Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخر﴾ هذا وما قبلَهُ للتَّهييجِ والألهابِ وقطعِ أطماعِ المُشركينَ عن مساعدتِه ﵊ لهم وإظهارِ أنَّ المنهيَّ عنه في القُبحِ والشرِّية بحيثُ يُنهى عنْهُ من لا يمكن صدروه عنه أصلاً ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ وحدَهُ ﴿كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ إلا ذاتَه فإنَّ ما عداهُ كائناً ما كان ممكنٌ في حدِّ ذاتِه عرضةٌ للهلاكِ والعدمِ ﴿لَهُ الحكم﴾ أي القضاء النافذ في الخلقِ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عندَ البعثِ للجزاءِ بالحقِّ والعدل عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ طسم القصصَ كان له من الأجر بعددِ مَن صدَّق مُوسى وكذَّب ولم يبقَ مَلَكٌ في السَّمواتِ والأرضِ إلا شهدَ له يومَ القيامةِ أنَّه كانَ صادقاً
стр. 5077
سورة العنكبوت ١ ٣
مكية وهي تسع وستون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾
стр. 5078
﴿الم﴾ الكلامُ فيه كالذي مرَّ مراراً في نظائرِه من الفواتحِ الكريمةِ خلا أنَّ ما بعده لا يحتملُ أنُ يتعلَّق به تعلُّقاً إعرابياً
стр. 5079
﴿أَحَسِبَ الناس﴾ الحسبانُ ونظائره لا يتعلَّق بمعاني المُفرداتِ بل بمضامينِ الجملِ المفيدةِ لثبوت شيء لشيء او انتفاء شيءٍ بحيثُ يتحصّلُ منها مفعولاه إمَّا بالفعلِ كما في عامَّة المواقع وإما بنوع تصرُّفٍ فيها كما في الجُملِ المصدَّرةِ بأن والواقعة صلةً للموصولِ الاسميِّ أو الحرفيِّ فإنَّ كلاًّ منها صالحةٌ لأنْ يُسبكَ منها مفعولاه لأنَّ قولَه تعالى ﴿أحِسب الناسُ أَن يُتْرَكُواْ أن يقولوا آمنا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون﴾ في قوَّةِ أنْ يقالَ أحسبُوا أنفسَهم متروكين بلا فتنةٍ بمجرَّدِ أنْ يقولوا آمنَّا أوان يقالَ أحسبوا تركَهم غيرَ مفتونينَ بقولِهم آمنَّا حاصلاً متحقِّقاً والمَعْنى إنكارُ الحُسبانِ المذكور واستبعادُه وتحقيقُ أنَّه تعالى يمتحنُهم بمشاقِّ التَّكاليفِ كالمهاجرةِ والمجاهدة ورفضِ ما تشتهيةِ النَّفسُ ووظائفِ الطَّاعاتِ وفنونِ المصائبِ في الأنفسِ والأموالِ ليتميَّز المخلصُ من المنافقِ والرَّاسخُ في الدِّينِ من المتزلزلِ فيه ويجازيَهم بحسبِ مراتبِ أعمالِهم فإنَّ مجرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عن خُلوصٍ لا يقتضِي غيرَ الخلاصِ من الخُلودِ في النَّارِ رُوي أنَّها نزلتْ في ناسٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ جزعُوا من أذيَّةِ المشركينَ وقيل في عمَّارٍ قد عُذِّب في الله وقيل في مهجعٍ مَولى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵄ رماهُ عامرُ بنُ الحضرميِّ بسهم يومَ بدرٍ فقتلَه فجزع عليه ابواه وامرأتُه وهو أولُ منِ استُشهد يومئذٍ من المسلمينَ فقال رسول الله ﷺ سيِّدُ الشُّهداءِ مهجعٌ وهو أولُ من يُدعى إلى بابِ الجنَّةِ من هذه الأمَّةِ
стр. 5080
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ متَّصلٌ بقوله تعالى أحسِب أو بقولِه تعالى لا يُفتنون والمعنى أنَّ ذلك سنَّة قديمةٌ مبنية على الحكمِ البالغةِ جاريةٌ فيما بين الأممِ كلَّها فلا ينبغي أنْ يُتوقَّع خلافُها والمعنى أنّ الأممَ الماضيةَ قد أصابَهم من ضروبِ الفتنِ والمحنِ ما هو أشدُّ ممَّا أصاب هؤلاءِ فصبروا كما يُعرِبُ عنه قولُه تعالى وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا الآياتِ وعن النبيِّ ﷺ قد كان منَ قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار
стр. 5081
العنكبوت ٤ ٦ على رأسه فيفرق فرقتينِ ما يصرفُه ذلك عن دينِه ويمشَّط بأمشاطِ الحديدِ ما دون عظمِه من لحمٍ وعصبٍ ما يصرفه ذلك عن دينه ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُوا﴾ أي في قولِهم آمنا ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ في ذلك والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما يُفصح عنه ما قبلَها من وقوع الامتحانِ واللامُ جوابُ القَسَمِ والالتفاتُ إلى الإسم الجليل لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وتكريرُ الجواب لزيادة التَّأكيدِ والتقرير أي فو الله ليتعلقن علمُه بالامتحان تعلُّقاً حالياً يتميزُ به الذين صدقُوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبونَ فيه مستمرَون على الكذب ويترتبُ عليه أجزيتُهم من الثَّواب والعقابِ ولذلك قيل المعنى ليميزن أو ليجازين وقُرىء وليُعلمنَّ من الإعلامِ أي وليعرِّفنَّهم النَّاسَ أو ليسمنّهم بسِمة يُعرفون بها يومَ القيامة كبياضِ الوجوه وسوادِها
стр. 5082
﴿أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي يفوتُونا فلا نقدرَ على مجازاتهم بمساوى أعمالهم وهو ساد مفعولى حسب لا شتماله على مُسندٍ ومُسندٍ إليهِ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقالِ عن التَّوبيخ بإنكارِ حسبانهم متروكين غير مفتُونين إلى التَّوبيخ بإنكارِ ما هو أبطلُ من الحسبان الاول وهو حسبانُهم أنْ لا يجازُوا بسيئاتهم وهم وإنْ لم يحسبوا أنَّهم يفوتونَهُ تعالى ولم يحدِّثوا نفوسَهم بذلك لكنهم حيثُ أصرُّوا على المعاصي ولم يتفكَّروا في العاقبةِ نزلوا منزلة من يطمع في ذلك كما في قوله تعالى يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئسَ الذي يحكمونَهُ حكمُهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمُهم ذلك
стр. 5083
﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله﴾ أي يتوقَّعُ مُلاقاةَ جزائه ثوابا أو عِقاباً أو مُلاقاةُ حُكمِه يومَ القيامةِ وقيل يرجُو لقاء الله في الجنَّة وقيل يرجُو ثوابَه وقيل يخافُ عقابَه وقيل لقاؤه تعالى عبارةٌ عن الوصول إلى العاقبةِ من تلقِّي مَلَكِ الموتِ والبعثِ والحسابِ والجزاءِ على تمثيلِ تلك الحالِ بحالِ عبدٍ قدِم على سيِّده بعد عهدٍ طويلٍ وقد عَلِم مولاهُ بجميعِ ما كان يأتِي ويذرُ فإمَّا أنْ يلقاه ببشرٍ وكرامةٍ لمَا رضي من أفعالِه أو بضدِّه لما سخَطَه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله﴾ الأجل عبارةٌ عن غايةِ زمان ممتد عينت لأمرٍ من الأمورِ وقد يُطلق على كلِّ ذلكَ الزَّمانَ والأولُ هو الأشهرُ في الاستعمالِ أي فإنَّ الوقتَ الذي عيَّنه تعالى لذلكَ ﴿لأَتٍ﴾ لا محالة من غير صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لأنَّ أجزاءَ الزَّمانِ على التقضِّي والتَّصرُّم دائماً فلا بدَّ من إتيان ذلك الجزاءِ أيضاً البتةَ وإتيانُ وقتِه موجبٌ لإتيانِ اللِّقاءِ حتماً والجوابُ محذوفٌ أي فليخترْ من الأعمالِ ما يؤدي إلى حُسنِ الثَّوابِ وليحذرْ ما يسوقُه إلى سوءِ العذابِ كما في قوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ وفيه من الوعدِ والوعيدِ ما لا يَخْفى وقيل فليبادرْ الى ما يحقق أملَه ويصدِّق رجاءَهُ أو ما يُوجبُ القُربةَ والزُّلفى ﴿وَهُوَ السميع﴾ لأقوالِ العبادِ ﴿العليم﴾ بأحوالِهم من الأعمالِ الظَّاهرةِ والعقائدِ
стр. 5084
﴿وَمَن جَاهَدَ﴾ في طاعةِ الله ﴿فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ﴾ لعود منفعتِها
стр. 5085
العنكبوت ٧ ٩ إليها ﴿إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾ فلا حاجةٍ له إلى طاعتِهم وإنَّما أمرهم بها تعريضاً لهم للثَّوابِ بموجب رحمتِه
стр. 5086
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ﴾ الكفرَ بالإيمانِ والمعاصيَ بما يتبعُها من الطَّاعاتِ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي أحسنَ جزاءِ أعمالهم لا جزاء أحسر أعمالِهم فقط
стр. 5087
﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أي بإيتاء والديهِ وإيلائهما فعلاً ذَا حُسنٍ أو ما هو في حدِّ ذاته حسنٌ لفرطِ حُسنِه كقولِه تعالى وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ووصَّى يجري مجرى أمرَ معنى وتصرُّفاً غيرَ أنَّه يُستعمل فيما كان في المأمورِ به نفعٌ عائدٌ إلى المأمورِ أو غيرِه وقيل هُو بمعنى قال فالمعنى وقلنا أحسِنْ بوالديك حُسنا وقيل انتصابُ حُسنا بمضمرٍ على تقدير قولٍ مفسِّرٍ للتَّوصيةِ أي وقُلنا أوْلِهما أو افعلْ بهما حُسنا وهو أوفق لما بعدَه وعليه يحسنُ الوقفُ على بوالديه وقرئ حسناً وإحساناً ﴿وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي بالهيته عبَّر عن نفيها بنفيِ العلمِ بها للإيذان بأنَّ ما لا يعلم صحته لا يجوزُ اتِّباعُه وإنْ لم يُعلم بطلانُه فكيف بما عُلم بطلانُه ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك فإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ ولا بُدَّ من إضمارِ القولِ إن لم يُضمر فيما قبل وفي تعليقِ النَّهي عن طاعتهما بمجاهدتهما في التكاليف إشعارٌ بأنَّ موجبَ النَّهي فيما دونها من التَّكليفِ ثابت بطريقِ الأولويَّةِ ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي مرجعُ مَن آمن منكُم ومَن أشركَ ومن برَّ بوالديِه ومن عقَّ ﴿فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تعملون﴾ بأن أجازي كلا منكم بعملِه إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشر والآيةُ نزلتْ في سعدَ بنَ أبي وقاصٍ رضي الله تعالى عنه عند إسلامِه حيثُ حلفت أمُّه حمنهُ بنتُ أبي سفيانَ ابن أُميَّة أن لا تنتقلَ من الضحِّ إلى الظلِّ ولا تَطعمُ ولا تشربُ حتَّى يرتدَّ فلبثتْ ثلاثةَ أيامٍ كذلك وكذا التي في سُورة لقمانَ وسورةِ الأحقافِ وقيل نزلتْ في عياشَ بنَ أبي ربيعةَ المخزُومي وذلك أنه هاجر مع عمرَ بنِ الخطَّاب ﵁ حتَّى نزلا المدينةَ فخرجَ أبو جهل والحرث أخواه لأمِّه أسماء فنزلا بعيَّاش وقالا له إن من دين محمدٍ ﷺ صلةَ الأرحامِ وبرَّ الوالدينِ وقد تركتَ أمَّك لا تطعمُ ولا تشربُ ولا تأوي بيتاً حتَّى تراك فاخرجْ معنا وفتلا منه في الذِّروة والغاربِ واستشار عمر ﵁ فقال هُما يخدعانِك ولك على أنْ أقسمَ مالي بيني وبينك فما زالا به حتَّى أطاعهما وعصى عمر ﵁ فقال عمرُ ﵁ أما إذا عصيتني فخذنا فتى فليس في الدُّنيا بعيرٌ يلحقها فإنْ رابك منهما ريبٌ فارجع فلمَّا انتهَوا إلى البيداءِ قال أبوُ جهل إن ناقتي قد كلَّت فاحملني معك فنزل ليوطئ لنفسِه وله فأخذاه فشدَّاه وثاقاً وجلده كلُّ واحدٍ مائةَ جلدةٍ وذهبا به إلى أمِّه فقالت لا تزالُ في عذاب حتَّى ترجعَ عن دينِ محمَّدٍ
стр. 5088
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين﴾
стр. 5089
أي في زُمرةِ الرَّاسخينَ في الصَّلاحَ والكمالُ في الصَّلاحِ مِنتهى درجاتِ المؤمنينَ وغايةُ مأمولِ أنبياءِ الله المُرسلين قال الله تعالى حكايةً عن سليمانَ ﵇ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين وقال في حقِّ إبراهيمَ ﵇ وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين أو في مدخلِ الصَّالحين وهو الجنَّة
стр. 5090
﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمنا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله﴾ أي في شأنِه تعالى بأنْ عذَّبهم الكفرةُ على الإيمان ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناس﴾ أي ما يصيبُه من أذيتَّهم ﴿كَعَذَابِ الله﴾ في الشدَّة والهولِ فيرتدَّ عن الدِّين مع أنَّه لا قدرَ لها عند نفحة من عذابه تعالى أصلاً ﴿وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ﴾ أي فتحٌ وغنيمةٌ ﴿لَّيَقُولَنَّ﴾ بضمِّ اللامِ نظراً إلى مَعْنى مَنْ كما أنَّ الإفرادَ فيما سبقَ بالنَّظرِ إلى لفظها وقرئ بالفتحِ ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي مشايعينَ لكم في الدين فأشر كونا في المغنمِ وهم ناسٌ من ضَعَفةِ المُسلمين كانُوا إذا مسَّهم أذى من الكفَّارِ وافقُوهم وكانُوا يكتمونَهُ من المسلمينَ فرُدّ عليهِم ذلكَ بقولِه تعالى ﴿أو ليس الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ العالمين﴾ أي بأعلم منهم بما في صدورهم من الإخلاصِ والنِّفاقِ حتَّى يفعلوا ما يفعلون من الارتدادِ والاخفاءِ عن المسلمين وإدِّعاءِ كونِهم منهم لنيلِ الغنيمةِ وهذا هو الأوفقُ لما سبقَ ولما لَحِقَ من قوله تعالى
стр. 5091
﴿وليعلمن الله الذين آمنوا﴾ أي بالإخلاصِ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ سواء كان كفرُهم بإذية الكفرة أولا أي ليجزينَّهم بما لهم من الإيمان والنِّفاقِ
стр. 5092
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ بيانٌ لحملهم للمؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد بيان حملِهم لهم عليه بالأذيَّةِ والوعيد وصفهم بالكفرِ هَهُنا دونَ ما سبق لما أنَّ مساقَ الكلامِ لبيان جناياتهم وفيما سبق لبيانِ جنايةِ من أضلُّوه واللامُ للتَّبليغِ أي قالُوا مخاطبينَ لهم ﴿اتبعوا سَبِيلَنَا﴾ أي اسلكُوا طريقتنا التي نسلكُها في الدِّينِ عبَّر عن ذلكَ بالاتباعِ الذي هو المشيُ خلفَ ماشٍ آخرَ تنزيلاً للمسلك منزلةَ السَّالكِ فيه أو اتبعونا في طريقتنا ﴿وَلْنَحْمِلْ خطاياكم﴾ أي إنْ كان ذلك خطيئةً يُؤاخذ عليها بالبعثِ كما تقُولونَ وإنَّما أَمروا أنفسَهم بالحمل عاطفين له على أمرِهم بالأتَّباعِ للمبالغة في تعليق الحملِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيفِ الأوزار عنهم إن كان ثمَةَ وزرٌ فرُد عليهم بقولِه تعالى ﴿وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء﴾ وقُرىء من خطيآتِهم أي وما هم بحاملين شيئاً مِن خطاياهم التي التزمُوا أنْ يحملُوا كلَّها على أن مِن الأُولي للتبيين والثانية مزيدةٌ للاستغراق والجملةُ اعتراضٌ أو حالٌ ﴿إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ حيث أخبروا في ضمنِ وعدِهم بالحمل بأنَّهم قادرون على انجاز ما وعدوا فإنَّ الكذبَ كما يتطَّرقُ إلى الكلامِ باعتبار
стр. 5093
العنكبوت ١٣ ١٦ منطوقِه يتطرَّقُ إليه باعتبارِ ما يلزمُ مدلوله كما مر في قوله تعالى أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين
стр. 5094
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ بيانٌ لما يستتبعه قولُهم ذلك في الآخرةِ من المضرة لأنفسِهم بعد بيانِ عدم منفعتِه لمخاطبيهم أصلاً والتَّعبيرُ عن الخطايا بالاثقال للابذان بغاية ثقلِها وكونِها فادحةً واللامُ جوابُ قَسَمٍ مضمرٍ أيْ وبالله ليحملنَّ أثقالَ أنفسِهم كاملةً ﴿وَأَثْقَالاً﴾ أُخرَ ﴿مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ لمَّا تسببُوا بالاضلالِ والحملُ على الكفرِ والمَعاصي من غيرِ أنْ ينتقص من أثقالِ من أضلُّوه شيء ما اصلا ﴿وليسألن يوم القيامة﴾ سؤالَ تقريعٍ وتبكيتٍ ﴿عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يختلقونَه في الدُّنيا من الأكاذيبِ والأباطيلِ التي من جملتها كذبُهم هذا
стр. 5095
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ شروعٌ في بيان افتتانِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأذية أممهم إثرَ بيانِ افتتانِ المؤمنين بأذيةِ الكفَّارِ تأكيداً للإنكارِ على الذين يحسبُون أنْ يُتركوا بمجرَّدِ الإيمان بلا ابتلاءٍ وحثًّا لهم على الصَّبرِ فإنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث ابتُلوا بما أصابَهم من جهةِ أُممهم من فنونِ المكارِه وصبرُوا عليها فَلأن يصبرَ هؤلاءِ أولى وأحرى قالُوا كان عمرُ نوحٍ ﵇ ألفاً وخمسين عاماً بعث على رأس أربعين سنةٍ ودعا قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفانِ ستين سنة وعن وهبٍ أنَّه عاشَ ألفاً وأربعمائة سنة ولعلَّ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ للدِّلالةِ على كمال العددِ فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرُب منه ولَما في ذكرِ الألفِ من تخييلِ طولِ المدَّةِ فإنَّ المقصودَ من القصة تسلية رسول الله ﷺ وتثبيته على ما كان عليه من مُكابدةِ ما يناله من الكفرةِ وإظهارُ ركاكةِ رأي الذين يحسبونَ أنَّهم يُتركون بلا ابتلاءٍ واختلافُ المميزِ لما في التَّكريرِ من نوع بشاعةٍ ﴿فأخذهم الطوفان﴾ أي عقب تمامِ المَّدةِ المذكورةِ والطُّوفان يطلق على كل ما يطوفُ بالشيء على كثرةٍ وشدَّةٍ من السَّيلِ والرَّيحِ والظَّلامِ وقد غلب على طُوفانِ الماءِ ﴿وَهُمْ ظالمون﴾ أي والحالُ أنَّهم مستمرُّون على الظُّلمِ لم يتأثَّروا بما سمعُوا من نوحٍ ﵇ من الآياتِ ولم يرعَوُوا عمَّا هُم عليهِ من الكفر والمعاصي هذه المدَّة المتماديةِ
стр. 5096
﴿فأنجيناه﴾ أي نوحاً ﵇ ﴿وأصحاب السفينة﴾ أي ومَن ركب فيها معه من أولادِه وأتباعِه وكانُوا ثمانين وقيل ثمانيةً وسبعين وقيل عشرةً وقيل ثمانيةً نصفُهم ذكورٌ ونصفُهم إناثٌ ﴿وجعلناها﴾ أيِ السَّفينةَ أو الحادثةَ والقصَّةَ ﴿آيَةً للعالمين﴾ يتَّعظِون بها
стр. 5097
﴿وإبراهيم﴾ نُصب بالعطفِ على نوحا وقيل
стр. 5098
العنكبوت ١٧ ١٩ بإضمارِ أذكُر وقُرىء بالرَّفع على تقديرِ ومن المرسلينَ إبراهيمُ ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ على الأولِ ظرفٌ للإرسالِ أي أرسلناه حينَ تكامل عقلُه وقدر على النَّظرِ والاستدلال وترقى من رُتبة الكمال إلى درجة التَّكميلِ حيث تصدَّى لإرشادِ الخلقِ إلى طريق الحقِّ وعلى الثَّاني بدلُ اشتمالٍ من إبراهيمَ ﴿اعبدوا الله﴾ أي وحدَه ﴿واتقوه﴾ أن تُشركُوا به شيئاً ﴿ذلكم﴾ أي ما ذُكر من العبادةِ والتَّقوى ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ممَّا أنتُم عليه ومعنى التفضيلِ مع أنَّه لا خيريةَ فيه قطعاً باعتبارِ زعمِهم الباطلِ ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي الخيرَ والشرَّ وتُميزون أحدَهما من الآخرِ أو إنْ كنتُم تعلمونَ شيئاً من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فإنَّ ذلك كافٍ في الحكمِ بخيريةِ ما ذكره من العبادةِ والتَّقوى
стр. 5099
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا﴾ بيانٌ لبطلانِ دينِهم وشرِّيته في نفسِه بعد بيانِ شرِّيته بالنَّسبةِ إلى الدِّينِ الحقِّ أي إنَّما تعبدونَ من دُونه تعالى أوثاناً هي في نفسِها تماثيلُ مصنوعةٌ لكم ليس فيها وصفٌ غير ذلك ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ أي وتكذبون كذباً حيثُ تسمُّونها آلهةً وتدَّعون أنَّها شفعاؤكم عندَ الله تعالَى أو تعملونَها وتنحتونَها للإفكِ وقُرىء تخلقُون بالتَّشديدِ للتكثيرِ في الخلقِ بمعنى الكذبِ والافتراءِ وتخلقُون بحذفِ إحدى التَّاءينِ من تخلَّق بمعنى تكذَّبَ وتخرَّص وقُرىء أَفِكاً على أنَّه مصدرٌ كالكذِب واللَّعِب أو نعتٌ بمعنى خلقاً ذا إفكٍ ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ بيانٌ لشرِّيةِ ما يعبدونَه من حيثُ إنَّه لا يكادُ يجُديهم نفعاً ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ أي لا يقدِرون على أن يرزقوكَم شيئاً من الرِّزقِ ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ كلَّه فإنَّه هو الرزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينِ ﴿واعبدوه﴾ وحدَهُ ﴿واشكروا لَهُ﴾ على نعمائِه متوسِّلين إلى مطالبِكم بعبادتِه مقيدين بالشُّكرِ للعتيدِ ومستجلبين للمزيد ﴿وإليه ترجعون﴾ أي بالموتِ ثمَّ بالبعثِ لا إلى غيرِه فافعلُوا ما أمرتُكم به وقرىء تَرجعون من رَجَع رُجوعاً
стр. 5100
﴿وَإِن تُكَذّبُواْ﴾ أي تكذِّبُوني فيما أخبرتُكم به من أنَّكم إليه تُرجعون بالبعثِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ﴾ تعليلٌ للجوابِ أي فلا تضرونني بتكذيبكم فإنَّ من قبلكم من الأممِ قد كذَّبوا مَنْ قبلي من الرُّسلِ وهم شيثُ وإدريُس ونوحٌ ﵈ فلم يضرَّهم تكذيبهم شيئاً وإنمَّا ضرَّ أنفسَهم حيثُ تسبَّب لما حلَّ بهمْ منَ العذابِ فكذا تكذيُبكم ﴿وَمَا عَلَى الرسول إِلَاّ البلاغ المبين﴾ أي التَّبليغُ الذي لا يبقى معه شكٌّ وما عليه أنْ يُصدِّقَه قومُه البتةَ وقد خرجتُ عن عُهدةِ التَّبليغِ بما لا مزيدَ عليهِ فلا يضرُّني تكذيُبكم بعد ذلك أصلاً
стр. 5101
﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يبدئ الله الخلق﴾ كلامٌ مُستأنفٌ مسوقٌ من جهتِه تعالَى للإنكارِ على تكذيبهم بالبعث معَ وضوحِ دليلِه وسنوحِ سبيلِه والهمزةُ لإنكارِ عدمِ رؤيتهم الموجبِ لتقريرها والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ أي الم ينظروا
стр. 5102
العنكبوت ٢٠ ٢٢ ولم يعلموا علماً جارياً مجرى الرؤيةِ في الجلاءِ والظُّهور كيفيةَ خلقِ الله تعالى الخلقَ ابتداءً من مادَّةٍ ومن غير مادَّةٍ أي قد علموا ذلك وقُرىء بصيغةِ الخطابِ لتشديدِ الإنكارِ وتأكيدِه وقُرىء يبدأُ وقوله تعالى ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عطفٌ على أو لم يرو الا على يُبدىء لعدمِ وقوعِ الرُّؤية عليه فهو إخبارٌ بأنَّه تعالى يعيد الخلقَ قياساً على الإبداءِ وقد جُوِّز العطفُ على يُبدىء بتأويل الإعادةِ بإنشائِه تعالى كل سنة مثلَ ما أنشأه في السَّنةِ السَّابقةِ من النبات والثمار وغيرِهما فإنَّ ذلك ممَّا يُستدلُّ به على صِحَّة البعثِ ووقوعه من غير رَيبٍ ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي ما ذكر من الإعادة ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ إذ لا يفتقر الى شئ أصلاً
стр. 5103
﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض﴾ أمرٌ لإبراهيمَ ﵇ أنْ يقولَ لهم ذلك أي سِيروا فيها ﴿فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق﴾ أي كيف خلقهم ابتداءعلى أطوارٍ مختلفةٍ وطبائعَ متغايرةٍ وأخلاقٍ شتَّى فإنَّ ترتيبَ النَّظر على السَّيرِ في الأرضِ مؤذنٌ بتتبعِ أحوالِ أصنافِ الخلق القاطنينَ في أقطارها ﴿ثم الله ينشئ النشأة الاخرة﴾ بعدَ النَّشأةِ الأُولى التي شاهدتُموها والتَّعبيرُ عن الإعادةِ التي هي محلُّ النزاعِ بالنَّشأةِ الآخرةِ المشعرةِ بكون البدِء نشأةً أولى للتَّنبيهِ على أنَّهما شأنٌ واحدٌ من شؤونِ الله تعالى حقيقةً وإسماً من حيث إن كلامنهما اختراعٌ وإخراجٌ من العدمِ إلى الوجودِ ولا فرقَ بينَهما إلا بالأوليةِ والآخريةِ وقرئ النَّشاءَة بالمدِّ وهما لُغتانِ كالرَّأفةِ والرَّآفةِ ومحلُّها النصبُ على أنَّها مصدرٌ مؤكِّدٌ لينشئ بحذف الزَّوائد والأصلُ الإنشاءةِ أو بحذف العاملِ أي ينشئ فينشأون النَّشأةَ الآخرةَ كما في قوله تعالى ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ والجملةُ معطوفةٌ على جُملةِ سيروا في الارض داخلةٌ معها في حيِّز القول وإظهارُ الاسمِ الجليلِ وإيقاعُه مبتدأً مع إضمارِه في بدأ لإبرازِ مزيدِ الاعتناءِ ببيانِ تحقُّق الإعادةِ بالإشارة إلى عِلَّة الحُكم وتكريرِ الإسنادِ وقولُه تعالى ﴿إِنَّ الله على كل شىء قدير﴾ تعطيل لِمَا قبلَهُ بطريقِ التَّحقيق فإنَّ من علِم قدرتَهُ تعالى على جميعِ الأشياءِ التي من جُملتِها الإعادةُ لا يتصوَّر أنْ يترددَ في قدرتِه عليها ولا في وقوعِها بعد ما أخبر به
стр. 5104
﴿يُعَذّبُ﴾ أي بعد النَّشأةِ الآخرةِ ﴿مَن يَشَآء﴾ أنْ يعذَبهُ وهم المنكرون لها حَتماً ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يرحمَه وهم المصدِّقُون بها والجملةُ تكملة لما قبلها وتقديمُ التَّعذيبِ لما أنَّ التَّرهيبَ أنسبُ بالمقام من الترَّغيبِ ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ عند ذلك لا إلى غيرهِ فيفعلُ بكم ما يشاء من التعذيب والرَّحمةِ
стр. 5105
﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ له تعالى عن إجراءِ حُكمه وقَضائه عليكم ﴿فِي الارض وَلَا فِى السماء﴾ أي بالتَّواري في الأرضِ أو الهبوطِ في مَهَاويها ولا بالتَّحصُّنِ في السَّماءِ التي هي أفسحُ منها لو استطعتُم الرُّقيَّ فيها كما في قوله تعالى ﴿أن استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ او
стр. 5106
العنكبوت ٢٣ ٢٥ القلاعِ الذَّاهبةِ فيها وقيل في السَّماء صفةٌ لمحذوفٍ معطوفٍ على أنتُم أي ولامن في السَّماءِ ﴿وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يحرسكم ممَّا يُصيبكم من بلاءٍ يظهرُ من الأرضِ أو ينزلُ من السَّماءِ ويدفعُه عنكم
стр. 5107
﴿والذين كفروا بآيات الله﴾ أي بدلائلِه التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ الدَّالَّةِ على ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه فيدخلُ فيها النَّشأةُ الأُولى الدَّالَّة على تحقُّق البعثِ والآياتُ النَّاطقةُ به دُخولاً أولياً وتخصيصُها بدلائلَ وحدانيتِه تعالى لا يناسبُ المقامَ ﴿وَلِقَائِهِ﴾ الذي تنطقُ به تلك الآياتُ ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر مِن الكفر بآياتِه تعالى ولقائِه ﴿يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى﴾ أي ييأسون منها يومَ القيامةِ وصيغةُ الماضِي للدِّلالة على تحقُّقِه أو يئسوا منها في الدُّنيا لإنكارِهم البعثَ والجزاءَ ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وفي تكرير اسمِ الإشارة وتكريرِ الإسناد وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالأليمِ من الدلالةِ عَلى كمالِ فظاعةِ حالِهم ما لا يَخْفى أي أولئك الموصُوفون بالكفر بآياتِ الله تعالى ولقائِه وباليأس من رحمتِه الممتازون بذلك عن سائر الكَفَرة لهم بسبب تلك الأوصافِ القبيحةِ عذابٌ لا يقادَر قدرُه في الشِّدَّةِ والإيلامِ
стр. 5108
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كان واسمُها قولُه تعالى ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ اقتلوه أو حرقوه﴾ وقرئ بالرَّفعِ على العكسِ وقد مرَّ ما فيهِ في نظائِره وليس المرادُ أنَّه لم يصدُرْ عنُهم بصددِ الجوابِ عن حُججِ إبراهيمَ ﵇ إلا هذه المقالةُ الشَّنيعةُ كما هو المتبادَرُ من ظاهر النَّظْمِ الكريمِ بل إنَّ ذلك هو الذي استقرَّ عليه جوابُهم بعد اللَّتيا والِّتي في المرَّةِ الأخيرةِ وإلا فقد صدرَ عنُهم من الخُرافاتِ والأباطيلِ ما لا يُحصى ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار﴾ الفاءُ فصيحةٌ أي فألقَوه في النَّار فأنجاهُ الله تعالى منها بأنْ جعلَها ﵊ بَرداً وسلاماً حسبما بُيِّن في مواضعَ أُخَرَ وقد مرَّ في سورةِ الأنبياءِ بيانُ كيفَّيةِ إلقائِه ﵊ فيها وإنجائِه تعالى إيَّاه تفصيلاً قيل لم ينتفعْ يومئذٍ بالنَّارِ في موضعٍ أصلاً ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في إنجائِه منها ﴿لآيَاتٍ﴾ بينةً عجيبةً هي حفظُه تعالى إيَّاه من حرِّها وإخمادِها في زمانٍ يسيرٍ وإنشاءُ رَوْضٍ في مكانِها ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأما مَن عداهُم فهم عن اجتلائِها غافلون ومن الفوزِ بمغانمِ آثارِها محرومون
стр. 5109
﴿وَقَالَ﴾ أيْ إبراهيُم ﵇ مُخاطباً لهم ﴿إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الحياة الدُّنْيَا﴾ أي لتتوادُّوا بينكم وتتواصلُوا لاجتماعِكم على عبادتِها وائتلافِكم وثَاني مفعولَيْ اتخذتم مخذوف أي أوثاناً آلهةً ويجوزُ أن يكونَ مودَّةَ هو المفعولَ بتقديرِ المُضافِ أو بتأويلها بالمودودة أو يجعلها نفسَ المودَّةِ مُبالغةً أي اتخذتم أو ثانا سبب المودة
стр. 5110
العنكبوت ٢٦ ٢٨ بينكم أو مودودةً أو نفس المودة وقرئ مودةً منونةً منصوبةً ناصبةَ الظَّرفِ وقُرئت بالرَّفعِ والإضافةِ على أنَّها خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي هي مودودةٌ أو نفسُ المودةِ أو سببُ مودةِ بينكم والجملةُ صفة او ثانا أو خبرُ إنَّ عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ أو موصولةٌ قد حذف عائدها وهو المفعولُ الأولُ وقُرئت مرفوعةً منوَّنةً ومضافةً بفتحِ بينكم كما قرئ لقد تقطَّع بينكم على أحد الوجهين وقرئ إنمَّا مودةُ بينكم والمعنى أنَّ اتخاذكم إيَّاها مودةَ بينكم ليس إلَاّ في الحياة وقد أجريتم أحكامه حيث فعلتُم بي ما فعلتُم لأجلِ مودَّتِكم لها انتصارا منى كما ينبئ عنه قولُه تعالى وانصُروا آلهتكم ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة﴾ تنْقلَبُ الأمورُ ويتبدَّلُ التوادُّ تباغُضاً والتَّلاطف تلاعُناً حيث ﴿يكفر بعضكم﴾ وهم العَبَدةُ ﴿بِبَعْضِ﴾ وهم الأوثانُ ﴿ويلعن بعضكم بعضا﴾ أي يلعنُ كلُّ فريقٍ منكم ومن الأوثانِ حيثُ يُنطقها الله تعالَى الفريقَ الآخرَ ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار﴾ أي هي منزلكم الذي تأوون إليه ولا ترجعونَ منه أبداً ﴿وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين﴾ يُخلِّصونكُم منها كما خلَّصني ربِّي من النَّارِ التي ألقيتُموني فيها وجمعَ النَّاصرَ لوقوعِه في مقابلة الجمع أي مَا لأحدٍ منكُم من ناصر اصلا
стр. 5111
﴿فآمن لَهُ لُوطٌ﴾ أي صدَّقه في جميع مقالاتِه لا في نُبُّوتِه وما دعا إليه من التَّوحيدِ فقط فإنَّه كان منزَّهاً عن الكُفر وما قيل إنَّه آمنَ له حين رَأى النَّارَ لم تحرقْهُ ينبغي أن يُحمَلَ على ما ذكرنا أو على أنْ يُرادَ بالإيمانِ الرُّتبةَ العاليةَ منها وهي التي لا يرتقِي اليها الا هم الأفرادِ الكُمَّل ولوطُ هو ابنُ أخيهِ ﵉ ﴿وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ﴾ أي من قومِي ﴿إلى رَبّى﴾ إلى حيثُ أمرني ربِّي ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز﴾ الغالبُ على أمرِه فيمنعني من أعدائِي ﴿الحكيم﴾ الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمةٌ ومصلحةٌ فلا يأمرني الا بما فيه صلاحي رُوي أنَّه هاجر من كُوثَى سوادِ الكُوفةِ مع لوطَ وسارَّة ابنة عمِّه إلى حرَّانَ ثمَّ منها إلى الشأمِ فنزلَ فلسطينَ ونزل لوطُ سَدُومَ
стр. 5112
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ﴾ ولداً ونافلةً حين أيسَ من عجوز عافر ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النبوة﴾ فكثُر منهم الأنبياءُ ﴿والكتاب﴾ أي جنسَ الكتابِ المتناولِ للكتبِ الأربعةِ ﴿وآتيناه أجره﴾ بمقابلة هجرتِه إلينا ﴿فِى الدنيا﴾ بإعطاءِ الولد والذُّرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماءِ أهل المللِ إليه والثناء والصَّلاة عليه إلى آخرِ الدَّهر ﴿وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي الكاملينَ في الصَّلاح
стр. 5113
﴿وَلُوطاً﴾ منصوبٌ إمَّا بالعطفِ على نوحاً أو على إبراهيمَ والكلامُ في قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ كالذي مر في قصة إبراهيمَ ﵇ ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ أي الفعلةَ المُتناهيةَ في القُبح وقُرىء أَئِنَّكم ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين﴾ استئنافٌ مقررٌ لكمالِ قُبحها فإنَّ إجماعَ جميع أفرادِ العالمينَ على التَّحاشي عنها ليس إلا لكونِها مما تشمئزُّ منه الطِّباع وتنفرُ منه النفوس
стр. 5114
العنكبوات
стр. 5115
٢٩ - ٣٢ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ وتتعرَّضُون للسَّابلةِ أي الفاحشة حيثُ رُوي أنَّهم كانُوا كثيراً ما يفعلونَها بالغُرباء وقيل تقطعون سبيلَ النِّساءِ بالإعراضِ عن الحَرثِ وإتيانِ ما ليس بحرثٍ وقيل تقطعونَ السَّبيلَ بالقتلِ وأخذِ المالِ ﴿وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ﴾ أي تفعلون في مجلسِكم الجامعِ لأصحابكم ﴿المنكر﴾ كالجماعِ والضُّراطِ وحلِّ الإزارِ وغيرِها مما لا خير فيه من الأفاعيل المنكرةِ وعن ابن عباس ﵄ هو الحَذفُ بالحَصَى والرَّميُّ بالبنادق والفرقعةُ ومضغُ العلكِ والسِّواكِ بينَ النَّاس وحلُ الإزارِ والسِّبابُ والفُحشُ في المِزاحِ وقيل السُّخريةُ بمن مرَّ بهم وقيل المجاهرةُ في ناديهم بذلكَ العملِ ﴿فَمَا كان جواب قومه إلا أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي فما كان جواباً من جهتِهم شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ هذه الكلمة الشَّنيعةُ أي لم يصدُرْ عنهم في هذه المرَّةِ من مرات مواعظ لوط ﵇ وقد كان أوعدهم فيها بالعذابِ وأمَّا ما في سُورة الأعرافِ من قولِه تعالَى ﴿وَمَا كَانَ جواب قومه إلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيةَ وما في سورة النَّمل من قولِه تعالى فَمَا كَانَ جَوَابَ قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ الآيةَ فهو الذي صَدر عنهم بعده هذه المرةُ وهي المرة الأخيرة من مرات المُقاولاتِ الجاريةِ بينهم وبينه ﵊ وقد مر تحقيقه في سورة الأعرافِ
следующие страницы →