← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أي حقَّق عليهم ظنَّه أو وجده صادقاً وقرئ بالتَّخفيف أي صدَق في ظنِّه أو صدَقَ بظنَ ظنُّه ويجوز تعدية الفعل إليه بنفسه لأنَّه نوعٌ من القولِ وقرئ بنصب إبليسَ ورفعِ الظَّنِّ مع التَّشديدِ بمعنى وجدَه ظنُّه صادقاً ومع التَّخفيف بمعنى قال له الصِّدقُ حين خيل له إغراءهم وبرفعهما والتخفيف على الإبدال وذلك إما ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشَّهواتِ أو ببني آدمَ حين شاهدَ آدمَ ﵇ قد أصغى إلى وسوسته قال إنَّ ذُريَّتَه أضعفُ منه عزماً وقيل ظنَّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكةَ أنَّه يجعلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ويسفك الدِّماءَ وقال لأضلنَّهم ولأغوينَّهم ﴿فاتبعوه﴾ أي أهلُ سبأٍ أو النَّاسُ ﴿إِلَاّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين﴾ إلا فريقاً هم المؤمنون لم يتَّبعوه على أنَّ مِن بيانيةٌ وتقليلُهم بالإضافة إلى الكُفَّارِ أو إلا فريقاً من فِرقِ المؤمنين لم يتَّبعوه وهم المُخلَصون

стр. 5462

﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان﴾ أي تسلّطٍ

стр. 5463

سبإ ٢٢ ٢٣ واستيلاء بالوسوسة والاستواء وقولُه تعالى ﴿إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالاخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ﴾ استثناء مفرغ من أعلم العللِ ومَن موصولةٌ أي وما كان تسلُّطُه عليهم إلا ليتعلَّقَ علمُنا بمَنْ يُؤمن بالآخرةِ متميِّزاً ممَّن هو في شكَ منها تعلُّقاً حالياً يترتَّب عليه الجزاءُ أو إلا ليتمَّيزَ المؤمنُ من الشَّاكِّ أو إلا ليؤمن قُدِّر إيمانُه ويشكُّ من قُدِّر ضلالُه والمراد من حصول العلم حصول متعلَّقه مبالغةً ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ﴾ أي محافظ عليه فإنَّ فَعيلاً ومُفاعِلاً صيغتانِ متآخيتانِ

стр. 5464

﴿قُلْ﴾ أي للمشركين إظهاراً لبُطلان ما هُم عليه وتَبكيتاً لهم ﴿ادعوا الذين زعمتم﴾ أي زعمتموهم آلهةً وهما مفعولا زعمَ ثم حُذف الأوَّلُ تخفيفاً لطول الموصول بصلتِه والثَّاني لقيام صفتِه أعني قوله تعالى ﴿مِن دُونِ الله﴾ مقامه ولا سبيل إلى جعله مفعولاً ثانياً لأنَّه لا يلتئمُ مع الضَّميرِ كلاماً وكذا لا يملكُون لأنَّهم لا يزعمونه والمعنى ادعوهم فيما يهمُّكم من جلب نفعٍ أو دفعِ ضرَ لعلَّهم يستجيبون لكُم إنْ صح دعواكم ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعيُّن الجوابِ وأنَّه لا يقبلُ المكابرةَ فقال ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ﴾ من خير وشرَ ونفع وضرَ ﴿فِي السماوات وَلَا فِى الارض﴾ أي في أمرٍ ما من الأمور وذكرُهما للتَّعميمِ عُرفاً أو لأنَّ آلهتَهم بعضُها سماويةٌ كالملائكةِ والكواكبِ وبعضُها أرضية كالأصنامِ أو لأنَّ الاسباب القريبة للخير سماويةٌ وأرضيةٌ والجملة استئنافٌ لبيانِ حالِهم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي لآلهتِهم ﴿فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ أي شَركةٍ لا خلقاً ولا مُلكاً ولا تصرُّفاً ﴿وَمَا لَهُ﴾ أيْ لله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ من آلهتِهم ﴿مّن ظَهِيرٍ﴾ يُعينه في تدبير أمرِهما

стр. 5465

﴿وَلَا تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ﴾ أي لا توُجد رأساً كما في قوله ولَا ترَى الضبَّ بها ينجحِرُ لقوله تعالى ﴿مَّن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ وإنَّما علَّق النَّفيَ بنفعها لا بوقوعِها تصريحاً بنفي ما هو غرضُهم من وقوعها وقوله تعالى ﴿إِلَاّ لِمَنْ أذِنَ لَهُ﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لاتقع الشَّفاعةُ في حالٍ من الأحوالِ إلا كائنة لمن أذنَ له في الشَّفاعةِ من النبيِّين والملائكةِ ونحوِهم من المستأهلين لمقام الشَّفاعةِ فتبيَّن حرمانُ الكَفرَة منها بالكُلِّية أما من جهةِ أصنامِهم فلظهور انتفاء الإذن لها ضرورةَ استحالةِ الإذنِ في الشفاعة لجمادٍ لا يعقلُ ولا ينطق وأمَّا من جهةِ مَن يعبدونَهُ من الملائكةِ فلأنَّ إذنَهم مقصورٌ على الشَّفاعةِ للمستحقِّين لها لقولِه تعالى ﴿لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً﴾ ومن البيِّن أنَّ الشَّفاعةَ للكفرةِ بمعزل من الصَّوابِ أولا تنفع الشفاعة من الشفعاء المستأهلين لها في حالٍ من الأحوالِ إلا كائنة لمن إذِن له أي لأجلهِ وفي شأنِه من المستحقِّين للشَّفَّاعة وأمَّا مَن عداهُم من غيرِ المستحقِّين لها فلا تنفعُهم أصلاً وإنْ فُرض وقوعُها وصدورُها عن الشُّفعاءِ إذ لم يؤذَن لهم في شفاعتهم بل في شفاعة غيرِهم فعلى هذا يثبتُ حرمانُهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النَّصِّ ومن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حيث

стр. 5466

سبإ ٢٤ حُرموها من جهةِ القادرين على شفاعة بعض المحتاجين إليها فلأن حرموها من جهة العَجَزةِ عنها أولى وقرئ أُذِنَ له مبنيّاً للمفعولِ ﴿حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ أي قلوب الشُّفعاءِ والمشفوعِ لهم من المؤمنين وأمَّا الكَفَرةُ فهم من موقف الاستشفاع بمعزلٍ وعن التَّفزيعِ عن قلوبهم بألفِ منزلٍ والتفزيع إزالةُ الفزعِ ثمَّ ترك ذكر الفزع وأسند الفعلُ إلى الجارِّ والمجرورِ وحتى غاية لما ينبئ عنه ما قبلها من الإشعار بوقوع الإذنِ لمن أذن له فإنَّه مسبوق بالاستئذان المستدعِي للتَّرقبِ والانتظارِ للجواب كأنَّه سُئل كيف يُؤذن لهم فقيل يتربَّصون في موقف الاستئذانِ والاستدعاءِ ويتوقَّفون على وَجَلٍ وفَزَعٍ مليّاً حتَّى إذا أُزيلَ الفزعُ عن قلوبهم بعد اللتا والتي وظهرت لهم تباشيرا الإجابةِ قَالُواْ أي المشفوعُ لهم اذهم المحتاجون إلى الإذنِ والمهتمُّون بأمره مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ أي في شأنِ الإذنِ قَالُواْ أي الشُّفعاءُ لأنَّهم المُباشرون للاستئذان بالذَّاتِ المتوسِّطُون بينهم وبينه بالشَّفاعةِ الحق أي قال ربُّنا القول الحقَّ وهو الإذن في الشفاعةِ للمستحقَّين لها وقُرىء الحقُّ مرفوعاً أي ما قاله الحقُّ ﴿وَهُوَ العلى الكبير﴾ من تمام كلام الشُّفعاء قالوه اعترافاً بغاية عظمة جناب العزَّةِ وقصور شأنِ كلِّ مَن سواه أي هو المنفرد بالعلوِّ والكبرياءِ ليس لأحدٍ من أشراف الخلائقِ أنْ يتكلَّم إلا بإذنه وقُرىء فُزع مخفَّفاً بمعنى فزع وقرىء فَزِع على البناءِ للفاعلِ وهو الله وحدَه وقرىء فزع بالراء المهملة والغين المعجمة أي نفي الوجلٍ عنها وأفنى من فرغَ الزَّادُ إذا لم يبقَ منه شيءٌ وهو من الإسنادِ المجازيِّ لأنَّ الفراغَ وهو الخلوُّ حال ظرفه عند نفادِه فأُسند إليه على عكسِ قولِهم جَرَى النَّهر وعن الحسن تخفيفُ الرَّاءِ وأصله فَرغ الرجل عنها أي انتفى عنها وفنى ثم حذف الفاعل وأُسند إلى الجارِّ والمجرور وبه يُعرف حال التَّفريغِ وقُرىء ارتفعَ عن قلوبِهم بمعنى انكشفَ عنها ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماوات والأرض﴾ امر ﷺ بتبكيتِ المشركين بحملهم على الإقرارِ بأنَّ آلهتَهم لا يملكونَ مثقالَ ذَرَّةِ فيهما وأنَّ الرَّازقَ هو الله تعالى فإنَّهم لا ينكرونه كما ينطق به قوله تعالى

стр. 5467

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض أَم مَّنْ يَمْلِكُ السمع والابصار وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى وَمَن يُدَبّرُ الامر﴾ فَسَيَقُولُونَ الله وحيث كانُوا يتلعثمُون أحياناً في الجواب مخافةَ الالزام قيل له ﷺ قُلِ الله إذ لا جواب سواء عندهم أيضاً وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ أي وإنَّ أحدَ الفريقينِ من الذين يوحِّدون المتوحِّدَ بالرِّزقِ والقُدرة الذَّاتيةِ ويخصونه بالعبادة والذين يُشركون به في العبادةِ الجمادَ النَّازلَ في أدنى المراتبِ الإمكانية لعلى أحدِ الأمرينِ من الهُدى والضَّلالِ المُبين وهذا بعد ما سبق من التَّقرير البليغ النَّاطقِ بتعيين من هُو على الهدى ومن هو في الضَّلالِ أبلغ من التَّصريحِ بذلك لجريانه على سَننِ الإنصاف المُسكتِ للخَصمِ الألدِّ وقُرىء وأنَا أو إيَّاكم إما على هُدًى أَوْ فِى ضلال مبين واختلافُ الجارِين للإيذان بأنَّ الهاديَ كمن استعلى مناراً ينظرُ الأشياءَ ويتطلَّع

стр. 5468

سبإ ٢٥ ٣٠ عليها والضَّالُّ كأنَّه منغمسٌ في ظلامٍ لا يَرى شيئاً أو محبوسٌ في مطمورةٍ لا يستطيعُ الخروجَ منها

стр. 5469

﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وهذا أبلغُ في الإنصافِ وأبعدُ من الجَدَلِ والاعتسافِ حيثُ أسند فيه الإجرامُ وإنْ أُريد به الزَّلَّةُ وتركُ الأولى إلى أنفسهم ومطلقُ العمل إلى المخاطَبين مع أن أعمالهم أكبرُ الكبائرِ

стр. 5470

(قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا) يومَ القيامةِ عند الحشرِ والحسابِ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق أي يحكمُ بيننا ويفصلُ بعد ظهورِ حالِ كلَ منّا ومنكم بأن يدخل المحقِّين الجنة والمبطلين النار وَهُوَ الفتاح الحاكم الفيصل في القضايا المنغلقة العليم بما ينبغي أنْ يُقضى به

стр. 5471

﴿قُلْ أَرُونِىَ الذين أَلْحَقْتُمْ﴾ أي ألحقتمُوهم ﴿بِهِ شُرَكَاء﴾ أُريد بأمرهم بإراءةِ الأصنامِ مع كونها بمرأى منه ﷺ إظهار خطئِهم العظيمِ وإطلاعهم على بُطلانِ رأيهم أي اروينها لأنظرَ بأيِّ صفةٍ ألحقتُموها بالله الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في استحقاقِ العبادةِ وفيه مزيدُ تبكيتٍ لهم بعد إلزامِ الحجَّةِ عليهم كَلَاّ ردعٌ لهم عن المشاركةِ بعد إبطالِ المقايسةِ ﴿بَلْ هُوَ الله العزيز الحكيم﴾ أي الموصوفُ بالغلبةِ القاهرةِ والحكمةِ الباهرةِ فأينَ شركاؤكم التي هي أخسُّ الاشياء اذ لها من هذه الرُّتبةِ العاليةِ والضمير اما الله عز وعلا أو للشَّأنِ كما في قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ

стр. 5472

﴿وَمَا أرسلناك إِلَاّ كَافَّةً لّلنَّاسِ﴾ أي إلا إرسالةً عامة لهم فإنهم إذا عمَّتهم فقد كفتْهمِ أنْ يخرجَ منها أحدٌ منهم أو إلا جامعاً لهم في الابلاغ فهي حالٌ من الكافِ والتَّاءِ للمُبالغةِ ولا سبيلَ إلى جعلِها حالاً من النَّاسِ لاستحالةِ تقدُّمِ الحالِ على صاحبها المجرورِ ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك فيحملُهم جهلُهم على ما هم عليه من الغيِّ والضَّلالِ

стр. 5473

﴿وَيَقُولُونَ﴾ من فرطِ جهلِهم وغايةِ غيِّهم متى هذا الوعد بطريقِ الاستهزاءِ يعنون به المبشَّر به والمنذَر عنه أو الموعود بقوله تعالى بجمع بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ مخاطبين لرسول الله ﷺ والمؤمنين به

стр. 5474

﴿قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ﴾ أي وعدُ يومٍ أو زمان وعدو الاضافة للتبيِّينِ وقُرىء ميعادٌ يومٌ منَّونينِ على البدل ويوماً بإ ٤ ضمار اعنى للتعظيم ﴿لا تستأخرون عَنْهُ﴾ عند مفاجأتِه ﴿سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ صفةً لميعادُ وفي هذا الجواب من المبالغة في التهديد مالا يخفى حيثُ جعل الاستئخارَ في الاستحالة كالا ستقدام الممتنعِ عقلاً وقد مرَّ بيانُه مراراً ويجوزُ أنْ يكون نفي الاستئجار والاستقدامِ غيرَ مقيَّدٍ بالمُفاجأة فيكون وصفُ الميعادِ بذلك لتحقيقة

стр. 5475

سبإ ٣١ ٣٣ وتقريرِه

стр. 5476

﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نؤمن بهذا القرآن وَلَا بالذى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتبِ القديمةِ الدَّالَّةِ على البعث وقيل إنَّ كُفَّار مكَّةَ سألُوا أهلَ الكتابِ عن رسولِ الله ﷺ فأخبرُوهم أنَّهم يجدون نعتَهُ في كتبهم فغضبُوا فقالُوا ذلكَ وقيل الذي بين يديه القيامة ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون﴾ المنكرون للبعث ﴿مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي في موقفِ المحاسبة ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول﴾ أي يتحاورونَ ويتراجعون القولَ يَقُولُ الذين استضعفوا بدل من يرجع الخ أي يقول الأتباع ﴿لِلَّذِينَ استكبروا﴾ في الدُّنيا واستتبعوهم في الغيِّ والضَّلالِ ﴿لَوْلَا أَنتُمْ﴾ أي لولا إضلالُكم وصدُّكم لنا عن الإيمانِ ﴿لَكُنَّا مؤمنين﴾ باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 5477

﴿قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الذين استكبرُوا في الجواب فقيل قالُوا ﴿أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ﴾ مُنكرين لكونهم هم الصَّادِّين لهم عن الإيمانِ مُثبتين أنَّهم هم الصَّادُّون بأنفسهم بسبب كونِهم راسخين في الإجرام

стр. 5478

﴿وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا﴾ اضرابا عن إضرابِهم وإبطالاً له ﴿بَلْ مكرَ اللَّيلِ والنَّهارِ﴾ أي بل صدَّنا مكرُكم بنا باللَّيلِ والنَّهارِ فحُذف المضافُ إليه وأقيم مقامَه الظَّرفُ اتَّساعاً أو جُعل ليلُهم ونهارُهم ماكريْنِ على الإسناد المجازي وقُرىء بل مكرٌ اللَّيلَ والنَّهارَ بالتَّنوينِ ونصب الظَّرفينِ أي بل صدَّنا مكرُكم في اللَّيلِ والنَّهارِ على أن التنوين عوضٌ عن المُضافِ إليهِ أو مكرٌ عظيمٌ على أنَّه للتَّفخيمِ وقُرىء بل مكرٌ اللَّيلِ والنَّهارِ بالرَّفعِ والنَّصبِ أي تكرون الاغواء مكراً دائباً لا تفترون عنه فالرفع على الفاعلية أي بل صدَّنا مكركم الإغواء في اللَّيل والنَّهارِ على ما سبق من الاتِّساع في الظَّرفِ بإقامتِه مقامَ المضافِ إليه والنَّصبِ على المصدرية أي بل تكرون الإغواءِ مكرَ اللَّيلِ والنَّهارِ أي مكرا دائما وقوله تعالى ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾ ظرفٌ للمكرِ أي بل مكرُكم الدَّائمُ وقتَ أمرِكم لنا ﴿أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً﴾ على أنَّ المرادَ بمكرِهم إمَّا نفسُ أمرِهم بما ذُكر كما في قوله تعالى يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء

стр. 5479

سبإ ٣٤ ٣٧ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً فإنَّ الجعلينِ المذكورينِ نعمةٍ من الله تعالَى وأيُّ نعمةٍ وإما أمورٌ أُخَرُ مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال به من التَّرغيب والتَّرهيبِ وغير ذلك وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب أي أضمرَ الفريقانِ الندامة على ما فَعَلا من الضَّلالِ والإضلالِ وأخفاها كلٌّ منهما عن الآخرِ مخافةَ التَّعييرِ أو أظهرُوها فإنَّه من الأضدادِ وهو المناسب لحالِهم ﴿وَجَعَلْنَا الاغلال فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ﴾ أي في أعناقِهم والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للتَّنويهِ بذمِّهم والتنَّبيهِ على موجب أغلالِهم ﴿هَلْ يُجزون إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يُجزون إِلَاّ جزاءَ ما كانُوا يعملون أو إلَاّ بما كانُوا يعملونه على نزعِ الجارِّ

стр. 5480

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ﴾ من القُرى ﴿مّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون﴾ تسلية لرسول الله ﷺ ممَّا مُنِّيَ به من قومِه من التَّكذيبِ والكُفرِ بما جاء به والمنافسة بكثرةِ الأموالِ والأولادِ والمفاخرةِ بحظوظِ الدُّنيا وزخارفِها والتَّكبرِ بذلك على المُؤمنين والاستهانةِ بهم من أجلِه وقولهم أى الفريقين خير مقاما وأحسنُ نَديَّاً بأنَّه لم يرسل قط أهل قريةٍ من نذيرٍ إلَاّ قال مُترفوهم مثلَ ما قال مُترفو أهلِ مكة في حقه ﷺ وكادُوا به نحوَ ما كادوا به ﷺ وقاسوا أمورَ الآخرةِ الموهومةِ والمفروضةِ عندهم على أمورِ الدُّنيا وزعموا أنَّهم لو لم يَكْرُموا على الله تعالى لما رزقهم طيبات الدُّنيا ولولا أنَّ المؤمنينَ هانُوا عليهِ تعالى لمَا حرُمهموها وعلى ذلك الرأيِّ الرَّكيكِ بنَوَا أحكامَهم

стр. 5481

﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أكثرُ أموالا وأولادا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمَّا بناءً على انتفاءِ العذابِ الأُخرويِّ رأساً أو على اعتقادِ أنَّه تعالى أكرمَهم في الدُّنيا فلا يُهينهم في الآخرةِ على تقديرِ وقوعِها

стр. 5482

(قُلْ) رَدَّاً عليهم وحسماً لمادَّةِ طمعِهم الفارغِ وتحقيقاً للحقِّ الذي عليه يدورُ أمرُ التَّكوين ﴿إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء﴾ ان يبسط له ﴿وَيَقْدِرُ﴾ على مَن يَشَاء أنْ يقدرَه عليه من غير أن يكون لاحد من الفريقينِ داعٍ إلى ما فُعل به من البسطِ والقَدْرِ فربُّما يُوسِّعُ على العاصِي ويُضيِّقُ على المطيعِ وربَّما يُعكس الأمرُ ورُبَّما يُوسِّع عليهما معاً وقد يُضيَّق عليهما وقد يُوسِّع على شخصٍ تارةً ويُضيِّق عليه أخرى يفعلُ كُلاًّ من ذلك حسْبما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحكم البالغةِ فلا يُقاس على ذلك أمرُ الثَّوابِ والعذابِ اللَّذينِ مناطُهما الطَّاعةُ وعدمُها وقُرىء ويُقدِّر بالتَّشديدِ ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك فيزعمون أنَّ مدارَ البسطِ هو الشَّرفُ والكرامةُ ومدارَ القَدْرِ هو الهوانُ ولا يدرون أنَّ الأوَّلَ كثيراً ما يكونُ بطريقِ الاستدراجِ والثَّاني بطريقِ الابتلاءِ ورفعِ الدَّرجاتِ

стр. 5483

﴿وَمَا أموالكم وَلَا أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى﴾

стр. 5484

كلام مستأنفٌ من جهته عزَّ وعلا خُوطب به النَّاسُ بطريقِ التَّلوينِ والالتفاتِ مبالغةً في تحقيقِ الحقِّ وتقريرِ ما سبق أي وما جماعةُ أموالِكم وأولادِكم بالجماعةِ التي تُقربكم عندنا قُربةً فإنَّ الجمعَ المكسَّر عقلاؤُه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث أو بالخصلة التي تقرِّبكم وقُرىء بالذَّي أيْ بالشِّيءِ الذَّي ﴿إِلَاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ استثناءٌ من مفعول تقربكم أي وما الأموالُ والأولادُ تقرِّبُ أحداً إلا المؤمنَ الصَّالحَ الذي أنفقَ أموالَه في سبيلِ الله تعالى وعلَّم أولادَه الخيرَ ورَبَّاهم على الصَّلاح ورشَّحهم للطَّاعةِ وقيل من أموالِكم وأولادِكم على حذفِ المضافِ أي إلَاّ أموالَ من الخ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلينِ باعتبارِ لفظِها وما فيهِ من معنى البعد مع قُرب العهدِ بالمُشار إليه للإيذانِ بعلوِّ رتبتِهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي فأولئكَ المنعوتُون بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ ﴿لَهُمْ جَزَاء الضعف﴾ أي ثابتٌ لهم ذلك على أنَّ الجارَّ والمجرورَ خبرٌ لما بعده والجملةَ خبرٌ لأولئك وفيه تأكيدٌ لتكررِ الإسنادِ أو يثبت لهم ذلك على أنَّ الجارُ والمجرورَ خبرٌ لأولئك وما بعدَهُ مرتفعٌ على الفاعليةِ وإضافة الجزاءِ إلى الضِّعفِ من إضافة المصدرِ إلى المفعولِ أصله فأولئك لهم أنْ يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثمَّ جزاءَ الضِّعفِ ومعناه أنَّ تضاعفَ لهم حسناتُهم الواحدةُ عشراً فما فوقَها وقرىء جزاء الضعف على فأولئك لهم الضِّعفُ جزاءً وجزاءٌ الضِّعفَ على أنْ يجازوا الضِّعفَ وجزاءٌ الضِّعفُ بالرفع على أنَّ الضِّعفُ بدلٌ من جزاءٌ ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ من الصَّالحاتِ ﴿وَهُمْ فِى الغرفات﴾ أي غرفات الجنة ﴿آمنون﴾ من جميع المكارِه وقُرىء بفتح الرَّاءِ وسكونِها وقُرىء في الغُرفةِ على إرادةِ الجنسِ

стр. 5485

﴿والذين يسعون في آياتنا﴾ بالردِّ والطَّعنِ فيها ﴿معاجزين﴾ سابقينَ لأنبيائِنا أو زاعمينَ أنَّهم يفوتُوننا ﴿أُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ﴾ لا يجديهم ما عوَّلوا عليه نَفْعاً

стр. 5486

﴿قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي يُوسعه عليهَ تارةً ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي يضيقُه عليه تارةً أُخرى فلا تخشَوا الفقرَ وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله وتعرَّضُوا لنفحاتِه تعالى ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ عِوضاً إمَّا عاجلاً وإمَّا آجلا ﴿وهو خير الرازقين﴾ فإنَّ غيرَه واسطة في إيصالِ رزقِه لا حقيقة لرازقيتِه

стр. 5487

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ أي المستكبرينَ والمستضعفينَ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دون الله ويومَ ظرفٌ لمضمرٍ متأخِّر سيأتي تقديرُه أو مفعولٌ لمضمرٍ مقدَّمٍ نحو اذكُر ﴿ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ تقريعاً للمشركينَ وتبكيتاً لهم على نهجِ قوله تعالى أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ الخ افناطا لهم عمَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من شفاعتِهم وتخصيص الملائكة

стр. 5488

سبإ ٤١ ٤٣ لأنَّهم أشرفُ شركائِهم والصَّالحونَ للخطابِ منهم ولأنَّ عبادتَهم مبدأُ الشِّركِ فبظهور قصورِهم عن رتبة المعبودَّيةِ وتنزههم عن عبادتِهم يظهر حالُ سائرِ شركائِهم بطريقِ الأولويةِ وقُرىء الفعلانِ بالنُّونِ

стр. 5489

﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ كأنه قيل فماذا يقول الملائكةِ حينئذٍ فقيل يقولون متنزِّهين عن ذلك ﴿سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ والعدولُ إلى صيغة الماضي الدلالة على التَّحقُّقِ أي أنت الذي نواليهِ من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم كأنَّهم بيَّنوا بذلك براءتَهم من الرِّضا بعبادتهم ثم أضربُوا عن ذلكَ ونفَوا أنَّهم عبدُوهم حقيقةً بقولهم ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ أي الشَّياطينَ حيثُ أطاعُوهم في عبادِة غيرِ الله وقيل كانُوا يتمثَّلون لهم ويخيِّلون لهم أنَّهم الملائكةُ فيعبدونهم وقيل يدخلونَ أجوافَ الأصنامِ إذا عُبدت فيعبدون بعبادتِها ﴿أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ الضَّميرُ الأوَّلُ للإنسِ أو للمشركينَ والأكثرُ بمعنى الكلِّ والثَّاني للجنِّ

стр. 5490

﴿فاليوم لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ من جملة ما يقال للملائكةِ عند جوابهم بالتَّنزه والتَّبرؤِ عمَّا نَسب إليهم الكفرةُ يخُاطبون بذلك على رءوس الأشهادِ إظهاراً لعجزهِم وقصورِهم عند عَبَدتهم وتنصيصاً على ما يُوجب خيبةَ رجائِهم بالكلِّية والفاءُ ليستْ لترتيبِ ما بعَدَها منَ الحكمِ على جوابِ الملائكةِ فإنَّه محقَّقٌ أجابُوا بذلك أم لا بل لترتيبِ الإخبار به عليه ونسبة عدمِ النَّفعِ والضُّرِّ إلى البعضِ المبهمِ للمبالغةِ فيما هو المقصودُ الذي هو بيانُ عدمِ نفعِ الملائكةِ للعبدةِ بنظمه في سلكِ عدم نفعِ العَبَدةِ لهم كأنَّ نفعَ الملائكةِ لعبدتِهم في الاستحالةِ والانتفاء كنفعِ العبدةِ لهم والتعرضِ لعدم الضُّرِّ مع أنَّه لا بحث عنه أصلاً إمَّا لتعميمِ العجزِ أو لحملِ عدمِ النَّفعِ على تقديرِ العبادةِ وعدمِ الضُّرِّ على تقديرِ تركِها أو لأنَّ المرادَ دفعُ الضُّرِّ على حذفِ المضاف وتقييد هذا الحكمِ بذلك اليومِ مع ثبوتِه على الإطلاقِ لانعقادِ رجائِهم على تحقُّقِ النَّفعِ يومئذٍ وقولُه ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ عطفٌ على نقول للملائكةِ لا على لا يملكُ كما قيل فإنَّه ممَّا يقالُ يوم القيامةِ خطاباً للملائكةِ مترتباً على جوابِهم المحكيِّ وهذا حكاية لرسول ﷺ لما سيقالُ للعبدةِ يومئذٍ إثر حكايةِ ما سيقالُ للملائكةِ أي يومَ نحشرُهم جميعاً ثُمَّ نَقُولُ للملائكةِ كذا وكذا ويقولون كذا وكذا ونقولُ للمشركينَ ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ﴾ يكون من الاهوال والاحوال مالا يحيطُ به نطاقُ المقالِ وقوله تعالى

стр. 5491

﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ﴾

стр. 5492

بيانٌ لبعضٍ آخرَ من كفرانِهم أي إذا تُتلى عليهم بلسان الرسول ﷺ آياتُنا الناطقةُ بحقِّيةِ التوحيدِ وبُطلان الشِّركِ ﴿قَالُواْ مَا هذا﴾ يعنون رسولَ الله ﷺ ﴿إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾ فيستتبعكم بما يستدعيِه من غير أن يكون هناك دينٌ إلهيٌّ وإضافة الآباءِ إلى المخاطَبين لا إلى أنفسِهم لتحريكِ عرقِ العصبيةِ منهم مبالغةً في تقريرِهم على الشِّركِ وتنفيرِهم عن التَّوحيد ﴿وَقَالُواْ مَا هذا﴾ يعنون القرآنَ الكريمَ ﴿إِلَاّ إِفْكٌ﴾ أي كلام مصروفٌ عن وجهه لا مصداق له في الواقع ﴿مُّفْتَرًى﴾ بإسنادِه إلى الله تعالى ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ﴾ أي لأمرِ النبوَّةِ أو الإسلامِ أو القرآن على أنَّ العطفَ لاختلافِ العُنوان بأنْ يُراد بالأولِ معناهُ والثاني نظمَه المعجزَ ﴿لَمَّا جَاءهُمْ﴾ مِنْ غيرِ تدبُّرٍ ولا تأمُّلٍ فيه ﴿إِنْ هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ظاهرٌ سحريّتُه وفي تكرير الفعلِ والتَّصريحِ بذكر الكفرةِ وما في الَّلامينِ من الإشارةِ إلى القائلينَ والمقولِ فيهِ ومَا في لمَّا مِنْ المسارعة الى البيت بهذا القولِ الباطلِ إنكارٌ عظيمٌ له وتعجيبٌ بليغٌ منه

стр. 5493

﴿وما آتيناهم مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ فيها دليلٌ على صحَّةِ الإشراكِ كما في قوله تعالى أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ وقولِه تعالى ﴿أم آتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ وقُرىء يدرسُونها ويدَّرسونها بتشديدِ الدَّالِ يفتعلون من الدَّرسِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ﴾ يدعُوهم إليه وينذرُهم بالعقابِ إن لم يُشركوا وقد بان من قبلُ أنْ لا وجهَ له بوجهٍ من الوجوهِ فمن أينَ ذهبُوا هذا المذهبَ الزَّائغَ وهذا غايةُ تجهيلٍ لهم وتسفيهٍ لرأيهم ثمَّ هدَّدهم بقولِه تعالى

стр. 5494

﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ من الأمم التقدمة والقُرون الخاليةِ كما كذَّبوا ﴿وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا آتيناهم﴾ أي ما بلغَ هؤلاءِ عشرَ ما آتينا أولئكَ من القوَّة وطولِ العمر وكثرةِ المالِ أو ما بلغ أولئك عشرَ ما آتينا هؤلاءِ من البيِّناتِ والهُدى ﴿فَكَذَّبُواْ رُسُلِى﴾ عطف على كذَّب الذينَ الخ بطريقِ التَّفصيلِ والتَّفسيرِ كقولِه تعالَى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ الخ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي إنكارِي لهم بالتَّدميرِ فليحذَرْ هؤلاء من مثلِ ذلك

стр. 5495

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة﴾ أي ما أُرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة هي ما دل عليه قوله تعالى ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ على أنَّه بدلٌ منها أو بيانٌ لها أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هي أن تقومُوا من مجلس رسولِ الله ﷺ أو تنتصبُوا للأمرِ خالصاً لوجهِ الله تعالى معرضاً عن المُماراةِ والتَّقليدِ ﴿مثنى وفرادى﴾ أي متفرِّقين اثنينِ اثنين وواحداً واحداً فإنَّ الازدخام يُشوش الأفهامَ ويخلطُ الأفكار بالأوهامِ وفي تقديمِ مَثْنى إيذانٌ بأنَّه أوثقُ وأقربُ إلى الاطمئنانِ ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ﴾

стр. 5496

في أمره ﷺ وما جاء به لتعلمُوا حقيقتَه وحقِّيتَه وقوله تعالى ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ استئنافٌ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى للتَّنبيه على طريقةِ النَّظر والتَّأملِ بأنَّ مثلَ هذا الأمرِ العظيمِ الذي تحتَه ملك الدُّنيا والآخرةِ لا يتصدى لا دعائه إلا مجنونٌ لا يُبالي بافتضاحِه عند مطالبته بالبُرهان وظهور عجزهِ أو مؤيدٌ من عندِ الله مرشَّح للنُّبوةِ واثق بحجَّتهِ وبرهانه وإذ قد علمتُم أنَّه ﷺ أرجحُ العالمين عقلاً وأصدقُهم قولاً وأنزههم نفساً وأفضلُهم علماً وأحسنُهم عملاً وأجمعُهم للكمالاتِ البشريَّةِ وجبَ أنْ تصدِّقُوه في دعواهُ فكيف وقد انضمَّ إلى ذلك معجزاتٌ تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ ويجوزُ أن يتعلَّق بما قبلَه على معنى ثم تتفكَّروا فتعلموا ما بصاحِبكم من جنَّةٍ وقد جُوِّز أن تكون ما استفهاميةً على معنى ثم تتفكروا أي شئ به من آثارِ الجنونِ ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد﴾ هو عذاب الآخرة فإنه ﷺ مبعوثٌ في نَسَمِ السَّاعةِ

стр. 5497

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أجر﴾ أي أي شئ سألتُكم من أجرٍ على الرِّسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمرادُ نفيُ السُّؤالِ رأساً كقولِ مَن قال لمن لم يُعطه شيئاً إنْ أعطيتني شيئاً فخُذه وقيل مَا موصولةٌ أُريد بها ما سألهم بقوله تعالى مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَاّ مَن شَاء أَن يتخذ إلى ربه سبيلا وقوله تعالى لَا أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِلَاّ المودة فِى القربى واتخاذ السَّبيلِ إليه تعالى منفعتهم الكُبرى وقرباه ﷺ قرباهم ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَاّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ﴾ مطَّلع يعلمُ صدقي وخلوصَ نيتَّي وقرئ إن أجري بسكون الياء

стр. 5498

﴿قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق﴾ أي يُلقيه ويُنزله على من يجتبيهِ من عبادِه أو يرمي به الباطلَ فيدمغُه أو يرمي به في أقطارِ الآفاقِ فيكون وعداً بإظهارِ الإسلامِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ ﴿علام الغيوب﴾ صفةٌ محمولةٌ على محلِّ إنَّ واسمِها أو بدلٌ من المستكنِّ في يقذفُ أو خبرٌ ثانٍ لأنَّ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقرئ بالنَّصبِ صفة لربِّي أو مقدرا بأعنى وقرئ بكسرِ الغَين وبالفتحِ كصبور مبالغةُ غائب

стр. 5499

﴿قُلْ جَاء الحق﴾ أي الإسلامُ والتوحيد ﴿وما يبدئ الباطل وَمَا يُعِيدُ﴾ أي زهقَ الشِّركُ بحيث لم يبقَ أثرُه أصلاً مأخوذُ من هلاكِ الحيِّ فإنَّه إذا هلكَ لم يبقَ له إبداءٌ ولا إعادةٌ فجُعل مَثَلاً في الهلاكِ بالمرَّة ومنْهُ قولُ عُبيْدٍ أَقْفرَ مِن أَهْلِه عُبيد فليسَ يُبدي وَلَا يُعيدُ وقيل الباطلُ إبليسُ أو الصنم والمعنى لا ينشئ خلقاً ولا يُعيد أو لا يبدئ خيراً لأهلِه ولا يُعيد وقيل ما استفهاميِّةٌ منصوبةٌ بما بعدَها

стр. 5500

﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الطَّريقِ الحقِّ ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى﴾ فإنَّ وبالَ ضلالِي عليها لأنَّه بسببها إذهى الجاهلةُ بالذَّاتِ والأمَّارةُ بالسُّوءِ وبهذا الاعتبارِ قُوبل الشَّرطيةُ بقولِه تعالى ﴿وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى﴾ لأنَّ الاهتداءَ بهدايتِه وتوفيقِه وقرئ ربِّيَ بفتح الياء ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾
следующие страницы →