← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

﴿وَمَن تَابَ﴾ أي عن المعاصي بتركها بالكليَّة والنَّدمِ عليها ﴿وَعَمِلَ صالحا﴾ يتلافى به ما فَرَطَ منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطَّاعات ﴿فَإِنَّهُ﴾ بما فعلَ ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ أي يرجعُ إليه تعالى ﴿مَتاباً﴾ أي متاباً عظيمَ الشَّأنِ مرضيّاً عنده تعالى ما حيا للعقاب محصِّلاً للثَّوابِ أو يتوب متاباً إلى الله تعالى الذي يحبُّ التَّوابينَ ويحسن إليهم أو فإنَّه يرجعُ إليه تعالى أو إلى ثوابه مرجعاً حسناً وهذا تعيمم بعد تخصيصِ

стр. 4587

﴿والذين لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يُقيمون الشَّهادةَ الكاذبةَ أو لا يحضُرون محاضرَ الكذبِ فإنَّ مشاهدةَ الباطل مشاركةٌ فيه ﴿وَإِذَا مَرُّواْ﴾ على طريقِ الاتفاقِ ﴿باللغو﴾ أي ما يجبُ أنْ يُلغى ويُطرحَ مَّما لا خيرَ فيه ﴿مَرُّواْ كِراماً﴾ معرضين عنه مكرِمين أنفسَهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاءُ عن الفواحش والصَّفحُ عن الذُّنوب والكنايةُ عمَّا يُستهجنُ التصريح به

стр. 4588

سورة الفرقان (٧٣ ٧٥)

стр. 4589

﴿والذين إذا ذكروا بآيات رَبّهِمْ﴾ المنطويةِ على المواعظ والأحكامِ ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ أي أكبُّوا عليها سامعين بآذانٍ واعيةٍ مجلين لها بعيون راعية وإنما عبَّر عن ذلك بنفي الضِّدِّ تعريضاً بما يفعله الكفرةُ والمنافقون وقيل الضَّميرُ للمعاصي المدلولِ عليها باللغو

стр. 4590

﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بتوفيقهم للطَّاعةِ وحيازة الفضائلِ فإنَّ المؤمنَ إذا ساعده أهلُه في طاغة الله وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ بهم عينُه لما يشاهدُه من مشايعتهم له في مناهجِ الدِّينِ وتوقُّعِ لحوقِهم به في الجنَّة حسبما وعد بقوله تعالى أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ ومِن ابتدائتة او بيانية وقرئ وذريتا وتنكيرُ الأعينِ لإرادة تنكيرِ القُرَّة تعظيماً وتقليلُها لأنَّ المراد أعين المنقين ولا ريبَ في قلَّتِها نظراً إلى غيرِها ﴿واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ أي اجعلنا بحيثُ يقتدون بنا في إقامة مواسم الدِّين بإفاضة العلم والتَّوفيقِ للعمل وتوحيدُه للدِّلالة على الجنس وعدم الإلباس كقوله تعالى ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً أو لأنَّ المرادَ واجعلْ كلَّ واحدٍ مَّنا إماماً أو لأنَّهم كنفس واحدةٍ لاتِّحاد طريقتهم واتِّفاق كلمتِهم كذا قالُوا وأنت خبيرٌ بأن مدارَ الكلِّ صدورُ هذا الدُّعاء إما عن الكلِّ بطريق المعيَّةِ وأنه محال لاستحانة اجتماعِهم في عصرٍ واحدٍ فما ظك باجتماعهم في مجلسٍ واحدٍ واتِّفاقِهم على كلمةٍ واحدةَ وإما عنْ كلَّ واحدٍ منْهُم بطريق تشريك غيره في استدعاءِ الإمامةِ وأنَّه ليس بثابتٍ جَزْماً بل الظَّاهرُ صوره عنهم بطريقِ الانفرادِ وأنَّ عبارةَ كلِّ واحدٍ منهم عند الدُّعاء واجعلني للمتَّقين إماماً خلا أنه حُكيت عباراتُ الكلِّ بصيغة المتكلِّم مع الغيرِ للقصدِ إلى الإيجاز على طريقة قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا وأتقى إماماً على حاله وقيل الإمامُ جمعُ آمَ بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مُقتدين بهم وإعادةُ الموصولِ في المواقع السَّبعةِ مع كفايةِ ذكرِ الصِّلات بطريقِ العطفِ على صلة الموصول الأول للإبذان بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر في حيَّزِ صلةِ الموصولاتِ المذكورة وصفٌ جليلٌ على حِياله له شأنٌ خُطيرٌ حقيقٌ بأنْ يُفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يُجعل شيءٌ من ذلكَ تتمة لغيرهِ وتوسيط العاطفِ بين الموصولاتِ لتنزيلِ الاختلافِ العنوانيِّ منزلةَ الاختلافِ الذاتيِّ كما في قولِه ... إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ ...

стр. 4591

﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المتَّصفين بما فصل في حين صلة الموصُولات الثمَّانيةِ من حيثُ اتِّصافُهم به وفيهِ دلالةٌ على أنَّهم متميِّزون بذلك أكملَ تميُّز منتظِمون بسببه في سِلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعد منزلتِهم في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى ﴿يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبينةٌ لما لَهُمْ فِى الآخرةِ من السَّعادةِ الأبديَّةِ إثرَ بيانِ ما لهُم في الدُّنيا من الأعمال السَّنيةِ والغُرفة الدَّرجةُ العاليةُ من المنازل وكلُّ بناء

стр. 4592

سورة الفرقان (٧٦ ٧٧) مرتفعٍ عالٍ أي يُثابون أعلى منازل الجنَّةِ وهي اسمُ جنسٍ أُريد به الجمع كقولِه تعالى وَهُمْ في الغرفات آمنون وقيل هي اسمٌ من أسماء الجنَّةِ ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي بصبرِهم على المشاقِّ من مضض الطَّاعاتِ ورفض الشَّهواتِ وتحمُّلِ المجاهدات ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ من جهةِ الملائكةِ ﴿تحية وسلاما﴾ أي يحيهم الملائكةُ ويدعُون لهم بطول الحياة والسَّلامةِ من الآفاتِ أو يعطون النبقية والتَّخليدَ مع السَّلامةِ من كلِّ آفةٍ وقيل يُحيِّي بعضُهم بعضاً ويُسلِّم عليه وقُرىء يلقَون من لَقِي

стр. 4593

﴿خالدين فِيهَا﴾ لا يموتُون ولا يُخرجون ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ الكلامُ فيه كالذي مرَّ في مقابلة

стр. 4594

﴿قُلْ﴾ أُمرَ رسولُ الله ﷺ بأنْ يبيِّن للنَّاسِ أنَّ الفائزون بتلك النَّعماءِ الجليلةِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ إنَّما نالُوها بما عُدِّدَ من محاسنهم ولولاها لم يُعتدَّ بهم أصلاً أي قُل لهم كافَّةً مشافِهاً لهم بما صدرَ عن جنسهم من خيرٍ وشر ﴿ما يعبأ بِكُمْ رَبّى لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ أيْ أيُّ عبءٍ يُعبأُ بكم وأيُّ اعتدادٍ يُعتدُّ بكم لولا عبادتُكم له تعالى حسبما مرَّ تفصيلُه فإنَّ ما خُلق له الإنسانُ معرفتُه تعالى وطاعتُه وإلَاّ فهو وسائرُ البهائمِ سواءٌ وقال الزَّجَّاجُ معناه أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده وقيل معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلامِ وقيل ما يصنعُ بعذابِكم لولا دعاؤكم معه آلهةً ويجوز أن تكون مانافية وقوله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بيانٌ لحال الكَفَرةِ من المخاطَبين كما أنَّ ما قبله بيانٌ لحال المُؤمنين منُهم أي فقد كذَّبتُم بما أخبرتكم به وخالقتموه أيُّها الكَفَرةُ ولم تعملوا عملَ أولئك المذكورينَ وقيل فقد قصَّرتمُ في العبادة من قولهم كذَب القتالُ إذا لم يُبالغ فيه وقُرىء فقد كذبَ الكافرون أي الكافرون منكُم لعمومِ الخطابِ للفريقينِ وفائدتُه الإيذانُ بأنَّ مناطَ فوزِ أحدِهما وخسرانِ الآخر مع الاتِّحاد الجنسيِّ المصحِّحِ للاشتراكِ في الفوزِ ليس إلا اختلافُهما في الأعمال ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ أي يكون جزاءُ التكذيبِ أو أثرُه لازماً يحيقُ بكم لا محالةَ حتَّى يُكبكم في النَّارِ كما تُعربُ عنه الفاءُ الدَّالَّةُ على لزومِ ما بعدها لما قبلَها وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مَّما لا يُكتنهه البيانُ وقيل يكون العذابُ لزاماً وعن مجاهد ﵀ هو القتلُ يومَ بدرٍ وأنه لُوزم بين القَتْلى وقُرىء لَزاماً بالفتح بمعنى اللُّزومِ كالثَّباتِ والثُّبوتِ عن رسول الله ﷺ مَن قرأَ سورةَ الفرقانِ لقي الله تعالَى وهُو مؤمن بأن الساعة آنية لا ريبَ فيها وأُدخلَ الجنة بغير نصب

стр. 4595

سورة الشعراء (١ ٤) سورة الشعراء مكية إلا الآيات ١٩٧ ومن آية ٢٢٤ إلى آخر السورة فمدنية وآياتها ٢٢٧ ﴿بِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم﴾

стр. 4596

﴿طسم﴾ بتفخيمِ الألف وبإمالتِها وإظهارِ النُّونِ وبإدغامِها في الميمِ وهو إمَّا مسرودٌ على نمطِ التعديدِ بطريقِ التَّحدِّي على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في فاتحة البقرةِ فلا محلَّ له من الإعرابِ وإمَّا اسمٌ للسورة كما عليه الإطباق الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وهو أظهرُ من الرَّفع على الابتداءِ وقد مرَّ وجهُه في مطلعِ سُورة يونسَ ﵇ أو النصبُ بتقديرِ فعلِ لائقٍ بالمقام نحوُ اذكُر أو اقرأْ وتلكَ في قولِه تعالى

стр. 4597

﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ إشارةٌ إلى السُّورة سواءٌ كانَ طسم مسروداً على نمطِ التعديدِ أو اسماً للسُّورة حسبما مرَّ تحقيقُه هناك وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلةِ المشارِ إليه في الفخامةِ ومحلُّه الرفعُ على أنه مبتدأ خبرُه ما بعَدُه وعلى تقديرِ كونِ طسم مبتدأً فهو مبدأ ثانٍ أو بدلٌ من الأَّولِ والمرادُ بالكتابِ القرآنُ وبالمبينِ الظَّاهرُ إعجازُه على أنه من أبان بمعنى بانَ أو المُبينُ للأحكامِ الشَّرعيةِ وما يتعلَّقُ بها أو الفاصلِ بين الحقِّ والباطلِ والمعنى هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مترجمةٌ باسمِ مستقلٍ والمرادُ ببيانُ كونِها بعضا منه وصفُها بما اشتُهر به الكُلُّ من النُّعوتِ الفاضلةِ

стр. 4598

﴿لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ﴾ أي قاتلٌ وأصلُ البَخعِ أنْ يبلغَ بالذَّبحِ النُّخاعَ وهو عرقٌ مستبطنُ الفقارِ وذلك أقصى حدِّ الذَّبحِ وقُرىء باخِعُ نفسِك على الإضافةِ ولعل للإشتفاق أي أشفقْ على نفسِك أنْ تقتلَها حسرةً على ما فاتَك من إسلامِ قومِك ﴿أَلَاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي لعدمِ إيمانِهم بذلكَ الكتابِ المبينِ أو خيفةَ أنْ لا يُؤمنوا به وقوله تعالى

стр. 4599

﴿إِن نَّشَأْ﴾ الخ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليلِ ما يُفهم من الكلام من النَّهي عن التَّحسرِ المذكور ببيانِ أنَّ إيمانَهم ليس ممَّا تعلَّقتْ به مشيئةُ الله تعالى حتماً فلا وجهَ للطَمعِ فيه والتَّألمِ من فواتِه ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ أعني قوله تعالى ﴿نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ من السماء آية﴾ أي ملجئةً لهم إلى الإيمانِ قاسرةً عليه وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصَّريحِ لما مر مرارا من الإهتمام بالمقدم

стр. 4600

سورة الشعراء (٥ ٧) والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ ﴿فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين﴾ أي مُنقادين وأصلُه فظلوا لها خاضعين فأقتحمت الأعناقُ لزيادةِ التَّقريرِ ببيانِ موضعِ الخضوعِ وتُرك الخبرُ على حالِه وقيل لمَّا وُصفت الأعناقُ بصفاتِ العُقلاء أُجريتْ مجراهم في الصِّيغةِ أيضاً كَما في قولِه تعالى رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ وقيل أُريد بها الرُّؤساءُ والجماعاتُ من قولِهم جاءنا عنقٌ من النَّاسِ أي فوجٌ منهم وقُرىء خاضعةً وقولُه تعالى فظلَّتْ عطفٌ على تنزل باعتبارِ محلِّه وقولُه تعالَى

стр. 4601

﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ من الرحمن محدث إلا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ بيانٌ لشدَّةِ شكيمتهم وعدمِ ارعوائهم عمَّا كانوا عليه من الكُفر والتَّكذيبِ بغير ما ذُكر من الآيةِ المُلجئةِ لصرف رسول الله ﷺ عن الحرصِ على إسلامِهم وقطعِ رجائِه عنه ومِن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثَّانيةُ لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة الذكر وأياما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وشاعة ما فعلوا به والتعرض لعنُوان الرَّحمةِ لتغليظِ شناعتِهم وتهويلِ جنايتِهم فإنَّ الإعراضَ عمَّا يأتيهم من جنابِه على الإطلاقِ شنيع قبيحٌ وعما يأتيهم بموجبِ رحمته تعالى المحض منفعتِهم أشنعُ وأقبحُ أي ما يأتيهم من موعظةٍ من المواعظ القرآنية أومن طائفة نازلة من القرآن تذكِّرهم أكملَ تذكيرٍ وتنبِّههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنَّها نفسُ الذِّكرِ من جهتهِ تعالى بمقتضى رحمتِه الواسعةِ مجدد تنزيله حسبما تقتضيه الحكْمةُ والمصلحة إلا جدَّدوا إعراضاً عنه على وجه التكذيبِ والاستهزاء وإصرار أعلى ما كانوا عليه من الكفرِ والضَّلالِ والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ محلُّه النصبُ على الحالية من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهورِ أي مَا يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ في حالٍ من الأحوالِ إلا حال كونهم مُعرضين عنه

стр. 4602

﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ﴾ أي كذَّبوا بالذِّكرِ الذي يأتيهم تكذيباً صَريحاً مُقارناً للاستهزاءِ به ولم يكتفُوا بالإعراضِ عنه حيثُ جعلُوه تارة سحراً وأُخرى أساطيرَ وأُخرى شعراً والفاء في قوله تعالى ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلَها والسِّينُ لتأكيد مضمونِ الجملة وتقريرهِ أي فسيأتيهم البتةَ من غير تخلّفٍ أصلاً ﴿أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون﴾ عدلَ عمَّا يقتضيه سائرُ ما سلف من الإعراض والتَّكذيبِ للإيذان بأنَّهما كانا مقارنين للاستهزاءِ كما أشير إليه حسبما وقع في قوله تعالى وما تأتيهم من آيةٍ من آيات رَبّهِمْ إِلَاّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤن وأنباؤُه ما سيحيقُ بهم من العُقوبات العاجلةِ والآجلةِ عبر عنها بذاك إما لكونها مما نبأ أبها القُرآنُ الكريمُ وإمَّا لأنَّهم بمشاهدتِها يقفُون على حقيقةِ حالِ القُرآنِ كما يقفُون على الأحوالِ الخافيةِ عنهم باستماعِ الأنباءِ وفيه تهويلٌ له لأنَّ النَّبأَ لا يُطلق إلا على خبرٍ خطيرٍ له وقعٌ عظيمٌ أي فسيأتيهم لا محالةَ مصداق ما كانوا يستهزءون به قَبلُ مِنْ غير أنْ يتدَّبروا في أحوالِه ويقفوا عليها

стр. 4603

﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ﴾ الهمزةُ للإنكار التوبيخي

стр. 4604

سورة الشعراء (٨ ١٠) والواو للعطف على مقدار يقتضيه المقام أي افعلُوا ما فعلُوا من الإعراضِ عن الآيات والتَّكذيبِ والاستهزاء بها ولم ينظرُوا ﴿إِلَى الأرض﴾ أي عجائبها الزَّاجرةِ عمَّا فعلُوا الدَّاعيةِ إلى الإقبال على ما أعرضُوا عنه وإلى الإيمانِ بهِ وقولُه تعالَى ﴿كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ استئنافٌ مبيِّن لما في الأرضِ من الآيات الزَّاجرةِ عن الكُفر الدَّاعيةِ إلى الإيمان وكمْ خبريةٌ منصوبةٌ بما بعدها على المفعوليَّةِ والجمعُ بينها وبينَ كلِّ لإفادةِ الإحاطةِ والكثرةِ معاً ومن كل زوج أي صنف تمييز والكريمُ من كلِّ شيءٍ مرضيُّه ومحمودُه أي كثيراً من كلِّ صنفٍ مرضيَ كثير المنافع أنبتنا فيها وتخصيصُ إنباته بالذِّكر دون ما عداه من الأصنافِ لاختصاصِه بالدِّلالةِ على القُدرة والنعمة معاً ويُحتمل أنْ يرادَ به جميعُ أصناف النبات نافعِها وضارِّها ويكون وصفُ الكلِّ بالكرمِ للتنبيه على أنَّه تعالى ما أنبتَ شيئا إلا وفيه حكمة فائدةٌ كما نطقَ به قوله تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً فإنَّ الحكيمَ لا يكادُ يفعلُ فعلاً إلا وفيه حكمةٌ بالغةٌ وإنْ غفلَ عنها الغافلونَ ولم يتوصَّلْ إلى معرفةِ كُنْهِها العاقلون

стр. 4605

﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ أنبتنا أو إلى كلُّ واحدٍ من تلك الأزواجٍ وأيَّا ما كان فما فيه من معنى البعد للإبذان ببُعدِ منزلتِهِ في الفضلِ ﴿الآية﴾ أي آيةً عظيمةً دالَّةً على كمالِ قُدرةِ مُنبتها وغايةِ وفُورِ علمهِ وحكمتِه ونهايةِ سعَةِ رحمتِه موجبةً للإيمانِ وازعةً عن الكُفرِ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي أكثر قومه ﷺ ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ قيل أي في علم الله تعالى وقضائِه حيثُ علم أزلاً أنَّهم سيُصرفون فيما لا يزالُ اختيارُهم الذي عليه يدورُ أمرُ التَّكليفِ إلى جانب الشَّرِّ ولا يتدبَّرون في هذه الآياتِ العظامِ وقال سيبويِه كانَ صلةٌ والمعنى وما أكثرُهم مؤمنين وهو الأنسبُ بمقامِ بيانِ عُتوِّهم وغُلوِّهم في المكابرةِ والعنادِ مع تعاضد موجبات الإيمان من جهتِه تعالى وأما نسبةُ كفرِهم إلى علمهِ تعالى وقضائِه فرُبَّما يتُوهَّم منها كونُهم معذورينَ فيه بحسبِ الظَّاهرِ لأنَّ ما أُشير إليهِ من التَّحقيقِ ممَّا خفيَ على مَهَرةِ العُلماء المُتقنين كأنَّه قيل إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً باهرةً موجبةً للإيمانِ وما أكثرُهم مُؤمنين مع ذلكَ لغايةِ تمادِيهم في الكُفرِ والضلالة وانهاكهم في المعنى والجَهَالةِ ونسبةُ عدمِ الإيمانِ إلى أكثرِهم لأنَّ منهم مَن سُيؤمن

стр. 4606

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز﴾ الغالبُ على كلِّ ما يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من هؤلاء ﴿الرحيم﴾ المبالغ الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغته بما احترؤا عليهِ من العظائمِ المُوجبةِ لفُنون العُقُوباتِ وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميره ﷺ من تشريفهِ والعِدَةِ الخفيَّةِ بالانتقامِ من الكَفَرةِ ما لا يَخفْى

стр. 4607

﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من إعراضِهم عن كلِّ ما يأتيهم من الآيات التنَّزيليةِ وتكذيبِهم بها إثرَ بيانِ إعراضهم عمَّا يُشاهدونه من الآياتِ التَّكوينَّيةِ وإذ منصوب

стр. 4608

سورة الشعراء (١١ ١٣) على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبيُّ ﷺ أي وأذكرُ لأولئك المعرضين المكذِّبين وقت ندائه تعالى إياه ﵊ وذكِّرهم بما جَرى على قوم فرعونَ بسبب تكذيبِهم إيَّاه زجراً لهم عمَّا هُم عليهِ من التكذيب وتحذيراً من أنْ يحيقَ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم المكذِّبين الظَّالمين حتَّى يتَّضحَ لك أنَّهم لا يُؤمنون بما يأتيهم من الآيات لكنْ لا بقياس حالِ هؤلاء بحالِ أُولئك فقط بل بمشاهدةِ إصرارُهم على ما هم عليه بعد سماع الوحي النَّاطقِ بقصَّتِهم وعدم اتِّعاظِهم بذلك كما يُلوِّحُ به تكريرُ قوله تعالى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ عقيب كلِّ قصَّةٍ وتوجيهُ الأمر بالذِّكرِ إلى الوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مر سره مرارا ﴿أَنِ ائت﴾ بمعنى أي ائت على أنَّ أنْ مفسرةٌ أو بأن ائت على أنَّها مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ ﴿القوم الظالمين﴾ أي بالكفر واالمعاصي واستبعاد بني إسرائيلَ وذبحِ أبنائِهم وليس هذا مطلعَ ما رود في حيِّزِ النَّداءِ وإنَّما هو ما فُصِّل في سورةِ طه من قوله تعالى إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ إلى قوله لِنُرِيَكَ مِنْ آياتنا الكبرى وإيراد ما جرى في قصَّةٍ واحدةٍ من المقالاتِ بعباراتٍ شَتَّى وأساليبَ مختلفةٍ قد مرَّ تحقيقُه في أوائل سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى أَنظِرْنِى

стр. 4609

﴿قَوْمِ فِرْعَونَ﴾ بدلٌ من الأولِ أو عطفُ بيانٍ له جيء به للإيذانِ بأنَّهم عَلَمٌ في الظُّلم كأنَّ معنى القومِ الظَّالمينَ وترجمتَهُ قومُ فرعونَ والاقتصارُ على ذكرِ قومِه للإيذانِ بشهرةِ أنَّ نفسَه أَوَّلُ داخلٍ في الحُكم ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ استئنافٌ جيء به إثرَ إرسالِه ﵊ إليهم للإنذارِ تعجيباً من غُلوِّهم في الظُّلم وإفراطِهم في العُدوان وقُرىء بتاء الخطابِ على طريقة الالتفاتِ المنبىءِ عن زيادة الغَضَبِ عليهم كأنَّ ذكرَ ظُلمِهم أدَّى إلى مشافهتِهم بذلك وهُم وإن كانُوا حينئذٍ غُيّباً لكنَّهم قد أُجروا مجرى الحاضرين في كلام المُرسل إليهم من حيثُ إنَّه مبلغه إليهم وإسماعُه مبتدأُ إسماعِهم مع ما فيه من مزيد الحثِّ على التقوى لمن تدبَّر وتأمَّل وقُرىء بكسرِ النُّونِ اكتفاءً به عن باء المتكلِّم وقد جُوِّزَ أنْ يكون بمعنى ألا ياناس اتقون نحو أن لا يسجدُوا

стр. 4610

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ ما مضى كأ هـ قيل فماذا قال موسى ععليه السَّلامُ فقيل قال متضرِّعاً إلى الله ﴿رَبّ إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ﴾ من أوَّلِ الأمرِ

стр. 4611

﴿ويضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾ معطوفا على أخافُ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ أي جبريلَ ﵇ ﴿إِلَىَّ هارون﴾ ليكون معنى وأتعاضدُ به في تبليغِ الرِّسالة رتَّب ﵊ من حَبسةِ اللِّسان بانقباضِ الرُّوحِ إلى باطنِ القلبِ عند ضيقِه بحيث لا ينطبق لأنَّها إذا اجتمعتْ تمسُّ الحاجةُ إلى معينٍ يُقوِّي قلبه وينوبُ منابَه إذا اعتراء حبسه حتى

стр. 4612

سورة الشعراء (١٤ ١٨) لا تختلَّ دعوتُه ولا تنقطعَ حجَّتُه وليس هذا من التَّعلل والتَّوقف في تلقِّي الأمرِ في شيءٍ وإنَّما هو استدعاءٌ لما يُعينه على الامتثالِ به وتمهيدُ عذرٍ فيه وقُرىء ويضيق ولا ينطق بالنَّصبِ عطفاً على يكذِّبون فيكونانِ من جملةً ما يَخافُ منه

стр. 4613

﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ﴾ أي تبعةُ ذنبٍ فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه أو سمِّي باسمِه والمرادُ به قتلُ القِبْطيِّ وتسميتُه ذنباً بحسبِ زعمِهم كما ينبىءُ عنه قولُه لهم وهذا إشارةٌ إلى قصَّةٍ مبسوطةٍ في غيرِ موضعٍ ﴿فَأَخَافُ﴾ أي إنْ أتيتهم وحدي ﴿أَن يَقْتُلُونِ﴾ بمقابلتِه قبل أداءِ الرِّسالةِ كما ينبِغي وليس هذا أيضاً تعلُّلاً وإنما هو استدفاعٌ المبلية المتوقّعةِ قبل وقوعِها وقوله تعالى

стр. 4614

﴿قال كلا فاذهبا بآياتنا﴾ حكايةٌ لإجابتِه تعالى إلى الطِّلبتينِ الدَّفعِ المفهومِ من الرَّدعِ عن الخوفِ وضمِّ أخيهِ المفهومِ من توجيهِ الخطابِ إليهما بطريقِ التَّغليبِ فإنه معطوف على مضمر ينبىءُ عنه الرَّدعُ كأنَّه قيل ارتدِع يا موسى عمَّا تظنُّ فاذهب أنت ومن استدعيته وفي قوله بآياتنا رمزٌ إلى أنَّها تدفع ما يخافه وقوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ تعليلٌ للرَّدعِ عن الخوفِ ومزيد تسلية لهما بضمانِ كمال الحفظ والنصرة كقولِه تعالى إِنَّنِى مَعَكُمَا أسمع وأرى حيث كان الموعد بمحضرٍ من فرعونَ اعتبر ههنا في المعيَّةِ وقيل أجريا مجرى الجماعةِ ويأباهُ ما قبله وما بعده من ضمير التثنية أي سامعون ما يجري بينكما وبينه فنظهر كما عليه مثَّل حالَه تعالى بحالِ ذِي شَوكةٍ قد حضَر مجادلَة قومٍ يستمعُ ما يجري بينَهم ليمدَّ أولياءَهُ ويُظهرهم على أعدائِهم مبالغةً في الوعدِ بالإعانةِ أو استعير الاستماع الذي هو بمعنى الإصغاءِ للسَّمعِ الذي هو العلمُ بالحروفِ والأصواتِ وهو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ وحدَهُ ومعكم ظرفُ لغوٍ والفاءُ في قوله تعالى

стр. 4615

﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين﴾ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلَها من الوعدِ الكريمِ وليس هَذا مجرَّدَ تأكيدٍ للأمرِ بالذِّهابِ لأنَّ معناهُ الوصولُ إلى المأتيِّ لا مجرَّدَ التَّوجهِ إليه كالذِّهابِ وإفراد الرَّسول إمَّا باعتبارِ رسالةِ كلَ منهُمَا أو لاتحاد مطلهما اولأنه مصدرٌ وُصفَ به وأنْ في قولِه تعالَى

стр. 4616

﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسرائيل﴾ مفسِّرةٌ لتضمن الإرسالِ المفهومِ من الرَّسولِ معنى القولِ ومعنى إرسالِهم تخليتُهم وشأنَهم ليذهبُوا معهما إلى الشَّامِ

стр. 4617

﴿قَالَ﴾ أي فرعونُ لموسى ﵇ بعد ما أتياهُ وقالا له ما أمر به يُروى أنَّهما انطلقا إلى بابِ فرعونَ فلم يؤذن لهم سنةً حتَّى قال البَّوابُ إنَّ ههنا إنساناً يزعمُ أنَّه رسولُ ربِّ العالمين فقال ائذنْ له لعلَّنا نضحكُ فأدَّيا إليه الرِّسالةَ فعرف

стр. 4618

سورة الشعراء (١٩ ٢٢) مُوسى ﵇ فقال عند ذلك ﴿أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا﴾ في حِجرِنا ومنازلِنا ﴿وَلِيداً﴾ أي طِفلاً عبر عنه بذلك لقُرب عهده بالولادة ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قيل لبثَ فيهم ثلاثين سنةً ثم خرجَ إلى مدينَ وأقام بها عشرَ سنين ثمَّ عاد إليهم يدعُوهم إلى الله ثلاثينَ سنة ثم بقي بعدَ الغرقِ خمسينَ سنة وقيل وكز القبطيَّ وهو ابنُ اثنتي عشرةَ سنة وفرَّ منهم على أثرِ ذلك والله أعلم

стр. 4619

﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ﴾ يعني قتلَ القبطيِّ بعد ما عدَّد عليه نعمتَهُ من تربيته وتبليغِه مبلغَ الرِّجالِ وبَّخه بَما جَرَى عليه من قتلِ خبَّازِه وعظَّم ذلك وفظَّعه وقُرىء فِعلتك بكسر الفاء لأنَّها كانتْ نَوْعاً من القتل ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ أي بنعمتي حيثُ عمدتَ إلى قتلِ رجلٍ من خواصّي أو أنت حينئذٍ ممَّن تكفِّرهم الآنَ وقد افترى عليه ﵊ أو جهلَ أمره ﵊ حيثُ كان يعايشهم بالتقنية وإلا فأينَ هُو ﵊ من مشاركتِهم في الدين فالجملة حيئذ حال من إحدى التأمين ويجوزُ أنْ يكونَ حُكماً مبتدأ عليه أنه من الكافرينَ بإلهيته أو ممَّن يكفرُون في دينِهم حيثُ كانتْ لهم آلهةٌ يعبدونها أو من الكافرين بالنِّعم المعتادين لغمطها ومنِ اعتادَ ذلك لا يكونُ مثلُ هذه الجنايةِ بدعاً منْهُ

стр. 4620

﴿قَالَ﴾ مجُيباً له مصدِّقاً له في القتلِ ومكذِّباً فيما نسبه إليه من الكفر ﴿فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي من الجاهلينَ وقد قُرىء كذلك لا من الكافرينَ كما زعمت افتراءً أي من الفاعلين فعل الجهلة والسُّفهاءِ أو من المخطئين لآنه لم يعتمد قتلَه بل أرادَ تأديبَه أو الذَّاهبين عمَّا يُؤدِّي إليه الوكز أو الناسين كقوله تعالى ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى

стр. 4621

! فَفَرَرْتُ مِنكُمْ إلى ربيِّ ﴿لما خفتكم﴾ أن تصيبونني بمضرة وتؤاخذوني بماء لا استحقه بجنابتي من العقابِ ﴿فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً﴾ أي حكمةً أو النبوة ﴿وجعلني من المرسلين﴾ ردأ ولا بذلك ما وبَّخه به قدحاً في نبُّوته ثم كرَّ على ما عده عليه من النِّعمةِ ولم يصرِّحْ بردِّه حيثُ كان صدقاً غيرَ قادحٍ في دعواه بل نبَّه على أنَّ ذلك كان في الحقيقة نقمة فقال

стр. 4622

﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أنْ عبَّدتَ بني إسرائيلَ﴾ أي تلك التربيةُ نعمةٌ تمنُّ بها عليَّ ظاهراً وهي في الحقيقةِ تعبيدُك بني إسرائيلَ وقصدُك إيَّاهم بذبحِ أبنائِهم فإنَّه السببُ في وقوعي عندكَ وحصولي في تربيتِك وقيل إنه مقدَّرٌ بهمزةِ الإنكار أي أوَ تلك نعمة تمنُّها عليَّ وهي أنْ عبَّدتَ بني إسرائيلَ ومحلُّ أنْ عبَّدتَ الرُّفعُ على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من نعمةٌ أو الجرُّ بإضمارِ الباءِ أو النَّصبُ بحذفهِا وقيل تلك إشارةٌ إلى خصلةٍ شنعاءَ مبهمةٍ وأنْ عبَّدتَ عطفُ بيانٍ لها والمعنى تعبيدُك بني إسرائيلَ نعمةٌ تمنُّها عليَّ وتوحيدُ الخطابِ في تمنُّها وجمعه فيما قبلَه لأن المنة منه خاصَّة والخوفُ والفرارُ منه ومن ملئه

стр. 4623

سورة الشعراء (٢٣ ٢٨)

стр. 4624

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لمَّا سمعَ منه ﵊ تلك المقالةَ المتينةَ وشاهد تصلُّبهَ في أمرِه وعدمَ تأثُّرِه بما قدَّمه من الإبراقِ والإرعاد شرعَ في الاعتراض على دعواهُ ﵊ فبدأ بالاستفسارِ عن المُرْسِل فقال ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ حكايةٌ لما وقع في عباراته ﵊ أي أيُّ شيءٍ رب العالمينَ الذي أدَّعيتَ أنَّك رسولُه منكراً لأنْ يكون للعالمين ربٌّ سواه حسبما يُعرب عنه قولُه أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى وقولُه مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى وينطق به وعيدُه عند تمام أجوبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ

стр. 4625

﴿قال﴾ موسى ﵇ مجيبا له ﴿رب السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بتعيين ما أراه بالعالمين وتفصيله لزيادةِ التَّحقيقِ والتَّقريرِ وحسم مادَّةِ تزويرِ اللَّعينِ وتشكيكهِ بحملِ العالمينَ على ما تحت مملكتِه ﴿إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أي إن كنتم موقنين الأشياء محقِّقين لها علمتُم ذلك أو إنْ كنتُم موقنينَ بشيءٍ من الأشياءِ فهذا أولى بالإيقانِ لظهورِه وإنارةِ دليله
следующие страницы →