← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

﴿وما آتيتم مّن رِباً﴾ زيادةٌ خاليةٌ عن العوضِ عند المعاملةِ وقُرىء أتيتُم بالقصرِ أي غشيتمُوه أو رهقتمُوه من إعطاء ربا ﴿ليربو فِى أَمْوَالِ الناس﴾ ليزيدَ ويزكو في أموالِهم ﴿فَلَا يربو عند الله﴾ أي لايبارك فيه وقُرىء لتربُوا أي لتزيدُوا أو لتصيرُوا ذوي ربا ﴿وما آتيتم مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي تبتغُون به وجهَه تعالى خالِصاً ﴿فَأُوْلَئِكَ هم المضعفون﴾ أي ذووا الأضعافِ من الثَّوابِ ونظيرُ المُضْعف المُقْوى والموسر لذي القوة واليسارِ أو الذين ضعّفوا ثوابَهم وأموالَهم بالبركةِ وقُرىء بفتحِ العينِ وفي تغييرِ النَّظمِ الكريمِ والالتفاتِ من الجزالة مالايخفي

стр. 5217

﴿الله الذى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء﴾ أثبت له تعالى لوازمَ الأُلوهيَّةِ وخواصَّها ونفاها رأساً عَّما اتخذوه شركاء له تعالى من الأصنامِ وغيرِها مؤكِّداً بالإنكارِ على ما دلَّ عليه البرهانُ والعيانُ ووقع عليه الوفاقُ ثم استنتج منه تنزهه عن الشُّركاءِ بقولِه تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد جُوِّز أن يكونَ الموصولُ صفةً والخبرُ هل من شركائِكم والرابطُ قولُه تعالى مِن ذلِكم لأنه بمعنى من أفعاله ومن الأولى والثانية تفيدانِ شيوعَ الحُكمِ في جنسِ الشُّركاءِ والأفعالِ والثَّالثة مزيدةٌ لتعميمِ المنفيِّ وكل منها مستقلة بالتأكيدِ وقُرىء تُشرِكون بصيغةِ الخطابِ

стр. 5218

﴿ظهر الفساد فى البر والبحر﴾ كالجدبِ والمَوَتانِ وكثرةِ الحَرَقِ والغَرَقِ وإخفاقِ الغاصةِ ومحقِ البركاتِ وكثرةِ المضارِّ أو الضَّلالةِ والظُّلمِ وقيل المرادُ بالبحرِ قُرى السَّواحلِ وقُرى البحورِ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس﴾ بشؤمِ مَعَاصيهم أو بكسبِهم إيَّاها وقيل ظهر الفساد فى البر بقتلِ قابيلَ أخاهُ هابيلَ وفي البحرِ بأنَّ جَلَندى

стр. 5219

الروم ٤٢ ٤٦ كانَ يأخذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ﴾ أي بعضَ جزائِه فإن اتمامه في الآخرةِ واللامُ للعلَّةِ أو للعاقبةِ وقُرىء لنُذيقهم بالنَّونِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عمَّا كانُوا عليه

стр. 5220

﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ﴾ ليشاهدُوا آثارَهم ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ استئنافٌ للدَّلالة على أنَّ ما أصابَهم لفشوِّ الشركِ فيما بينَهم أو كان الشركُ في أكثرِهم وما دونه من المَعاصي في قليلٍ منهم

стр. 5221

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم﴾ أي البليغِ الاستقامة ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يقدِرُ أحدٌ على ارده ﴿من الله﴾ متعلق بيأني أو بمردِّ لأنه مصدرٌ والمعنى لا يردُّه الله تعالى لتعلُّقِ إرادتِه القديمةِ بمجيئِه ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أصله يتصدَّعون أي يتفرَّقُون فريقٌ فى الجنة وفريق فى السَّعيرِ

стр. 5222

﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي وبال كفر وهو النَّارُ المؤبَّدة ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي يسوون منزلاً في الجنَّة وتقديمُ الظَّرفِ في الموضعينِ للدِّلالة على الاختصاصِ

стр. 5223

﴿ليجزي الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات من فضله﴾ متعلق بيصدَّعُون وقيل بيمهدون أي يتفرَّقون بتفريقِ الله تعالى فريقينِ ليُجزي كلاً منهما بحسبِ أعمالِهم وحيث كان جزاءُ المؤمنين هو المقصودَ بالذَّاتِ أُبرز ذلك في معرضِ الغايةِ وعبر عنه بالفضلِ لما أَنَّ الإثابةَ بطريق التفضل لا الوجوبِ وأُشير إلى جزاءِ الفريقِ الآخرِ بقولِه تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الكافرين﴾ فإنَّ عدمَ محبتهِ تعالى كنايةٌ عن بُغضهِ الموجبِ لغضبهِ المستتبعِ للعقوبةِ لا محالة

стр. 5224

﴿ومن آياته أَن يُرْسِلَ الرياح﴾ أي الشَّمالَ والصَّبَا والجَنوبَ فإنَّها رياحُ الرَّحمةِ وأما الدَّبُورُ فريحُ العذابِ ومنه قولُه ﷺ اللهمَّ اجعلْهَا رياحاً ولا تجعلْها ريحاً وقُرىء الريحَ على إرادةِ الجنسِ ﴿مبشرات﴾ بالمطرِ ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ﴾ وهي المنافعُ التَّابعةُ لها وقيل الخصبُ التَّابعُ لنزولِ المطرِ المسبَّبِ عنها أو الرَّوح الذي هو مع هبُوبِها واللامُ متعلقةٌ بيرسل والجملةُ معطوفةٌ على مبشِّراتٍ على المعنى كأنه قيل ليبشركم بها وليذقكم أو بمحذوفٍ يُفهم من ذكرِ الإرسالِ تقديرُه وليذيقكم وليكون كذا وكذا يُرسلها لا لأمرٍ آخرَ لا تعلق له بمنافعِكم ﴿وَلِتَجْرِىَ الفلك﴾ بسوقِها ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ بتجارةِ البحرِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ولتشكروا نعمةَ الله فيما ذُكر من

стр. 5225

الروم ٤٧ ٥٠ الغاياتِ الجليلةِ

стр. 5226

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ﴾ كما أرسلناك إلى قومك ﴿فجاؤوهم بالبينات﴾ أي جاء كلُّ رسولٍ قومَه بما يخصُّه من البيِّنات كما جئتَ قومَك ببيِّناتك والفاءُ في قولِه تعالى ﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ فصيحةٌ أي فكذَّبُوهم فانتقمنَا منهم وإنَّما وضع ضميرِهم الموصولُ للتنبيه على مكانِ المحذوفِ والإشعارِ بكونِه علَّةً للانتقامِ وفي قوله تعالى ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ مزيدُ تشريفٍ وتكرمةٍ للمؤمنينَ حيثُ جُعلوا مستحقِّين على الله تعالَى أنْ ينصرَهم وإشعارٌ بأنَّ الانتقامَ من الكفرةِ لأجلهِ وقد يُوقف على حقَّاً على أنَّه متعلق بالانتقامِ ولعلَّ توسيط الآيةِ الكريمةِ بطريقِ الاعتراضِ بين ما سبَقَ وما لَحِق من أحوالِ الرِّياحِ وأحكامِها لإنذارِ الكَفَرةِ وتحذيرِهم عن الإخلالِ بمواجبِ الشُّكرِ المطلوبِ بقولِه تعالى لعلَّكم تشكرُون بمقابلةِ النعمِ المعدودةِ المنوطةِ بإرسالِها كيلا يحلَّ بهم مثلُ ماحل بأولئك الأممِ من الانتقامِ

стр. 5227

﴿الله الذى يُرْسِلُ الرياح﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما أُجمل فيما سبقَ من أحوالِ الرِّياحِ ﴿فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ﴾ متصلاً تارةً ﴿فِى السماء﴾ في جوِّها ﴿كَيْفَ يَشَاء﴾ سائراً وواقفاً مُطبقاً وغيرَ مطبقٍ من جانبٍ دون جانبٍ إلى غيرِ ذلك ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ تارةً أُخرى أي قِطعاً وقُرىء بسكونِ السِّينِ على أنَّه مخففٌ جمعُ كِسْفة أو مصدرٌ وصفَ به ﴿فَتَرَى الودق﴾ المطرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ في التارتين ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي بلادَهم وأراضيَهم ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجئوا الاستبشارَ بمجيء الخِصْبِ

стр. 5228

﴿وَإِن كَانُواْ﴾ إنْ مخففةٌ منْ أنَّ وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ أي وإنَّ الشَّأنَ كانَوا ﴿مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي المطرُ ﴿مِن قبله﴾ تكرير للتأكد والإيذانِ بطولِ عهدِهم بالمطرِ واستحكامِ يأسِهم منه وقيل الضَّميرُ للمطرِ أو السَّحابِ أو الإرسالِ وقيل للكسف على القراءةِ بالسكون وليس بواضحٍ وأقربُ من ذلك أنْ يكونَ الضَّميرُ للاستبشارِ ومن متعلقة بينزل لتفيد سرعةَ تقَلبِ قلوبِهم من اليأسِ إلى الاستبشار بالإشارةِ إلى غايةِ تقاربِ زمانيهما ببيان اتصال اليأس بالئزيل المتصل بالاستبشار بشهادة إذا الفجائية ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ خبرُ كانُوا واللامُ فارقةٌ أي آيسين

стр. 5229

﴿فانظر إلى آثار رَحْمَةِ الله﴾ المترتبةِ على تنزيلِ المطرِ من النباتِ والأشجارِ وأنواعِ الثمارِ والفاءُ للدِلالة على سرعةِ ترتبها عليه وقرىء أثر

стр. 5230

الروم ٥١ ٥٣ بالتوَّحيدِ وقولُه تعالى ﴿كَيْفَ يحيي﴾ أي الله تعالى ﴿الارض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ في حيِّزِ النِّصبِ بنزعِ الخافضِ وكيفَ معلِّقٌ لانظرْ أي فانظُرْ إلى إحيائِه البديعِ للأرضِ بعد موتِها وقيلَ على الحاليَّةِ بالتَّأويلِ وأيَّاً ما كان فالمرادُ بالأمرِ بالنَّظرِ التنبيهُ عَلَى عظمِ قُدرتِه تعالى وسعةِ رحمته ما فيه من التَّمهيدِ لما يعقبُه مِنْ أمرِ البعث وقرىء تحي بالتَّأنيثِ على الإسنادِ إلى ضميرِ الرَّحمةِ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ العظيمُ الشأنِ الذي ذُكر بعض شئونه ﴿لَمُحْيِى الموتى﴾ لقادرٌ على إحيائِهم فإنَّه إحداثٌ لمثلِ ما كانَ في موادِّ أبدانِهم من القُوى الحَيَوانيَّةِ كما أنَّ إحياءَ الأرضِ إحداثٌ لمثلِ ما كانَ فيها منَ القُوى النباتيَّةِ أو لمحييهم البتةَ وقولُه تعالى ﴿وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أي مبالغٌ في القُدرةِ على جميع الأشياء التي من جملتها إحياؤُهم لما أنَّ نسبةَ قُدرتِه إلى الكُلِّ سواءٌ

стр. 5231

﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ﴾ أي الأثرَ المدلُولَ عليه بالآثار او النبات المعبر عنه بالآثارِ فإنَّه اسمُ جنسٍ يعمُّ القليلَ والكثيرَ ﴿مُصْفَرّاً﴾ بعد خُضرتِه وقد جُوِّز أنْ يكونَ الضَّميرُ للسَّحابِ لأنَّه إذا كان مُصفرَّاً لم يُمطر ولا يخفى بعدُه واللامُ في لئن موطِّئةٌ للقسمِ دخلتْ على حرفِ الشَّرطِ والفاءُ في فَرأَوه فصيحة واللامُ في قولِه تعالى ﴿لَّظَلُّواْ﴾ لامُ جواب القسم ساد مسدَّ الجوابينِ أي وبالله لئنْ أرسلنا ريحاً حارةً أو باردةً فضربتْ زرْعَهُم بالصَّفارِ فرأَوَه مُصفرَّاً ليظلنَّ ﴿مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ من غيرِ تلعثُمٍ وفيه منْ ذمِّهم بعد تثبيتِهم وسرعةِ تزلزلِهم بين طَرَفيْ الإفراطِ والتفريطِ مالا يخفى حيثُ كان الواجبُ عليهم أن يتوكلوا على الله تعالى في كل حال ويلجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبسَ عنهم القطرُ ولا ييأسوا من رَوْح الله تعالى ويبادرُوا إلى الشُّكرِ بالطَّاعةِ إذا أصابَهم برحمتِه ولا يفرِّطوا في الاستبشارِ وأنْ يصبرُوا على بلائِه إذا اعترى زرعَهم آفةٌ ولا يكفرُوا بنعمائِه فعكسُوا الأمرَ وأبَوا ما يُجديهم وأَتَوا بما يُرديهم

стр. 5232

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الموتى﴾ لما انهم مثلهم لانسداد مشاعرِهم عن الحقِّ ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ تقييدُ الحكم بما ذُكر لبيانِ كمالِ سوءِ حالِ الكفرةِ والتنبيه على أنَّهم جامعُون لخصلتي السُّوءِ نبوِّ أسماعِهم عن الحقَّ وإعراضِهم عن الإصغاءِ إليهِ ولو كانَ فيهم إحداهُما لكفاهُم ذلك فكيفَ وقد جمعُوهما فإنَّ الأصمَّ المقبلَ إلى المتكلِّمِ ربَّما يفطَنُ من أوضاعِه وحركاتِه لشىءٍ من كلامِه وإنْ لم يسمعْهُ أصلاً وأمَّا إذا كانَ مُعرضاً عنه فلا يكادُ يفهمُ منه شيئاً وقُرىء بالياءِ المفتوحةِ ورفعِ الصُّمِّ

стр. 5233

﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم﴾ سمُّوا عُمياً إما لفقدِهم المقصودِ الحقيقيِّ من الإبصارِ أو لعَمَى قلوبِهم وقُرىء تهدِي العميَ ﴿إِن تُسْمِعُ﴾ أي ما تُسمِعُ ﴿إِلَاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ فإنَّ إيمانَهم يدعُوهم إلى التَّدبرِ فيها وتلقِّيها بالقَبُولِ إو إلَاّ من يُشارفُ الإيمانَ بها ويُقبل عليها إقبالاً لائقاً ﴿فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ مُنقادُون لما تأمرُهم به من الحق

стр. 5234

الروم

стр. 5235

٥٤ - ٥٧ ﴿الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ أي ابتدأكُم ضعفاءَ وجعلَ الضَّعفَ أساسَ أمرِكم كقولِه تعالى وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً أي خلقكُم من أصلٍ ضعيفٍ هو النُّطفة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذلك عند بلوغِكم الحُلُمَ أو تعلقِ الرُّوح بأبدانِكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ إذا أخذَ منكم السنُّ وقُرىء بضمِّ الضَّادِ في الكلِّ وهو أَقوى لقولِ ابنِ عمرَ ﵄ قرأتها على رسولِ الله ﷺ فأقرأنِي من ضُعفٍ وهُما لغُتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ والتَّنكيرُ معَ التَّكريرِ لأنَّ المتقدِّمَ غيرُ المتأخرِ ﴿يَخْلُقُ مَا يشاء﴾ من الأشياء التي من جُمْلتها ما ذكِرَ منَ الضَّعفِ والقُوَّةِ والشَّيبةِ ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ المبالغُ في العلمِ والقدرةِ فإنَّ التَّرديدَ فيما ذُكر من الأطوارِ المختلفةِ من أوضحِ دلائلِ العلمِ والقدرةِ

стр. 5236

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ أي القيامةُ سُمِّيتْ بها لأنَّها تقوم في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الدُّنيا أو لأنَّها تقعُ بغتة وصارتْ عَلَماً لها كالنَّجمِ للثُّريَّا والكوكَبِ للزُّهْرةِ ﴿يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ﴾ أي في القبُورِ أو في الدُّنيا والأولُ هُو الأظهرُ لأنَّ لبثَهم مُغيَّا بيومِ البعثِ كما سيأتي وليسَ لبثُهم في الدُّنيا كذلكَ وقيلَ فيما بين فناءِ الدُّنيا والبعثِ وانقطاع عذابِهم وفي الحديثِ ما بينَ فناءِ الدُّنيا وَالبَعثِ أربعونَ وهُو محتملٌ للسَّاعاتِ والأيَّامِ والأعوامِ وقيلَ لا يعلم أهي أربعونَ سنة أو أربعونَ ألفِ سنة ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ استقلُّوا مدَّة لبثهم نسياناً أو كذباً أو تخميناً ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ مثلَ ذلكَ الصَّرفِ كانوا يُصرفون في الدُّنيا عن الحقِّ والصِّدقِ

стр. 5237

﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان﴾ في الدُّنيا من الملائكةِ والإنسِ ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله﴾ في علمهِ أو قضائهِ أو ما كتبَه وعيَّنه أو في اللوح أو القرآن وهو قوله تعالى وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴿إلى يَوْمِ البعث﴾ ردُّوا بذلك ما قالُوه وأيَّدوه باليمين كأنَّهم من فرطِ حَيرتِهم لم يدرُوا أنَّ ذلك هو البعثُ الموعودُ الذي كانُوا ينكرونَه وكانُوا يسمعون أنَّه يكونُ بعد فناءِ الخلقِ كافَّة ويقدرون لذلك زماناً مديداً وإنْ لم يعتقدُوا تحقُّقه فردَّ العالِمونَ مقالتَهم ونبَّهوهم على أنَّهم لبثُوا إلى غايةٍ بعيدةٍ كانُوا يسمعونَها وينكرونَها وبكَّتوهم بالإخبارِ بوقوعِها حيثُ قالُوا ﴿فهذا يَوْمُ البعث﴾ الذي كنتُم تُوعدون في الدُّنيا ﴿ولكنكم كُنتمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّه حقٌّ فتستعجلون به استهزاءً والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ كما في قول من قالَ ... قالُوا خراسانُ أقْصَى ما يرادبنا ... ثمَّ القُفولُ فقد جِئنا خُراساناً ...

стр. 5238

﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي عذرُهم وقُرىء تنفعُ بالتاء محافظةً على ظاهرِ اللفظِ وإنْ توسط

стр. 5239

الروم ٥٨ ٦٠ بينهما فاصلٌ ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يُدعون إلى ما يقتضِي إعتابَهم أي إزالةَ عَتْبِهم من التَّوبة والطَّاعةِ كما دُعوا إليه في الدُّنيا من قولِهم استعتبني فلانٌ فاعتبتُه أي استرضانِي فأرضيته

стр. 5240

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرآن مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ أي وبالله لقد بينَّا لهم كل حال ووصفنالهم كلَّ صفةٍ كأنَّها في غرابتها مَثَلٌ وقصصنا عليهم كلَّ قصَّةٍ عجيبةِ الشَّأنِ كصفةِ المبعوثينَ يومَ القيامةِ وقصتهم وما يقولُونَ وما يُقال لهم ويفعلُ بهم من ردِّ اعتذارِهم ﴿وَلَئِن جئتهم بآية﴾ من آياتِ القُرآنِ النَّاطقةِ بأمثالِ ذلك ﴿لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ لفرطِ عتوِّهم وعنادِهم وقساوةِ قلوبِهم مخاطبينَ للنبيِّ ﷺ والمؤمنين ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ مُبْطِلُونَ﴾ أي مزوِّرون

стр. 5241

﴿كذلك﴾ مثلَ ذلك الطَّبعِ الفظيعِ ﴿يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ لا يطلبونَ العلمَ ولا يتحرَّون الحقَّ بل يُصرُّون على خرافاتٍ اعتقدوها وتُرَّهاتٍ ابتدعُوها فإن الجهلَ المركَّبَ يمنعُ إدراكُ الحقِّ ويوجبُ تكذيبَ المُحقِّ

стр. 5242

﴿فاصبر﴾ على ما نشاهد منهم من الأقوالِ الباطلةِ والافعال السيئة ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ وقد وعدك بالنُّصرةِ وإظهارِ الدِّينِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ ولا بُدَّ من إنجازِه والوفاءِ به لا محالةَ ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يحملنَّك على الخفَّةِ والقلقِ ﴿الذين لَا يُوقِنُونَ﴾ بما تتلُو عليهم من الآياتِ البيِّنةِ بتكذيبِهم إيَّاها وإيذائِهم لك بأباطِيلِهم التي مِنْ جُملتها قولُهم إنْ أنتُم إلا مُبطلون فإنَّهم شاكُّون ضالُّون ولا يُستبعد منهم أمثالُ ذلك وقُرىء بالنُّون المخففةِ وقُرىء ولا يستحقنَّك من الاستحقاقِ أي لا يفتُننَّك فيملكوك وبكونوا أحقَّ بك من المؤمنينَ وأياً ما كان فظاهرُ النظمِ الكريمِ وإنْ كانِ نهياً للكَفَرةِ عن استخفافِه ﷺ واستحقاقه لكنه في الحقيقة نهيٌ له ﷺ عن التَّاثرِ من استخفافِهم والافتتان بفتنتِهم على طريقِ الكنايةِ كما في قوله تعالى ولا يجر منكم شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَن لا تَعْدِلُواْ عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الرُّوم كان له منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ مَلَكٍ يُسبِّحُ الله تعالى بينَ السَّماءِ والأرضِ وأدركَ ما ضيَّع في يومِه وليلتهِ

стр. 5243

سورة لقمان ١ ٦ مكية وقيل إلا الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة فإن وجوبهما بالمدينة وهو ضعيف لأنه ينافى شرعيتهما بمكة وقيل إلا ثلاثاً من قوله وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وهى اربع وثلاثون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾

стр. 5244

﴿الم تلك آيات الكتاب﴾ سلفَ بيانُه في نظائرِه ﴿الحكيم﴾ أي ذي الحكمةِ لاشتماله عليها أو هو وصفٌ له بنعته تعالى أو أصلُه الحكيمُ منزله او قائلُه فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامه فانقلب مرفُوعاً فاستكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ وقيل الحكيمُ فعيلٌ بمعنى مُفْعَلٍ كما قالُوا أعقدتُ اللَّبنَ فهو عَقِيدٌ أي مُعْقَدٌ وهو قليلٌ وقيلَ بمعنى فاعلٍ

стр. 5245

﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنَّصبِ على الحاليَّةِ من الآياتٍ والعاملُ فيهما معنى الإشارةِ وقُرئا بالرفع على أنهما خبران آخرانِ لاسمِ الإشارة أو لمبتدأ محذوف ﴿لّلْمُحْسِنِينَ﴾ أي العاملين للحسنات فإن أريد بها مشاهيرُها المعهودةُ في الدِّينِ فقولُه تعالى

стр. 5246

﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وهم بالأخرة هم يوقنون﴾ بيانٌ لما عملوها من الحسناتِ على طريقةِ قولِه الأَلْمعيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظن كأن قدر رَأَى وقَدْ سَمِعا وإنْ أُريد بها جميعُ الحسناتِ فهو تخصيصٌ لهذه الثلاثِ بالذكر من بين سائر شُعبِها لإظهارِ فضلِها وإنافتِها على غيرِها وتخصيصُ الوجهِ الأولِ بصورةِ كونِ الموصولِ صفةً للمحسنين والوجهِ الآخيرِ بصورةِ كونِه مبتدأً مما لا وجهَ لَهُ

стр. 5247

﴿أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾ الفائزون بكلِّ مطلوبٍ والنَّاجُون من كلِّ مهروبٍ لحيازتِهم قُطريْ العلمِ والعملِ وقد مرَّ ما فيه من المقالِ في مطلع سورةِ البقرة بما لا مزيدة عليهِ

стр. 5248

﴿وَمِنَ الناس﴾ محلُّه الرفعُ على الابتداءِ باعتبارِ مضمونِه

стр. 5249

لقمان ٧ ٨ أو بتقديرِ الموصوفِ ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿من يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث﴾ موصولةٌ أو موصوفةٌ محلُها الرَّفعُ على الخبرَّيةِ والمعنى وبعضُ النَّاسِ أو وبعضٌ مِن النَّاسِ الذي يشترِي أو فريقٌ يشتِري على أنَّ مناطَ الإفادةِ والمقصودَ بالأصالةِ هو اتِّصافُهم بما في حِّيزِ الصِّلةِ أو الصِّفةِ لا كونُهم ذواتِ أولئك المذكورينَ كما مرَّ في قوله تعالى وَمِنَ الناس مَن يقول آمنا بالله وباليوم الأخر الآياتِ ولهوُ الحديثِ ما يُلهى عمَّا يُعنى من المهمَّاتِ كالأحاديثِ التي لا أصلَ لها والأساطير التي لا اعتدادَ بها والمضاحكِ وسائرِ مالا خيرَ فيه من فضُولِ الكلامِ والإضافةُ بمعنى من التبيينة إنْ أُريد بالحديثِ المنكرُ وبمعنى التبعيضيةِ إن أُريد به الأعمُّ مِن ذلكَ وقيلَ نزلتِ الآيةُ في النضر بن الحرث اشترى كتبَ الأعاجمِ وكان يُحدِّثُ بها قُريشاً ويقولُ ان كان محمدٍ ﷺ يُحدِّثكم بحديثِ عادٍ وثمودٍ فأَنا أُحدِّثكم بحديثِ رُسْتُمَ واسفِنْدِيارَ والأكاسرةِ وقيلَ كان يشترِي القيانَ ويحملهنَّ على مُعاشرةِ مَن أرادَ الإسلامَ ومنعِه عنْهُ ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي دينِه الحقِّ الموصِّلِ إليهِ تعالى أو عن قراءةِ كتابِه الهادِي إليه تعالى وقُرىء ليَضلَّ بفتح الياء أي ليثبُتَ ويستمرَّ على ضلالِه أو ليزدادَ فيه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بحالِ ما يشتريِه أو بالتِّجارةِ حيثُ استبدلَ الشرَّ البَحتَ بالخيرِ المحضِ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصبِ عطفاً على يُضلَّ والضَّميرُ للسَّبيلِ فإنَّه ممَّا يُذكِّرُ ويُؤنَّثُ وهو دينُ الإسلامِ أو القُرآنِ أي ويتخذَها ﴿هُزُواً﴾ مَهزُواً بهِ وقُرىء ويتخذُها بالرَّفعِ عطفاً على يشترِي وقولُه تعالى ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى من والجمعُ باعتبارِ مَعناهَا كما أن الإفراد في الفعلينِ باعتبارِ لفظِها وما فيهِ من معنى البعد مع قرب العهد بذكرِ المُشارِ إليهِ للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الشَّرارةِ أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الاشتراءِ للإضلالِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لما اتَّصفُوا به من إهانتِهم الحقِّ بإيثارِ الباطلِ عليهِ وترغيبِ النَّاس فيه

стр. 5250

﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ﴾ أي على المشتري افراد الضَّميرُ فيه وفيما بعدَه كالضَّمائرِ الثلاثةِ الأولِ باعتبارِ لفظةِ مَن بعدَ ما جُمع فيما بينهما باعتبارِ معناها ﴿آياتنا﴾ التي هي آياتُ الكتابِ الحكيمِ وهدى ورحمةٌ للمحسنين ﴿وَلَّى﴾ أعرض عنها غيرَ معتدبها ﴿مُسْتَكْبِراً﴾ مبالغاً في التَّكَبُّر ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ حالٌ من ضمير ولَّى أو من ضميرٍ مستكبراً والأصلُ كأنَّه فحذف ضميرُ الشَّأنِ وخُفِّفتْ المُثقَّلةُ أي مشبهاً حاله حالَ مَن لم يسمعها وهو سامعٌ وفيه رمزٌ إلى أنَّ مَن سمعها لا يُتصوَّرُ منه التَّوليةُ والاستكبارُ لِما فيها منَ الأمورِ الموجبةِ للإقبالِ عليها والخضوعِ لها على طريقة قول من قال كأنَّك لم تَجْزَعْ على ابنِ طَرِيْفِ ﴿كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ حال من ضميرِ لم يسمعْها أي مشبها حاله حال من في اذنيه ثقَلٌ مانع من السَّماعِ ويجوز أنْ يكونا استئنافين وقُرىء في أُذْنيهِ بسكونِ الذَّالِ ﴿فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي فأعلمه بأنَّ العذابَ المفرط في الإيلام لاحقٌ به لا محالة وذكرُ البشارةِ للتَّهكمِ

стр. 5251

﴿إن الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ بيانٌ لحالِ المُؤمنين بآياتِه تعالى إثرَ بيانِ حالِ الكافرينَ بها أي الذين آمنُوا بآياتِه تعالى وعملُوا بموجبِها ﴿لَهُمْ﴾ بمقابلة ما ذكر من ايمانهم واعمالهم ﴿جنات النعيم﴾ أي

стр. 5252

لقمان ٩ ١١ نعيمُ جنَّاتٍ فعكسَ للمُبالغةِ والجملة خبرُ أنَّ والأحسن أنْ يجعلَ لَهمُ هو الخبرَ لأنَّ وجنَّاتُ النَّعيمِ مرتفعاً بِه على الفاعليَّةِ وقولُه تعالَى

стр. 5253

﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ من الضَّميرِ في لهم أو مِن جنَّاتِ النَّعيمِ لاشتماله على ضميريهِما والعاملُ ما تعلَّق به اللامُ ﴿وَعْدَ الله حَقّا﴾ مصدرانِ مؤكِّدانِ الاول لنفسه والثَّاني لغيرهِ لأنَّ قولَه تعالَى لهم جنَّاتُ النَّعيمِ في معنى وعَدَهم الله جنات النعيم فأكد معنى الوعد بالوعد واما حقا فدال على معنى الثبات اكد به معنى الوعد ومؤكدهما جميعا لهم جنَّاتِ النَّعيمِ ﴿وَهُوَ العزيز﴾ الذي لا يغلبه شيء ليمنعه من إنجازِ وعدِه أو تحقيقِ وعيدِه ﴿الحكيم﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيهِ الحِكمةُ والمصلحةُ

стр. 5254

﴿خلق السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ الخ استئنافٌ مسوقٌ للاستشهادِ بما فُصِّل فيه على عزَّتِه تعالى التي هي كمالُ القدرةِ وحكمتِه التي هي كمالُ العلمِ وتمهيدُ قاعدةِ التوحيد وتقريرُه وإبطالُ أمرِ الإشراكِ وتبكيتُ أهلِه والعَمَدُ جمعُ عمادٍ كأَهبٍ جمعُ إهابٍ وهو ما يُعمَد به أي يُسند يُقال عمَدتُ الحائطَ إذا دعَّمتُه أي بغيرِ دعائم على أنَّ الجمعَ لتعددِ السَّمواتِ وقولُه تعالى ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ جِيءَ بهِ للاستشهادِ على ما ذُكر من خلقِه تعالى لها غير معهودة بمُشاهدتِهم لها كذلك أو صفةٌ لعَمَدٍ أي خلقَها بغيرِ عمدٍ مرئيَّةٍ على أنَّ التَّقييدَ للرَّمزِ إلى أنَّه تعالى عمَّدها بعَمدٍ لا تَرَونها هي عَمَدُ القُدرةِ ﴿وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ﴾ بيانٌ لصُنعه البديعِ في قرارِ الأرض إثرَ بيانِ صُنعه الحكيمِ في قرار السموات أي ألقى فيها جبالاً ثوابتَ وقد مرَّ ما فيه من الكلام في سُورة الرَّعدِ ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كراهةَ أنْ تميلَ بكم فإنَّ بساطةَ أجزائِها تقتضِي تبدُّلَ أحيازِها وأوضاعِها لامتناعِ اختصاصِ كلَ منها لذاتِه أو لشيءٍ من لوازمِه بحيِّزٍ معيَّنٍ ووضعٍ مخصوصٍ ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ﴾ من كلِّ نوعٍ من أنواعِها ﴿وَأَنزَلْنَا من السماء ماء﴾ هو المطرُ ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا﴾ بسببٍ ذلك الماءِ ﴿مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ من كلِّ صنفٍ كثيرِ المنافعِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ في الفعلينِ لإبرازِ مزيدِ الاعتناءِ بأمرِها

стр. 5255

﴿هذا﴾ أي ما ذكر من السَّمواتِ والأرضِ وما تعلَّق بهما من الأمورِ المعدودةِ ﴿خَلَقَ الله﴾ أي مخلوقُه ﴿فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ ممَّا اتخذ تموهم شركاءً له سبحانه في العبادةِ حتَّى استحقُّوا به المعبوديَّةَ وماذا نُصب بخَلْقُ أو مَا مرتفعٌ بالابتداءِ وخبرُه ذَا بصلتِه وأرُوني متعلقٌ به وقولُه تعالى ﴿بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ إضرابٌ عن تبكيتِهم بما ذُكر إلى التَّسجيلِ عليهم بالضَّلالِ البيِّنِ المُستدعي للإعراضِ عن مخاطبتِهم بالمقدِّماتِ المعقولةِ الحقَّةِ لاستحالة أنْ يفهمُوا منها شيئاً فيهتدوا به إلى العلمِ ببطلانِ ما هُم عليه أو يتأثَّروا من الإلزامِ والتَّبكيتِ فينزجُروا عنه ووضعُ الظَّاهرِ موضعَ ضميرِهم للدِّلالةِ على انهم بإشراكهم
следующие страницы →