Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
القصص
стр. 4972
٨ - ٩ ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْنَ﴾ فصيحةٌ مفصحةٌ عن عطفِه على جملةٍ مترتبةٌ على ما قبلها من الأمرِ بالإلقاءِ قد حُذفت تعويلا على دلالة الحال وإيذاناً بكمال سرعةِ الامتثالِ أي فألقتْهُ في اليمِّ بعد ما جعلتْهُ في التابوت حسبما أمرت فالتقطه آلُ فرعونَ أي أخذوه اعتناءٍ به وصيانةٍ له عن الضَّياعِ قال ابنُ عباس ﵄ وغيره كانَ لفرعونَ يومئذٍ بنتٌ لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ غيرُها وكانتْ من أكرمِ النَّاسِ إليه وكان بها بَرَصٌ شديدٌ عجزتِ الأطِّباءُ عن علاجِه فقالُوا لا تبرأُ إلا من قبل البحرِ يُؤخذ منه شِبهُ الإنسِ يومَ كذا وساعةَ كذا من شهرِ كذا حين تُشرق الشَّمسُ فيؤخذُ من ريقِه فيلطخ به برصُها فتبرأْ فلمَّا كان ذلك اليومُ غدا فرعونُ في مجلسٍ له على شفيرِ النِّيلِ ومعه امرأتُه آسيةُ بنتُ مزاحمِ بنِ عُبيدِ بنِ الرَّيَّانِ بنِ الوليدِ الذي كان فرعونَ مصرَ في زمنِ يوسفَ الصِّدِّيقِ ﵇ وقيل كانتْ من بني إسرائيلَ من سبطِ مُوسى ﵊ وقيل كانتْ عمَّته حكاه السُّهيليُّ وأقبلتْ بنتُ فرعونَ في جَواريها حتَّى جلستْ على شاطئ النِّيلِ فإذا بتابوتٍ في النِّيلِ تضربُه الأمواجُ فتعلَّق بشجرةٍ فقالَ فرعونُ ائتونِي به فابتدرُوا بالسُّفنِ فأحضرُوه بين يديهِ فعالجُوا فتحَهُ فلم يقدرُوا عليهِ وقصدُوا كسرَه فأعياهم فنظرتْ آسيةٌ فرأتْ نُوراً في جوفِ التَّابوتِ لم يرَهُ غيرُها فعالجتْهُ ففتحتْهُ فإذا هيَ بصبيَ صغيرٍ في مهدِه وإذا نورٌ بين عينيهِ وهو يمصُّ إبهامَه لبناً فألقى الله تعالى محبَّتَه في قلوبِ القومِ وعمدتْ ابنةُ فرعونَ إلى ريقِه فلطَّختْ به برصَها فبرأتْ من ساعتها وقيل لما نظرتْ إلى وجهِه برأتْ فقالتِ الغُواة من قومِ فرعونَ إنَّا نظنُّ أنَّ هذا هو الذي نحذرُ منه رُميَ في البحرِ فَرَقاً منك فامتله فهمَّ فرعونُ بقتلِه فاستوهبتْهُ آسيةُ فتركَه كما سيأتِي واللام في قوله تعالى ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ لامُ العاقبةِ أُبرز مدخولُها في معرضِ العلَّةِ لالتقاطِهم تشبيها له في الترتب عليه بالغرضِ الحاملِ عليه وقرئ حُزْناً وهما لغتانِ كالسَّقَمِ والسُّقْمِ جُعل ﵊ نفسَ الحزنِ إيذاناً بقوَّةِ سببيتِه لحزنِهم ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين﴾ أي في كلِّ ما يأتون وما يذرون فلا غروَ في أنْ قتلو الاجله ألوفاثم أخذُوه يربُّونَه ليكبرَ ويفعلَ بهم ما كانُوا يحذرون رُوي أنَّه ذُبح في طلبِه ﵊ تسعون ألفَ وليدٍ أو كانُوا مذنبينَ فعاقبهم الله تعالى بأنْ ربَّى عدوَّهم على أيديهم فالجُملة اعتراضيةٌ لتأكيد خطئهم أو لبيان المُوجب لما ابتلوا به وقرئ خَاطين على أنَّه تخفيفُ خاطئينَ أو على أنَّه بمعنى مُتعدِّين الصَّوابَ إلى الخطأ
стр. 4973
﴿وقالت امرأة فِرْعَوْنَ﴾ أي لفرعونَ حينَ أخرجتْهُ من التَّابوتِ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ﴾ أي هو قرَّةُ عينٍ لنا لِما أنَّهما لمّا رأياهُ أحبَّاهُ أو لما ذُكر من بُرءِ ابنتِه من البَرَصِ بريقِه وفي الحديثِ أنه قال لك لالى ولو قال كما هُو لكِ لهداهُ الله تعالى كما هداها ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبتْهُ بلفظِ الجمعِ تعظيماً ليساعدَها فيما تريدُه ﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾
стр. 4974
فإنَّ فيه مخايلَ اليُمنِ ودلائلَ النَّجابةِ وذلك لِمَا رأتْ فيهِ من العلاماتِ المذكورةِ ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي نتبنَّاهُ فإنَّه خليقٌ بذلكَ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ من آلِ فرعونَ والتَّقديرُ فالتقطَه آلُ فرعونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً وقالت امرأته كيتَ وكيتَ وهُم لا يشعرون بأنَّهم على خطأ عظيمٍ فيما صنعُوا من الالتقاط ورجاءِ النَّفعِ منه والتَّبني له وقولُه تعالى أَن فِرْعَوْنَ الآيةَ اعتراضٌ وقعَ بين المعطوفينِ لتأكيدِ خطئِهم وقيل حالٌ من أحدِ ضميريّ نتخذُه على أنَّ الضَّميرَ للنَّاسِ أيْ وهُم لا يعلمونَ أنَّه لغيرِنا وقد تبنيناهُ
стр. 4975
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً﴾ صفراً من العقلِ لِمَا دهمَها من الخوفِ والحيرةِ حين سمعتْ بوقوعِه في يدِ فرعونَ لقولِه تعالى وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء أي خلاءُ لا عقولَ فيها ويعضده أنه قرئ فَرغاً من قولِهم دماؤهم بينهم فرغٌ أي هَدرٌ وقيل فارغاً من الهمِّ والحُزن لغايةِ وثوقِها بوعدِ الله تعالى أو لسماعِها أنَّ فرعونَ عطفَ عليه وتبناه وقرئ مُؤْسى بالهمزِ إجراءً للضَّمة في جارة الواوِ مجرى ضمَّتِها فهمزت كما في وجوهٍ ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾ أي إنَّها كادتْ لتظهرُ بموسى أي بأمرِه وقصَّتِه من فرطِ الحيرةِ والدَّهشةِ أو الفرحِ بتبنيهِ ﴿لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ بالصَّبرِ والثَّباتِ ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ أي المُصدِّقين بوعدِ الله تعالى أو من الواثقينَ بحفظِه لا بتبنِّي فرعونَ وتعطفِه وهو علَّةُ الرَّبطِ وجوابُ لَولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليهِ
стр. 4976
﴿وَقَالَتْ لاخْتِهِ﴾ مريمَ والتَّعبيرُ عنها بأخوَّتِه ﵊ دونَ أنْ يقال لبنتِها للتَّصريحِ بمدار المحبَّةِ الموجبةِ للامتثالِ بالأمرِ ﴿قُصّيهِ﴾ أي اتبعِي أثرَه وتتبَّعي خبرَه ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي أبصرتْهُ ﴿عَن جُنُبٍ﴾ عن بعد وقرئ بسكونِ النُّونِ وعن جانبٍ والكلُّ بمعنى ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تقُصُّه وتتعرفُ حاله أو انها أختُه
стр. 4977
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ أي منعناه أنْ يرتضعَ من المرضعاتِ والمَرَاضعُ جمعُ مرضعٍ وهي المرأةُ التي تُرضع أو مُرضع وهو الرَّضاعُ أو موضعُه أعني الثَّديَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ قصِّها أثرَه ﴿فَقَالَتْ﴾ عند رؤيتِها لعدمِ قَبُولِه الثَّديَ واعتناءَ فرعونَ بأمرِه وطلبَهم من يقبلُ ثديَها ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي لأجلِكم ﴿وَهُمْ لَهُ ناصحون﴾ لا يُقصِّرون في إرضاعِه وتربيتِه رُوي أنَّ هامان لمَّا سمعَه منها قال إنَّها لتعرفُه وأهلَه فخذُوها حتَّى تخبرَ بحالِه فقالتْ إنَّما أردتُ وهم للملكِ ناصحُون فأمرَها فرعونُ بأنْ تأتيَ بمَن يكفلُه فأتتْ بأمِّه ومُوسى على يدِ فرعونَ يبكِي وهو يُعلله فدفعَه إليها فلمَّا وجدَ ريحَها استأنسَ والتقمَ ثديها فقالَ مَن أنتِ منه فقد أبَى كلَّ ثديٍ إلا ثديكِ فقالتْ إنِّي امرأةٌ طيبةُ الريح طيبة اللبنِ لا أُوتى بصبيَ إلا قبلني
стр. 4978
القصص ١٣ ١٦ فقرر في يدِها وأجرى عليها فرجعت به إلى بيتِها من يومِها وذلكَ قولُه تعالى
стр. 4979
﴿فرددناه إلى أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بوصولِ ولدِها إليها ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ بفراقِه ﴿وَلِتَعْلَمَ إِنَّ وَعْدَ الله﴾ أي جميعَ ما وعدَهُ من ردِّه وجعلِه من المرسلين ﴿حق﴾ لاخلف فيه بمشاهدةِ بعضِه وقياسِ بعضِه عليه ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمرَ كذلكَ فيرتابونَ فيهِ أو أنَّ الغرضَ الأصليَّ من الردِّ علمُها بذلك وما سواه تبعٌ وفيه تعريضٌ بما فَرَط منها حين سمعتْ بوقوعِه في يدِ فرعونَ
стр. 4980
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي المبلغَ الذي لا يزيدُ عليه نشؤُه وذلك من ثلاثين الى أربعين فإنَّ العقلَ يكملُ حينئذٍ ورُوي أنَّه لم يُبعثْ نبيٌّ إلا على رأسِ الأربعينَ ﴿واستوى﴾ أي اعتدلَ قدُّه أو عقلُه ﴿اتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي نبوَّةً ﴿وَعِلْماً﴾ بالدِّينِ أو علمَ الحُكماءِ والعُلماءِ وسمتَهم قبل استنبائِه فلا يقولُ ولا يفعلُ ما يُستجهلُ فيهِ وهو أوفقُ لنظْمِ القصَّةِ لأنَّه تعالى استنبأهُ بعد الهجرةِ في المُراجعةِ ﴿وكذلك﴾ ومثلَ ذلكَ الذي فعلنَا بمُوسى وأمِّه ﴿نَجْزِى المحسنين﴾ على إحسانِهم
стр. 4981
﴿وَدَخَلَ المدينة﴾ أي مصرَ من قصرِ فرعونَ وقيل منفُ أو حابينُ أو عينُ شمسٍ من نواحِيها ﴿على حِينِ غفلةٍ مّنْ أَهْلِهَا﴾ في وقتٍ لا يُعتادُ دخولُها أو لا يتوقعونَه فيه قيل كان وقتَ القيلولةِ وقيل بينَ العشاءينِ ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أي ممَّن شايعُه على دينِه وهم بنو إسرائيلَ ﴿وهذا مِنْ عَدُوّهِ﴾ أي من مخالفيه دنياوهم القِبطُ والإشارةُ على الحكايةِ ﴿فاستغاثه الذى مِن شِيعَتِهِ﴾ أي سألَه أنْ يغيثَه بالإعانة كما ينبىءُ عنه تعديته بعلى وقرئ استعانَه ﴿عَلَى الذى مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ موسى﴾ أي ضرب القبطيَّ بجُمعِ كفِّه وقرى فلكزَه أي فضربَ به صدرَهُ ﴿فقضى عَلَيْهِ﴾ فقتلَه وأصلُه أنهى حياتَه من قوله تعالى وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر ﴿قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ لأنَّه لم يكُن مأموراً بقتلِ الكفَّار أو لأنَّه كان مأموناً فيما بينهم فلم يكُن له اغتيالُهم ولا يقدَح ذلك في عصمتِه لكونِه خطأً وإنما عدَّه من عملِ الشَّيطانِ وسمَّاه ظُلماً واستغفرَ منه جرياً على سُنَنِ المقرَّبينَ في استعظامِ ما فرطَ منهم ولو كانَ من مُحقِّراتِ الصَّغائرِ ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ والإضلالِ
стр. 4982
﴿قَالَ﴾ توسيطُه بين كلاميهِ ﷺ لإبانةِ ما بينهما من المخالفةِ من حيثُ إنَّه مناجاة
стр. 4983
القصص ١٧ ٢٠ ودعاءٌ بخلافِ الأولِ ﴿رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ أي بقتلِه ﴿فاغفر لِى﴾ ذَنبي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ذلك ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ أي المبالغُ في مغفرةِ ذنوبِ عبادِه ورحمتِهم
стр. 4984
﴿قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ إمَّا قسمٌ محذوفُ الجوابِ أي أقسمُ بإنعامِك عليَّ بالمغفرةِ لأتوبنَّ ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ بعدَ هذا أبداً ﴿ظهيرا للمجرمين﴾ وما استعطافٌ أي بحقِّ إنعامِكَ عليَّ اعصمنِي فلنْ أكونَ معيناً لمن تؤدي معاونتُه إلى الحرم وعن ابن عباس ﵄ أنَّه ﵊ لم يستثن فابتُليَ به مرَّةً أُخرى وهذا يؤيدُ الأولَ وقيل معناهُ بما أنعمتَ عليَّ من القوَّةِ أعينُ أولياءكَ فلن استعملَها في مُظاهرةِ أعدائِكَ
стр. 4985
﴿فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَائِفاً يترقب﴾ يترصد الاستقادة أو الأجنادَ ﴿فَإِذَا الذى استنصره بالامس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي يستغيثُه برفعِ الصَّوتِ من الصُّراخ ﴿قَالَ لَهُ موسى إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ أي بيِّنُ الغوايةِ تسببتَ لقتلِ رجلٍ وتُقاتلُ آخرَ
стр. 4986
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ﴾ مُوسى ﴿أَن يَبْطِشَ بالذى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ أي لموسى وللإسرائيليِّ إذ لم يكن على دينِهما ولأنَّ القِبطَ كانُوا أعداءً لبني إسرائيلَ على الإطلاقِ وقُرىء يبطُش بضمِّ الطَّاءِ ﴿قَالَ﴾ أي الإسرائيلي ظانا أنه ﷺ يبطشُ به حسبما يُوهمه تسميته إياه غوبا ﴿يا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالامس﴾ قالُوا لما سمعَ القبطيُّ قولَ الإسرائيليُّ علمَ أنَّ موسى هو الذي قتلَ ذلك الفرعونيَّ فانطلق إلى فرعونَ فأخبرَهُ بذلك وأمرَ فرعونُ بقتلِ مُوسى ﵇ وقيل قاله القبطيُّ ﴿إِن تُرِيدُ﴾ أي ما تريدُ ﴿إِلَاّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى الارض﴾ وهو الذي يفعلُ كلَّ ما يريدُه من الضربِ والقتلِ ولا ينظرُ في العواقبِ وقيل المتعظِّمُ الذي لا يتواضعُ لأمرِ الله تعالى ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ بينَ النَّاسِ بالقولِ والفعلِ
стр. 4987
﴿وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى المدينة﴾ أي كائنٌ من آخراها أو جاءَ من آخِرها ﴿يسعى﴾ أي يسرعُ صفةٌ لرجلٌ أو حالٌ منه على أنَّ الجارَّ والمجرورَ صفةٌ له لا متعلَّق بجاء فإن تخصصه يلحقه بالمعارفِ قيل هو مؤمنُ آلِ فرعونَ واسمُه حِزْقيلُ وقيل شَمعُون وقيل شَمعانُ ﴿قَالَ يَا موسى﴾ ﴿إنِ الملا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي يتشاورُون بسببكَ فإنَّ كلا من المتشاورين بأمر الآخرينَ ويأتمرُ ﴿فاخرج﴾ أي من المدينةِ ﴿إِنّى لَكَ من الناصحين﴾ اللام للبيان
стр. 4988
القصص ٢١ ٢٤ لما أنَّ معمولَ الصِّلةِ لا يتقدمُها
стр. 4989
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ أي من المدينةِ ﴿خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ لحوقَ الطَّالبينَ ﴿قَالَ رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين﴾ خلِّصنِي منهم واحفظنِي من لُحوقِهم
стр. 4990
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ﴾ أي نحوَ مدينَ وهي قريةُ شُعيبٍ ﵇ سميت باسمِ مدينَ بنِ إبراهيمَ ولم تكُن تحتَ سلطانِ فرعونَ وكان بينها وبين مصرَ مسيرةُ ثمانيةِ أيَّامٍ ﴿قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل﴾ توكلاً على الله تعالى وثقةً بحُسنِ توفيقِه وكان لا يعرفُ الطرقَ فعنَّ له ثلاثُ طرائقَ فأخذَ في الوسطى وجاء الطلابُ فشرعُوا في الأُخريين وقيل خرجَ حافياً لا يعيشُ إلا بورقِ الشَّجرِ فما وصلَ حتَّى سقطَ خفُّ قدميه وقيل جاء مَلَكٌ على فرسٍ وبيدِه عنزَةٌ فانطلقَ به إلى مدينَ
стр. 4991
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ﴾ أي وصلَ إليهِ وهو بئر كانوا يسقون منه ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أي فوقَ شفيرِها ﴿أُمَّةً﴾ جماعةً كثيفةً ﴿مّنَ الناس يَسْقُونَ﴾ أي مواشيَهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي في موضعٍ أسفلَ منهم ﴿امرأتين تَذُودَانِ﴾ أي تمنعانِ ما معهما من الأغنامِ عن التقدمِ إلى البئرِ كيلا تختلطَ بأغنامِهم مع عدمِ الفائدة في التَّقدمِ ﴿قَالَ﴾ ﵇ لهما حينَ رآهُما على ماهما عليه من التأخر والذود ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنُكما فيما أنتُما عليه من التَّأخرِ والذَّودِ ولم لا تباشرانِ السقيَ كدأبِ هؤلاءِ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء﴾ أي عادتُنا أن لا نسقيَ حتَّى يصرف الرعاة مواشيهم بعدريها عن الماءِ عجزاً عن مساجلتِهم وحذراً عن مخالطةِ الرجالِ لا أنا لا نسقي اليومَ إلى تلك الغايةِ وحذفُ مفعولِ السَّقيِ والذَّودِ والإصدارِ لمَا أنَّ الغرضَ هو بيانُ تلك الأفعالِ أنفسِها إذْ هي التي دعتْ مُوسى ﵇ إلى ما صنعَ في حقِّهما من المعروفِ فإنه ﵊ إنَّما رحمَهما لكونِهما على الذيادِ للعجزِ والعفَّةِ وكونِهم على السقيِ غيرَ مُبالين بهما وما رحمهما لكن مذودِهما غنماً ومسقيهم إبلاً مثلاً وقُرىء لا نُسقي من الإسقاءِ ويَصدُر من الصُّدورِ والرُّعاء بضمِّ الرَّاءِ وهو اسم جمع كالرخاء وأما الرِّعاءِ فجمعٌ قياسيٌّ كصِيامٍ وقِيامٍ وقولُه تعالى ﴿وأبونا شيخ كبير﴾ إبراء منهم للعُذرِ إليه ﵇ في تولِّيهما للسَّقيِ بأنفسِهما كأنَّهما قالتَا إنَّا امرأتانِ ضعيفتانِ مستورتانِ لا نقدرُ على مُساجلةِ الرِّجالِ ومزاحمتِهم وما لنا رجلٌ يقومُ بذلكَ وأبُونا شيخٌ كبيرُ السنِّ قد أضعفَه الكبرُ فلا بدَّ لنا من تأخيرِ السَّقيِ إلى أنْ يقضي النَّاسُ أوطارَهم من الماءِ
стр. 4992
﴿فسقى لَهُمَا﴾ رحمةً عليهما والكلامُ في حذفِ مفعولِه كما مرَّ آنِفاً رُوي أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يضعونَ على رأسِ البئرِ حَجَراً لا يُقلُّه إلا سبعةُ رجالٍ وقيل عشرةُ وقيل أربعون وقيل مائة فأفله وحدَهُ مع ما كان به من الوصبِ والجراحةِ والجوع ولعله
стр. 4993
القصص ٢٥ ﵊ زاحمَهم في السَّقيِ لهما فوضعُوا الحجرَ على البئرِ لتعجيزِه ﵊ عن ذلكَ فإنَّ الظاهرَ أنَّه ﵊ غبَّ ما شاهد حالهما شارع الى السقى لهما وقدروى أنَّه دفعهم عن الماءِ إلى أنْ سقى لهُما وقيل كانت هناك بئرٌ أُخرى عليها الصَّخرةُ المذكورةُ ورُوي أنَّه ﵊ سألَهم دَلْواً من ماءٍ فأعطَوه دلوهُم وقالُوا استقِ بها وكان لا ينزعُها إلا أربعون فاستقَى بها وصبَّها في الحوضِ ودعا بالبركةِ ورَوى غنمَهما وأصدرَهما ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ الذي كانَ هُناك ﴿فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ﴾ أيْ أيَّ شيءٍ أنزلتَهُ إليَّ ﴿مّنْ خَيْرٍ﴾ جلَّ أو قلَّ وحملَه الأكثرونَ على الطعامِ بمعونةِ المقامِ ﴿فَقِيرٌ﴾ أي محتاج ولنضمنه معنى السؤال والطلب جئ بلامِ الدعامةِ لتقويةِ العملِ وقيل المَعنى لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ عظيمٍ هو خيرُ الدارينِ صرتُ فقيراً في الدُّنيا لأنَّه كانَ في سَعَةٍ من العيشِ عندَ فرعونَ قالَه ﵊ إظهاراً للبجح والشُّكرِ على ذلك
стр. 4994
﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قيل هي كُبراهما واسُمها صفُوراءُ أو صفراءُ وقيل صُغراهما واسمُها صُفيراءُ أي جاءتْهُ عقيبَ ما رجعتا الى أبيها رُوي أنَّهما لما رجعتَا إلى أبيهما قبلَ النَّاسِ وأغنامُهما حُفلٌ بطانٌ قال لُهما ما أعجلَكُما قالتَا وجدنَا رجلاً صالحاً رحمنَا فسقَىَ لنا فقالَ لإحداهُما اذهبي فادعيِه لي وقولُه تعالى ﴿تَمْشِى﴾ حالٌ من فاعل جاءتْ وقوله تعالى ﴿عَلَى استحياء﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من ضميرِ تمشي أي جاءتْه تمشِي كائنةً على استحياءٍ فمعَناهُ انها كانت على استحياء حالتي المثى والمجيءِ معاً لا عندَ المجيءِ فقط وتنكيرُ استحياءٍ للتفخيمِ قيل جاءتْه متخفرةً أي شديدةَ الحياءِ وقيل قد استترتْ بكُمِّ دِرعِها ﴿قالت﴾ استئاف مبني على سؤال نشأ من حكايةِ مجيئِها إيَّاه ﵊ كأنه قيلَ فماذا قالتْ له ﵊ فقيلَ قالتْ ﴿إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي جزاءَ سقيكَ لنا أسندتِ الدَّعوةَ إلى أبيها وعللنها بالجزاءِ لئلَاّ يُوهمَ كلامُها ريبةً وفيهِ من الدِّلالةِ على كمالِ العقلِ والحياءِ والعفَّةِ ما لا يخَفْى رُويَ أنه ﵊ أجابَها فانطلَقا وهي أمامه فألزقتِ الرِّيحُ ثوبَها بجسدها فوصفتْهُ فقال لها أمشِي خلفي وانعَتي لي الطريقَ ففعلتْ حتَّى أتيا دارَ شُعيب ﵉ ﴿فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ أي ما جَرى عليهِ من الخبرِ المقصُوصِ فإنَّه مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ كالعللِ ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ الذي يلوحُ من ظاهرِ النظمِ الكريمِ أنَّ موسى ﵇ إنَّما أجابَ المستدعيةَ من غيرِ تلعثُمٍ ليتبرَّكَ برؤيةِ شعيبٍ ﵇ ويستظهرَ برأيهِ لا ليأخذ بمعروفِه أجراً حسبَما صرَّحتْ به ألا يُرى إلى ما رُوي أنَّ شُعيباً لما قدَّمَ إليه طعاماً قال إنَّا أهلُ بيتٍ لا نبيع ديننا بطِلاعِ الأرضِ ذهباً ولا نأخذُ على المعروفِ ثمناً ولم يتناولْ حتَّى قال شُعيبٌ ﵇ هذهِ عادتُنا مع كلِّ مَن ينزلُ بنا فتناولَ بعد ذلكَ على سبيلِ التقبلِ لمعروفٍ مُبتدأٍ كيف لا وقد قصَّ عليه قصصَهُ وعرَّفَهُ أنَّه من بيتِ النُّبوةِ
стр. 4995
القصص ٢٦ ٢٨ من أولادِ يعقوبَ ﵇ ومثله حَقيقٌ بأنْ يُضيَّفَ ويكرَّمَ لا سيَّما في دارِ نبيَ من أنبياءِ الله تعالى عليهم الصَّلاة والسَّلام وقيلَ ليس بمستنكرٍ منه ﵊ أن يقبلَ الأجرَ لاضطرارِ الفقرِ والفاقةِ وقد رُوي عن عطاءِ بن السَّائبِ أنَّه ﵇ رفعَ صوتَهُ بدعائِه ليُسمَعها ولذلك قيلَ له ليجزَيك الخ ولعلَّه ﵇ إنَّما فعلَه ليكونَ ذريعة الى استدعائه لا الى استيفاء الأجرِ
стр. 4996
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ وهي التي استدعتْهُ إلى أبيها وهي التي زوَّجها مِن موسى ﵉ ﴿يا أبت استأجره﴾ أيْ لرعي الغنمِ والقيامِ بأمرِها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الامين﴾ تعليلٌ جارٍ مجرى الدِّليلِ على أنَّه حقيقٌ بالاستئجارِ وللمبالغةِ في ذلكَ جُعل خيرَ اسماً لأنَّ وذُكر الفعلُ على صيغةِ الماضي للدَلالة على أنَّه أمينٌ مجرَّبٌ رُوي أن شعيبا ﵇ قالَ لهَا وما أعلمكِ بقوَّتِه وأمانتِه فذكرتْ ما شاهدتْ منه ﵇ من إقلالِ الحجر ونزعِ الدَّلِو وأنَّه صوَّبَ رأسه حتَّى بلَّغتْهُ رسالتَه وأمَرها بالمشي خلفَهُ
стр. 4997
﴿قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى﴾ أي تكون أجير الى أو تثيبني من أجرتُ كذا إذا أثبتُه إيَّاه فقولُه تعالى ﴿ثَمَانِىَ حِجَجٍ﴾ على الأولِ ظرفٌ وعلى الثَّاني مفعولٌ به على تقديرِ مضافٍ أي رِعيةَ ثماني حججٍ ونُقل عن المبرِّدِ أنَّه يُقال أجرتُ داري ومملوكي غيرَ ممدودٍ وآجرتُ ممدوداً والأولُ أكثرُ فَعلَى هذا يكون المفعولُ الثَّاني محذوفاً والمعنى على أنْ تأجرنِي نفسَك وقولُه تعالى ثماني حججٍ ظرفٌ كالوجِه الأولِ ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ في الخدمةِ والعملِ ﴿فَمِنْ عِندِكَ﴾ أي فهوُ مِن عندك بطريقِ التَّفضلِ لا من عندِي بطريقِ الإلزامِ عليك وهذا من شُعيبٍ عرضٌ لرأيه على مُوسى ﵉ واستدعاءٌ منه للعقدِ لا إنشاءٌ وتحقيقٌ له بالفعل ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بالزامِ إتمامِ العشرِ أو المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ واستيفاءِ الأعمالِ واشتقاقُ المشقةِ من الشقِّ فإنَّ ما يصعبُ عليك يشقُّ عليك اعتقادُك في إطاقته ويوزعُ رأُيك في مزاولتِه ﴿سَتَجِدُنِى إن شاء الله من الصالحين﴾ في حُسنِ المعاملةِ ولينِ الجانبِ والوفاءِ بالعهدِ ومراده ﵊ بالاستثناءِ التبرُّكُ بهِ وتفويضُ أمرِه إلى توفيقِه تعالى لا تعليقُ صلاحِه بمشيئتِه تعالى
стр. 4998
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ﴾ مبتدأُ وخبرٌ أي ذلكَ الذي قلتَهُ وعاهدتِني فيه وشارطتِني عليه قائمٌ وثابتٌ بينَنا جميعاً لا يخرجُ عنه واحدٌ منَّا لا أناعما شرطتُ علي ولا أنتَ عمَّا شرطتَ على نفسِك وقولُه تعالى ﴿أَيَّمَا الاجلين﴾ أي أكثرَهما أو أقصرَهما ﴿قضيت﴾ أي وفتيكه بأداءِ الخدمةِ فيه ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَىَّ﴾ تصريحٌ بالمرادِ وتقريرٌ لأمرِ الخيرةِ أي لا عُدوانَ عليَّ بطلبِ الزيادةِ على ما قضيتُه من الأجلينِ وتعميمُ انتفاءِ العُدوانِ لكلا الأجلين بصددِ المُشارطةِ مع عدمِ تحققِ العُدوانِ في أكثرِهما رأساً للقصدِ إلى التَّسويةِ بينهما في الانتفاء
стр. 4999
القصص ٢٩ أي كما لا أطالبُ بالزيادةِ على العشرِ لا أطالبُ بالزيادةِ على الثمانِ أو أيَّما الأجلينِ قضيتُ فلا إثمَ عليَّ يعني كما لَا إثمَ عليَّ في قضاءِ الأكثرِ لا إثمَ عليَّ في قضاءِ الأقصرِ فقطْ وقُرىء أيَّ الأجلينِ ما قضيتُ فمَا مزيدةٌ لتأكيدِ القضاءِ كما أنَّها في القراءةِ الأُولى مزيدةٌ لتأكيدِ إبهامِ أيَ وشياعِها وقُرىء أيْما بسكونِ الياءِ كقولِ مَن قال تنظَّرتُ نصراً والسماكينِ أيْهما عليَّ من الغيثِ استهلتْ مواطرُه والله على مَا نَقُولُ من الشُّروطِ الجاريةِ بيننا ﴿وكيل﴾ شاهد وحفظ فلا سبيلَ لأحدٍ منَّا إلى الخروجِ عنه أصلاً وليس ما حُكي عنهما عليهما الصَّلاة والسَّلام تمامَ ما جرى بينهما من الكلامِ في إنشاءِ عقدِ النِّكاحِ وعقدِ الإجارةِ وإيقاعِهما بل هُو بيانٌ لما عز ما عليه واتفقا على ايفاعه حسبما يتوقفُ عليه مساقُ القصَّةِ إجمالاً من غيرِ تعرضٍ لبيانِ مواجبِ العقدينِ في تلك الشريعةِ تفصيلاً رُوي أنَّهما لمَّا أتمَّا العقدَ قال شعيبٌ لموسى ﵉ ادخُلْ ذلكَ البيتَ فخُذ عصاً من تلكَ العصيِّ وكانت عنده عِصِيُّ الأنبياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام فأخذَ عصا هبطَ بها آدمُ ﵊ من الجنَّةِ ولم يزلِ الأنبياءُ يتوارثونَها حتَّى وقعتْ إلى شُعيبٍ ﵇ فمسَّها وكان مكفوفاً فضنَّ بها فقال خُذ غيرَها فما وقعَ في يده إلا هي سبعَ مرَّاتٍ فعلم أنَّ له شأناً وقيل أخذَها جبريلُ ﵇ بعد موتِ آدمَ ﵇ فكانتْ معه حتَّى لقَي بها مُوسى ﵇ ليلاً وقيل أودعها شعيباً ملَكٌ في صورةِ رجلٍ فأمرَ بنتَه أنْ تأتيَه بعصا فأتتْهُ بها فردَّها سبعَ مرَّاتٍ فلم يقعْ في يدها غيرُها فدفعَها إليه ثم ندِمَ لأنَّها وديعةٌ فتبعَه فاختصَما فيها ورضيا ان يحكم بينها أولُ طالعٍ فأتاهُما المَلكُ فقالَ ألقياها فمَن رفعَها فهَي له فعالَجها الشَّيخُ فلم يُطِقْها ورفعَها مُوسى ﵇ وعن الحسنِ رضيَ الله تعالى عنه ما كانتْ إلا عصاً من الشَّجرِ اعترضها اعتراضاً وعن الكلبي رحمة الله الشَّجرةُ التي منها نُوديَ شجرةُ العَوسجِ ومنها كانت عصاهُ ولمَّا أصبحَ قال له شُعِيبٌ صلواتُ الله وسلامُه عليهما إذا بلغتَ مفرقَ الطَّريقِ فلا تأخذْ على يمينكَ فإنَّ الكلأَ وإنْ كانَ بها أكثرَ إلَاّ أنَّ فيها تِنِّيناً أخشاهُ عليكَ وعلى الغنم فأخذتِ الغنمُ ذاتَ اليمينِ فلم يقدرْ على كفِّها ومشَى على أثرِها فإذا عشبٌ وريف لم يرَ مثلَه فنامَ فإذا بالتنِّينِ قد أقبل فحاربتْهُ العَصا حتَّى قتلتْهُ وعادتْ إلى جنبِ مُوسى ﵇ داميةً فلما أبصرَها داميةً والتنِّينَ مقتولاً ارتاحَ لذلك ولما رجعَ إلى شُعيبٍ ﵉ مسَّ الغنمَ فوجدَها ملأى البُطونِ غزيرةَ اللبنِ فأخبرَه مُوسى ﵇ بالشَّأنِ ففرحَ وعلَم أنَّ لموسى والعصا شأناً وقال له إنِّي وهبتُ لك من نتاجِ غنمي هذا العامِ كلَّ أدرعَ ودعاء فأُوحي إليه في المنام أن اضربْ بعصاك مُستقى الغنمِ ففعلَ ثم سقَى فما أخطأتْ واحدةٌ إلا وضعت أَدرعَ ودرعاءَ فوفَّى له بشرطِه والفاءُ في قولِه تعالى
стр. 5000
﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ فصيحةٌ أي فعقدا العقدينِ وباشر موسى ما لتزمه فلما أتمَّ الأجلَ ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ نحوَ مصرَ بإذنٍ من شُعيبٍ ﵉ رُوي أنه ﵊ قضى ابعدالا جلين ومكثَ عنَدُه بعد ذلك عشر سنين ثمَّ عزمَ على العودِ إلى مصرَ فاستأذنَه في
стр. 5001
القصص ٣٠ ٣٢ ذلكَ فأذنَ له فخرجَ بأهلِه ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطور﴾ أي أبصرَ من الجهةِ التي تلي الطُّورَ ﴿نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم مّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي بخبرِ الطريق وقد كانوا ضلوه ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ أي عُودٍ غليظٍ سواء كانتْ في رأسه نارا ولا قال قائلُهم باتتْ حواطبُ لَيْلَى يلتمسنَ لها جزلَ الجذى غير حوار ولا دعِرِ وقال وألقى على قبْسٍ من النَّار جذوة شديداً عليها حرُّها والتهابُها ولذلك بيَّن بقولِه تعالى ﴿من النار﴾ وقرئ بكسرِ الجيمِ وبضمِّها وكلَّها لغاتٌ ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي تستدفئونَ
стр. 5002
﴿فلما أتاها﴾ أي النار التي آنسَها ﴿نُودِىَ مِن شاطئ الوادى الأيمن﴾ أي أتاهُ النداءُ من الشاطئ الأيمنِ بالنسبةِ إلى مُوسى ﵇ ﴿فِى البقعة المباركة﴾ متصل بالشاطئ أو صلةٌ لنُوديَ ﴿مِنَ الشجرة﴾ بدلُ اشتمالٍ من شاطئ لأنَّها كانتْ نابتةً على الشاطئ ﴿أن يا موسى إِنّى أَنَاْ الله رب العالمين﴾ وهذ وإنْ خالفَ لفظاً لما في طه والنَّملِ لكنَّه موافقٌ له في المَعنى المرادِ
стр. 5003
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على أنْ يا مُوسى وكلاهما مفسرٌ لنودَي والفاءُ في قوله تعالى ﴿فلما رآها تهتز﴾ فصيحة مفصحةٌ عن جُمَلٍ قد حُذفت تعويلا على دلالة الحالِ عليها وإشعاراً بغايةِ سرعةِ تحققِ مدلولاتِها أي فألقاها نصارت ثُعباناً فاهتزتْ فلمَّا رَآها تهتزُّ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ أي في سُرعةِ الحركةِ مع غاية عظم جئتها ﴿ولى مُدْبِراً﴾ أي مُنهزماً من الخوفِ ﴿وَلَمْ يُعَقّبْ﴾ أيْ لم يرجعْ ﴿يَا موسى﴾ أي قيلَ يا مُوسى ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الامنين﴾ من المخاوفِ فإنَّه لا يخافُ لديَّ المُرسلون
стр. 5004
﴿اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ أي أَدخلْها فيهِ ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ أي عيبٍ ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي يديك المبسوطتينِ لتتَّقي بهما الحيَّةَ كالخائفِ الفزعِ بإدخالِ اليمنى تحتَ العضد الأيسرِ واليسرى تحتَ الأيمنِ أو بإدخالِهما في الجيبِ فيكون تكريراً لغرضٍ آخرَ هو أنْ يكونَ ذلك في وجهِ العدوِّ إظهارَ جراءةٍ ومبدأ لظهورٍ معجزةٍ ويجوزُ أنْ يرادَ بالضمِّ التَّجلدُ والثباتُ عند انقلابِ العَصَا ثعباناً استعارةٌ من حال الطائر فإنه إذَا خافَ نشَر جناحيِه وإذا أمنَ واطمأنَّ ضمَّهما إليهِ ﴿مِنَ الرهب﴾ أي من أجلِ الرَّهبِ أي إذا عراكَ الخوفُ فافعلْ ذلك تجلُّداً وضبطاً لنفسكَ وقُرىء بضمِّ الراءِ وسكونِ الهاء وبضمهما والكل لغات ﴿فَذَانِكَ﴾ إشارةٌ إلى العَصَا واليدِ وقُرىء بتشديدِ النُّونِ فالمخفف مثنى ذاك والمشد مثنَّى ذلكَ ﴿برهانان﴾ حجَّتانِ نيِّرتانِ وبُرهان فُعلان لقولِهم أبرَه الرَّجلُ إذا جاءَ بالبُرهانِ من قولِهم برهَ الرَّجلُ إذا ابيضَّ ويُقال
стр. 5005
القصص ٣٣ ٣٧ للمرأةِ البيضاءِ برهاءُ وبَرَهْرَهةٌ ونظيرُه تسميةِ الحجَّةِ سُلطاناً من السَّليطِ وهو الزَّيتُ لإنارتِها وقيل هو فُعلال لقولِهم برهنَ ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مِن رَبّكَ﴾ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لبرهانانِ أي كائنانِ منْهُ تعالى ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ واصلانِ ومنتهيانِ إليهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين﴾ خارجينَ عن حُدود الظُّلمِ والعُدوان فكانُوا أحِقَّاءَ بأنْ نُرسلَك إليهم بهاتينِ المُعجزتينِ الباهرتينِ
стр. 5006
﴿قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يقتلون﴾ بمقابلتها
стр. 5007
﴿وأخي هارون هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً﴾ أي مُعيناً وهو في الأصلِ اسمُ ما يُعان به كالدفء وقرئ ردأ بالتخفيف ﴿يصدقني﴾ بتخليص الحقِّ وتقريرِ الحجَّةِ بتوضيحِها وتزييفِ الشُّبهةِ ﴿إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ﴾ ولسانِي لا يُطاوعني عند المُحاجةِ وقيل المرادُ تصديقُ القومِ لتقريرِه وتوضيحِه لكنَّه أسندَ إليه إسناد الفعلِ إلى السببِ وقرئ يصدقْني بالجزمِ على أنَّه جوابُ الأمرِ
стр. 5008
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي سنقويكَ به فإنَّ قوَّةَ الشَّخصِ بشدة اليدِ على مُزاولةِ الأمورِ ولذلكَ يعبّرُ عنه باليدِ وشدَّتِها بشدَّة العضدِ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا﴾ أي تسلطاً وغلبةً وقيل حجَّةً وليس بذاكَ ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ باستيلاءٍ أو محاجة ﴿بآياتنا﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ قد صُرِّح به في مواضعَ أُخَر أي اذهَبا بآياتِنا أو بنجعل أي نسلطكما بآياتِنا أو بمعنى لا يصَلون أي تمتنعونَ منهم بها وقيل هو قسمٌ وجوابُه لا يصلونَ وقيلَ هو بيانٌ للغالبونَ في قولِه تعالى ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ بمعنى أنَّه صلة لما يبينه أوصلة له على أنَّ اللامَ للتعريفِ لا بمعنى الذي
стр. 5009
﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات﴾ أي واضحات الدلالة على صحَّةِ رسالةِ مُوسى ﵇ منه تعالى والمرادُ بها العَصَا واليدُ إذ هُما اللتانِ أظهرَهُما مُوسى ﵇ إذْ ذاكَ والتَّعبيرُ عنْهمَا بصيغةِ الجمعِ قد مرَّ سرُّه في سورةِ طه ﴿قَالُواْ مَا هَذا إِلَاّ سحرٌ مُّفْتَرًى﴾ أي سحرٌ مختلقٌ لم يُفعل قبلَ هذا مثلُه أو سحرٌ تعمله ثم تفتريهِ على الله تعالى أو سحرٌ موصوفٌ بالافتراءِ كسائرِ أصنافِ السِّحِر ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا﴾ أي السِّحرِ أو ادعاءِ النُّبوةِ ﴿في آبائنا الأولين﴾ أي واقعاً في أيَّامِهم
стр. 5010
﴿وَقَالَ موسى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾
следующие страницы →