّنين ليِّنيِ الجانبِ من غيرِ فظاظةٍ أو مشياً هيِّنا وقولُه تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون﴾ أي السُّفهاءُ كما في قول من قال ألا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا فنجهل فوق جهل الجاهلية ...
﴿قَالُواْ سَلَاماً﴾ بيانٌ لحالِهم في المُعاملة مع غيرِهم إِثرَ بيانِ حالِهم في أنفسِهم أي إذا خاطبُوهم بالسُّوءِ قالوا تسليماً منكمُ ومتاركةً لا خيرَ بيننا وبينكم شرَّ وقيل سَداداً من القولِ يسلمُون به من الأذيَّةِ والإثمِ وليسَ فيه تعرُّضٌ لمعاملتِهم مع الكَفَرةِ حتَّى يُقالَ نسختها آيةُ القتالِ كما نُقل عن أبي العاليةِ وقولُه تعالى
стр. 4577
﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما﴾ بيانٌ لحالِهم في معاملتِهم مع ربِّهم أي يكونون ساجدين لربِّهم وقائمين أي يحبون اللَّيلَ كُلاًّ أو بعضاً بالصَّلاةِ وقيل من قرأ شيئاً من القُرآنِ في صلاةٍ وإنْ قلَّ فقد باتَ ساجداً وقائماً وقيل هُما الرَّكعتانِ بعد المغربِ والرَّكعتانِ بعد العشاءِ وتقديمُ السُّجودِ على القيامِ لرعايةِ الفواصلِ
стр. 4578
﴿والذين يَقُولُونَ﴾ أي في أعقابِ صلواتِهم أو في عامة أو قاتهم ﴿رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾
стр. 4579
أي شراً دائماً وهلاكاً لازماً وفيه مزيدُ مدحٍ لهم ببيان أنَّهم مع حُسن معاملتِهم مع الخلقِ واجتهادِهم في عبادةِ الحقِّ يخافُون العذابَ ويبتهلون إلى الله تعالَى في صرفِه عنهم مختلفين بأعمالِهم كقوله تعالَى والذين يُؤْتُونَ ما آتوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون
стр. 4580
﴿إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ تعليلٌ لاستدعائِهم المذكورِ بسوءِ حالِها في نفسها إثرَ تعليلهِ بسوء حالِ عذابِها وقد جوز أن يكون تعليلاً للأُولى وليس بذاك وساءتْ في حكم بئستُ وفيها ضميرٌ مبهمٌ يفسِّره مستقرَّاً والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ معناه ساءتْ مستقرَّاً ومقاماً هَي وهذا الضَّميرُ هو الذي ربطَ الجملة باسمِ إنَّ وجعلَها خبراً لها قيلَ ويجوزُ أنْ يكونَ ساءتْ بمعنى أحزنتْ وفيها ضميرا اسم إنَّ ومستقرَّاً حالٌ أو تمييزٌ وهو بعيدٌ خالٍ عَّما في الأولِ من المبالغةِ في بيانِ سوءِ حالِها وكذا جعل التعليلينِ من جهتِه تعالى
стр. 4581
﴿والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ﴾ لم يجاوزُوا حدَّ الكرمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ ولم يضيِّقُوا تضييقَ الشَّحيحِ وقيل الإسراف هو الإتفاق في المعاصِي والقترُ منعُ الواجباتِ والقُربِ وقُرىء بكسرِ التَّاءِ مع فتحِ الياءِ وبكسرها مخففة ومشدة مع ضمِّ الياءِ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذلك﴾ أي بين ما ذكر من الإسراف والقَترِ ﴿قَوَاماً﴾ وسطاً وعدلاً سُمِّي به لاستقامةِ الطَّرفينِ كما سُمِّيَ به سواءً لا ستوائهما وقُرىء بالكسرِ وهو ما يُقام به الحاجةُ لا يفضلُ عنها ولا ينقصُ وهو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ مؤكِّدة أو هو الخبرُ وبين ذلك لغوٌ وقد جوز أن يكون اسمَ كانَ على أنَّه مبنيٌّ لأضافتِه إلى غيرِ متمكِّن ولا يَخْفى ضعفُه فإنَّه بمعنى القوام فيكون كالإخبارِ بشيءِ عن نفسِه
стр. 4582
﴿والذين لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخر﴾ شروعٌ في بيان اجتنابِهم عن المعاصي بعد بيانِ إتيانِهم بالطَّاعات وذكرُ نفيِ الإسرافِ والقَتْرِ لتحقيقِ معنى الاقتصادِ والتَّصريحُ بوصفِهم بنفيِ الإشراكِ مع ظهورِ إيمانِهم لإظهارِ كمالِ الاعتناء بالتَّوحيدِ والإخلاصِ وتهويلِ أمرِ القتلِ والزِّنا بنظمِهما في سلكِه وللتَّعريضِ بما كانَ عليه الكَفَرةُ من قُريشٍ وغيرِهم أي لا يعبدونَ معه تعالى إلهاً آخرَ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله﴾ أي حرَّمها بمعنى حرَّم قتلَها فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه مبالغةً في التَّحريمِ ﴿إِلَاّ بالحق﴾ أي لا يقتلونَها بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ المزيلِ لحُرمتِها وعصمتِها أو لا يقتلون قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحقِّ أو لا يقتلونها في حالٍ من الأحوالِ إلا حال كونهم ملتبسين بالحقِّ ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ أي الذين لا يفعلُون شيئاً من هذه العظائمِ القبيحةِ التي جمعهنَّ الكفرةُ حيث كانُوا مع إشراكِهم به سبحانه مداومين على قتلِ النُّفوسِ المحرَّمةِ التي من جُملتها الموءودةُ مكبِّين على الزنا لا يرعون عنه أصلاً ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي ما ذُكر كما هو دأبُ الكَفرةِ
стр. 4583
سورة الفرقان (٦٩ ٧٢) المذكُورين ﴿يَلْقَ﴾ في الآخرةِ وقرىء يلقَّ بالتَّشديدِ مجزوماً ﴿أَثَاماً﴾ وهو جزاءُ الإثمِ كالوبال والنِّكال وزناً ومعنى وقيل هو الإثم أي يلقَ جزاءُ الإثم والتَّنوينُ على التَّقديرين للتفخيم وقُرىء أيَّاماً أي شدائدَ يقال يومٌ ذُو أيَّام لليومِ الصَّعبِ
стр. 4584
﴿يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ بدلٌ من يلقَ لاتِّحادِهما في المعنى كقوله ... متى تأتِنا تُلمِمْ بنا في ديارِنا ... تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأجَّجاً وقُرىء ...
بالرَّفع على الاستئنافِ أو على الحالَّيةِ وكذا ما عُطف عليه وقرىء يُضعَّف ونُضعِّف له العذابَ بالنُّون ونصبِ العذابِ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ أي في ذلكَ العذابِ المضاعفِ ﴿مُهَاناً﴾ ذليلاً مستحقراً جامعاً للعذاب الجُسمانيِّ والرُّوحانيِّ وقرىء يُخلَد ويُخلَّد مبنياً للمفعول من الإخلاد والتَّخليدِ وقُرىء تخلُد بالتاء على الالتفات المنبىءِ عن شدَّة الغضبِ ومضاعفةِ العذابِ لانضمامِ المعاصي إلى الكفر كما يفصحُ عنه قولُه تعالى
стр. 4585
﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا﴾ وذكر الموصوفِ مع جريانِ الصَّالحِ والصَّالحاتِ مَجرى الإسم للإعتناء والتنَّصيص على مغايرتهِ للأعمال السَّابقةِ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصولِ والجمعُ باعتبارِ معناه كما أن الإفراد في الأفعالِ الثَّلاثة باعتبار لفظةِ أي أولئك الموصُوفون بالتَّوبةِ والإيمانِ والعملِ الصَّالحِ ﴿يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات﴾ بأنْ يمحوَ سوابقَ معاصِيهم بالتَّوبةِ ويثبت مكانَها لواحقَ طاعتِهم أو يبدلَ بملكة المعصيةِ ودواعيها في النفس ملكةَ الطَّاعةِ بأنْ يُزيلَ الأُولى ويأتيَ بالثَّانيةِ وقيل بأنْ يُوفقَه لأضدادِ ما سلف منه أو أن يُثبت له بدَل كلِّ عقابٍ ثواباً وقيل يبدلهم بالشِّركِ إيماناً وبقتل المسلمينَ قتلَ المشركين وبالزِّنا عفَّةً وإحصاناً ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ اعتراض تذيبلى مقرِّرٌ لما قبله من المحوِ والإثبات
стр. 4586
﴿وَمَن تَابَ﴾ أي عن المعاصي بتركها بالكليَّة والنَّدمِ عليها ﴿وَعَمِلَ صالحا﴾ يتلافى به ما فَرَطَ منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطَّاعات ﴿فَإِنَّهُ﴾ بما فعلَ ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ أي يرجعُ إليه تعالى ﴿مَتاباً﴾ أي متاباً عظيمَ الشَّأنِ مرضيّاً عنده تعالى ما حيا للعقاب محصِّلاً للثَّوابِ أو يتوب متاباً إلى الله تعالى الذي يحبُّ التَّوابينَ ويحسن إليهم أو فإنَّه يرجعُ إليه تعالى أو إلى ثوابه مرجعاً حسناً وهذا تعيمم بعد تخصيصِ
стр. 4587
﴿والذين لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يُقيمون الشَّهادةَ الكاذبةَ أو لا يحضُرون محاضرَ الكذبِ فإنَّ مشاهدةَ الباطل مشاركةٌ فيه ﴿وَإِذَا مَرُّواْ﴾ على طريقِ الاتفاقِ ﴿باللغو﴾ أي ما يجبُ أنْ يُلغى ويُطرحَ مَّما لا خيرَ فيه ﴿مَرُّواْ كِراماً﴾ معرضين عنه مكرِمين أنفسَهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاءُ عن الفواحش والصَّفحُ عن الذُّنوب والكنايةُ عمَّا يُستهجنُ التصريح به
стр. 4588
سورة الفرقان (٧٣ ٧٥)
стр. 4589
﴿والذين إذا ذكروا بآيات رَبّهِمْ﴾ المنطويةِ على المواعظ والأحكامِ ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ أي أكبُّوا عليها سامعين بآذانٍ واعيةٍ مجلين لها بعيون راعية وإنما عبَّر عن ذلك بنفي الضِّدِّ تعريضاً بما يفعله الكفرةُ والمنافقون وقيل الضَّميرُ للمعاصي المدلولِ عليها باللغو
стр. 4590
﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بتوفيقهم للطَّاعةِ وحيازة الفضائلِ فإنَّ المؤمنَ إذا ساعده أهلُه في طاغة الله وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ بهم عينُه لما يشاهدُه من مشايعتهم له في مناهجِ الدِّينِ وتوقُّعِ لحوقِهم به في الجنَّة حسبما وعد بقوله تعالى أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ ومِن ابتدائتة او بيانية وقرئ وذريتا وتنكيرُ الأعينِ لإرادة تنكيرِ القُرَّة تعظيماً وتقليلُها لأنَّ المراد أعين المنقين ولا ريبَ في قلَّتِها نظراً إلى غيرِها ﴿واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ أي اجعلنا بحيثُ يقتدون بنا في إقامة مواسم الدِّين بإفاضة العلم والتَّوفيقِ للعمل وتوحيدُه للدِّلالة على الجنس وعدم الإلباس كقوله تعالى ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً أو لأنَّ المرادَ واجعلْ كلَّ واحدٍ مَّنا إماماً أو لأنَّهم كنفس واحدةٍ لاتِّحاد طريقتهم واتِّفاق كلمتِهم كذا قالُوا وأنت خبيرٌ بأن مدارَ الكلِّ صدورُ هذا الدُّعاء إما عن الكلِّ بطريق المعيَّةِ وأنه محال لاستحانة اجتماعِهم في عصرٍ واحدٍ فما ظك باجتماعهم في مجلسٍ واحدٍ واتِّفاقِهم على كلمةٍ واحدةَ وإما عنْ كلَّ واحدٍ منْهُم بطريق تشريك غيره في استدعاءِ الإمامةِ وأنَّه ليس بثابتٍ جَزْماً بل الظَّاهرُ صوره عنهم بطريقِ الانفرادِ وأنَّ عبارةَ كلِّ واحدٍ منهم عند الدُّعاء واجعلني للمتَّقين إماماً خلا أنه حُكيت عباراتُ الكلِّ بصيغة المتكلِّم مع الغيرِ للقصدِ إلى الإيجاز على طريقة قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا وأتقى إماماً على حاله وقيل الإمامُ جمعُ آمَ بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مُقتدين بهم وإعادةُ الموصولِ في المواقع السَّبعةِ مع كفايةِ ذكرِ الصِّلات بطريقِ العطفِ على صلة الموصول الأول للإبذان بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر في حيَّزِ صلةِ الموصولاتِ المذكورة وصفٌ جليلٌ على حِياله له شأنٌ خُطيرٌ حقيقٌ بأنْ يُفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يُجعل شيءٌ من ذلكَ تتمة لغيرهِ وتوسيط العاطفِ بين الموصولاتِ لتنزيلِ الاختلافِ العنوانيِّ منزلةَ الاختلافِ الذاتيِّ كما في قولِه ... إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ ...
следующие страницы →