← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ التي هي وقتُ إعادة الخلق ورجعهم إليه ﴿يُبْلِسُ المجرمون﴾ أي يسكُتون مُتحيِّرينَ لا ينبِسُون يقال ناظرتُه فأبلسَ إذا سكتَ وأيسَ من أنْ يحتجَّ وقُرىء بفتحِ اللامِ من أبلسَه إذا أفحمَه وأسكتَه

стр. 5182

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء﴾ يجيرونَهم من عذابِ الله تعالى كما كانُوا يزعمونَه وصيغةُ الجمعِ لوقوعِها في مقابلةِ الجمعِ أي لم يكُن لواحدٍ منهم شفيعٌ أصلاً ﴿وَكَانُواْ بشركائهم كافرين﴾ أي بإلهيتهم وشركتهم لله سبحانه حيثُ وقفُوا على كُنهِ أمرِهم وصيغةُ الماضِي للدِّلالةِ على تحقُّقِه وقيلَ كَانُواْ في الدُّنيا كافرين بسببِهم وليسَ بذاكَ إذْ ليسَ في الإخبارِ به فائدةٌ يعتدُّ بها

стр. 5183

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ أُعيدَ لتهويلِه وتفظيعِ ما يقعُ فيه وقولُه تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تهويلٌ له إثرَ تهويلٍ وفيه رمزٌ إلى أنَّ التَّفرقَ يقعُ في بعضٍ منه وضميرُ يتفرَّقُون لجميعِ الخلقِ المدلولِ عليهم بما تقدَّمَ من بدئِهم وإعادتِهم ورجعِهم لا المجرمون خاصَّة وليسَ المرادُ بتفرُّقِهم افتراقَ كلِّ فردٍ منهم عن الآخرِ بل تفرُّقَهم إلى فريقَيْ المؤمنينَ والكافرينَ كما في قوله تعالى فريق فى الجنة وفريق فِى السعير وذلك بعد تمامِ الحسابِ وقولُه تعالى

стр. 5184

﴿فأما الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ تفصيلٌ وبيانٌ لأحوالِ ذينكَ الفريقينِ والرَّوضةُ كلُّ أرضٍ ذاتِ نباتٍ وماءٍ ورَوْنقٍ ونَضارةٍ وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بها الجَّنةُ والحُبورُ السُّرورُ يقال حبرَهُ إذا سرَّهُ سُروراً تهلَّل له وجهُه وقيل الحبرة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين واختفلت فيه الأقاويلُ لاحتمالِه وجوهَ جميع المسارفعن ابنِ عبَّاسٍ ومُجاهدٍ يُكرمون وعن قتادة

стр. 5185

الروم ١٦ ١٨ يُنعَّمون وعن ابن كيسانَ يُحلَّون وعن بكر بن عياش التيجان على رءوسهم وعن وكيعٍ السَّماعُ في الجَّنةِ وعنِ النبيِّ ﷺ أنَّه ذكَر الجنَّةَ وما فيها من النعيمِ وفي آخرِ القومِ أعرابيُّ فقالَ يا رسولَ الله هَلْ في الجَّنةِ من سماعٍ قال ﷺ يا أعرابيُّ إنَّ في الجنة لنهرا حافتاه لابكار من كلِّ بيضاءَ خُوصانيةِ يتغنَّين بأصواتٍ لم يسمعِ الخلائقُ بمثلِها قَطّ فذلكَ أفضلُ نعيمِ الجنَّةِ قال الرَّاوي فسألتُ أبا الدرداءِ ﵁ بمَ يتغنَّين قال بالتَّسبيحِ ورُوي إنَّ في الجنَّةِ لأشجاراً عليها أجراسٌ من فضَّةٍ فإذا أرادَ أهلُ الجَّنةِ السَّماعَ بعثَ الله تعالى ريحاً من تحتِ العرشِ فتقعُ في تلكَ الأشجارِ فتحركُ تلك الأجراسَ بأصواتٍ لو سمعها أهلُ الدُّنيا لماتُوا طرباً

стр. 5186

﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ التي من جُمْلتِها هذهِ الآياتُ الناطقةُ بما فُصِّل ﴿وَلِقَاء الاخرة﴾ صرَّح بذلك مع اندارجه في تكذيبِ الآياتِ للاعتناءِ بأمرِه وقولُه تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب بآياتِه تعالى وبلقاءِ الآخرةِ للإيذانِ بكمالِ تميُّزِهم بذلكَ عن غيرِهم وانتظامِهم في سلكِ المُشاهداتِ وما فيهِ من معنى البعد مع قرب العهد بالمشارِ إليهِ للإشعارِ ببُعدِ منزلتِهم في الشرِّ أي أولئكَ الموصوفونَ بما فُصِّل من القبائحِ ﴿فِى العذاب مُحْضَرُونَ﴾ على الدّوام لا يغيبونَ عنه أبداً

стр. 5187

﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحمد في السماوات والارض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إثرَ ما بُيِّن حالُ فربقي المؤمنينَ العاملينَ للصالحاتِ والكافرينَ المكذِّبينَ بالآياتِ وما لهُما من الثَّوابِ والعذابِ أُمروا بما يُنجِّي من الثَّاني ويُفضِي إلى الأول من تنزيهِ الله عن كل مالا يليقُ بشأنِه سبحانَهُ ومن حمدِه تعالى على نعمِه العظامِ وتقديمُ الأولِ على الثَّاني لما أنَّ التخليةَ متقدِّمةٌ على التَّحليةِ والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلَها أي إذا علمتُم ذلك فسبِّحوا الله تعالى أي نزِّهُوه عمَّا ذكر سبحانَهُ أي تسبيحَه اللائق في هذه الأوقاتِ واحمدُوه فإنَّ الإخبارَ بثبوتِ الحمدِ له تعالى ووجوبِه على المميِّزينَ من أهلِ السَّمواتِ والأرضِ في معنى الأمرِ به على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وتوسيطُه بينَ أوقاتِ التَّسبيحِ للاعتناءِ بشأنِه والإشعارِ بأنَّ حقَّهما أنْ يُجمعَ بينَهما كما ينبيءُ عنه قولُه تعالى وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وقولُه تعالى فَسَبّحْ بحمد ربك وقوله ﷺ من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمدِه مائةَ مرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإنْ كانتْ مثلَ زبد البحر وقوله ﷺ من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمدِه مائةَ مرَّةٍ لم يأتِ أحدٌ يومَ القِيامةِ بأفضلَ ممَّا جاءَ بهِ إلا أحدٌ قالَ مثلَ ما قال اوزاد عليه وقوله ﷺ كلمتانِ خفيفتانِ على اللَّسانِ ثقيلتانِ في الميزانِ سبحانَ الله وبحمدِه سبحانَ الله العظيمِ وغيرُ ذلكَ ممَّا لا يُحصى من الآياتِ والأحاديثِ وتخصيصُهما بتلكَ الأوقاتِ للدلالة على أن ما يحدثُ فيها من آياتِ قدرته واحكام

стр. 5188

الروم ١٩ ٢١ رحمتِه ونعمتِه شواهدُ ناطقةٌ بتنزهِه تعالى واستحقاقِه الحمدَ وموجبةٌ لتسبيحِه وتحميدِه حتماً وقولُه تعالى وعشيَّاً عطفٌ على حينَ تُمسون وتقديمُه على حينَ تُظهرون لمُراعاةِ الفواصلِ وتغييرُ الأسلوبِ لِمَا أنَّه لا يجيءُ منه الفعلُ بمعنى الدُّخولِ في العشى كالمساء والصباحِ والظَّهيرة ولعلَّ السرَّ في ذلك أنَّه ليس من الأوقاتِ التي تختلفُ فيها أحوالُ النَّاس وتتغيرُ تغيراً ظاهراً مصحِّحاً لوصفِهم بالخروجِ عمَّا قبلها والدُّخولِ فيها كالأوقاتِ المذكورةِ فإنَّ كلاًّ منها وقتٌ تتغير فيه الأحوالُ تغيراً ظاهراً أمَّا في المساء والصَّباح فظاهرٌ وأمَّا في الظَّهيرة فلأنَّها وقتٌ يعتاد فيه التَّجرُّدُ عن الثيابِ للقيلولةِ كما مر في سورة النُّور وقيل المرادُ بالتَّسبيح والحمد الصَّلاة لاشتمالِها عليهما وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية جامعةٌ للصلوات الخمس تُمسون صلاتا المغربِ والعشاءِ وتُصبحون صلاةُ الفجرِ وعشياً صلاةُ العصرِ وتُظهرون صلاةُ الظُّهرِ ولذلك ذهبَ الحسنُ إلى أنَّها مدنيةٌ إذ كان يقول إن الواجبَ بمكَّةَ ركعتانِ في أي وقتٍ اتفقتا وإنما فرضت الخمسُ بالمدينة والجمهورُ على أنها فُرضت بمكَّةَ وهو الحقُّ لحديث المعراج وفي آخره هنَّ خمسُ صلواتٍ كل يوم وليلة عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ سرَّه أنْ يُكالَ له بالقفيزِ الأَوفى فليقُل فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصبحون الآيةَ وعنه ﷺ من قال حين يصبح فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصبحون إلى قولِه تعالى وكذلك تُخرجونَ أدرك ما فاتَه في يومِه ومن قالَها حينَ يُمسي أدرك ما فاته في ليلتِه وقُرىء حينا تُمسون وحينا تُصبحون أي تُمسون فيه وتُصبحون فيه

стр. 5189

﴿يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت﴾ كالإنسان من النطفة والطير من البيضة ﴿وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى﴾ النُّطفةَ والبيضةَ من الحيوانِ ويُحْيِى الارض بالنبات بعد موتها يبسها وكذلك ومثلَ ذلك الإخراجُ تُخْرَجُونَ من قبورِكم وقُرىء تَخرُجون بفتح التَّاءِ وضمِّ الرَّاءِ وهذا نوعُ تفصيلٍ لقوله تعالى الله يَبْدَأُ الخلقَ ثُمَّ يُعيده

стр. 5190

﴿ومن آياته﴾ الباهرةِ الدَّالَّةِ على أنَّكم تُبعثون دلالةً أوضحَ ممَّا سبق فإنَّ دلالةَ بدءِ خلقِهم على إعادتِهم أظهرُ من دلالةِ إخراجِ الحيِّ من الميتِ وإخراجِ الميتِ من الحيِّ ومن دلالة إحياءِ الأرضِ بعد موتِها عليها ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أي في ضمن خلق آدمَ ﵇ لما مرَّ مرارا من أنَّ خلقَه ﷺ منطوٍ على خلق ذرياتِه انطواءً إجمالياً ﴿مّن تُرَابٍ﴾ لم يشَمَّ رائحةَ الحياة قطّ ولا مناسبة بينه وبين ما أنتُم عليه في ذاتِكم وصفاتِكم ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ أي فاجأتُم بعد ذلك وقت كونِكم بشراً تنتشرون في الأرضِ وهذا مجمل ما فُصِّل في قولِه تعالى يا يها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ الآية

стр. 5191

﴿ومن آياته﴾ الدَّالَّةِ على ما ذُكر من البعث وما بعده من الجزاءِ ﴿أَنْ خَلَقَ لكم﴾ أي

стр. 5192

الروم ٢٢ لأجلِكم ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا﴾ فإنَّ خلق أصلِ أزواجكم حواءَ من ضِلْعِ آدمَ ﵇ متضمن لخلقهنَّ من أنفسكم على ما عرفته من التَّحقيقِ أو من جنسكم لا من جنسٍ آخرَ وهو الأوفقُ لقولِه تعالى ﴿لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ أي لتألفُوها وتميلُوا إليها وتطمئنُّوا بها فإنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي التَّضامِّ والتَعارفِ كما أنَّ المخالفةَ من أسبابِ التفرُّقِ والتَّنافرِ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم﴾ أي بين الأزواجِ اما على تغليب الرِّجالِ على النِّساءِ في الخطاب أو على حذفِ ظرفٍ معطوفٍ على الظَّرفِ المذكُورِ أي جعل بينكم وبينهنَّ كما مر في قوله تعالى لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُّسُلِهِ وقيل أو بين أفرادِ الجنسِ أي بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ ويأباهُ قولُه تعالى ﴿مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فإنَّ المرادَ بهما ما كان منهما بعصمةِ الزَّواج قطعاً أي جعلَ بينكم بالزَّواج الذي شرعَه لكم توادَّاً وتراحُماً من غير أنْ يكونَ بينكم سابقةُ معرفةٍ ولا رابطةٌ مصحِّحةٌ للتَّعاطفِ من قرابةٍ أو رحمٍ قيل المودَّةُ والرَّحمةُ من قِبَل الله تعالى والفَرْك من الشَّيطانِ وَعَنِ الحَسَنِ ﵀ المَودَّةُ كِنايةٌ عنِ الجِمَاعِ وَالرَّحمةُ عَنِ الولدِ كما قال تعالى ورحمةً منا ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيما ذُكر من خلقِهم من تُرابٍ وخلقِ أزواجِهم من أنفسِهم وإلقاءِ المودَّةِ والرَّحمةِ بينهم وما فيهِ من معنى البعد مع قرب العهد بالمشارِ إليهِ للإشعارِ ببُعد منزلتِه ﴿لَايَاتٍ﴾ عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها كثيرةً لا يُقَادر قدرُها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تضاعيفِ تلك الافاعيل المتينة المبنية على الحكم البالغة والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله مع التنبيهُ على أنَّ ما ذُكر ليس بآيةٍ فذَّةٍ كما ينبىء عنه قوله تعالى ومن آياتِه بل هي مشتملةٌ على آياتٍ شتَّى

стр. 5193

(ومن آياته) الدَّالَّةِ على ما ذُكر من أمر البعثِ وما يتلُوه من الجزاءِ ﴿خُلِقَ السماوات والارض﴾ إما من حيثُ إنَّ القادرَ على خلقِهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادَّة مستعدةِ لها أظهرُ قدرة على إعادِة ما كان حيَّاً قبل ذلك وإمَّا منْ حيثُ إن خلقهما ومافيهما ليس إلا لمعاشِ البشرِ ومعادِه كما يُفصح عنه قولُه تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً وقولُه تعالَى وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي لغاتِكم بأنْ علَّم كلَّ صنفٍ لغتَهُ وألهمه وضعَها وأقدرَه عليها او اجناس نطقكم وأشكالِه فإنَّك لا تكادُ تسمعُ منطقينِ متساويينِ في الكيفيَّةِ من كلِّ وجهٍ ﴿وألوانكم﴾ ببياضِ الجلدِ وسوادِه وتوسطِه فيما بينهما أو تخطيطات الاعضاء وهيآتها وألوانِها وحُلاها بحيثُ وقعَ بها التمايز بين الاشخاص حتَّى إنَّ التَّوأمينِ مع توافقِ موادِّهما وأسبابِهما والأمورِ المتلاقيةِ لهما في التَّخليقِ يختلفانِ في شيءٍ من ذلك لا محالَة وإنْ كانا في غايةِ التَّشابِه وإنَّما نُظِمَ هذا في سلك الآيات الآفافية من خلقِ السمواتِ والأرضِ مع كونِه من الآياتِ الانفسية الحقيقة بالانتظامِ في سلكِ ما سبق من خلقِ أنفسِهم وأزواجِهم للإيذانِ باستقلالِه والاحترازِ عن توهُّمِ كونِه من تتمَّاتِ خلقِهم ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكر من خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الألسنةِ والألوانِ ﴿لَايَاتٍ﴾ عظيمة في أنفسها كثيرة في عددِها ﴿للعالمين﴾ أي المتَّصفين بالعلمِ كما في قولِه تعالى وَمَا يَعْقِلُهَا

стр. 5194

الروم ٢٣ ٢٥ إِلَاّ العالمون وقُرىء بفتحِ اللامِ وفيه دلالةٌ على كمالِ وضوحِ الآياتِ وعدمِ خفائِها على أحدٍ من الخلق كافة

стр. 5195

﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار﴾ لاستراحةِ القوى النَّفسانيةِ وتقوِّي القُوى الطَّبيعيةِ ﴿وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ﴾ فيهما فإنَّ كُلاًّ من المنامِ وابتغاءِ الفضلِ يقعُ في المَلَوينِ وإنْ كان الأغلبُ وقوعَ الأول في الأولِ والثَّاني في الثَّانِي أو منامُكم بالليلِ وابتغاؤُكم بالنَّهارِ كما هو المعتادُ والموافقُ لسائرِ الآيات الواردة في ذلك خَلَا أنَّه فصَل بين القرينينِ الأولينِ بالقرينينِ الآخيرينِ لأنَّهما زمان والزَّمانُ مع ما وقعَ فيه كشيءٍ واحدٍ مع اعادة اللفِّ على الاتحادِ ﴿إِنَّ فى ذلك لآيات لقوم يَسْمَعُونَ﴾ أي شأنُهم أنْ يسمعُوا الكلامَ سماعَ تفهمٍ واستبصارٍ حيثُ يتأمَّلون في تضاعيفِ هذا البيانِ ويستدلُّون بذلك على شئونه تعالى

стр. 5196

﴿ومن آياته يُرِيكُمُ البرق﴾ الفعلُ إمَّا مقدَّرٌ بأنْ كما في قول من قال ألا ابهذا الزَّاجِري أحضُرَ الوَغَى أي أنْ أحضُرَ أو منزَّلٌ منزلة المصدروبه فُسِّر المثلُ المشهُورُ تسمعُ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ أو هو على حالِه صفةٌ لمحذوفٍ أي آيةٌ يريكم بها البرق كقولِ مَن قال ... وَمَا الدهر الا نارتان فمنها أموتُ وأُخرى أَبتغِي العيشَ أَكْدَحُ ... أي فمنهما تارةً أموتُ فيها وأُخرى أبتغِي فيها أو ومن آياتِه شيءٌ أو سحابٌ يُرِيكُمُ البرقَ خَوْفًا من الصَّاعقةِ أو للمسافرِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيثِ أو للمقيمِ ونصبُهما على العِلَّةِ لفعلٍ يستلزمُه المذكورُ فإنَّ إراءتهم البرقَ مستلزمةٌ لرؤيتِهم إيَّاه أو للمذكورِ نفسِه على تقديرِ مضافٍ نحو إراءةِ خوفٍ وطمعٍ أو على تأويلِ الخوفِ والطمعِ بالإخافةِ والإطماعِ كقولك فعلنه رغماً للشَّيطانِ أو على الحالِ نحو كلَّمتُه شِفاهاً ﴿وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مَاءً﴾ وقُرىء بالتَّخفيفِ ﴿فَيُحْيِى بِهِ الارض﴾ بالنبات ﴿بعد موتها﴾ يُبسها ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فإنَّها من الظُّهورِ بحيث يكفي في إدراكِها مجرَّدُ العقل عند استعمالِه في استنباطِ أسبابِها وكيفيَّةِ تكوُّنِها

стр. 5197

﴿ومن آياته أَن تَقُومَ السماء والارض بِأَمْرِهِ﴾ أي بإرادتِه تعالى لقيامهِما والتَّعبيرُ عنها بالأمر للدِّلالةِ على كمال القدرة والغني عن المبادى والأسبابِ وليس المرادُ بإقامتهما إنشاءهما لأنَّه قد بُيِّن حاله بقولِه تعالى وَمِنْ آياته خَلْقُ السموات والارض ولا إقامتهما بغير مقيم محسوسٍ كما قيل فإن ذلك من تتماتِ إنشائِهما وإنْ لم يصرَّحْ به تعويلاً على ما ذُكر في غير موضعٍ من قوله تعالى خَلَقَ السموات بِغَيْرِ عمد ترونها الآية

стр. 5198

الروم ٢٦ ٢٧ بل قيامَهما واستمرارَهما على ما هُما عليه إلى أجلهما الذي نطقَ به قوله تعالى فيما قبل ما خلق السموات والأرض وما بَيْنَهُمَا إِلَاّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وحيث كانتْ هذه الآيةُ متأخرةً عن سائرِ الآياتِ المعدودةِ متَّصلةً بالبعثِ في الوجودِ أُخرت عنهنَّ وجُعلت متَّصلةً به في الذِّكرِ أيضاً فقيلَ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الارض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ فإنه كلامٌ مسوق للاخبار بوقوعِ البعثِ ووجودِه بعد انقضاء أجل قيامِهما مترتِّب على تعداد آياتِه الدَّالَّةِ عليه غير منتظمٍ في سلكها كما قيا كأنَّه قيل ومن آياتِه قيامُ السَّمواتِ والأرضِ على هيآتهما بأمرِه تعالى إلى أجل مسمى قدره الله تعالى لقيامِهما ثمَّ إذا دعاكم أي بعد انقضاءِ الأجلِ من الأرض وأنتُم في قبورِكم دعوة واحدة بأنْ قال أيُّها الموتى اخرجُوا فاجأتم الخروجَ منها وذلك قولُه تعالى يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعى ومن الأرضِ متعلق بدعاكُم إذ يكفي في ذلك كون المدعوِّ فيها يقال دعوته من أسفلِ الوادِي فطلع إليَّ لا بتخرجون لأنَّ ما بعد إذا لا يعملُ فيما قبلَها

стр. 5199

﴿وَلَهُ﴾ خاصة ﴿مَن فِى السماوات والارض﴾ من الملائكةِ والثَّقلين خَلقاً ومُلكاً وتصرُّفاً ليس لغيره شركة في ذلك بوجهٍ من الوجوه ﴿كُلٌّ لَّهُ قانتون﴾ أي منقادُون لفعله لا يمتنعون عليه في شأن من شئونه تعالى

стр. 5200

﴿وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد موتِهم وتكريره لزياة التَّقريرِ والتَّمهيدِ لما بعده من قولِه تعالى ﴿وَهُوَ أهون عليه﴾ أي بإضافة إلى قُدَرِكم والقياس على أصولِكم وإلا فُهما عليه سواءٌ وقيل أهونُ بمعنى هَيِّنٌ وتذكير الضمير مع رجوعِه إلى الإعادة لما أنَّها مؤَّولةٌ بأنْ يُعيد وقيل هو راجعٌ إلى الخلقِ وليس بذاك وأما ما قيل من أن الإنشاء بطريقِ التَّفضل الذي يتخيَّر فيه الفاعلُ بين الفعل والتَّرك والإعادةُ من قبيلِ الواجبِ الذي لا بدَّ من فعله حتماً فكان أقربَ إلى الحصولِ من الإنشاءِ المترددِ بين الحصولِ وعدمِه فبمعزلٍ من التَّحصيل إذ ليس المرادُ بأهونيةِ الفعل أقربيَّتَه إلى الوجود باعتبار كثرةِ الأمورِ الدَّاعية للفاعل إلى إيجادِه وقوَّة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتَّيه وصدوره عنه بعد تعلق قدرته بوجوده وكونِه واجباً بالغيرِ ولا تفاوتَ في ذلك بين أنْ يكون ذلك التعليق بطريق الإيجابِ أو بطريقِ الاختيارِ ﴿وَلَهُ المثل الاعلى﴾ أي الوصفُ الأعلى العجيبُ الشأنِ من القدرة العامَّةِ والحكمة التَّامةِ وسائر صفاتِ الكمال التي ليس لغيرِه ما يُدانيها فضلاً عمَّا يساويها ومن فسره بقول لا إله إلا الله اراد به الوصف بالواحدانية ﴿في السماوات والارض﴾ متعلق بمضمونِ الجملة المتقدِّمةِ على معنى أنَّه تعالى قد وُصف به وعُرف فيهما على ألسنةِ الخلائقِ وألسنةِ الدَّلائلِ وقيل متعلق بالا على وقيلَ بمحذوفٍ هُوَ حالٌ منه أو من المثل أو من ضميرِه في الأعلى ﴿وَهُوَ العزيز﴾ القادر الذي لا يعجزُ عن بدء ممكن واعادته

стр. 5201

الروم ٢٨ ٢٩ ﴿الحكيم﴾ الذي يجري الأفعالَ على سَنَنِ الحكمة والمصلحةِ

стр. 5202

﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً﴾ يتبيَّن به بطلانُ الشِّركِ ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي مُنتزعاً من أحوالِها التي هي أقربُ الأمورِ إليكم وأعرفُها عندكم وأظهرُها دلالةً على ما ذُكر من بطلان الشِّرك لكونها بطريقِ الأولوية وقولُه تعالى ﴿هَلْ لَّكُمْ﴾ الخ تصوير للمثلِ أي هَلْ لَّكُمْ ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ من العبيدِ والإماءِ ﴿مّن شركاء في ما رزقناكم﴾ من الأموالِ وما يجري مجراها مَّما تتصرَّفون فيها فمِن الأُولى ابتدائيةٌ والثَّانيةُ تبعيضيةٌ والثَّالثةُ مزيدةٌ لتأكيدِ النفيُ المستفادِ من الاستفهامِ فقوله تعالى ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ تحقيقٌ لمعنى الشركة وبيان لكونهم وشركائهم متساوين في التَّصرف فيما ذُكر من غير مزيَّةِ لهم عليها على أنَّ هناك محذوفاً معطوفاً على أنتُم لا أنَّه عامٌّ للفريقين بطريق التَّغليب أي هل ترضَون لأنفسكم والحالُ أنَّ عبيدَكم أمثالُكم في البشريةِ وأحكامِها أنْ يشاركوكم فيما رزقناكم وهو معار لكم فأنتم وهم فيه سواءٌ يتصرَّفون فيه كتصرُّفكم من غير فرقٍ بينكم وبينهم ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ خبرٌ آخرُ لأنتم أو حالٌ من ضميرِ الفاعل في سواءٌ أي تهابون أنْ تستبدُّوا بالتَّصرُّف فيه بدون رأيهم ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي خيفةً كائنةً مثلَ خيفتِكم من الاحرار المساهمين لكم فيما ذُكر والمعنى نفيُ مضمونِ ما فُصِّل من الجملةِ الاستفهامَّيةِ أي لا ترضَون بأنْ يشاركَكم فيما هو معارٌ لكم مماليكُكم وهم أمثالُكم في البشريةِ غيرُ مخلوقين لكُم بل لله تعالى فكيف تُشركون به سبحانه في المعبوديةِ التي هي من خصائصِه الذاتيةِ مخلوقَه بل مصنوعَ مخلوقِه حيثُ تصنعونَه بأيديكم ثم تعبدونَه ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التَّفصيلِ الواضح ﴿نُفَصّلُ الآيات﴾ أي نبيِّنها ونوضِّحها لا تفصيلاً أدنى منه فإنَّ التَّمثيل تصويرٌ للمعاني المعقولة بصورةِ المحسوسِ وإبرازٌ لأوابدِ المُدركاتِ على هيئة المأنوسِ فيكون في غايةِ الإيضاحِ والبيان ﴿لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي يستعملون عقولَهم في تدبُّرِ الأمور وتخصيصُهم بالذِّكرِ مع عموم تفصيلِ الآياتِ للكلِّ لأنَّهم المنتفعون بها

стр. 5203

﴿بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ إعراضٌ عن مخاطبتهم ومحاولةُ إرشادِهم إلى الحقِّ بضربِ المثلِ وتفصيلِ الآياتِ واستعمالِ المقدِّماتِ الحقَّةِ المعقولةِ وبيانٌ لاستحالةِ تبعيتهم للحقِّ كأنَّه قيل لم يعقلوا شيئاً من الآيات المفصلة بل اتَّبعوا ﴿أَهْوَاءهُمْ﴾ الزائغةَ ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بأنَّهم في ذلك الاتباعِ ظالمون واضعون للشيءِ في غيرِ موضعِه أو ظالمون لأنفسِهم بتعريضِها للعذابِ الخالدِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جاهلين ببطلانِ ما أتَوَا مكبِّين عليه لا يَلويهم عنه صارفٌ حسبما يصرِّف العالم إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه ﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي خلقَ فيه الضلالَ بصرفِ اختيارِه إلى كسبِه أي لا يقدرُ على هدايتِه أحدٌ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي لمن أضلَّه الله تعالى والجمعُ باعتبارِ المعنى ﴿مّن ناصرين﴾ يُخلِّصونهم من الضَّلالِ ويحفظونهم من تبعانه وآفاتِه على معنى ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحدٌ على ما هو قاعدةُ مقابلة الجمع بالجمع

стр. 5204

الروم

стр. 5205

٣٠ - ٣٢ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ﴾ تمثيلٌ لإقباله على الدِّين واستقامتهِ وثباتِه عليه واهتمامِه بترتيبِ أسبابِه فإنَّ من اهتمَّ بشيءٍ محسوسٍ بالبصر عقدَ عليه طرفَه وسدَّد إليه نظره وقوم له وجهة مُقبلاً به عليه أي فقوم وجهك له وعدله غيرَ ملتفتٍ يميناً وشمالاً وقولُه تعالى ﴿حَنِيفاً﴾ حالٌ من المأمورِ أو من الدِّين ﴿فِطْرَةَ الله﴾ الفطرةُ الخلِقةُ وانتصابُها على الإغراءِ أي الزمورا أو عليكم فطرةَ الله فإن الخطاب للكل كما يفصحُ عنه قولُه تعالى منيبين والإفراد في أقِم لما أنَّ الرَّسولَ ﷺ امام الامة فأمره ﷺ مستتبع لأمرِهم والمرادُ بلزومِها الجريانُ على موجبِها وعدمُ الإخلالِ به باتباعِ الهَوَى وتسويلِ الشَّياطينِ وقيل على المصدرِ أي فطرَ الله فطرةً وقولُه تعالى ﴿التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ صفةٌ لفطرةَ الله مؤكدةٌ لوجوبِ الامتثالِ بالأمرِ فإنَّ خلقَ الله النَّاسَ على فطرتِه التي هي عبارةٌ عن قبولِهم للحقَّ وتمكُّنُهم من إدراكِه أو عن ملَّة الإسلامِ من موجباتِ لزومِها والتمسُّك بها قطعاً فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلقوا عليه أدَّى بهم إليها وما اختاروا عليها ديناً آخر ومن غَوى منهم فبإغواءِ شياطين الإنسِ والجنِّ ومنه قوله ﷺ حكايةٌ عن ربَّ العِزَّةِ كلَّ عبادِي خلقتُ حنفاءَ فاجتالتْهُم الشياطينُ عن ديِنهم وأمرُوهم أنْ يُشركوا بي غيري وقوله ﷺ كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرةِ حتَّى يكونَ أَبَواه هُما اللذانِ يهوِّدانه ويُنصِّرانِه وقولُه تعالى ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ تعليلٌ للأمرِ بلزومِ فطرتِه تعالَى أو لوجوبِ الامتثالِ به أي لا صَّحةَ ولا استقامةَ لتبديلةِ بالإخلالِ بموجبِه وعدمِ ترتيبِ مقتضاهُ عليه باتِّباعِ الهَوَى وقبولِ وسوسةِ الشَّيطانِ وقيل لا يقدِرُ أحدٌ على ان يغير فلا بد حينئذٍ من حملِ التَّبديلِ على تبديلِ نفسِ الفطرةِ بإزالتِها رأساً ووضعِ فطرةٍ أُخرى مكانَها غيرِ مصححةٍ لقبولِ الحقِّ والتمكنِ من إدراكِه ضرورةَ أنَّ التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعاً فالتعليل حينئذ من جهة أنَّ سلامة الفطرةِ متحققةٌ في كلِّ أحدٍ فلا بدَّ من لزومِها بترتيبِ مُقتضاها عليها وعدمُ الإخلالِ به بما ذُكر من اتِّباعِ الهوى وخطواتِ الشَّيطانِ ذلك إشارةٌ إلى الدِّين المأمورِ بإقامةِ الوجهِ له أو إلى لزومِ فطرةِ الله المستفادِ من الاغراءِ أو إلى الفطرةِ إنْ فسِّرت بالملَّة والتَّذكيرُ بتأويلِ المذكورِ أو باعتبارِ الخبرِ ﴿الدين القيم﴾ المُستوِي الذي لا عِوَجَ فيه ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ فيصدُّون عنه صُدوداً

стр. 5206

﴿منيبين إِلَيْهِ﴾ حالٌ من الضَّميرِ في النَّاصبِ المقدَّرِ لفطره الله أو في أقِم لعمومِه للأمَّةِ حسبما أُشير إليهِ وما بينَهما اعتراضٌ أي راجعين إليه من أنابَ إذَا رجعَ مرَّةً بعدَ أُخرى وقولُه تعالى ﴿واتقوه﴾ أي من مخالفةِ أمرهِ عطفٌ على المقدَّرِ المذكورِ وكذا قولُه تعالى ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَلَا تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ المبدِّلين لفطرةِ الله تعالى تبديلاً

стр. 5207

﴿مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ بدلٌ من المشركينَ بإعادةِ الجارِّ وتفريقُهم لدينهم اختلافُهم فيما يعبدونه على

стр. 5208

الروم ٣٣ ٣٧ اختلافِ أهوائِهم وفائدةُ الإبدالِ التَّحذيرُ عن الانتماءِ إلى حزبٍ من أحزابِ المشركينَ ببيان أنَّ الكلَّ على الضَّلالِ المبينِ وقُرىء فارقُوا أي تركُوا دينَهم الذي أُمروا به ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي فِرقاً تشايعُ كلٌّ منها إمامَها الذي أضلَّها ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الدينِ المعوجِ المؤسَّس على الرَّأيِ الزَّائغِ والزَّعمِ الباطلِ ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون ظنَّاً منهم أنَّه حقٌّ وأَنَّى له ذلك فالجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله من تفريقِ دينِهم وكونِهم شيعاً وقد جُوِّز أنْ يكونَ فرحون صفةً لكلُّ على أنَّ الخبرَ هو الظرفُ المقدَّمُ أعني من الذين فرَّقُوا ولا يخفى بعدُه

стр. 5209

﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ أي شدَّةٌ ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعينَ إليه من دعاءِ غيرِه ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً﴾ خلاصاً من تلك الشدَّة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ﴾ الذي كانُوا دَعَوه منيبين إليه ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أي فاجأ فريقٌ منهم الإشراكَ وتخصيصُ هذا الفعلِ ببعضِهم لما أنَّ بعضَهم ليسُوا كذلك كما في قوله تعالى فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ أي مقيمٌ على الطَّريقِ القصدِ أو متوسط في الكفر لانزجاره في الجُملة

стр. 5210

﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ اللامُ فيه للعاقبةِ وقيل للأمرِ التَّهديديِّ كقولِه تعالى ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ غيرَ أنَّه التفتَ فيه للمبالغةِ وقرىء وليتمتَّعوا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ تمتُّعِكم وقُرىء بالياءِ على أنَّ تمتَّعوا ماضٍ والالتفاتُ إلى الغيبة في قوله تعالى

стр. 5211

﴿أم أنزلنا عليهم﴾ للإبذان بالإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتِهم لغيرِهم بطريقِ المُباثّةِ ﴿سلطانا﴾ أي حجَّةً واضحةً وقيل ذا سلطانٍ أي مَلَكاً معه برهانٌ ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تكلُّمَ دلالةٍ كما في قولِه تعالى هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق أو تكلُّمَ نطقٍ ﴿بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ بإشراكهم به تعالى أو بالأمر الذي بسببه يُشركون

стр. 5212

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً﴾ أي نعمة من صَّحةٍ وسَعَةٍ ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ بَطَراً وأشَراً لا حَمْداً وشُكْراً ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ﴾ شدَّةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بشؤمِ معاصِيهم ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فاجئوا القُنوطَ من رحمتهِ تعالى وقرىء بكسر النون

стр. 5213

﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ﴾ أي ألم ينظرُوا ولم يشاهدُوا ﴿أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ﴾ فما لهم لم يشكرُوا ولم يحتسبُوا في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ كالمؤمنينَ ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فيستدلُّون

стр. 5214

الروم ٣٨ ٤١ بها على كمالِ القدرةِ والحكمة

стр. 5215

﴿فآت ذَا القربى حَقَّهُ﴾ من الصلةِ والصدقةِ وسائرِ المَبَرَّاتِ ﴿والمسكين وابن السبيل﴾ ما يستحقَّانِه والخطاب للنبي ﷺ أو لمن بُسط له كما تُؤذن به الفاءُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ ذاتَه أو جهتَه ويقصدون بمعروفهم إيَّاه تعالى خالصاً أو جهةَ التقربِ إليه لا جهةً أُخرى ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ حيث حصَّلْوا بما بُسط لهم النَّعيمَ المُقيمَ

стр. 5216

﴿وما آتيتم مّن رِباً﴾ زيادةٌ خاليةٌ عن العوضِ عند المعاملةِ وقُرىء أتيتُم بالقصرِ أي غشيتمُوه أو رهقتمُوه من إعطاء ربا ﴿ليربو فِى أَمْوَالِ الناس﴾ ليزيدَ ويزكو في أموالِهم ﴿فَلَا يربو عند الله﴾ أي لايبارك فيه وقُرىء لتربُوا أي لتزيدُوا أو لتصيرُوا ذوي ربا ﴿وما آتيتم مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي تبتغُون به وجهَه تعالى خالِصاً ﴿فَأُوْلَئِكَ هم المضعفون﴾ أي ذووا الأضعافِ من الثَّوابِ ونظيرُ المُضْعف المُقْوى والموسر لذي القوة واليسارِ أو الذين ضعّفوا ثوابَهم وأموالَهم بالبركةِ وقُرىء بفتحِ العينِ وفي تغييرِ النَّظمِ الكريمِ والالتفاتِ من الجزالة مالايخفي

стр. 5217

﴿الله الذى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء﴾ أثبت له تعالى لوازمَ الأُلوهيَّةِ وخواصَّها ونفاها رأساً عَّما اتخذوه شركاء له تعالى من الأصنامِ وغيرِها مؤكِّداً بالإنكارِ على ما دلَّ عليه البرهانُ والعيانُ ووقع عليه الوفاقُ ثم استنتج منه تنزهه عن الشُّركاءِ بقولِه تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد جُوِّز أن يكونَ الموصولُ صفةً والخبرُ هل من شركائِكم والرابطُ قولُه تعالى مِن ذلِكم لأنه بمعنى من أفعاله ومن الأولى والثانية تفيدانِ شيوعَ الحُكمِ في جنسِ الشُّركاءِ والأفعالِ والثَّالثة مزيدةٌ لتعميمِ المنفيِّ وكل منها مستقلة بالتأكيدِ وقُرىء تُشرِكون بصيغةِ الخطابِ

стр. 5218

﴿ظهر الفساد فى البر والبحر﴾ كالجدبِ والمَوَتانِ وكثرةِ الحَرَقِ والغَرَقِ وإخفاقِ الغاصةِ ومحقِ البركاتِ وكثرةِ المضارِّ أو الضَّلالةِ والظُّلمِ وقيل المرادُ بالبحرِ قُرى السَّواحلِ وقُرى البحورِ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس﴾ بشؤمِ مَعَاصيهم أو بكسبِهم إيَّاها وقيل ظهر الفساد فى البر بقتلِ قابيلَ أخاهُ هابيلَ وفي البحرِ بأنَّ جَلَندى

стр. 5219

الروم ٤٢ ٤٦ كانَ يأخذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ﴾ أي بعضَ جزائِه فإن اتمامه في الآخرةِ واللامُ للعلَّةِ أو للعاقبةِ وقُرىء لنُذيقهم بالنَّونِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عمَّا كانُوا عليه

стр. 5220

﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ﴾ ليشاهدُوا آثارَهم ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ استئنافٌ للدَّلالة على أنَّ ما أصابَهم لفشوِّ الشركِ فيما بينَهم أو كان الشركُ في أكثرِهم وما دونه من المَعاصي في قليلٍ منهم
следующие страницы →