← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

القصص

стр. 5042

٦١ - ٦٣ ﴿أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً﴾ أي وَعداً بالجنَّة فإنَّ حسنَ الوعدِ بحسن الموعودِ ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ أي مدركُه لا محالةَ لاستحالةِ الخُلفِ في وعدِه تعالى ولذلك جئ بالجملة الاسميةِ المفيدة لتحققِه البتةَ وعُطفت بالفاء المنبئةِ عن معنى السببيةِ ﴿كَمَن متعناه متاع الحياة الدنيا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلامِ منغصٌ بالأكدارِ مستتبع للتَّحسرِ على الانقطاع ومعنى الغاء الأُولى ترتيبُ إنكارِ التَّشابهِ بين أهلِ الدُّنيا وأهلِ الآخرةِ على ما قبلها من ظهورِ التَّفاوتِ بين متاعِ الحياة الدُّنيا وبين ما عندَ الله تعالى أي أبعدَ هذا التَّفاوت الظاهرِ يسوَّى بين الفريقينِ وقولُه تعالى ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين﴾ عطفٌ على متَّعناه داخلٌ معه في حيزِ الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له كأنَّه قيل كمن متعناه متاعَ الحياة الدنيا ثم نحضرُه أو أحضرنَاه يومَ القيامةِ النَّارَ أو العذابَ وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالةِ على التحققِ حتماً وفي جعله من جلمة المحضرينَ من التَّهويلِ ما لا يخفى وثم للنراخى في الزمان أو في الرتبة وقرئ ثم هْو بسكونِ الهاءِ تشبيهاً للمنفصلِ بالمتَّصلِ

стр. 5043

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ منصوبٌ بالعطفِ على يومَ القيامةِ لاختلافهما عُنواناً وإنِ اتَّحدا ذاتاً أو بإضمارِ اذكُر ﴿فَيَقُولُ﴾ تفسيرٌ للنِّداءِ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي الذينَ كنتُم تزعمونَهم شركائي فحُذف المفعولانِ معاً ثقةً بدلالةِ الكلامِ عليهما

стр. 5044

﴿قال﴾ استئناف مبني على حكاية السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا صدرَ عنهُم حينئذٍ فقيل قالَ ﴿الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ وهم شركاؤهم مِن الشَّياطينِ أو رؤساؤهم الذين اتَّخذوهم أرباباً من دونِ الله تعالَى بأنْ أطاعوهم في كلِّ ما أمروهم به ونهَوا عنه ومعنى حقَّ عليهم القول أنه ثبتَ مُقتضاه وتحقَّق مؤدَّاه وهو قوله تعالى لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ وغيره من آياتِ الوعيد وتخصيصُهم بهذا الحكم مع شمولِه للأتباع أيضاً لأصالتِهم في الكفرِ واستحقاقِ العذابِ حسبما يُشعر به قوله تعالى لاملان جهنم منك وممن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ومسارعتُهم إلى الجوابِ مع كون السؤال للعَبَدة إما لتفطُّنهم أنَّ السؤال عنهم لاستحضارِهم وتوبيخهم بالإضلال وجزمهم بأنَّ العَبَدةَ سيقولون هؤلاءِ أضلُّونا وإمَّا لأنَّ العبَدَة قد قالوه اعتذار أو هؤلاء إنَّما قالوا ما قالوا ردّاً لقولِهم إلا أنَّه لم يُحكَ قولُ العَبَدة إيجازاً لظهوره ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا﴾ أي هم الذين أغويناهُم فحذف الرَّاجع إلى الموصولِ ومرادُهم بالإشارة بيانُ أنَّهم يقولون ما يقولون بمحضرٍ منهم وأنَّهم غيرُ قادرينَ على إنكارِه وردِّه وقوله تعالى ﴿أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا﴾ هو الجوابُ حقيقةً وما قبله تمهيدٌ له أي

стр. 5045

القصص ٦٤ ٦٨ ما أكرهناهم على الغيِّ وإنما أغويناهم بطريقِ الوسوسةِ والتَّسويل لا بالقسر والإلجاء فغَووا باختيارِهم غيّاً مثل غيِّنا باختيارِنا ويجوز أن يكون الذين صفةً لاسم الإشارة وأغويناهم الخبرَ ﴿تَبَرَّأْنَا إليك﴾ منهم وممَّا اختارُوه من الكفرِ والمعاصي هوى منهم وهو تقريرٌ لما قبله ولذلك لم يعطف عليهِ وكذا قولُه تعالى ﴿مَّا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ أي ما كانُوا يعبدوننا وإنَّما كانوا يعبدون أهواءَهم وقيل ما مصدريةٌ متَّصلة بقوله تعالى تَبَرَّأْنَا أي تبرأنا من عبادتِهم إيَّانا

стр. 5046

﴿وَقِيلَ ادعوا شُرَكَاءكُمْ﴾ إما تهكما بهم أو إتبكيتا لهم ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لفرطِ الحيرةِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ضرورةَ عدمِ قُدرتهم على الاستجابةِ والنُّصرة ﴿وَرَأَوُاْ العذاب﴾ قد غشيهم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ لوجهٍ من وجوهِ الحيلِ يدفعون به العذابَ أو إلى الحقِّ لما لقُوا ما لقُوا وقيل لو للتَّمنِّي أي تمنَّوا لو أنَّهم كانُوا مهتدين

стр. 5047

﴿وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين﴾ عطفٌ على ما قبله سُئلوا أولاً عن إشراكِهم وثانياً عن جوابِهم للرُّسلِ الذين نَهَوهم عن ذلك

стр. 5048

﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الانباء يَوْمَئِذٍ﴾ أي صارتْ كالعَمَى عنهم لا تهتدي إليهم وأصله فعَمُوا عن الأنباءِ وقد عكس للمبالغةِ والتنبيهِ على أنَّ ما يحضر الذهن يفيضُ عليه ويصل إليه من خارجٍ فإذا أخطأ لم يكُن له حيلةٌ إلى استحضارِه وتعديةُ الفعلِ بعلى لتضمنه معنى الخفاءِ والاشتباهِ والمرادُ بالأنباءِ إمَّا ما طلب منهم ممَّا أجابُوا به الرُّسلَ أو جميعُ الأنباءِ وهي داخلةٌ فيه دخولاً أولياً وإذا كانتِ الرسلُ عليهم الصَّلاة والسَّلام يفوِّضون العلمَ في ذلك المقامِ الهائلِ إلى علَاّم الغُيوب مع نزاهتِهم عن غاية المسئول فما ظنُّك بأولئكَ الضُّلَاّل من الأممِ ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ﴾ لا يسألُ بعضُهم بعضا عن الجواب الفرط الدَّهشة أو العلمِ بأنَّ الكلَّ سواءٌ في الجهل

стр. 5049

﴿فَأَمَّا مَن تَابَ﴾ من الشركِ ﴿وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا﴾ أي جمعَ بين الإيمانِ والعملِ الصَّالح ﴿فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين﴾ أي الفائزينَ بالمطلوبِ عنده تعالى النَّاجينَ عن المهروبِ وعسى للتَّحقيقِ على عادةِ الكرامِ أو للترجِّي من قبلِ التَّائبِ بمعنى فليتوقعِ الإفلاحَ

стр. 5050

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ أنْ يخلقَه ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ما يشاءُ اختيارَه من غيرِ إيجابٍ عليه ولا منعٍ له أصلاً ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ أي التَّخيُّرُ كالطِّيرةِ بمعنى التَّطيرِ والمرادُ نفيُ الاختيارِ المؤثرِ عنهم وذلك مما لاريب فيه وقيل المرادُ أنَّه ليس لأحدٍ من خلقِه أنْ يختارَ عليه ولذلك خَلا عن العاطفِ ويؤيدُه ما رُوي أنَّه نزل في قولِ الوليدِ بنِ المُغيرةِ لَوْلَا نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيم والمعنى

стр. 5051

القصص ٦٩ ٧٣ لا يبعثُ الله تعالى الرُّسلَ باختيارِ المرسَلِ إليهم وقيل معناه ويختار الذي كان لهم فيه الخيرُ والصَّلاحُ ﴿سبحان الله﴾ أي تنَزَّهَ بذاتِه تنزُّهاً خاصّاً به من أنْ ينازعَه أحدٌ أو يزاحم اختيارَه اختيارٌ ﴿وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكِهم أو عن مشاركةِ ما يشركونَه به

стр. 5052

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صدورهم﴾ كعداوة رسول الله ﷺ وحقدهم عليه ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ كالطَّعنِ فيه

стр. 5053

﴿وَهُوَ الله﴾ أي المستحقُّ للعبادة ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ لا أحدَ يستحقُّها إلا هو ﴿لَهُ الحمد فِى الاولى والاخرة﴾ لأنَّه المولى للنِّعم كلِّها عاجلِها وآجلِها على الخلق كافةً يحمَده المؤمنون في الآخرةِ كما حمِدُوه في الدُّنيا بقولهم الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن الحمد لله الذى صدقنا وعدَه ابتهاجاً بفضلِه والتذاذاً بحمدِه ﴿وَلَهُ الحكم﴾ أي القضاءُ النَّافذُ في كلِّ شيءٍ من غيرِ مشاركةٍ فيه لغيرِه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعثِ لا إلى غيرِه

стр. 5054

﴿قُلْ﴾ تقريراً لما ذُكر ﴿أرأيتم﴾ أي أخبرونِي ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً﴾ دائماً من السَّرد وهو المتابعةُ والاطِّرادِ والميمُ مزيدةٌ كما في دلاء مص من الدِّلاص يقال درع دلاصٌ أي ملساءُ لينةٌ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ بإسكانِ الشَّمس تحت الأرضِ أو تحريكها حول الأُفقِ الغائر ﴿مَّنْ إله غَيْرُ الله﴾ صفةٌ لإله ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء﴾ صفة أخرى له عليها يدورُ أمرُ التبكيتِ والإلزامِ كما في قوله تعالى قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض وقوله تعالى فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ ونظائرِهما خلا أنَّه قُصدَ بيانُ انتفاءِ الموصوفِ انتفاء الصِّفة ولم يُقَل هل إله الخ لإيرادِ التَّبكيت والالزام على زعمهم وقرئ بضئاءٍ بهمزتينِ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ هذا الكلامَ الحقَّ سماعَ تدبُّرٍ واستبصارٍ حتَّى تُذعنوا له وتعملوا بموجبِه

стр. 5055

﴿قل أرأيتم إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة﴾ بإسكانِها في وسطِ السَّماء أو بتحريكِها على مدارٍ فوقَ الأُفق ﴿مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ استراحةً من متاعبِ الأشغالِ ولعلَّ تجريدَ الضَّياءِ عن ذكرِ منافعِه لكونِه مقصوداً بذاتِه ظاهرَ الاستتباعِ لِما نيطَ به من المنافعِ ﴿أَفلَا تُبْصِرُونَ﴾ هذه المنفعةَ الظَّاهرةَ التي لا تَخْفى على مَن له بصرٌ

стр. 5056

﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ أي في الليلِ ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾

стр. 5057

في النَّهارِ بأنواعِ المكاسبِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ولكيْ تشكرُوا نعمتَه تعالى فعلَ ما فعلَ أو لكي تعرفُوا نعمتَه تعالى وتشكروه عليها

стр. 5058

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ منصوبٌ باذكُر ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تقريعٌ إثرَ تقريعٍ للإشعارِ بأنَّه لا شئ اجلب لغضب الله عزوجل من الإشراكِ كما لا شئ أدخلُ في مرضاتِه من توحيدِه سبحانَه وقولُه تعالى

стр. 5059

﴿وَنَزَعْنَا﴾ عطفٌ على يُناديهم وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التَّحققِ أو حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قد والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ كمال الاعتنا بشأنِ النَّزعِ وتهويلِه أي أخرجنَا ﴿مِن كُلّ أمَّةٍ﴾ منَ الأممِ ﴿شَهِيداً﴾ نبياً يشهَدُ عليهم بما كانُوا عليه كقولِه تعالى فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴿فَقُلْنَا﴾ لكلِّ أمةٍ من تلك الأممِ ﴿هَاتُواْ برهانكم﴾ على صحَّة ما كنتُم تدينون به ﴿فَعَلِمُواْ﴾ يومئذٍ ﴿أَنَّ الحق لِلَّهِ﴾ في الإلهية لا يشاركه فيها أحدٌ ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ أي غابَ عنهم غيبةَ الضَّائعِ ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ في الدُّنيا من الباطلِ

стр. 5060

﴿إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى﴾ كان ابنَ عمِّه يصهر بن قاهث ابن لاوى بنِ يعقوبَ ﵇ وموسى ﵇ ابن عمران بن قاهث وقيل كان موسى ﵇ ابنَ أخيهِ وكان يسمَّى المنوَّر لحسنِ صورتِه وقيل كان أقرأَ بني إسرائيل للتوارة ولكنَّه نافق كما نافقَ السَّامريُّ وقال إذا كانت النُّبوة لموسى والمذبحُ والقربانُ لهرون فما لي ورُوي أنَّه لما جاوز بهم مُوسى ﵇ البحرَ وصارتِ الرسالة والحبورة والقربان لهرون وجد قارونُ في نفسِه وحسدَهُما فقال لموسى الأمرُ لكما ولست على شئ إلى متى أصبرُ قال موسى ﵇ هذا صُنعُ الله تعالى قال لا أُصدِّقك حتَّى تأتيَ بآيةٍ فأمر رؤساءَ بني إسرائيل أن يجئ كلُّ واحدٍ بعصاةٍ فحزمها وألقاها في القبَّة التي كان الوحيُ ينزلُ إليه فيها فكانوا يحرسون عصيَّهم بالليل فأصبحُوا فإذا بعصا هرون تهتزُّ ولها ورقٌ أخضرُ فقال قارون ما هو بأعجبَ ممَّا تصنعُ من السِّحرِ وذلك قولُه تعالى ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾ فطلبَ الفضلَ عليهم وأنْ يكونُوا تحتَ أمرِه أو ظلمَهم قيل وذلكَ حينَ ملَّكه فرعونُ على بني إسرائيلَ وقيل حسدَهم وذلك ما ذُكر منه في حقِّ موسى وهرون ﵉ ﴿وآتيناه من الكنوز﴾ أي الأموالِ المُدَّخرةِ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ أي مفاتحَ صناديقِه وهو جمعُ مِفتح بالكسر وهو ما يفتح به وقيل خزائنه وقياسُ واحدِها المَفتح بالفتحِ ﴿لتنوء بالعصبة أولى القوة﴾ خبر إن والجملةُ صلةُ ما وهُو ثاني مفعُولَيْ آتَى وناءَ به الحملُ إذا أثقلَه حتَّى أمالَه والعُصبة والعُصابةُ الجماعةُ الكثيرةُ وقُرىء لينوءُ بالياءِ على إعطاءِ المضافِ حكمَ المضافِ إليهِ كما مرَّ في قولِه تعالى إن رحمةَ الله

стр. 5061

القصص ٧٧ ٧٨ قريب من المحسنين ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ منصوبٌ بتنوءُ وقيل ببغى ورُدَّ بأنَّ البغيَ ليس مقيَّداً بذلك الوقت وقيل بآنيناه ورُدَّ بأنَّ الإيتاءَ أيضاً غيرُ مقيَّدٍ به وقيل بمضمرٍ فقيل هو اذكُر وقيل هو أظهرَ الفرحَ ويجوزُ أنْ يكونَ منصُوباً بما بعدَهُ من قولِه تعالى قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ وتكون الجملةُ مقررةً لبغيه ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أي لا تبطرْ والفرحُ في الدُّنيا مذمومٌ مُطلقاً لأنَّه نتيجةُ حبِّها والرِّضا بها والذهولِ عن ذهابِها فإنَّ العلمَ بأن ما فيها من اللذةِ مفارقةٌ لا محالةَ يوجبُ التَّرحَ حتماً ولذلكَ قالَ تعالى وَلَا تَفْرَحُواْ بما آتاكم وعلل النهي ههنا بكونِه مانعاً من محبَّتِه عزَّ وعلَا فقيلَ ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الفرحين﴾ أي بزخارفِ الدُّنيا

стр. 5062

﴿وابتغ﴾ وقُرىء واتَّبع ﴿فِيمَا آتاك الله﴾ من الغِنى ﴿الدار الاخرة﴾ أي ثوابَ الله تعالى فيها يصرفه إلى ما يكونُ وسيلةً إليه ﴿وَلَا تَنسَ﴾ أي لا تتركْ تركَ المنسيِّ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا﴾ وهو أنْ تحصلَ بها آخرتك وتأخذَ منها ما يكفيك ﴿وَأَحْسَنُ﴾ أي إلى عبادِ الله تعالى ﴿كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ فيما أنعمَ به عليك وقيل أحسنْ بالشكرِ والطَّاعةِ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ بالإنعامِ ﴿وَلَا تَبْغِ الفساد فِى الارض﴾ نهيٌ عما كان عليه من الظُّلمِ والبغيِ ﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المفسدين﴾ لسوء أفعالِهم

стр. 5063

﴿قَالَ﴾ مُجيباً لناصحيهِ ﴿إِنَّمَا أوتيته على علم عندى﴾ كأنَّه يريدُ به الردَّ على قولِهم كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ لإنبائِه عن أنَّه تعالى أنعم عليه بتلكَ الأموالِ والذخائرِ من غير سببٍ واستحقاقٍ مِن قِبَلِه أي فُضلت به على النَّاسِ واستوجبتَ به التفوقَ عليهم بالمالِ والجاهِ وعلى علمٍ في موقعِ الحالِ وهو علمُ التَّوراةِ وكانَ أعلمَهم بها وقيل علمُ الكيمياءِ وقيل علم النجارة والدَّهقنةِ وسائرِ المكاسبِ وقيل علم فتح الكنوزِ والدَّفائنِ وعندي صفةٌ له أو متعلقٌ بأوتيتُه كقولِك جازَ هذا عندي أو في ظنِّي ورأيي ﴿أو لم يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ توبيخٌ له من جهةِ الله تعالى على اغترارِه بقوَّتِه وكثرةِ مالِه مع علمِه بذلك قراءةً في التَّوراةِ وتلقياً مِن موسى ﵇ وسماعاً من حُفَّاظِ التَّواريخِ وتعجبٌ منه فالمعنى ألمْ يقرأِ التَّوراةَ ولم يعلمْ ما فعلَ الله تعالى بأضرابِه من أهلِ القُرونِ السَّابقةِ حتَّى لا يغترَّ بما اغترُّوا به اورد لا دعائه العلمَ وتعظمه به بنفيِ هذا العلمِ منه فالمعنى أعَلِم ما ادَّعاه ولم يعلم هذا حتى بقي به نفسَه مصارعَ الهالكينَ ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ سؤالُ استعلامٍ بل يُعذَّبون بها بغتةً كأنَّ قارونَ لما هُدِّد بذكرِ إهلاكِ من قبله ممَّن كان أقوى منه وأغنى أكَّد ذلك بأنْ بيَّن أنَّ ذلك لم يكن مما يخصُّ أولئك المُهلَكين بل الله تعالى مطلعٌ على ذنوبِ كافَّة المجرمين يعاقبهم عليها لا محالةَ

стр. 5064

القصص

стр. 5065

٧٩ - ٨١ ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ﴾ عطفٌ على قال وما بينهما اعتراضٌ وقولُه تعالى ﴿فِى زِينَتِهِ﴾ إمَّا متعلقٌ بخرجَ أو بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعلِه أي فخرجَ عليهم كائناً في زينتِه قيل خرجَ على بغلةٍ شهباء عليه الأرُجوانُ وعليها سرجٌ من ذهبٍ ومعه أربعةُ آلافٍ على زيِّه وقيلَ عليهم وعلى خيولِهم الدِّيباجُ الاحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جاريةٍ بيضٍ عليهنَّ الحليُّ والدِّيباجُ وقيل في تسعينَ الفا عليهم المُعصفراتُ وهو أولُ يومٍ رُئيَ فيه المُعصفرُ ﴿قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا﴾ من المؤمنين جرياً على سَنَنِ الجبلَّةِ البشريةِ من الرغبةِ في السَّعةِ واليسارِ ﴿يا ليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون﴾ وعن قَتَادةَ أنَّهم تمنَّوه ليتقربُوا بهِ إلى الله تعالَى وينفقُوه في سُبُلِ الخيرِ وقيل كان المتمنَّون قوماً كفَّاراً ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ﴾ تعليلٌ لتمنيَّهم وتأكيدٌ له

стр. 5066

﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾ أي بأحوالِ الدُّنيا والآخرةِ كَما ينبغي وإنَّما لم يُوصفوا بإرادةِ ثوابِ الآخرةِ تنبيهاً على أنَّ العلَمِ بأحوال النَّشأتينِ يقتضِي الإعراضَ عنِ الأُولى والإقبالَ على الثَّانيةِ حتماً وأنَّ تمنِّي المتمنين ليس إلا لعدمِ علمِهم بهما كما ينبغِي ﴿وَيْلَكُمْ﴾ دعاءٌ بالهلاكِ شاعَ استعماله في الزجر عمالا لا يُرتضَى ﴿ثَوَابُ الله﴾ في الآخرةِ ﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا تتمنونه ﴿لمن آمن وَعَمِلَ صالحا﴾ فلا يليقُ بكم أنْ تتمنَّوه غيرَ مكتفين بثوابِه تعالى ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي هذه الكلمةَ التي تكلَّم بها العلماءُ أو الثَّوابَ فإنَّه بمعنى المثْوبةِ أو الجنَّةِ أو الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ فإنَّهما في معنى السِّيرةِ والطَّريقةِ ﴿إِلَاّ الصابرون﴾ أي على الطَّاعاتِ وعن الشَّهواتِ

стр. 5067

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الارض﴾ رُوي أنَّه كان يُؤذي مُوسى ﵇ كلَّ وقتٍ وهو يداريهِ لقرابتِه حتَّى نزلتِ الزَّكاةُ فصالحَه عن كلِّ ألفٍ على واحد فحسبه فاستكثره فعَمدَ إلى أنْ يفضحَ موسى ﵇ بين بني إسرائيلَ فجعل لبغيَ من بَغَايا بني إسرائيلَ ألفَ دينارٍ وقيل طَشتاً من ذهبٍ مملوءةٍ ذهباً فلما كان يومُ عيدٍ قام مُوسى ﵇ حطيبا فقال من سرق قطعناهُ ومن زنَى غيرَ محصنٍ جلدناهُ ومن زنَى محصناً رجمناهُ فقال قارونُ ولو كنتَ قال ولو كنتُ قال إنَّ بني إسرائيلَ يزعمُون أنَّك فجرت بفلانةٍ فأحضرت فناشدها ﵇ أنُ تصدقَ فقالت جعل لي قارونُ جُعْلاً على أنْ أرميك بنفسي فخرَّ مُوسى ساجداً لربِّه يبكي ويقول يا ربُّ إنْ كنتُ رسولَك فاغضبْ لي فأُوحي إليه أنْ مرِ الأرضَ بما شئت فإنَّها مطيعةٌ لك فقال يا بني إسرائيلَ إنَّ الله بعثني إلى قارونَ كما بعثني إلى فرعونَ فمن كان معه فليلزم مكانَه ومن كان معي فليعتزلْ

стр. 5068

القصص ٨٢ ٨٤ عنه فاعتزلُوا جميعاً غيرَ رجلينِ ثم قال يا أرضُ خُذيهم فأخذتهُم إلى الرُّكبِ ثم قال خُذيهم فأخذتُهم إلى الأوساطِ ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناقِ وهم يُناشدونَهُ ﵊ بالله تعالى وبالرَّحِم وهو لا يلتفتُ إليهم لشدَّةِ غيظِه ثم قال خُذيهم فانطبقتْ عليهم فأصبحتْ بنُو إسرائيلَ يتناجَون بينهم إنَّما دعا عليه موسى ﵊ ليستبدَّ بدارِه وكنوزِه فدعا الله تعالى حتى خُسفَ بدارِه وأموالِه ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ﴾ جماعةٍ مشفقةٍ ﴿يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ بدفع العذابَ عنه ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين﴾ أي الممتنعين منه بوجهٍ من الوجوهِ يقال نصره من عدِّوه فانتصَر أي منعه فامتنع

стр. 5069

﴿وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ﴾ منزلتَه ﴿بالأمس﴾ منذ زمانٍ قريبٍ ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي يفعلُ كلَّ واحدٍ من البسطِ والقدرِ بمحضِ مشيئتهِ لا لكرامةٍ تُوجب البسطَ ولا لهوانٍ يقتضِي القبضَ وويكأن عند البصريينَ مركبٌ من وى للتعجيب وكأنَّ للتشبيهِ والمعنى ما أشبَه الأمرَ أنَّ الله يبسط الخ وعند الكوفيينَ من وَيْكَ بمعنى ويلك وأنَّ وتقديرُه وَيكَ أعلَم أنَّ الله وإنَّما يستعملُ عند التنبهِ على الخطأِ والتندُّم والمعنى أنَّهم قد تنبهوا على خطئهم في تمنِّيهم وتندَّموا على ذلك ﴿لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا﴾ بعدم إعطائِه إيانَّا ما تمنيناهُ وإعطائنا مثلَ ما أعطاه إيَّاه وقُرىء لولا مَنَّ الله علينا ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ كما خسفَ بهِ وقُرىء لخُسِف بنا على البناء للمفعولِ وبنا هُو القائمُ مقامَ الفاعلِ وقُرىء لا تْخسفَ بنا كقولِك أنقطعَ بهِ وقرُىء لتُخْسف بنا ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكافرون﴾ لنعمةِ الله تعالى أو المكذَّبون برسلِه وبما وعدُوا من ثوابِ الآخرةِ

стр. 5070

﴿تِلْكَ الدار الاخرة﴾ إشارةُ تعظيمٍ وتفخيمٍ كأنَّه قيل تلك التي سمعتَ خبَرها وبلغَك وصفُها ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الارض﴾ أي غلبةً وتسلطاً ﴿وَلَا فَسَاداً﴾ أي ظُلماً وعدُواناً على العبادِ كدأبِ فرعونَ وقارونَ وفي تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بتركِ أنفسهما مزيدُ تحذير منهما وعَنْ عليَ ﵁ أنَّ الرَّجلَ ليعجبه أنْ يكونَ شِراكُ نعلِه أجودَ من شراكَ نعلِ صاحبِه فيدخلُ تحتَها ﴿والعاقبة﴾ الحميدة ﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ أي الذين يتَّقون مالا يرضاه الله تعالى من الأفعالِ والأقوالِ

стр. 5071

﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ﴾ بمقابلتِها ﴿خَيْرٌ مّنْهَا﴾ ذاتاً ووصفاً وقدراً ﴿وَمَن جَاء بالسيئة فَلَا يُجْزَى الذين عملوا السيئات﴾ وُضع فيه الموصولُ والظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ لتهجينِ حالِهم بتكريرِ إسنادِ السَّيئةِ إليهم ﴿إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي إلا مثل ما كانُوا يعملون فحُذفَ المثلُ وأُقيم مقامَه ما كانُوا يعملون مبالغةً في المماثلة

стр. 5072

القصص

стр. 5073

٨٥ - ٨٨ ﴿إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ أوجبَ عليك تلاوتَه وتبليغَه والعملَ به ﴿لَرَادُّكَ إلى معاد﴾ أي معاد معادٍ تمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ وترنُو إليه أحداقُ الأممِ وهو المقامُ المحمودُ الذي وعدك أنْ يبعثك فيه وقيل هو مكَّةُ المعظَّمةُ على أنَّه تعالى قد وعدَه وهو بمكَّةَ في أذيَّةِ وشدَّة من أهلها أنَّه يُهاجرُ به منها ثم يعيدُه إليها بعزَ ظاهرٍ وسلطانٍ قاهرٍ وقيل نزلتْ عليه حينَ بلغ الجُحْفةَ في مهاجرهِ وقد اشتقاق إلى مولده ومولدِ آبائِه وحرمِ إبراهيمَ ﵇ فنزلَ جبريلُ ﵇ فقال له أتشتاقُ إلى مكَّةَ قال نعمَ فأَوحاها إليهِ ﴿قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى﴾ وما يستحقُّه من الثَّوابِ والنَّصرِ ومَن منتصبٌ بفعلٍ يدلُّ عليهِ أعلمُ أي يعلُم وقيل بأعلُم على أنَّه بمعنى عالمٍ ﴿وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ وما استحقَّه من العذابِ والإذلالِ يعني بذلك نفسَه والمشركينَ وهو تقريرٌ للوعيدِ السَّابقِ وكذا قولُه تعالى

стр. 5074

﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي سيردُّك إلى معادِك كما القي اليك الكتابَ وما كنتَ ترجُوه ﴿إِلَاّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ﴾ ولكن الفاه إليك رحمةً منه ويجوزُ أنْ يكون استثناءً محمُولاً على المعنى كأنه قيل وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمةً أي لأجلِ التَّرحُّمِ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين﴾ بمداراتهم والتحملِ عنهم والإجابةِ إلى طلبتِهم

стр. 5075

﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ أي الكافرون ﴿عن آيات الله﴾ أي عن قراءتِها والعملِ بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ وفُرضت عليكَ وقُرىء يُصِدُّنك من أَصَدَ المنقولِ من صَدَّ اللازمِ ﴿وادع﴾ النَّاسَ ﴿إلى رَبّكَ﴾ إلى عبادتِه وتوحيدِه ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ بمساعدتِهم في الأمورِ

стр. 5076

﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلها آخر﴾ هذا وما قبلَهُ للتَّهييجِ والألهابِ وقطعِ أطماعِ المُشركينَ عن مساعدتِه ﵊ لهم وإظهارِ أنَّ المنهيَّ عنه في القُبحِ والشرِّية بحيثُ يُنهى عنْهُ من لا يمكن صدروه عنه أصلاً ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ وحدَهُ ﴿كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ إلا ذاتَه فإنَّ ما عداهُ كائناً ما كان ممكنٌ في حدِّ ذاتِه عرضةٌ للهلاكِ والعدمِ ﴿لَهُ الحكم﴾ أي القضاء النافذ في الخلقِ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عندَ البعثِ للجزاءِ بالحقِّ والعدل عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ طسم القصصَ كان له من الأجر بعددِ مَن صدَّق مُوسى وكذَّب ولم يبقَ مَلَكٌ في السَّمواتِ والأرضِ إلا شهدَ له يومَ القيامةِ أنَّه كانَ صادقاً

стр. 5077

سورة العنكبوت ١ ٣ مكية وهي تسع وستون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾

стр. 5078

﴿الم﴾ الكلامُ فيه كالذي مرَّ مراراً في نظائرِه من الفواتحِ الكريمةِ خلا أنَّ ما بعده لا يحتملُ أنُ يتعلَّق به تعلُّقاً إعرابياً

стр. 5079

﴿أَحَسِبَ الناس﴾ الحسبانُ ونظائره لا يتعلَّق بمعاني المُفرداتِ بل بمضامينِ الجملِ المفيدةِ لثبوت شيء لشيء او انتفاء شيءٍ بحيثُ يتحصّلُ منها مفعولاه إمَّا بالفعلِ كما في عامَّة المواقع وإما بنوع تصرُّفٍ فيها كما في الجُملِ المصدَّرةِ بأن والواقعة صلةً للموصولِ الاسميِّ أو الحرفيِّ فإنَّ كلاًّ منها صالحةٌ لأنْ يُسبكَ منها مفعولاه لأنَّ قولَه تعالى ﴿أحِسب الناسُ أَن يُتْرَكُواْ أن يقولوا آمنا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون﴾ في قوَّةِ أنْ يقالَ أحسبُوا أنفسَهم متروكين بلا فتنةٍ بمجرَّدِ أنْ يقولوا آمنَّا أوان يقالَ أحسبوا تركَهم غيرَ مفتونينَ بقولِهم آمنَّا حاصلاً متحقِّقاً والمَعْنى إنكارُ الحُسبانِ المذكور واستبعادُه وتحقيقُ أنَّه تعالى يمتحنُهم بمشاقِّ التَّكاليفِ كالمهاجرةِ والمجاهدة ورفضِ ما تشتهيةِ النَّفسُ ووظائفِ الطَّاعاتِ وفنونِ المصائبِ في الأنفسِ والأموالِ ليتميَّز المخلصُ من المنافقِ والرَّاسخُ في الدِّينِ من المتزلزلِ فيه ويجازيَهم بحسبِ مراتبِ أعمالِهم فإنَّ مجرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عن خُلوصٍ لا يقتضِي غيرَ الخلاصِ من الخُلودِ في النَّارِ رُوي أنَّها نزلتْ في ناسٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ جزعُوا من أذيَّةِ المشركينَ وقيل في عمَّارٍ قد عُذِّب في الله وقيل في مهجعٍ مَولى عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵄ رماهُ عامرُ بنُ الحضرميِّ بسهم يومَ بدرٍ فقتلَه فجزع عليه ابواه وامرأتُه وهو أولُ منِ استُشهد يومئذٍ من المسلمينَ فقال رسول الله ﷺ سيِّدُ الشُّهداءِ مهجعٌ وهو أولُ من يُدعى إلى بابِ الجنَّةِ من هذه الأمَّةِ

стр. 5080

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ متَّصلٌ بقوله تعالى أحسِب أو بقولِه تعالى لا يُفتنون والمعنى أنَّ ذلك سنَّة قديمةٌ مبنية على الحكمِ البالغةِ جاريةٌ فيما بين الأممِ كلَّها فلا ينبغي أنْ يُتوقَّع خلافُها والمعنى أنّ الأممَ الماضيةَ قد أصابَهم من ضروبِ الفتنِ والمحنِ ما هو أشدُّ ممَّا أصاب هؤلاءِ فصبروا كما يُعرِبُ عنه قولُه تعالى وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا الآياتِ وعن النبيِّ ﷺ قد كان منَ قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار
следующие страницы →