Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
﴿قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يقتلون﴾ بمقابلتها
стр. 5007
﴿وأخي هارون هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً﴾ أي مُعيناً وهو في الأصلِ اسمُ ما يُعان به كالدفء وقرئ ردأ بالتخفيف ﴿يصدقني﴾ بتخليص الحقِّ وتقريرِ الحجَّةِ بتوضيحِها وتزييفِ الشُّبهةِ ﴿إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ﴾ ولسانِي لا يُطاوعني عند المُحاجةِ وقيل المرادُ تصديقُ القومِ لتقريرِه وتوضيحِه لكنَّه أسندَ إليه إسناد الفعلِ إلى السببِ وقرئ يصدقْني بالجزمِ على أنَّه جوابُ الأمرِ
стр. 5008
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي سنقويكَ به فإنَّ قوَّةَ الشَّخصِ بشدة اليدِ على مُزاولةِ الأمورِ ولذلكَ يعبّرُ عنه باليدِ وشدَّتِها بشدَّة العضدِ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا﴾ أي تسلطاً وغلبةً وقيل حجَّةً وليس بذاكَ ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ باستيلاءٍ أو محاجة ﴿بآياتنا﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ قد صُرِّح به في مواضعَ أُخَر أي اذهَبا بآياتِنا أو بنجعل أي نسلطكما بآياتِنا أو بمعنى لا يصَلون أي تمتنعونَ منهم بها وقيل هو قسمٌ وجوابُه لا يصلونَ وقيلَ هو بيانٌ للغالبونَ في قولِه تعالى ﴿أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون﴾ بمعنى أنَّه صلة لما يبينه أوصلة له على أنَّ اللامَ للتعريفِ لا بمعنى الذي
стр. 5009
﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات﴾ أي واضحات الدلالة على صحَّةِ رسالةِ مُوسى ﵇ منه تعالى والمرادُ بها العَصَا واليدُ إذ هُما اللتانِ أظهرَهُما مُوسى ﵇ إذْ ذاكَ والتَّعبيرُ عنْهمَا بصيغةِ الجمعِ قد مرَّ سرُّه في سورةِ طه ﴿قَالُواْ مَا هَذا إِلَاّ سحرٌ مُّفْتَرًى﴾ أي سحرٌ مختلقٌ لم يُفعل قبلَ هذا مثلُه أو سحرٌ تعمله ثم تفتريهِ على الله تعالى أو سحرٌ موصوفٌ بالافتراءِ كسائرِ أصنافِ السِّحِر ﴿وَمَا سَمِعْنَا بهذا﴾ أي السِّحرِ أو ادعاءِ النُّبوةِ ﴿في آبائنا الأولين﴾ أي واقعاً في أيَّامِهم
стр. 5010
﴿وَقَالَ موسى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ﴾
стр. 5011
يريد به نفسه وقرئ قال بغير واولانه جوابٌ عن مقالِهم ووجهُ العطفِ أنَّ المرادَ حكايةُ القولينِ ليوازنَ السَّامعُ بينهما فيميِّز صحيحَهما من الفاسدِ ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار﴾ أي العاقبةُ المحمودُة في الدَّارِ وهي الدُّنيا وعاقبتُها الأصليةُ هي الجَّنة لأنَّها خُلقتْ مجازاً إلى الآخرةِ ومزرعة لها والمقصودُ بالذاتِ منها الثَّوابُ وأمَّا العقابُ فمن نتائجِ أعمالِ العصاه وسيئات الغواة وقرئ يكونُ بالياءِ التحتانيَّةِ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظالمون﴾ أي لا يفوزونَ بمطلوبٍ ولا ينجون عن محذُورٍ
стр. 5012
﴿وقال فرعون يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى﴾ قاله اللعينُ بعدَ ما جمعَ السَّحرةَ وتصدَّى للمُعارضةِ فكانَ من أمِرهم ما كانَ ﴿فَأَوْقِدْ لي يا هامان عَلَى الطين﴾ أي أصنعْ آجرَّاً ﴿فاجعل لّى﴾ منه ﴿صَرْحاً﴾ أي قصراً رفيعاً ﴿لَّعَلّى أَطَّلِعُ إلى إله موسى﴾ كأنَّه توهَّم أنَّه لو كان لكان جسماً في السَّماءِ يمكن الرُّقيُّ إليه ثم قال ﴿وَإِنّى لاظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ أو أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً يترصَّدُ منه أوضاعَ الكواكبِ فيرى هل فيها ما يدلُّ على بعثةِ رسولٍ وتبدلِ دولتِه وقيل المراد بنفى العلم نفى المعلومِ كما في قولِه تعالى ﴿قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السماوات وَلَا فِى الارض﴾ فإنَّ معناهُ بما ليس فيهنَّ وهذا من خواصِّ العلومِ الفعليةِ فإنَّها لازمةٌ لتحققِ معلوماتِها فيلزم من انتفائِها انتفاءُ معلوماتِها ولا كذلكَ العلومُ الانفعاليةُ قيل أولُ من اتَّخذَ الآجرَّ فرعونُ ولذلك أُمرِ باتخاذِه على وجهٍ يتضمَّنُ تعليمَ الصَّنعةِ مع ما فيه من تعظيم ولذلك نادى هامانَ باسمهِ بيافي وسطِ الكلامِ
стр. 5013
﴿واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الارض﴾ أرضِ مصرَ ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ بغيرِ استحقاقٍ ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ بالبعث للجزاء وقرئ بفتحِ الياءِ وكسرِ الجيمِ من رجعَ رجُوعاً والأولُ من رجع رجعاً وهو الأنسبُ بالمقامِ
стр. 5014
﴿فأخذناه وَجُنُودَهُ﴾ عقيبَ ما بلغُوا من الكفرِ والعتُوِّ أقصى الغاياتِ ﴿فنبذناهم فِى اليم﴾ قدمر تفصيلُه وفيه من تفخيمِ شأنِ الأخذِ وتهويلِه واستحقارِ المأخوذينَ المنبوُذينَ ما لا يخفى كأنَّه تعالى أخذَهم مع كثرتِهم في كفَ وطرحَهم في البحرِ ونظيُره قولُه تعالى وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسموات مطويات بِيَمِينِهِ ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين﴾ وبيَّنها للنَّاسِ ليعتبرُوا بها
стр. 5015
﴿وجعلناهم﴾ أي صيَّرناهم في عهدِهم ﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ﴾ النَّاسَ ﴿إِلَى النار﴾ إلى ما يُؤدِّي إليها من الكفرِ والمَعَاصي أي قدوةً يَقتِدي بهم أَهلُ الضَّلالِ لمَّا صرفُوا اختيارَهم إلى تحصيلِ تلك الحالة وقيل
стр. 5016
القصص ٤٢ ٤٤ سمَّيناهم أئمةً دعاةً إلى النَّار كما في قولِه تعالى وجعلوا الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا فالأنسبُ حينئذٍ أن يكونَ الجعلُ بعدهم فيما بين الأممِ وتكونَ الدَّعوة الى نفس البار وقيل معنى الجعلِ منعُ الألطافِ الصَّارفةِ عن ذلك ﴿وَيَوْمَ القيامة لَا يُنصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوهِ
стр. 5017
﴿وأتبعناهم فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ طرداً وإبعاداً من الرَّحمةِ ولعناً من اللاعنينَ حيثُ لا يزالُ يلعنُهم الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون خَلَفاً عن سَلَفٍ ﴿وَيَوْمَ القيامة هُمْ مّنَ المقبوحين﴾ من المطرُودينِ المُبعدينَ وقيل من الموسُومين بعلامةٍ منكرةٍ كزرقةِ العُيون وسوادِ الوجهِ قالَه ابنُ عبَّاسٍ ﵄ يُقال قبَّحه الله وقبَحه إذا جعلَه قبيحاً وقال أبوُ عُبيدةَ من المقبُوحين من المُهلكينَ ويومَ القيامةِ إمَّا متعلقٌ بالمقبوحينَ على أنَّ اللامَ للتعريفِ لا بمعنى الذي أو بمحذوفٍ يُفسره ذلك كأنَّه قيل وقبحوا يوم القيامة نجو لعملِكم من القالينَ
стр. 5018
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أي التوراة ﴿مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الاولى﴾ هم أقوامُ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ ﵈ والتَّعرض لبيانِ كون إبتائها بعدإهلاكهم للإشعارِ بمساس الحاجةِ الدَّاعيةِ إليه تمهيداً لما يعقبُه من بيانِ الحاجةِ الدَّاعية إلى إنزالِ القُرآن الكريمِ على رسُولِ الله ﷺ فإنَّ إهلاكَ القُرون الأُولى من مواجبات اندراسِ معالمِ الشَّرائعِ وانطماسِ آثارِها وأحكامِها المؤديينِ إلى اختلالِ نظامِ العالمِ وفسادِ أحوالِ الأُمم المستدعيينَ للتشريعِ الجديد بتقرير الأُصولِ الباقيةِ على مرِّ الدُّهورِ وترتيب الفروعِ المتبدلة بتبدلِ العُصور وتذكير أحوالِ الأُممِ الخاليةِ الموجبةِ للاعتبارِ كأنَّه قيلَ ولقد آتينَا مُوسى التوراةَ على حين حاجةٍ إلى إيتائِها ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي أنواراً لقلوبِهم تبصر بها الحقائقَ وتميزُ بين الحقِّ والباطلِ حيثُ كانتْ عُمياً عن الفهم والادراك بالكُلِّية فإنَّ البصيرةَ نورُ القلبِ الذي به يستبصرُ كما أنَّ البصرَ نورٌ العينِ الذي به تبصرُ ﴿وهدى﴾ أي هدايةً إلى الشَّرائعِ والاحكامِ التي هي سُبلُ الله تعالى ﴿وَرَحْمَةً﴾ حيثُ ينالُ من عملَ به رحمةَ الله تعالى وانتصابُ الكلِّ على الحاليَّةِ من الكتابِ على أنَّه نفسُ البصائرِ والهُدى والرَّحمة أو على حذفِ المضافِ أي ذَا بصائرَ الخ وقيل على العلَّة أي آتيناهُ الكتابَ للبصائرِ والهُدى والرَّحمةِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ليكونُوا على حالٍ يُرجى منه التَّذكرُ وقد مرَّ تحقيقُ القولِ في ذلك عند قولِه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من سورةِ البقرةِ وقوله تعالى
стр. 5019
﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى﴾ شروعٌ في بيانِ أنَّ إنزالَ القرآنِ الكريمِ أيضاً واقعٌ في زمانِ شدَّة مساسِ الحاجةِ إليه واقتضاءِ الحكمةِ له البتةَ وقد صدرَ بتحقيقِ كونِه وحياً صادقاً من عندِ الله ببيانِ أنَّ الوقوفَ على ما فُصِّل من الأحوال لا يتسنَّى
стр. 5020
القصص ٤٥ ٤٦ إلا بالمشاهدةِ أو التعلُّمِ ممَّن شاهدَها وحيثُ انتفى كلاهُما تبينَ أنَّه بوحيٍ من علَاّمِ الغُيُوبِ لا محالةَ على طريقةِ قولِه تعالى ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ الآيةَ أيْ وما كنتَ بجانبِ الجبلِ الغربِّي أو المكانِ الغربيِّ الذي وقعَ فيه الميقاتُ على حذفِ الموصوفِ وإقامةِ الصِّفةِ مُقامَهُ أو الجانبِ الغربِّي على إضافةِ الموصُوفِ إلى الصِّفةِ كمسجدِ الجامعِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر﴾ أي عهدنَا إليهِ وأحكمَنا أمرَ نبوَّتِه بالوحي وإيتاء التَّوراةِ ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ أي من جُملة الشاهدينَ للوحي وهم السبعونَ المختارون للميقاتِ حتَّى تشاهدَ ما جرى من أمرِ موسى في ميقانه وكتبةِ التَّوراةِ له في الألواحِ فتخبَره للنَّاسِ
стр. 5021
﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ أي ولكنَّا خلقنا بين زمانِك وزمانِ مُوسى قُروناً كثيرةً ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ وتمادَى الأمدُ فتغيرتِ الشَّرائعُ والأحكامُ وعَميتْ عليهم الأنباءُ لا سيما على آخرهم فافتضى الحالُ التَّشريعَ الجديدَ فأوحينَا إليكَ فحذفَ المستدرَكَ اكتفاءً بذكِر ما يُوجبه ويدلُّ عليهِ وقولُه تعالى ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ نفيٌ لاحتمالِ كونِ معرفتِه ﵊ للقصَّةِ بالسَّماعِ ممَّن شاهدَها أي وما كنتَ مُقيماً في أهلِ مدينَ من شُعيبٍ والمؤمنينَ به وقولُه تعالى ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أي تقرأُ على أهلِ مدينَ بطريق التعلم منهم ﴿آياتنا﴾ الناطقةَ بالقصَّةِ إمَّا حالٌ من المُستكنِّ في ثاوياً أو خبرٌ ثانٍ لكنتَ ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إيَّاك ومُوحين إليكَ تلك الآياتِ ونظائرَها
стр. 5022
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي وقتَ ندائنا موسى إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين واستنبائنا إيَّاه وإرسالِنا له الى فرعونَ ﴿ولكنْ رحمةٌ مّن رَّبِكَ﴾ أي ولكنْ أرسلناكَ بالقُرآنِ النَّاطقِ بما ذُكر وبغيرِه لرحمةٍ عظيمةٍ كائنةٍ منَّا لك وللنَّاسِ وقيل علمناكَ وقيل عرَّفناك ذلك وليسَ بذاكَ كما ستعرفُهُ والالتفاتُ إلى اسمِ الربِّ للإشعارِ بعلَّةِ الرَّحمةِ وتشريفِه ﷺ بالإضافةِ وقد اكتُفي عن ذكرِ المستدركِ هُهنا بذكر ما يُوجبه من جهتِه تعالى كما اكتفى عنْهُ في الأولِ بذكرِ ما يُوجبه من جهةِ النَّاسِ وصرَّح به فيما بينُهما تنصيصا على ما هو المقصودُ وإشعاراً بأنَّه المرادُ فيهما أيضا ولله درُّ شأنِ التنزيلِ وقولُه تعالى ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ متعلقٌ بالفعلِ المعلَّلِ بالرَّحمةِ فُهو ما ذكرنا من إرساله ﷺ بالقُرآنِ حتماً لما أنَّه المعللُ بالإنذارِ لا تعليمُ ما ذكر وقرئ رحمةٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف وقوله تعالى ﴿مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ﴾ صفةٌ لقوماً أي لم يأتهم نذيرٌ لوقوعِهم في فترةٍ بينك وبينَ عيسى وهي خمسمائةٌ وخمسونَ سنةً أو بينك وبين اسمعيل بناء على أن دعوة موسى عيسى ﵉ كانتْ مختصَّةً ببني اسرائيلَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ يتعظونَ بإنذارِك وتغييرُ الترتيب الوقوعي بين
стр. 5023
القصص ٤٧ ٤٩ قضاء الأمر والنواء في أهلِ مدينَ والنِّداءِ للتنبيهِ على أنَّ كلاً من ذلك برهانٌ مستقلُّ على أن حكايته ﷺ للقصَّةِ بطريقِ الوحِى الإلهيِّ ولو ذُكر أولاً نفيُ ثوائه ﷺ من أهلِ مدينَ ثمَّ نفيَ حضوره ﷺ عندَ النِّداءِ ثم نُفي حضورُه عند قضاءِ الأمرِ كما هو الموافقُ للترتيبِ الوقوعي لربما توهم أن الكلَّ دليلٌ واحدٌ على ما ذُكِرَ كما مَرَّ في سورة البقرةِ
стр. 5024
﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ﴾ أي عقوبةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أيديهم﴾ أي ما اقترفُوا من الكفرِ والمعَاصي ﴿فَيَقُولُواْ﴾ عطفٌ على تُصيبَهم داخلٌ في حيِّزِ لولا الامتناعيَّةِ على أنَّ مدارَ انتفاءِ ما يُجاب به هو امتناعُه لا امتناعُ المعطُوفِ عليه وإنما ذكرَه في حيزها للإبذان بأنه السبب الملجئ لهم إلى قولِهم ﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رسولا﴾ أي هلَاّ أرسلتَ إلينا رسولاً مؤيداً مِن عندك بالآيات ﴿فنتبع آياتك﴾ الظَّاهرةَ على يدِه وهو جوابُ لولا الثَّانيةِ ﴿وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ بهَا وجوابُ لولا الأُولى محذوفٌ ثقةٍ بدلالةِ الحالِ عليهِ والمَعْنى لولا قولُهم هذا عندَ إصابة عقوبة جاياتهم التي قدَّمُوها ما أرسلناكَ لكن لمَّا كانَ قولُهم ذلكَ محقَّقاً لا محيدَ عنه أرسلناك قطعا لماذيرهم بالكُلِّيةِ
стр. 5025
﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ﴾ أي أهلَ مكَّةَ ﴿الحق مِنْ عِندِنَا﴾ وهو القرآنُ المنزلُ عليهِ ﷺ ﴿قَالُواْ﴾ تعنُّتاً واقتراحاً ﴿لَوْلا أوتي﴾ يعنونه ﷺ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى﴾ من الكتابِ المنزَّلِ جملةً وأمَّا اليدُ والعَصَا فلا تعلُّق لهما بالمقامِ كسائرِ معجزاتِه ﵊ وقوله تعالى ﴿أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ردٌّ عليهم وإظهارٌ لكونِ ما قالُوه تعنُّتاً محضاً لا طلباً لما يُرشدهم إلى الحقِّ أي ألم يكفُروا من قبلِ هذا القولِ بما أوتى موسى من الكتاب كما كفرُوا بهذا الحقِّ وقولُه تعالى ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مَسُوقٌ لتقريرِ كُفرِهم المستفادِ من الإنكارِ السَّابقِ وبيانِ كيفيَّتِه وقولُه تعالى ﴿سِحْرَانِ﴾ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي هُما يعنونَ ما أُوتي محمدٌ وما أُوتي مُوسى ﵉ سحرانِ ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي تعاوَنا بتصديقِ كلُّ واحدٍ منهُما الآخَرَ وذلك أنَّهم بَعثوا رهطاً منهم إلى رؤساءِ اليَّهودِ في عيدلهم فسألوهم عن شأنه ﷺ فقالُوا إنَّا نجدُه في التَّوارةِ بنعتِه وصفتِه فلمَّا رجعَ الرَّهطُ وأخبرُوهم بما قالتِ اليَّهودُ قالُوا ذلكَ وقولُه تعالى ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ﴾ أي بكلِّ واحدٍ من الكتابينِ ﴿كافرون﴾ تصريحٌ بكفرِهم بهما وتأكيدٌ لكفرِهم المفهومِ من تسميتهما سحراً وذلك لغايةِ عُتوهم وتمادِيهم في الكفر والطغيان وقرئ ساحران تظاهران يعنون مُوسى ومحمَّداً ﷺ هذا هُو الذي تستدعيهِ جَزالةُ النَّظمِ الجليلِ فتأملْ ودعْ عنكَ ما قيلَ وقيلَ ألا ترى إلى قولِه تعالى
стр. 5026
﴿قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى منهما﴾ مما أوتياه
стр. 5027
القصص ٥٠ ٥٤ من التَّوراةِ والقُرآنِ وسمَّيتُموهما سحرينِ فإنَّه نصٌّ فيما ذُكر وقوله تعالى ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جوابٌ للأمرِ أي إنْ تأتُوا به أتَّبعْهُ ومثلُ هذا الشَّرطِ ممَّا يأتِي به من يدلُّ بوضوحِ حُجَّتِه وسُنوحِ محجَّتِه لأنَّ الإتيانَ بما هو أهدى من الكتابينِ أمرٌ بيِّنُ الاستحالةِ فيوسع دائرةَ الكلامِ للتَّبكيتِ والإفحامِ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في أنَّهما سحرانِ مختلقانِ وفي إيراد كلمةِ إنْ مع امتناعِ صدقِهم نوعُ تهكُّمٍ بهم
стр. 5028
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي فإنْ لم يفعلُوا ما كلَّفتهم من الإتيانِ بكتابٍ أهدى منهما كقولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وإنَّما عُبِّر عنه بالاستجابةِ إيذانا بأنه ﷺ على كمالِ أمنٍ من أمره كأن أمره ﷺ لهم بالإتيانِ بما ذُكر دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريدُ وقوعَه والاستجابةُ تتعدَّى إلى الدُّعاءِ بنفسِه وإلى الدَّاعِي باللامِ فيحذف الدُّعاء عندَ ذلكَ غالباً ولا يكادُ يقال استجابَ الله له دعاءَه ﴿فاعلم أَنَّمَا يتبعون أهواءهم﴾ الزائفة من غير أن يكون لهم متمسَّكٌ ما أصلاً إذْ لَوْ كانَ لهُم ذلكَ لأَتَوا بهِ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن اتبع هواه﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ للنَّفيِ أيْ لا أضلَّ ممَّن اتَّبع هواهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله﴾ أي هو أضلُّ من كلِّ ضالَ وإنْ كانَ ظاهرُ السَّبكِ لنفيِ الأصلِ لا لنفيِ المُساوي كما مرَّ في نظائرِه مراراً وتقييدُ اتِّباعِ الهَوَى بعدمِ الهُدى من الله تعالى لزيادةِ التَّقريعِ والإشباعِ في التَّشنيعِ والتَّضليلِ وإلا فمقارنتُه لهدايتِه تعالى بينةُ الاستحالةِ ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ الذين ظلمُوا أنفسَهم بالانهماكِ في اتباعِ الهَوَى والإعراضِ عن الآياتِ الهاديةِ إلى الحقِّ المُبينِ
стр. 5029
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ وقرئ بالتَّخفيف أي أنزلنا القرآنَ عليهم متواصلاً بعضَه إثرَ بعضٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ أو متتابعاً وعداً ووعيداً قصصاً وعبراً ومواعظَ ونصائحَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيؤمنون بما فيه
стр. 5030
﴿الذين آتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ إيتاءِ القُرآنِ ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ وقيلَ أربعون من أهلِ الإنجيلِ اثنانِ وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانة ي من الشامِ
стр. 5031
﴿وَإِذَا يتلى﴾ أي القرآنُ عَلَيْهِمْ ﴿قالوا آمنا بِهِ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا﴾ أي الحقُّ الذي كما نعرف حقيته وهو استئناف لييان ما أوجب إيمانَهم وقولُه تعالَى ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ نزولِه ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بيانٌ لكونِ إيمانِهم به أمراً متقادمَ العهدِ لما شاهدوا ذكرَه في الكتب المنقدمة وأنَّهم على دينِ الإسلام قبل نزولِ القرآنِ
стр. 5032
﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من النعوت
стр. 5033
القصص ٥٥ ٥٧ ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ مرةً على إيمانِهم بكتابِهم ومرةً على إيمانِهم بالقرآنِ ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ بصبرِهم وثباتِهم على الإيمانينِ أو على الإيمان بالقرآنِ قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرهم أهلِ دينِهم ومن المشركين ﴿ويدرؤون بالحسنة السيئة﴾ أي يدفعونَ بالطاعة المعصية لقوله ﷺ وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها ﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ في سبيلِ الخيرِ
стр. 5034
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو﴾ من اللاغينَ ﴿أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ عن اللَّغو تكرماً كقولِه تعالى وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ﴿وَقَالُواْ﴾ لهم ﴿لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ﴾ بطريقِ المُتاركةِ والتَّوديعِ ﴿لَا نَبْتَغِى الجاهلين﴾ لا نطلبُ صحبتَهم ولا نريدُ مخالطتَهم
стр. 5035
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾ هدايةً موصِّلةً إلى البُغيةِ لا محالةَ ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ من النَّاسِ ولا تقدرُ على أنْ تدخلَه في الإسلامِ وإنْ بذلت فيه غايةَ المجهودِ وجاوزتَ في السعيِ كلَّ حدَ معهودٍ ﴿ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَآء﴾ أنْ يهديَه فيدخلَه في الإسلامِ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ بالمستعدِّينَ لذلك والجمهورُ على أنَّها نزلتْ في أبي طالبٍ فإنَّه لما احتُضر جاءه رسول الله ﷺ وقالَ له يا عمِّ قُل لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ بها لك عندَ الله قال له يا ابنَ أخِي قد علمتُ إنَّك لصادقٌ ولكنِّي أكرَه أنْ يقال جزع عند الموتِ ولولا أنْ يكونَ عليك وعلى بني أبيكَ غضاضةٌ بعدي لقُلتها ولأقررتُ بها عينَك عندَ الفراقِ لما أَرَى من شدَّة وَجْدِك ونصيحتِك ولكنِّي سوفَ أموتُ على ملَّةِ الأشياخِ عبدِ المطَّلبِ وهاشمٍ وعبدِ منافٍ
стр. 5036
﴿وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ نزلت في الحرث بن عثمان ابن نوفلَ بنِ عبدِ منافٍ حيث أتى النبيِّ ﷺ فقال نحنُ نعلم أنَّك على الحقِّ ولكنَّا نخافُ إنِ اتَّبعناك وخالفنَا العربَ وإنما نحنُ أكلةُ رأسٍ أنْ يتخطَّفونا من أرضِنا فرُد عليهم بقولِه تعالى ﴿أو لم نمكن لهم حرما آمناً﴾ أي ألم نعصمْهم ولم نجعلْ مكانَهم حرماً ذا أمنٍ لحرمةِ البيتِ الحرامِ الذي تتناحرُ العرب حوله وهو آمنون ﴿يجبى إليه﴾ وقرئ تجبى أي تجمع وتحمل إليه ﴿ثمراتُ كُلّ شَىْء﴾ من كلِّ أوبٍ والجملةُ صفةٌ أخرى لحَرماً دافعةٌ لمَا عَسَى يُتوهَّم من تضررِهم بانقطاعِ الميرةِ ﴿رّزْقاً مّن لَّدُنَّا﴾ فإذا كان حالهم ما ذكروهم عبدةُ أصنامٍ فكيف يخافونَ التخطفَ إذا ضمُّوا إلى حُرمةِ البيتِ حُرمةَ التَّوحيدِ ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي جهلة لا ينفطنون له ولا يتفكَّرون ليعلمُوا ذلك وقيل هو متعلِّق بقولِه تعالى مّن لَّدُنَّا أي قليل منهم بتدبرون فيعلمونَ أنَّ ذلك رزقٌ من عند الله تعالى إذ لو علمُوا لما خافُوا غيرَه وانتصابُ رزقاً على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لمعنى يجبى أو حالٌ من ثمراتُ على أنَّه بمعنى مرزوقٍ لتخصصها بالإضافةِ ثم بَيّن أن الأمر بالعكس
стр. 5037
القصص ٥٨ ٦٠ وأنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يخافوا بأسَ الله تعالى بقوله
стр. 5038
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي وكثيرٌ من أهلِ قريةٍ كانت حالُهم كحالِ هؤلاءِ في الأمنِ وخفضِ العيشِ والدَّعةِ حتَّى أشِرُوا فدمَّرنا عليهم وخرَّبنا ديارَهم ﴿فَتِلْكَ مساكنهم﴾ خاويةٌ بما ظلمُوا ﴿لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ﴾ من بعدِ تدميرِهم ﴿إِلَاّ قَلِيلاً﴾ أي إلا زماناً قليلاً إذْ لا يسكنُها إلا المارَّةُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أولم يبقَ من يسكنُها إلا قليلاً من شؤمِ معاصيِهم ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ منهم إذ لم يخلفهم أحدٌ يتصرَّفُ تصرَّفَهم في ديارِهم وسائرِ ذاتِ أيديهم وانتصابُ معيشتَها بنزعِ الخافضِ أو يجعلها ظرفاً بنفسِها كقولِك زيدٌ ظنِّي مقيمٌ أو بإضمارِ زمانٍ مضافٍ إليه أو يجعله مفعولاً لبطرتْ بتضمينِ معنى كفرتْ
стр. 5039
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى﴾ بيانٌ للعنايةِ الربَّانيةِ إثرَ بيانِ إهلاكِ القُرى المذكورةِ أي وما صحَّ وما استقامَ بل استحال في سنَّته المبنيةِ على الحكمِ البالغةِ أو ما كان في حكمِه الماضِي وقضائِه السَّابق أنْ يُهلكَ القرى قبلَ الإنذارِ بل كانتْ عادتُه أنْ لا يهلكَها ﴿حتى يَبْعَثَ فِى أُمّهَا﴾ أي في أصلِها وقُصبتِها التي هي أعمالُها وتوابعُها لكون أهلِها أفطنَ وأنبلَ ﴿رسولا يتلو عليهم آياتنا﴾ الناطقةَ بالحقِّ ويدعُوهم إليه بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ وذلك لإلزام الحجَّة وقطع المعذرةِ بأنْ يقولوا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبعَ آياتِك والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لتربيةِ المهابة وإدخال الروعة وقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى﴾ عطفٌ على ما كانَ ربُّك وقولُه تعالى ﴿إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظالمون﴾ استثناءٌ مفرغ من أعم الأحوال أي وما كنَّا مهلكينَ لأهلِ القُرى بعد ما بعثنا في أمِّها رسولاً يدعُوهم إلى الحقِّ ويُرشدهم إليه في حالٍ من الأحوالِ إلا حال كونهم ظالمينَ بتكذيبِ رسولِنا والكفرِ بآياتِنا فالبعثُ غايةٌ لعدمِ صحَّة الإهلاكِ بموجبِ السنَّة الإلهية لا لعدمِ وقوعِه حتَّى يلزمَ تحققُ الإهلاكِ عقيبَ البعثِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ بني إسرائيلَ
стр. 5040
﴿وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء﴾ من أمور الدُّنيا ﴿فمتاع الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ أي فهو شئ شأنه أنْ يتمتَّعَ ويتزينَ به أياماً قلائل ﴿وَمَا عِندَ الله﴾ وهو الثَّوابُ ﴿خَيْرٌ﴾ في نفسِه من ذلك لأنَّه لذَّةٌ خالصةٌ عن شوائبِ الألم وبهجةٌ كاملة عارية عن سِمةِ الهمِّ ﴿وأبقى﴾ لأنَّه أبديّ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ألا تتفكرونَ فلا تعقِلون هذا الأمرَ الواضحَ فتستبدلون الذي هُوَ أدنى بالذي هو خيرٌ وقرئ بالياء على الالنفات المبنيِّ على اقتضاء سوء صنيعهم الإعراضَ عن مخاطبتِهم
стр. 5041
القصص
стр. 5042
٦١ - ٦٣ ﴿أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً﴾ أي وَعداً بالجنَّة فإنَّ حسنَ الوعدِ بحسن الموعودِ ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ أي مدركُه لا محالةَ لاستحالةِ الخُلفِ في وعدِه تعالى ولذلك جئ بالجملة الاسميةِ المفيدة لتحققِه البتةَ وعُطفت بالفاء المنبئةِ عن معنى السببيةِ ﴿كَمَن متعناه متاع الحياة الدنيا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلامِ منغصٌ بالأكدارِ مستتبع للتَّحسرِ على الانقطاع ومعنى الغاء الأُولى ترتيبُ إنكارِ التَّشابهِ بين أهلِ الدُّنيا وأهلِ الآخرةِ على ما قبلها من ظهورِ التَّفاوتِ بين متاعِ الحياة الدُّنيا وبين ما عندَ الله تعالى أي أبعدَ هذا التَّفاوت الظاهرِ يسوَّى بين الفريقينِ وقولُه تعالى ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ عطفٌ على متَّعناه داخلٌ معه في حيزِ الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له كأنَّه قيل كمن متعناه متاعَ الحياة الدنيا ثم نحضرُه أو أحضرنَاه يومَ القيامةِ النَّارَ أو العذابَ وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالةِ على التحققِ حتماً وفي جعله من جلمة المحضرينَ من التَّهويلِ ما لا يخفى وثم للنراخى في الزمان أو في الرتبة وقرئ ثم هْو بسكونِ الهاءِ تشبيهاً للمنفصلِ بالمتَّصلِ
стр. 5043
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ منصوبٌ بالعطفِ على يومَ القيامةِ لاختلافهما عُنواناً وإنِ اتَّحدا ذاتاً أو بإضمارِ اذكُر ﴿فَيَقُولُ﴾ تفسيرٌ للنِّداءِ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي الذينَ كنتُم تزعمونَهم شركائي فحُذف المفعولانِ معاً ثقةً بدلالةِ الكلامِ عليهما
стр. 5044
﴿قال﴾ استئناف مبني على حكاية السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا صدرَ عنهُم حينئذٍ فقيل قالَ ﴿الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ وهم شركاؤهم مِن الشَّياطينِ أو رؤساؤهم الذين اتَّخذوهم أرباباً من دونِ الله تعالَى بأنْ أطاعوهم في كلِّ ما أمروهم به ونهَوا عنه ومعنى حقَّ عليهم القول أنه ثبتَ مُقتضاه وتحقَّق مؤدَّاه وهو قوله تعالى لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ وغيره من آياتِ الوعيد وتخصيصُهم بهذا الحكم مع شمولِه للأتباع أيضاً لأصالتِهم في الكفرِ واستحقاقِ العذابِ حسبما يُشعر به قوله تعالى لاملان جهنم منك وممن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ومسارعتُهم إلى الجوابِ مع كون السؤال للعَبَدة إما لتفطُّنهم أنَّ السؤال عنهم لاستحضارِهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأنَّ العَبَدةَ سيقولون هؤلاءِ أضلُّونا وإمَّا لأنَّ العبَدَة قد قالوه اعتذار أو هؤلاء إنَّما قالوا ما قالوا ردّاً لقولِهم إلا أنَّه لم يُحكَ قولُ العَبَدة إيجازاً لظهوره ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا﴾ أي هم الذين أغويناهُم فحذف الرَّاجع إلى الموصولِ ومرادُهم بالإشارة بيانُ أنَّهم يقولون ما يقولون بمحضرٍ منهم وأنَّهم غيرُ قادرينَ على إنكارِه وردِّه وقوله تعالى ﴿أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا﴾ هو الجوابُ حقيقةً وما قبله تمهيدٌ له أي
стр. 5045
القصص ٦٤ ٦٨ ما أكرهناهم على الغيِّ وإنما أغويناهم بطريقِ الوسوسةِ والتَّسويل لا بالقسر والإلجاء فغَووا باختيارِهم غيّاً مثل غيِّنا باختيارِنا ويجوز أن يكون الذين صفةً لاسم الإشارة وأغويناهم الخبرَ ﴿تَبَرَّأْنَا إليك﴾ منهم وممَّا اختارُوه من الكفرِ والمعاصي هوى منهم وهو تقريرٌ لما قبله ولذلك لم يعطف عليهِ وكذا قولُه تعالى ﴿مَّا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ أي ما كانُوا يعبدوننا وإنَّما كانوا يعبدون أهواءَهم وقيل ما مصدريةٌ متَّصلة بقوله تعالى تَبَرَّأْنَا أي تبرأنا من عبادتِهم إيَّانا
следующие страницы →