Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آية﴾ الهمزة للإنكارِ والنَّفيِ والواو للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه الماقم كأنَّه قيل أغفلوا عن ذلك ولم يكن لهم آيةٌ دالَّةٌ على أنَّه تنزيلٌ مّن ربِّ العالمينَ وأنه في زُبُر الأوَّلينَ على أنه لهم متعلق بالكون قُدِّم على اسمه وخبرهِ للإهتمام به أو بمحذوفٍ هو حالٌ من آيةً قُدِّمت عليها لكونها نكرةً وآية خبر للكون قُدِّم على اسمهِ الذي هو قوله تعالى ﴿أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بني إسرائيل﴾ لما مر مرارا من الاعتياء والتشويق إلى المؤخر أي أن يعرفوه بنعوتِه المذكورة في كُتبهم ويعرفُوا من أنزل عليه وقرئ تكن بالتَّأنيثِ وجعلت آيةٌ اسماً وأن يعلمه خبراً وفيه ضعفٌ حيث وقع النَّكرةُ اسماً والمعرفة خبراً وقد قيل في تكن ضمير القصة
стр. 4797
سورة الشعراء (١٩٨ ٢٠٣) وآية أنْ يعلمَه جملة واقعة موقعَ الخبرِ ويجوزُ أن يكون لهم آيةٌ هي جملة الشَّأنِ وأن يعلمه بدلاً من آية ويجوز مع نصبِ آية تأنيث تكُن كما في قوله تعالى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَن قالوا وقرئ تعلمُه بالتَّاءِ
стр. 4798
﴿وَلَوْ نزلناه﴾ كما هو بنظمه الرَّائقِ المعجز ﴿على بَعْضِ الأعجمين﴾ الذين لا يقدرُون على التَّكلُّمِ بالعربيةِ وهو جمع أعجمِي على التَّخفيفِ ولذلك جُمع جمعَ السلامة وقرئ الأعجميينَ وفي لفظ البعضِ إشارةٌ إلى كونِ ذلك واحداً من عرض تلك الطَّائفةِ كائناً من كان
стр. 4799
﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم﴾ قراءةً صحيحة خارقة للعادات ﴿مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ مع انضمامِ إِعجازَ القراءة إلى إعجازِ المقروءِ لفرطِ عنادِهم وشدَّةِ شكيمتهم في المكابرةِ وقيل المعنى ولو نزَّلناه على بعض الأعجمين بلغة العجمِ فقرأَهُ عليهم ما كانُوا به مؤمنين لعدم فهمِهم واستنكافِهم من اتِّباع العجمِ وليس بذاكَ فإنَّه بمعزل من المناسبة لمقام بيان تمادِيهم في المكابرةِ والعنادِ
стр. 4800
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ أي مثلَ ذلك السَّلْكِ البديعِ المذكورِ سلكناهُ أي أدخلنا القرآنَ ﴿فِى قُلُوبِ المجرمين﴾ ففهمُوا معانيه وعرَفوا فصاحتَه وأنه خارجٌ عن القُوى البشرَّية من حيث النَّظمُ المُعجزُ ومن حيث الإخبار عن الغيبِ وقد انضمَّ إليه اتِّفاقُ علماء أهل الكتبِ المنزلة قبله على تضمها للبشارة إنزاله وبعثةِ مَن أنزل عليه بأوصافِه فقوله تعالى
стр. 4801
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيانِ أنَّهم لا يتأثَّرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان به بل يستمرُّون على ما هم عليه ﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم﴾ الملجئ إلى الإيمانِ به حين لا ينفعُهم الإيمانُ
стр. 4802
﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ أي فجأةً في الدَّنيا والآخرةِ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانِه
стр. 4803
﴿فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ تحسُّراً على ما فاتَ من الإيمانِ وتمنيَّاً للإمهالِ لتلاِفي ما فرَّطُوه وقيل معنى كذلك سلكناهُ مثل تلك الحالِ وتلك الصِّفةِ من الكفرِ به والتَّكذيبِ له وضعناه في قلوبِهم وقوله تعالى لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ في موقعِ الإيضاحِ والتَّلخيص له أو في موقعِ الحالِ أي سلكناهُ فيها غير مؤمنٍ به والأولُ هو الأنسبُ بمقام بيان غايةِ عنادِهم ومكابرتِهم مع تعاضدِ أدلَّة الإيمانِ وتآخذ مبادئ الهدايةِ والإرشادِ وانقطاعِ أعذارِهم بالكلِّية وقيل ضمير سلكناهُ للكُفر المدلولِ عليه بمَا قَبْلَهُ منْ قولِه تعالى مَّا كَانُواْ بِهِ مؤمنين ونقل عن ابن عباس ﵄ والحسنِ ومجاهدٍ رحمهما الله تعالى أدخلنا
стр. 4804
سورة الشعراء [٢٠٤ ٢٠٩] الشِّركَ والتَّكذيبَ في قلوب المجرمين
стр. 4805
﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ بقولهم أمطر عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وقولهم فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ونحوهِما وحالهم عند نزولِ العذابِ كما وصف من طلبِ الإنذارِ فالفاءُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقام أي أيكونُ حالُهم كما ذُكر من الاستنظارِ عند نزول العذابِ الأليمِ فيستعجلون بعذابِنا وبينهما من التَّنافي ما لا يخفى لى أحد وأيغفلون عن ذلك مع تحقُّقِه وتقرُّرهِ فيستعجلونَ الخ وإنَّما قُدمِّ الجارُّ والمجرورُ للإيذانِ بأنَّ مصبَّ الإنكارِ والتَّوبيخِ كون المستعجل به عذابَه تعالى مع ما فيهِ من رعايةِ الفواصلِ
стр. 4806
﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ لمَّا كانت الرُّؤيةُ من أقوى أسبابِ الإخبارِ بالشَّيء وأَشهرِها شاعَ استعمالُ أرأيت في معنى أخبرني والخطابُ لكلِّ من يصلُح له كائناً من كانَ والفاء لترتيب الاستخبار على قولهم هل نحن منظرون وما بينَهما اعتراض للتَّوبيخِ والتَّبكيتِ وهي متقدِّمةٌ في المعنى على الهمزةِ وتأخيرها عنها صورةً لاقتضاءِ الهمزةِ الصدارة كما هو رأي الجمهور أي فاخبرنِي ﴿إِن متعناهم سِنِينَ﴾ متطاولةً بطول الأعمار وطيب المعاش
стр. 4807
﴿ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ من العذابِ
стр. 4808
﴿مَا أغنى عَنْهُمْ﴾ أيُّ شيء أو أى أعناه أغنى عنهم ﴿ما كانوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي كونُهم ممتَّعينَ ذلك التمتيعَ المديدَ عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ أو ما كانُوا يمتَّعون به من متاعِ الحياةِ الدُّنيا على أنَّها موصولةٌ حذف عائدها وأيَّاً ما كان فالاستفهامُ الإنكار والنَّفي وقيل ما نافيةٌ أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاولُ في دفعِ العذابِ وتخفيفِه والأول هو الأَولى لكونِه أوفقَ لصورة الاستخبارِ وأدلَّ على انتفاءِ الإغ ٢ باء على أبلغِ وجهٍ وآكدِه كأن كلَّ مَن مِن شأنِه الخطابُ قد كلِّف أنْ يخبر بأنَّ تمتيعهم ماذا أفادَهم وأي شيء أغنى عنُهم فلم يقدرْ أحدٌ على أنْ يخبر بشيءٍ من ذلك أصلاً وقرئ يمتعون من الإمتاعِ
стр. 4809
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ من القُرى المهلكة ﴿إِلَاّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ قد أنذروا أهلَها إلزاماً للحجَّةِ
стр. 4810
﴿ذِكْرِى﴾ أي تذكرةً ومحلُّها النصب على العلَّةِ أو المصدر لأنَّها في معنى الإنذارِ كأنَّه قيل مذكرون ذكرى أو على أنَّه مصدرٌ مؤكد لفعل هو صفةٌ لمنذرون أي إلا لها منذرون يذكرونهم ذكرى أو الرَّفع على أنَّها صفةُ منذرون بإضمار ذوو أو بجعلِهم ذكرى لإمعانِهم في التَّذكرةِ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ
стр. 4811
سورة الشعراء [٢١٠ ٢١٥] والجملةُ اعتراضيةٌ وضميرُ لها للقُرى المدلولِ عليها بمفردِها الواقع في حيِّز النَّفي على أنَّ معنى أن للكل منذرين أعمُّ من أن يكونَ لكلِّ قريةٍ منها منذر واحد أو أكثر ﴿وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ فنهلك غيرَ الظَّالمينَ وقيل الإنذارُ والتعبيرُ عن ذلك بنفي الظالمية مع أنه إهلاكَهم قبل الإنذارِ ليس بظلمٍ أصلاً على ما تقرر من قاعدةِ أهلِ السُنَّةِ لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنْهُ تعالَى من الظلم وقد مرَّ في سورةِ آلِ عمرانَ عند قولِه تعالى وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ
стр. 4812
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ ردٌّ لما زعمه الكفرةُ في حقِّ القرآنِ الكريمِ من أنه من قبيل ما يُلقيه الشَّيطانُ على الكَهنةِ بعد تحقيقِ الحقِّ بيان أنه نزل به الرُّوحُ الأمينُ
стр. 4813
﴿وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ﴾ أي وما يصِحّ وما يستقيمُ لهم ذلك ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك أصلاً
стр. 4814
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع﴾ لكلامِ الملائكة ﴿لمعزولون﴾ لانتفاء المشاركةِ بينهم وبين الملائكةِ في صفاء الذوات الاستعداد لقبولِ فيضان أنوار الحقِّ والانتقاش بصور العلومِ الرَّبانيةِ والمعارف النُّورانيةِ كيف لا ونفوسُهم خبيثةٌ ظلمانية شريرةٌ بالذَّاتِ غير مستعدة إلا لقبولِ ما لا خيرَ فيه أصلاً من فنُون الشُّرورِ فمن أينَ لهُم أنْ يحومُوا حولَ القرآن الكريم المنطوي على الحقائقِ الرَّائقةِ الغيبَّيةِ التي لا يمكن تلقِّيها إلا من الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام
стр. 4815
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخر فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾ خُوطب به النبيُّ ﷺ مع ظهور استحالة صدور المنهى عنه عنه ﷺ تهييجاً وحثاً على ازديادِ الإخلاصِ ولطفاً لسائرِ المكلَّفين ببيانِ أنَّ الإشراكَ من القُبح والسُّوء بحيث يُنهى عنه من لا يمكنُ صدورُه عنه فكيف بمن عداهُ
стр. 4816
﴿وَأَنذِرِ﴾ العذابَ الذي يستتبعهُ الشِّركُ والمُعاصي ﴿عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ الأقربَ منهم فالأقربَ فإنَّ الإهتمامَ بشأنِهم أهمُّ رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ صعدَ الصفا وناداهم فحذا فَخِذاً حتى اجتمعُوا إليه فقال لو أخبرتُكم أنَّ بسفح هذا الجبلِ خيلاً أكنتُم مُصدِّقِيّ قالوا نعمَ قال فإنيِّ نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد وروى أنه قال يا بنى عبدِ المطَّلبِ يا بني هاشمِ يا بني عبدِ منافٍ افتدُوا أنفسَكم من النَّارِ فإنِّي لا أُغني عنكم شيئاً ثم قالَ يا عائشةُ بنت أبي بكرٍ ويا حفصةُ بنتَ عمرَ ويا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ ويا صفيَّةُ عمَّة محمَّدٍ اشترينَ أنفسكنًّ من النَّارِ فإنِّي لا أُغني عنكُنَّ شيئاً
стр. 4817
﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك من المؤمنين﴾
стр. 4818
سورة الشعراء [٢١٦ ٢٢٣] أي ليِّن جانَبك لهم مستعارٌ من حال الطَّائرِ فإنَّه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ خفضَ جناحَه ومن للتَّبيين لأنَّ من اتبَّع أعمّ ممَّن اتبع لدينِ أو غيره أو للتَّبعيض على أن المراد بالمؤمنينَ المشارفون للإيمانِ أو المصدِّقون باللَّسانِ فحسب
стр. 4819
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ ولم يتَّبعوك ﴿فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي ممَّا تعملُون أو من أعمالكم
стр. 4820
﴿وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم﴾ الذي يقدرُ على قهرِ أعدائِه ونصرِ أوليائِه يكفِك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم وقرئ فتوكل على أنَّه بدلٌ من جواب الشَّرطِ
стр. 4821
﴿الذى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي إلى التَّهجد
стр. 4822
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى الساجدين﴾ وتردُّدك في تصفُّحِ أحوالِ المتهجديَن كما روي أنه لما نسخ فرضُ قيام اللَّيلِ طاف ﷺ تلك الليلةَ ببيوت أصحابِه لينظرَ ما يصنعون حرصاً على كثرةِ طاعتِهم فوجدها كبيوتِ الزَّنابيرِ لمَا سمع منها من دندنِتهم بذكر الله تعالى والتِّلاوةِ أو تصرّفَك فيما بين المصلِّين بالقيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقُعودِ إذا أممتهم وإنَّما وصفَ الله تعالى ذاتَه بعلمِه بحاله ﷺ التي بها يستأهلُ ولايتَه بعد أنْ عبَّر عنه بما ينبئ عن قهرِ أعدائِه ونصرِ أوليائِه من وصفي العزيزِ الرَّحيمِ تحقيقاً للتَّوكلِ وتوطيناً لقلبه عليه
стр. 4823
﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لما تقوله ﴿العليم﴾ بما تنويه وتعلمه
стр. 4824
﴿هَلْ أُنَبّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين﴾ أي تتنزلُ بحذف إحدى التامين وهو استئناف مسوق لبيان استحالةِ تنزُّلِ الشيَّاطينِ على رسُولِ الله ﷺ بعد بيانِ امتناع تنزُّلهم بالقرآنِ ودخولُ حرفِ الجرِّ على مَن الاستفهاميةِ لما أنَّها ليستْ موضوعةً للاستفهامِ بل الأصلُ أمن فحذف حرفُ الاستفهامِ واستمر الاستعمالُ على حذفِه كما حُذف من هَلْ والأصل أهَلْ وقوله تعالى
стр. 4825
﴿تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ قصرٌ لتنزُّلهم على كل من اتَّصف بالإفكِ الكثيرِ والإثمِ الكبيرِ من الكهنةِ والمتنبّئة وتخصيصٌ له بهم بحيثُ لا يتخطَّاهم إلى غيرِهم وحيثُ كانت ساحة رسول الله ﷺ منزَّهةً عن أنْ يحومَ حولَها شائبةُ شيءٍ من تلك الأوصافِ اتَّضح استحالةُ تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم
стр. 4826
﴿يُلْقُون﴾ أي الأفَّاكون ﴿السمع﴾
стр. 4827
سورة الشعراء [٢٢٤] إلى الشَّياطينِ فيتلَّقَون منهم أوهاماً وأماراتٍ لنقصان علمهم فيضمُّون إليها بحسبِ تخيلاتِهم الباطلةِ خرافاتٍ لا يُطابق أكثرُها الواقعَ وذلك قوله تعالى ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون﴾ أي فيما قالُوه من الأقاويلِ وقدور في الحديثِ الكلمة يخطفُها الجنيُّ فيقرُّها في أذنِ وليَّهِ فيزيد فيها أكثرَ من مائةِ كذبةٍ أو يلقون السَّمعَ أي المسموعَ من الشياطين إلى الناس وأكثرُهم كاذبون يفترُون على الشَّياطينِ ما لم يوحوا إليهم والأظهر أنَّ الأكثريةَ باعتبار أقوالهم على معنى أنَّ هؤلاء قلَّما يصدُقون فيما يحكون عن الجنيِّ وأما في أكثره فهم كاذبونَ ومآلُه وأكثرُ أقوالِهم كاذبةٌ لا باعتبار ذواتِهم حتى يلزمَ من نسبة الكذبِ إلى أكثرهم كونُ أقلِّهم صادقينَ على الإطلاقِ وليس معنى الأفَّاكِ من لا ينطقُ إلا بالإفكَ حتَّى يمتنعَ منه الصِّدقُ بل من يكثُر الإفكَ فلا ينافيه أن يصدقَ نادراً في بعض الأحايين وقيل الضَّميرُ للشَّياطينِ أي يلقون السَّمعَ أي المسموعَ من الملأ الاعلى قبل أنْ رجموا من بعضِ المغيبات إلى أوليائِهم وأكثرُهم كاذبونَ فيما يُوحون به إليهم إذ لا يسمعُونهم على نحو ما تكلَّمت به الملائكةُ لشرارتِهم أو لقصورِ فهمهم أو ضبطهم أو إفهامِهم ولا سبيلَ إلى حملِ إلقاء السَّمعِ على تسمُّعهم وإنصاتِهم إلى الملأ الأعلى قبل الرَّجمِ كما جَوَّزه الجمهورُ لما أن يلقون كما صرَّحوا به إما حالٌ من ضمير تنزل مفيدة لمقارنة التنزل للإلقاءِ أو استئناف مبيِّنٌ للغرض من التَّنزلِ مبنيٌّ على السَّؤالِ عنه ولا ريبَ في أن إلقاء السَّمعِ إلى الملأ الأعلى بمعزلٍ من احتمال أنْ يقارن التَّنزل أو يكون غرضاً منه لتقدُّمهِ عليه قطعاً وإنَّما المحتملُ لهما الإلقاء بالمعنى الأول فالمعنى على تقدير كونِه حالاً تنزل الشَّياطينِ على الأفَّاكين ملقين إليهم ما سمعوه من الملأ الأ على وعلى تقدير كونه فهو وصفة لكلِّ أفَّاكٍ لأنَّه في معنى الجمعِ سواء أُريد بإلقاء السَّمعِ الإصغاءُ إلى الشَّياطينِ أو إلقاء المسموعِ إلى النَّاس ويجوزُ أنْ يكونَ استئنافُ إخبارٍ بحالِهم على كِلا التَّقديرينِ لِما أنَّ كُلاًّ من تلقيهم من الشَّياطينِ وإلقائِهم إلى الناسِ يكون بعد التَّنزيلِ وأنْ يكونَ استئنافاً مبنيَّاً على السُّؤالِ على التَّقديرِ الأوَّلِ فقط كأنَّه قيل ما يفعلونَ عند تنزلِ الشَّياطينِ عليهم فقيل يُلقون إليهم أَسماعَهم ليحفظُوا ما يُوحون به إليهم وقولُه تعالى وأكثرُهم كاذبونَ على التَّقدير الأوَّلِ استئنافٌ فقط وعلى الثَّاني يحتملُ الحاليةَ من ضميرِ يُلقون أي ما سمِعُوه من الشَّياطين إلى النَّاس والحالُ أنهم في أكثرِ أقوالِهم كاذبونَ فتدبَّرْ
стр. 4828
﴿والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ استئنافٌ مسوقٌ لإبطال ما قالُوا في حقِّ القُرآنِ العظيمِ من أنه من قبيل الشِّعرِ وأنَّ رسولَ الله ﷺ من الشعراء ببيان حال الشعراء المنافية لحاله ﷺ بعد إبطالِ ما قالُوا أن من قبيلِ ما يلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ من الأباطيلِ بما مرَّ من بيانِ أحوالِهم المضادة لأحوالِه ﷺ والمعنى أنَّ الشُّعراءَ يتَّبعُهم أي يُجاريهم ويسلكُ مسلكَهم ويكونُ من جُملتهم الغاوون الضَّالُّون عن السَّنَنِ الحائرون فيما يأتُون وما يَذَرُون لا يستمرُّون على وَتيرةٍ واحدة الأفعالِ والأقوالِ والأحوالِ لا غيرُهم من أهلِ الرُّشدِ المهتدين إلى
стр. 4829
سورة الشعراء (٢٢٥ ٢٢٧) طريقِ الحقِّ الثَّابتينِ عليهِ وقوله تعالى
стр. 4830
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ استشهادٌ على أنَّ الشُّعراء إنَّما يتبعُهم الغَاوُون وتقريرٌ له والخطابُ لكلِّ من تتأتَّي منه الرُّؤيةُ للقصدِ إلى أنَّ حالَهم من الجَلاءِ والظُّهورِ بحيثُ لا تختصُّ برؤيةِ راءٍ دُونَ راءٍ أي ألم تَر أنَّ الشُّعراءَ في كلِّ وادٍ من أوديةِ القيلِ والقالِ وفي كلِّ شِعبٍ من شِعابِ الوهمِ والخيالِ وفي كلِّ مسَلكٍ من مسالك الغَيِّ والضَّلالِ يهيمونَ على وجوهِهم لا يهتدون إلى سبيلٍ مُعيَّنٍ من السُّبلِ بل يتحيرَّون في فيافي الغَوايةِ والسَّفاهةِ ويتيهُون في تيه المجُون والوقاحِة دينُهم تمزيقُ الأعراضِ المحميَّةِ والقَدحُ في الأنسابِ الطَّاهرةِ السَّنيَّةِ والتسيب بالحرامِ والغَزلُ والإبتهارُ والتَّرددُ بين طرفي الإفراطِ والتفريطِ في المدحِ والهجاءِ
стр. 4831
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ من الأفاعيلِ غيرَ مُبالين بما يستتبعُه من اللوائم فيكف يُتوهَّم أنْ يتبعَهم في مسلكِهم ذلكَ ويلتحقَ بهم وينتظمَ في سلكهم مَن تنزَّهت ساحتُه عن أنْ يحومَ حولها شائبةُ الإتصافِ بشيءٍ من الأمورِ المذكُورةِ واتَّصف بمحاسنِ الصِّفاتِ الجليلةِ وتخلَّق بمكارمِ الأخلاقِ الجميلةِ وحازَ جميعَ الكمالاتِ القدسيَّةِ وفاز بجُملة الملكاتِ الأنسيَّةِ مُستقراً على المنهاجِ القويمِ مستمرَّاً على الصِّراطِ المستقيمِ ناطقاً بكلِّ أمرٍ رشيدٍ دَاعياً إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ مؤيَّداً بمعجزاتٍ قاهرةٍ وآياتٍ ظاهرةٍ مشحونةٍ بفنونِ الحكمِ الباهرةِ وصنوفِ المعارفِ الزَّاهرةِ مستقلَّةٍ بنظمٍ رائقٍ أعجز كل منطيق ماهرٍ وبكَّت كلَّ مُفلقٍ ساحرٍ هذا وقد قيل في تنزيهه ﷺ عن أن يكونَ من الشعراء أن أباع الشُّعراء الغَاوون وأتباعَ محمَّدٍ ﷺ ليسُوا كذلك ولا ريبَ في أنَّ تعليلَ عدمِ كونه ﷺ منهم بكون أتباعه ﷺ غير غاوين مما ليا يليقُ بشأنِه العالِي وقيل الغَاوُون الراوُون وقيل الشَّياطينُ وقيل هم شُعراء قُريشٍ عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب المَخزوميُّ ومسافعُ بنُ عبدِ منافٍ وأبُو عَّزةَ الجُمَحيُّ ومن ثقيفٍ أميَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ قالوا نحنُ نقول مثل قول نحمد ﷺ وقرئ والشُّعراءَ بالنَّصبِ على إضمارِ فعلِ يفسره الظاهر وقرئ يتْبَعُهم على التَّخفيفِ ويتبعْهم بسكون العين تشبها لبعه بعضد
стр. 4832
﴿إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ استثناءٌ للشُّعراء المؤمنينَ الصَّالحينَ الذينُ يكثرون ذكرَ الله ويكونُ أكثرُ أشعراهم في التَّوحيدِ والثَّناءِ على الله تعالى والحثِّ على طاعتِه والحكمةِ والموعظةِ والزُّهُدِ في الدُّنيا والتَّرغيبِ عن الركونِ إليها والزَّجرِ عن الاغترارِ بزخارفِها والافتتانِ بملاذِّها الفانية ولو وقع منهم في بعضِ الأوقات هجوٌ وقع ذلك منهم بطريقِ الانتصارِ ممَّن هجاهُم وقيل المرادُ بالمستثنَينَ عبدُ اللَّه بنِ رَواحةَ وحسَّانُ بنُ ثابتٍ وكعبُ بنُ مالكٍ وكعبُ بنُ زُهيرِ بنِ أبي
стр. 4833
سُلْمى والذين كانُوا يُنافحون عن رسول الله ﷺ ويكافحون هُجاةَ قُريشٍ وعن كعبِ بنِ مالكٍ رضي الله تعالى عنْهُ أنَّ رسول الله ﷺ قال له اهجهم فو الذي نفسِي بيدِه لهُو أشدُّ عليهم من النَّبلِ وكان يقولُ لحسَّانَ قُل ورُوحُ القُدُسِ مَعَك ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ تهديد شديد وعيد أكيدٌ لما في سيعلمُ من تهويلٍ متعلَّقةِ وفي الذين ظلموا من الإطلاقِ والتعميم وفي أيَّ منقلبٍ ينقلبون من الإبهامِ والتهويلِ وقد قاله أبُو بكرٍ لعمر ﵂ حين عهد غليه وقرئ أي مُنفلتٍ ينفلتونَ من الانفلاتِ بمعنى النجاةِ والمعنى أنَّ الظَّالمين يطمعُون أنْ ينفلتُوا من عذابِ الله تعالى وسيعلمُون أنْ ليس لهم وجهٌ من وجوهِ الانفلات عنِ النبيِّ ﷺ مَن قرأَ سورةَ الشُّعراءِ كان له منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعدد من صدَّقَ بنوحٍ وكذَّبَ به وهودٍ وصالحٍ وشُعيبٍ وإبراهيمَ وبعددِ من كذَّب بعيسى وصدق بمحمد ﷺ سورة النمل مكية وهي ثلاث أو أربع وتسعون آية بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
стр. 4834
﴿طس﴾ بالتفخيم وقرئ بالإمالةِ والكلامُ فيهِ كالذي مرَّ في نظائرِه من الفواتحِ الشريفةِ ومحلَّه على تقديرِ كونِه اسماً للسورةِ وهو الأظهر الأشهر الرفع على أنه خبر لمبتدأٍ محذوفٍ أي هذا طس أي مسمَّى بهِ والإشارةُ إليهِ قبلَ ذكرِه قد مرَّ وجهُها في فاتحةِ سورةِ يونسَ وغيرِها ورفعُه بالابتداءِ على أنَّ ما بعده خبره ضعيفٌ لما ذُكر هناك ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى نفسِ السُّورةِ لأنَّها التي نوَّهتْ بذكرِ اسمِها لا إلى آياتِها لعدمِ ذكرِها صريحاً لأنَّ إضافتَها إليها تأبى إضافتَها إلى القُرآنِ كما سيأتي وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البعد مع قُرب العهدِ بالمُشار إليه للإيذان ببعد منزلِته في الفضلِ والشرفِ ومحله الرفعُ على الابتداء خبره ﴿آيات القرآن﴾ والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما أفادَه التسميةُ من نباهةِ شأنِ المسمَّى والقرآنُ عبارةٌ عن الكلِّ أو عن الجميعِ المنزلِ عند نزولِ السُّورةِ حسبَما ذُكر في فاتحة فاتحةِ الكتابِ أي تلك السورةُ آياتُ القرآنِ المعروفِ بعلوِّ الشأنِ أي بعضٌ منه مترجمٌ مستقلٌّ باسمٍ خاصَ ﴿وكتاب﴾ أي كتابٌ عظيمِ الشأنِ ﴿مُّبِينٌ﴾ مظهرٌ لما في تضاعيفهِ من الحكمِ والأحكامِ وأحوالِ الآخرةِ التي من جُملتِها الثوابُ والعقابُ أو لسبيلِ الرشدِ والغيِّ أو فارقٍ بين الحقِّ والباطلِ والحلالِ والحرامِ أو ظاهرُ الإعجازِ على أنه من أبان بمعنى بانَ ولقد فخَّم شأَنه الجليلَ بما جَمع فيه من وصفِ القرآنيةِ المنبئةِ عن كونِه بديعاً في بابهِ ممتازاً عن غيرِه بالنظمِ المعجزِ كما يُعربُ عنه قوله تعالى قرآنا عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ ووصفُ الكتابيةِ المعربةِ عن اشتمالُه على صفاتِ كمالِ الكتبِ الإلهيةِ فكأنه كلُّها وقدَّم الوصفَ الأولَ ههنا نظراً إلى تقدمِ حالِ القرآنية على
стр. 4835
سورة النمل (٢٥) حالِ الكتابيةِ وعكسَ في سورةِ الحجرِ نظراً إلى ما ذُكر هناك من الوجهِ وما قيلَ من أنَّ الكتابَ هو اللوحُ المحفوظُ وإبانته أنَّه خطَّ فيهِ ما هو كائنٌ فهو يبينه للناظرينَ فيه لا يساعدُه إضافةُ الآياتِ إليه إذ لا عهدَ باشتمالِه على الآياتِ ولا وصفِه بالهداية والبشارة إذا هُما باعتبارِ إبانتِه فلا بُدَّ من اعتبارِها بالنسبةِ إلى النَّاسِ الذين من جملتهم المؤمنون الا إلى الناظرين فيه وقرئ وكتابُ بالرفعِ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامَه أي وآياتُ كتابٍ مبينٍ
следующие страницы →