← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ استئنافٌ مسوقٌ لغايةِ تجهيلِهم ورَكَاكةِ رأيِهم وفيه دلالة على أن ما استعجلوه عذابُ الآخرةِ أي يستعجلونك بالعذابِ والحال أنَّ محلَّ العذابِ الذي لاعذاب فوقَه محيطٌ بهم كأنَّه قيل يستعجلونك بالعذابِ وإنَّ العذاب لمحيط بهم أي سيحيط بهم وإنما

стр. 5147

العنكبوت ٥٥ ٥٨ جئ بالجملةِ الاسميةِ دلالةً على تحقُّقِ الإحاطةِ واستمرارِها أو تنزيلاً لحالِ السَّببِ منزلةَ حالِ المسبَّبِ فإنَّ الكفرَ والمعاصيَ الموجبةَ لدخولِ جهنَّم محيطةٌ بهم وقيل إنَّ الكفرَ والمعاصيَ هي النَّار في الحقيقةِ لكنَّها ظهرتْ في هذهِ النَّشأةِ بهذه الصُّورةِ وقد مرَّ تفصيلُه في سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ ولامُ الكافرينَ إمَّا للعهدِ ووضعُ الظَّاهرِ موضعَ المضمرِ للإشعارِ بعلةِ الحُكمِ أو للجنس وهم داخلون فيه دُخولاً أولياً

стр. 5148

﴿يَوْمَ يغشاهم العذاب﴾ ظرفٌ لمضمرٍ قد طُوي ذكرُه إيذاناً بغايةِ كثرتِه وفظاعتِه كأنَّه قيلَ يومَ يغشاهُم العذابِ الذي أشير إليه بإحاطةِ جهنَّم بهم يكونُ من الأحوالُ والأهوالُ ما لا يفي به المقالُ وقيل ظرفٌ للإحاطةِ ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ أي من جميعِ جهاتِهم ﴿وَيَقُولُ﴾ أي الله ويعضدُه القِراءةُ بنونِ العظمةِ أو بعضُ ملائكتِه بأمرِه ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاءَ ما كنتُم تعملونَهُ في الدُّنيا على الاستمرارِ من السيئاتِ التي من جُملتها الاستعجالُ بالعذابِ

стр. 5149

﴿يَا عِبَادِى الذين آمَنُواْ﴾ خطابُ تشريفٍ لبعضِ المؤمنينَ الذين لا يتمكَّنُون من إقامةِ أمورِ الدينِ كما ينبغِي لممانعةٍ من جهةِ الكَفَرةِ وإرشادٌ لهم إلى الطَّريقِ الأسلمِ ﴿إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون﴾ أي إذا لم يتسهَّل لكُم العبادةُ في بلدٍ ولم يتيسَّر لكُم إظهارُ دينِكم فهاجِرُوا إلى حيثُ يتسنَّى لكم ذلك وعنه ﷺ من فربدينه من أرضٍ إلى أرضٍ ولو كان شبراً استوجبَ الجنَّة وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمَّدٍ ﵉ والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ إذِ المعنى إنَّ أرضي واسعةٌ إنْ لم تُخلصوا العبادةَ لي في أرضٍ فأخلِصُوها في غيرِها ثم حُذفَ الشَّرطُ وعُوِّض عنه تقديمُ المفعولِ مع إفادةِ تقديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاصِ

стр. 5150

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ جملةٌ مستأنفة جئ بها حثاً على المُسارعة في الامتثالِ بالأمرِ أي كُلُّ نَفْسٍ منَ النفوسِ واجدةٌ مرارةَ الموتِ وكربَه فراجعةٌ إلى حُكمِنا وجَزَائِنا بحسبِ أعمالِها فمَنْ كانت عاقبته هذه فليس له بدٌّ من التزود والاستعداد لها وقرئ يرجعون

стр. 5151

﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوّئَنَّهُمْ﴾ لننزلنَّهم ﴿مّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ أي عَلاليَ وهو مفعولٌ ثانٍ للتبوئة وقرئ لثوينهم من الثُّواء بمعنى الإقامةِ فانتصابُ غُرفاً حينئذٍ إمَّا بإجرائِه مُجرى لنُنزلنَّهم أو بنزع الخافض او بتشببه الظرف الموقت بالمبهم كا في قولِه تعالى لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ صفة لغرفاً ﴿خالدين فِيهَا﴾ أي في الغُرَفِ أو في الجنَّة ﴿نِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي الأعمالُ الصَّالحةُ والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه وقرئ فمنعم

стр. 5152

العنكبوب

стр. 5153

٥٩ - ٦٣ ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ إمَّا صفةٌ للعاملينَ أو نُصب على المدحِ أي صَبَرُواْ على أذيَّةِ المشركينَ وشدائدِ المهاجرةِ وغيرِ ذلكَ من المحنِ والمشاقِّ ﴿وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي ولم يتوكَّلوا فيما يأتُون ويذرونَ إلا عَلى الله تعالى

стр. 5154

﴿وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لَاّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ رُوي أنَّ النبيِّ ﷺ لمَّا أمرَ المُؤمنينَ الذين كانُوا بمكَّةَ بالمهاجرةِ إلى المدينةِ قالُوا كيفَ نقدُم بلدةً ليس لنا فيها معيشةٌ فنزلتْ أي وكم من دابةٍ لا تطيقُ حمل رزقها لضعفها أولا تدخره وإنَّما تُصبح ولا معيشةَ عندها ﴿الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ثمَّ إنَّها مع ضعفِها وتوكُّلِها وإيَّاكم مع قوَّتِكم واجتهادِكم سواء في أنَّه لا يرزقُها وإيَّاكم إلا الله تعالى لأنَّ رزقَ الكلِّ بأسبابٍ هو المسبِّبُ لها وحدَهُ فلا تخافُوا الفقرَ بالمُهاجرةِ ﴿وَهُوَ السميع﴾ المبالغُ في السَّمعِ فيسمعُ قولَكم هذا ﴿العليم﴾ المبالغُ في العلمِ فيعلمُ ضمائرَكم

стр. 5155

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾ أي أهلَ مكة ﴿من خلق السماوات والارض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله﴾ إذ لا سبيلَ لهم إلى إنكارِه ولا الى النردد فيه ﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ إنكارٌ واستبعادٌ من جهتِه تعالى لتركِهم العملَ بموجبِه أي فكيفَ يُصرفون عن الإقرارِ بتفرُّدِه تعالى في الإلهية مع إقرارِهم بتفرُّدِه تعالى فيما ذكر من الخلق والتَّسخيرِ

стр. 5156

﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يبسطَه له ﴿مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي يقدرُ لمن يشاءُ أنْ يقدرَ له منهم كائناً مَن كانَ على أنَّ الضَّميرَ مبهمٌ حسبَ إبهامِ مرجعِه أو يقدرُ لمن ببسطه له على التَّعاقبِ ﴿أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ فيعلم مَن يليقُ ببسطِ الرِّزقِ فيبسطُه له ومن يليقُ بقدره فيقدرُه له أو فيعلم أنَّ كلاًّ من البسطِ والقدرِ في أيِّ وقتٍ يوافق الحكمة والمصلحة فيفعل كلا منها في وقتِه

стр. 5157

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الارض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله﴾ معترفينَ بأنه الموجد للمكنات بأسرِها أصولِها وفروعِها ثمَّ إنَّهم يُشركون به بعضَ مخلوقاتِه الذي لا يكادُ يُتوهَّمُ منه القدرةُ على شئ ما أصلاً ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ على أنْ جعلَ الحقَّ بحيث لا يجترئ المبطلون على حجوده وأنَّه أظهرَ حجَّتَك عليهم وقيل على أنْ عصَمَك من أمثال هذهِ الضَّلالاتِ ولا يخفى بعدُه ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي شيئاً من الأشياءِ فلذلك لا يعلمون بمُقتضى قولِهم هذا فيُشركون به سبحانَه أخسَّ مخلوقاتِه وقيل لا يعقلونَ ما تُريد بتحميدِك عند مقالِهم ذلك

стр. 5158

العنكبوت ٦٤ ٦٨

стр. 5159

﴿وَمَا هذه الحياة الدنيا﴾ إشارة تحقير وازدراء الدنيا وكيفَ لا وقد قال رسول الله ﷺ لو كانتِ الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى الكافرَ منها شَرْبةَ ماءٍ ﴿إِلَاّ لَهْوٌ ولعب﴾ أي إلاكما يُلهى ويلعبُ به الصبيانُ يجتمعون عليهِ ويبتهجون به ساعةً ثم يتفرَّقُون عنه ﴿وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان﴾ أي لهيَ دارُ الحياة الحقيقية لا متناع طريانِ الموتِ والفناءِ عليها أوهي في ذاتِها حياةٌ للمبالغةِ والحيوان مصدر حي سُمِّيَ بهِ ذُو الحياة وأصلُه حَيَيانُ فقُلبتْ الياءُ الثَّانيةُ واواً لما في بناءِ فَعَلان من مَعْنى الحَرَكةِ والاضطرابِ اللازم للحَيَوان ولذلك اختِير على الحياةِ في هذا المقامِ المُقتضي للمبالغةِ ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لما آثرُوا عليها الدُّنيا التي أصلُها عدمُ الحياةِ ثمَّ ما يحدثُ فيها من الحَيَاةِ عارضةٌ سريعةُ الزَّوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ

стр. 5160

﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك﴾ متَّصلٌ بما دلَّ عليه شرحُ حالِهم والرُّكوب هو الاستعلاء على الشئ المتحرِّكِ وهُو متعدَ بنفسِه كما في قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لنركبوها واستماله ههنا وفي أمثالِه بكلمة في للإيذانِ بأنَّ المركوبَ في نفسِه من قبيلِ الأمكنةِ وحركتُه قسريةٌ غيرُ إراديةٍ كما مر في سورة هُودٍ والمعنى أنَّهم على ما وُصفوا من الإشراكِ فإذا ركبُوا في البحرِ ولقواشدة ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي كائنينَ على صورةِ المُخلصين لدينِهم من المؤمنينَ حيثُ لا يدعُون غيرَ الله تعالى لعلمِهم بأنَّه لا يكشفُ الشَّدائدَ عنهم إلا هُو ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هم يشركون﴾ أي فاجئوا المعاودةَ إلى الشِّركِ

стр. 5161

﴿ليكفروا بما آتيناهم وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ أي يفاجئونَ الإشراكَ ليكونُوا كافرينَ بما آتيناهُم من نعمةِ الإنجاءِ التي حقُّها أنْ يشكرُوها ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبةَ ذلكَ وغائلتَه حينَ يَرَون العذابَ

стр. 5162

﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ أي ألم ينظرُوا ولم يشاهدُوا ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي بلدَهم ﴿حَرَماً آمنا﴾ مصُوناً من النَّهبِ والتَّعدِّي سالماً أهلُه من كلِّ سوءٍ ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي والحالُ أنَّهم يُختلسون من حولِهم قتلاً وسبياً إذ كانتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهُبٍ ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ﴾ أي أبعد ظهورِ الحقِّ الذي لا ريبَ فيه بالباطلِ خاصَّة يُؤمنون دُون الحقِّ ﴿وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ﴾ وهي المستوجبةُ للشُّكرِ حيثُ يُشركون به غيرَهُ وتقديمُ الصِّلةِ في الموضعينِ لإظهارِ كمالِ شناعةِ ما فعلُوا

стр. 5163

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ بأن

стр. 5164

العنكبوت ٦٩ زعمَ أنَّ له شريكاً أيْ هُو أظلمَ منْ كل ظالم وإن كان سبكُ النَّظمِ دالاًّ على نفيِ الأظلمِ من غيرِ تعرضٍ لنفْي المساوي وقد مرَّ مراراً ٢ ﴿أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَاءهُ﴾ أي بالرَّسولِ أو بالقُرآنِ وفي لمَّا تسفيهٌ لهم بأنْ لم يتوقفُوا ولم يتأمَّلوا حينَ جاءَهم بل سارعُوا إلى التَّكذيبِ آثر ذي أثيرٍ ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين﴾ تقريرٌ لثُوائِهم فيها كقولِ من قالَ ألستُم خيرَ من رَكبَ المَطَايا أي أَلَا يستوجبونَ الثَّواء فيها وقد فعلُوا ما فعلُوا من الافتراءِ على الله تعالى والتَّكذيبِ بالحقِّ الصَّريحِ أو إنكارٌ واستبعادٌ لاجترائِهم على ما ذُكر من الافتراءِ والتَّكذيبِ مع علمِهم بحالِ الكَفَرةِ أي ألم يعلمُوا أَنَّ فى جهنم مثوى للكافرين حتى اجترءوا هذه الجراءة

стр. 5165

﴿والذين جاهدوا فِينَا﴾ أي في شاننا ولوجهنا خالصاً أطلقَ المُجاهدةَ ليعمَّ جهادَ الأعادِي الظاهرةِ والباطنةِ ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ سُبُلَ السَّيرِ إلينا والوصولِ إلى جنابِنا أو لنزيدنَّهم هدايةً إلى سبل الخير وتوفيقها لسلُوكها كقولِه تعالى والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وفي الحديثِ من عمِل بما علِم ورَّثه الله علمَ ما لم يعلَمْ ﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ معيةَ النصر والمعونة عنه ﷺ مَن قرأَ سورةَ العنكبوتِ كان له منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ المؤمنينَ والمُنافقينَ

стр. 5166

سورة الروم ١ ٤ مكية إلا قوله فسبحان الله الآية وهى ستون آية بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

стр. 5167

﴿الم﴾ الكلامُ فيه كالذي مرفى أمثالِه من الفواتحِ الكريمةِ

стр. 5168

﴿غُلِبَتِ الروم﴾ ﴿فِى أَدْنَى الارض﴾ أي أدنى أرضِ العربِ منهم إذ هيَ الأرضُ المعهودةُ عندهم وهي أطراف الشَّامِ أو في أدنى أرضِهم من العربِ على أنَّ اللامَ عوضٌ عن المضافِ إليهِ قال مجاهدٌ هي أرضُ الجزيرةِ وهي أدْنى أرضِ الرُّومِ إلى فارسَ وعن ابن عباس ﵄ الأردنُّ وفلسطينُ وقُرىء أدانِي الأرضِ ﴿وَهُمْ﴾ أي الرُّوم ﴿مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أي من بعد مغلوبيَّتهم وقُرىء بسكونِ اللامِ وهي لغةٌ كالجَلَب والجَلْب ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ أي سيَغلِبون فارسَ

стр. 5169

﴿فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾ رُوي أنَّ فارسَ غَزَوا الرُّومَ فوافَوهم بأَذْرِعَاتٍ وبُصرَى وقيل بالجزيرةِ كما مرَّ فغلبوا عليهم وبلغ الخبرُ مكَّة ففرح المشركون وشمِتُوا بالمسلمينَ وقالوا انتم والنصارى واهل كتابٍ ونحن وفارسُ أميُّون وقد ظهر إخوانُنا على إخوانِكم فلنظهرنَّ عليكم فقال أبُو بكرٍ ﵁ لا يقْرِرِ الله أعينَكم فو الله ليظهرنَّ الرومُ على فارسَ بعد بضعِ سنين فقال له أُبيُّ بنُ خَلَف اللَّعينُ كذبتَ اجعل بيننا اجلا انا حبك عليه فناحبَه على عشرِ قلائصَ من كلَ منهُما وجعلا الأجلَ ثلاثَ سنينَ فأخبربه أبُو بكرٍ رسولَ الله ﷺ فقالَ البِضْعُ ما بين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فزيدُوه في الخطرِ ومادِّه في الأجلِ فجعلاها مائةَ قلوصٍ إلى تسعِ سنينَ ومات أبيُّ من جرحِ رسولِ الله ﷺ وظهرتِ الرُّوم على فارسَ عند رأسِ سبعِ سنينَ وذلك يومَ الحديبيةِ وقيل كانَ النَّصرُ للفريقينِ يومَ بدرٍ فأخذَ أبُو بكر الخَطَر من ذريَّةِ أبيَ فجاء به رسولَ الله ﷺ فقالَ تصدَّق به وكانَ ذلك قبلَ تحريمِ القِمارِ وهذه الآياتُ من البيِّناتِ الباهرةِ الشَّاهدةِ بصحَّةِ النُّبوةِ وكونِ القرآنِ مِنْ عندِ الله حيثُ أخبرتْ عن الغيبِ الذي لا يعلمُه إلا العليمُ الخبيرُ وقُرىء غَلَبت على البناءِ للفاعلِ وسيُغلبون على البناءِ للمفعولِ والمعنى أنَّ الروم

стр. 5170

الرُّوم ٥ ٧ غلبتْ على ريفِ الشامِ وسيغلبُهم المسلمونَ وقد غَزَاهُم المسلمون في السَّنةِ التَّاسعةِ من نزولِها ففتحُوا بعضَ بلادِهم فإضافةُ الغَلَب حينئذٍ إلى الفاعلِ ﴿لِلَّهِ الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ أي في أولِ الوقتينِ وفي آخرِهما حين غُلبوا وحين يغلِبون كأنَّه قيل من قبلِ كونِهم غالبينَ وهو وقتُ كونِهم مغلوبينَ ومن بعدِ كونِهم مغلوبينَ وهو وقتُ كونِهم غالبينَ والمعنى أنَّ كلاًّ من كونِهم مغلوبينَ أولاً وغالبين آخراً ليس إلا بأمرِ الله تعالى وقضائِه وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس وقُرىء منْ قُبلُ ومن بعدِ بالجرِّ من غيرِ تقديرِ مُضافٍ إليهِ واقتطاعِه كأنَّه قيل قبلاً وبَعْداً بمعنى أولاً وآخِراً ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي يومَ إذْ يغلبُ الرُّومُ على فارسَ ويحلُّ ما وعدَه الله تعالى من غلبتِهم ﴿يَفْرَحُ المؤمنون﴾

стр. 5171

﴿بِنَصْرِ الله﴾ وتغليبِه من له كتابٌ على من لا كتابَ له وغيظِ من شمِت بهم من كفَّار مكَّةَ وكونِ ذلك من دلائلِ غلبةِ المؤمنينَ على الكفَّار وقيل نصرُ الله إظهارُ صدقِ المؤمنينَ فيما أخبرُوا به المشركينَ من غَلَبة الرُّومِ على فارسَ وقيل نصرُه تعالى أنَّه ولَّى بعضَ الظَّالمين بعضاً وفرَّق بين كلمتِهم حتَّى تناقصُوا وتفانوا وفلَّ كل منهم شوكةَ الآخرِ وفي ذلك قوَّةٌ وعن أبي سعيدٍ الخدريُّ ﵁ أنَّه وافقَ ذلك يومَ بدرٍ وفيهِ من نصرِ الله العزيزِ للمؤمنينَ وفرحِهم بذلك مالا يَخْفى والأولُ هو الأنسبُ لقولِه تعالى ﴿يَنصُرُ مَن يشاء﴾ أي من يشاء أن ينصره من عبادِه على عدوِّه ويُغلِّبه عليهِ فإنَّه استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ قولِه تعالى الله الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴿وَهُوَ العزيز﴾ المبالغُ في العزَّةِ والغَلَبةِ فلا يُعجزه مَن يشاءُ أنْ ينصرَ عليهِ كائناً مَن كان ﴿الرحيم﴾ المبالِغُ في الرَّحمةِ فينصرُ من يشاءُ أنْ ينصرَه أيَّ فريقٍ كان والمرادُ بالرَّحمةِ هي الدُّنيوية أمَّا على القراءةِ المشهُورة فظاهرٌ لما أنَّ كِلا الفريقينِ لا يستحقُّ الرَّحمةَ الأُخرويَّةَ وأمَّا على القراءةِ الأخيرةِ فلأنَّ المُسلمينَ وإنْ كانُوا مستحقِّين لها لكن المراد ههنا نصرُهم الذي هُو من آثارِ الرَّحمةِ الدُّنيويةِ وتقديمُ وصفِ العزَّةِ لتقدمِه في الاعتبارِ

стр. 5172

﴿وَعَدَ الله﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لنفسِه لأنَّ ما قبله في مَعنى الوعدِ كأنَّه قيل وعد الله وعدا ﴿لَا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ﴾ أيَّ وعدٍ كانَ ممَّا يتعلَّقُ بالدُّنيا والآخرةِ لاستحالةِ الكذبِ عليهِ سبحانَه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتعليلِ الحُكْمِ وتفخيمِه والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لمعنى المصدرِ وقد جُوِّز أنْ تكونَ حالاً منه فيكونَ كالمصدرِ الموصوفِ كأنَّه قيل وعدا الله غيرَ مُخلفٍ ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ما سبق من شئونه تعالى

стр. 5173

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا﴾ وهو ما يُشاهدونَهُ من زخارِفها وملاذِّها وسائرِ أحوالِها الموافقةِ لشهواتِهم الملائمةِ لاهوائهم المستدعية لانهما كهم فيها وعكوفِهم عليها لا تمتعهم بزخارِفها وتنعمهم بملاذِّها كما قيلَ فإنَّهما ليسا ممَّا علمُوه منها بل من أفعالِهم المترتبةِ على علومِهم وتنكيرُ ظاهراً للتَّحقيرِ والتخسيس

стр. 5174

الروم ٨ دون الواحدة كما تُوهِّم أي يعلمون ظاهراً حقيراً خسيساً من الدُّنيا ﴿وَهُمْ عَنِ الاخرة﴾ التي هي الغاية القصوى والمطلبُ الأسنَى ﴿هُمْ غافلون﴾ لا يُخطرونَها بالبالِ ولا يُدركون من الدُّنيا ما يؤدي إلى معرفتِها من أحوالِها ولا يتفكَّرون فيها كما سيأتي والجملةُ معطُوفةٌ على يعلمونَ وإيرادُها إسمية للدلالةِ على استمرارِ غفلتِهم ودوامِها وهُم الثَّانية تكريرٌ للأولى أو مبتدأٌ وغافلون خبرُه والجملةُ خبرٌ للأولى وهو عَلَى الوجهينِ منادٍ على تمكُّنِ غفلتِهم عن الآخرةِ المحققِّةِ لمقتضَى الجملةِ المتقدمةِ تقريراً لجهالتِهم وتشبيهاً لهم بالبهائمِ المقصورِ إدراكاتُها من الدُّنيا على ظواهِرها الخسيسةِ دونَ أحوالِها التي هي مَبَادي العلمِ بأمورِ الآخرةِ وإشعاراً بأنَّ العلمَ المذكورَ وعدمَ العلمِ رأساً سيان

стр. 5175

﴿أو لم يَتَفَكَّرُواْ﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لِقصَرِ نظرِهم على ما ذُكر من ظاهرِ الحياةِ الدُّنيا مع الغفلةِ عن الآخرةِ والواو للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقام وقوله تعالى ﴿فِى أَنفُسِهِمْ﴾ ظرفٌ للتفكُّرِ وذكرُه مع ظهورِ استحالةِ كونِه في غيرِها لتحقيق أمرهِ وتصويرِ حالِ المتفكِّرينِ وقولُه تعالى ﴿مَّا خَلَقَ الله السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الخ متعلقٌ إمَّا بالعلمِ الذي يؤدِّي إليه التَّفكُّر ويدلُّ عليهِ أو بالقولِ الذي يترتب عليهِ كما في قولِهِ تعالى ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات والارض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا﴾ أي أعلمُوا ظاهرَ الحياةِ الدُّنيا فقط أو أقصَروا النَّظرَ عليه ولم يُحدِثُوا التفكُّرَ في قلوبِهم فيعلمُوا أنَّه تعالى ما خلقَهما وَمَا بَيْنَهُمَا من المخلُوقاتِ التي هُم من جُملتها ملتبسةً بشيءٍ من الأشياءِ ﴿إِلا﴾ ملتبسةً ﴿بالحق﴾ او يقولُوا هذا القولَ مُعترفين بمضمونِه إثرَ ما علمُوه والمرادُ بالحقِّ هو الثَّابتُ الذي يحِق أن يثبت لا محالة لابتنائه على الحكمةِ البالغةِ والغرضِ الصَّحيحِ الذي هو استشهادُ المكلَّفين بذواتِها وصفاتِها وأحوالِها المتغيرةِ على وجودِ صانعِها ووحدتِه وعلمِه وقدرتِه وحكمتِه واختصاصِه بالمعبُوديَّةِ وصحَّةِ أخبارِه التي مِن جُملتِها إحياؤهم بعد الفناءِ بالحياةِ الأبديَّةِ ومجازاتِهم بحسبِ أعمالِهم غِبّ ما تبيَّن المحسنُ من المسيء وامتازتْ درجاتُ أفرادِ كلَ من الفريقينِ حسبَ امتيازِ طبقاتِ علومِهم واعتقاداتِهم المترتبةِ على أنظارِهم فيما نُصبَ في المصنُوعاتِ من الآياتِ والدَّلائلِ والامارات والمخايل كما نطق به قوله تعالَى وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فإنَّ العملَ غيرُ مختصَ بعملِ الجوارحِ ولذلكَ فسَّرَهُ ﷺ بقولِه أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارمِ الله وأسرعُ في طاعةِ الله وقد مرَّ تحقيقُه في أوائلِ سورةِ هُودٍ ﵇ وقولُه تعالى ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ على الحقِّ أي وبأجلٍ معينٍ قدرَه الله تعالى لبقائِها لا بدَّ لها مِن أنْ تنتهيَ إليه لا محالةَ وهو وقتُ قيامِ السَّاعةِ هذا وقد جوِّز أنْ يكونَ قولُه تعالى في أنفسِهم صلةً للتفكُّرِ على معنى او لم يتفكرُوا في أنفسِهم التي هي أقربُ المخلوقاتِ إليهم وهم اعلم بشئونها وأخبرُ بأحوالِها منهم بأحوالِ ما عداها فيتدبَّروا ما أودَعها الله تعالى ظاهراً وباطناً من غرائبِ الحكمِ الدَّالَّةِ على التَّدبيرِ دونَ الاهمال

стр. 5176

الروم ٩ ١٠ وانه لابد لها من انتهاءٍ إلى وقتٍ يُجازيها فيه الحكيم الذي دبَّر أمرَها على الإحسانِ إحساناً وعلى الإساءةِ مثلَها حتَّى يعلموا عند ذلك أنَّ سائرَ الخلائقِ كذلك أمرُها جارٍ على الحكمةِ والتَّدبيرِ وأنَّه لا بدَّ لها من الانتهاءِ إلى ذلك الوقتِ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ أمرَ معادِ الإنسانِ ومُجازاتِه بما عملَ من الإساءةِ والإحسانِ هو المقصودُ بالذَّاتِ والمحتاجُ إلى الإثباتِ فجعلُه ذريعةً إلى إثباتِ معادِ ما عَداهُ مع كونِه بمعزلٍ من الجزاء تعكيس للامر فتدبر قوله تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبّهِمْ لكافرون﴾ تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ ببيانِ أن أكثرَهم غيرُ مقتصرين على ما ذُكر من الغفلةِ عن أحوالِ الآخرةِ والإعراضِ عن التَّفكُّرِ فيما يُرشدهم إلى معرفتِها من خلقِ السمواتِ والأرضِ وما بينهما من المصنُوعاتِ بل هم مُنكرون جاحدون بلقاءِ حسابِه تعالى وجزائِه بالبعثِ

стр. 5177

﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ﴾ توبيخٌ لهم بعدم اتِّعاظِهم بمشاهدةِ أحوالِ أمثالِهم الدالة على عاقبتهم ومآ لهم والهمزةُ لتقريرِ المنفيِّ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقامُ أي أقعدُوا في أماكنِهم ولم يسيرُوا ﴿فِى الارض﴾ وقولُه تعالى ﴿فَيَنظُرُواْ﴾ عطفٌ على يسيروا داخلٌ في حكمِ التَّقريرِ والتَّوبيخِ والمعنى أنَّهم قد سارُوا في أقطارِ الأرضِ وشاهدُوا ﴿كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من الأممِ المهلكةِ كعادٍ وثمودَ وقوله تعالى ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ الخ بيانُ لمبدأِ احوالهم ومآ لها يعني انهم كانُوا أقدرَ منهم على التَّمتع بالحياةِ الدُّنيا حيثُ كانوا أشد منهم قوة ﴿وَأَثَارُواْ الارض﴾ أي قلبُوها للزراعةِ والحرثِ وقيل لاستنباطِ المياه واستخراجِ المعادنِ وغيرِ ذلك ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي عمَّرَها أولئك بفنونِ العماراتِ من الزِّراعةِ والغرسِ والبناءِ وغيرها ممَّا يُعدُّ عمارةً لها ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي عمارةً أكثرَ كمَّا وكيفاً وزماناً من عمارةِ هؤلاءِ إيَّاها كيف لا وهُم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرع لاتبسط لهم في غيرهِ وفيه تهكُّم بهم حيثُ كانوا مغترِّين بالدُّنيا مفتخرينَ بمتاعِها مع ضعفِ حالِهم وضيقِ عطنِهم إذْ مدارُ أمرِها على التبسطِ في البلادِ والتسلطِ على العبادِ والتقلبِ في أكنافِ الأرضِ بأصنافِ التصرفات وهم ضعفة ملجئون إلى وادٍ لا نفعَ فيه يخافُون أنْ يتخطَّفَهم النَّاسُ ﴿وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ بالمعجزات أو الآياتِ الواضحاتِ ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي فكذَّبوهم فأهلَكهم فما كانَ الله ليهلَكهم من غير جُرمٍ يستدعيِه من قِبلهم والتعبيرُ عن ذلك بالظَّلمِ مع أنَّ إهلاكَه تعالى إيَّاهم بلا جُرمٍ ليس من الظالم في شيء على ما تقرر من قاعدةِ أهلِ السنةِ لإظهارِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلك بإبرازهِ في معرضِ ما يستحيل صدروه عنه تعالى وقد مرَّ في سورةِ الأنفالِ وسورةِ آلِ عمرانَ ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بأن اجترءوا على اقترافِ ما يُوجبه من المعاصِي العظيمةِ

стр. 5178

﴿ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين أساؤوا﴾ أي عملوا السيئات

стр. 5179

الروم ١١ ١٥ وُضع الموصولُ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بالإساءةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحكمِ ﴿السَّوأى﴾ أي العقوبةِ التي هي أسوأُ العقوبات وأفظعها التي هي العقوبةُ بالنارِ فإنَّها تأنيثُ الأسوأِ كالحُسنى تأنيثُ الأحسنِ أو مصدرٌ كالبُشرى وُصفَ به العقوبةُ مبالغةً كأنَّها نفس السوأى وهي مرفوعةٌ على أنَّها اسمُ كانَ وخبرُها عاقبةَ وقُرىء عَلى العكسِ وهو أدخلُ في الجَزَالةِ وقولُه تعالى ﴿أَنْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾ علة لماء أُشير إليه من تعذيبِهم الدُّنيويِّ والأُخرويِّ أي لأنْ كذَّبُوا أو بأنْ كذَّبُوا بآياتِ الله المنزَّلةِ على رسله عليهم الصلاة والسلام ومعجزاتِه الظَّاهرةِ على أيديهم وقولُه تعالى ﴿وَكَانُواْ بِهَا يستهزؤون﴾ عطفٌ على كذَّبوا داخلٌ معه في حُكمِ العِلِّيةِ وإيرادُ الاستهزاءِ بصيغةِ المضارعِ للدِّلالةِ على استمرارِه وتجدُّدِه هذا هو اللائقُ بجزَالةِ النَّظمِ الجليلِ وقَدْ قيلَ وقيل

стр. 5180

﴿الله يَبْدَأُ الخلق﴾ أي يُنشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموتِ بالبعثِ ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى موقفِ الحسابِ والجزاءِ والالتفاتُ للمُبالغةِ في التَّرهيبِ وقُرىء بالياءِ

стр. 5181

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ التي هي وقتُ إعادة الخلق ورجعهم إليه ﴿يُبْلِسُ المجرمون﴾ أي يسكُتون مُتحيِّرينَ لا ينبِسُون يقال ناظرتُه فأبلسَ إذا سكتَ وأيسَ من أنْ يحتجَّ وقُرىء بفتحِ اللامِ من أبلسَه إذا أفحمَه وأسكتَه

стр. 5182

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء﴾ يجيرونَهم من عذابِ الله تعالى كما كانُوا يزعمونَه وصيغةُ الجمعِ لوقوعِها في مقابلةِ الجمعِ أي لم يكُن لواحدٍ منهم شفيعٌ أصلاً ﴿وَكَانُواْ بشركائهم كافرين﴾ أي بإلهيتهم وشركتهم لله سبحانه حيثُ وقفُوا على كُنهِ أمرِهم وصيغةُ الماضِي للدِّلالةِ على تحقُّقِه وقيلَ كَانُواْ في الدُّنيا كافرين بسببِهم وليسَ بذاكَ إذْ ليسَ في الإخبارِ به فائدةٌ يعتدُّ بها

стр. 5183

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ أُعيدَ لتهويلِه وتفظيعِ ما يقعُ فيه وقولُه تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تهويلٌ له إثرَ تهويلٍ وفيه رمزٌ إلى أنَّ التَّفرقَ يقعُ في بعضٍ منه وضميرُ يتفرَّقُون لجميعِ الخلقِ المدلولِ عليهم بما تقدَّمَ من بدئِهم وإعادتِهم ورجعِهم لا المجرمون خاصَّة وليسَ المرادُ بتفرُّقِهم افتراقَ كلِّ فردٍ منهم عن الآخرِ بل تفرُّقَهم إلى فريقَيْ المؤمنينَ والكافرينَ كما في قوله تعالى فريق فى الجنة وفريق فِى السعير وذلك بعد تمامِ الحسابِ وقولُه تعالى

стр. 5184

﴿فأما الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ تفصيلٌ وبيانٌ لأحوالِ ذينكَ الفريقينِ والرَّوضةُ كلُّ أرضٍ ذاتِ نباتٍ وماءٍ ورَوْنقٍ ونَضارةٍ وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بها الجَّنةُ والحُبورُ السُّرورُ يقال حبرَهُ إذا سرَّهُ سُروراً تهلَّل له وجهُه وقيل الحبرة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين واختفلت فيه الأقاويلُ لاحتمالِه وجوهَ جميع المسارفعن ابنِ عبَّاسٍ ومُجاهدٍ يُكرمون وعن قتادة

стр. 5185

الروم ١٦ ١٨ يُنعَّمون وعن ابن كيسانَ يُحلَّون وعن بكر بن عياش التيجان على رءوسهم وعن وكيعٍ السَّماعُ في الجَّنةِ وعنِ النبيِّ ﷺ أنَّه ذكَر الجنَّةَ وما فيها من النعيمِ وفي آخرِ القومِ أعرابيُّ فقالَ يا رسولَ الله هَلْ في الجَّنةِ من سماعٍ قال ﷺ يا أعرابيُّ إنَّ في الجنة لنهرا حافتاه لابكار من كلِّ بيضاءَ خُوصانيةِ يتغنَّين بأصواتٍ لم يسمعِ الخلائقُ بمثلِها قَطّ فذلكَ أفضلُ نعيمِ الجنَّةِ قال الرَّاوي فسألتُ أبا الدرداءِ ﵁ بمَ يتغنَّين قال بالتَّسبيحِ ورُوي إنَّ في الجنَّةِ لأشجاراً عليها أجراسٌ من فضَّةٍ فإذا أرادَ أهلُ الجَّنةِ السَّماعَ بعثَ الله تعالى ريحاً من تحتِ العرشِ فتقعُ في تلكَ الأشجارِ فتحركُ تلك الأجراسَ بأصواتٍ لو سمعها أهلُ الدُّنيا لماتُوا طرباً
следующие страницы →