Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
في أمره ﷺ وما جاء به لتعلمُوا حقيقتَه وحقِّيتَه وقوله تعالى ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ استئنافٌ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى للتَّنبيه على طريقةِ النَّظر والتَّأملِ بأنَّ مثلَ هذا الأمرِ العظيمِ الذي تحتَه ملك الدُّنيا والآخرةِ لا يتصدى لا دعائه إلا مجنونٌ لا يُبالي بافتضاحِه عند مطالبته بالبُرهان وظهور عجزهِ أو مؤيدٌ من عندِ الله مرشَّح للنُّبوةِ واثق بحجَّتهِ وبرهانه وإذ قد علمتُم أنَّه ﷺ أرجحُ العالمين عقلاً وأصدقُهم قولاً وأنزههم نفساً وأفضلُهم علماً وأحسنُهم عملاً وأجمعُهم للكمالاتِ البشريَّةِ وجبَ أنْ تصدِّقُوه في دعواهُ فكيف وقد انضمَّ إلى ذلك معجزاتٌ تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ ويجوزُ أن يتعلَّق بما قبلَه على معنى ثم تتفكَّروا فتعلموا ما بصاحِبكم من جنَّةٍ وقد جُوِّز أن تكون ما استفهاميةً على معنى ثم تتفكروا أي شئ به من آثارِ الجنونِ ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد﴾ هو عذاب الآخرة فإنه ﷺ مبعوثٌ في نَسَمِ السَّاعةِ
стр. 5497
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أجر﴾ أي أي شئ سألتُكم من أجرٍ على الرِّسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمرادُ نفيُ السُّؤالِ رأساً كقولِ مَن قال لمن لم يُعطه شيئاً إنْ أعطيتني شيئاً فخُذه وقيل مَا موصولةٌ أُريد بها ما سألهم بقوله تعالى مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَاّ مَن شَاء أَن يتخذ إلى ربه سبيلا وقوله تعالى لَا أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِلَاّ المودة فِى القربى واتخاذ السَّبيلِ إليه تعالى منفعتهم الكُبرى وقرباه ﷺ قرباهم ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَاّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ﴾ مطَّلع يعلمُ صدقي وخلوصَ نيتَّي وقرئ إن أجري بسكون الياء
стр. 5498
﴿قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق﴾ أي يُلقيه ويُنزله على من يجتبيهِ من عبادِه أو يرمي به الباطلَ فيدمغُه أو يرمي به في أقطارِ الآفاقِ فيكون وعداً بإظهارِ الإسلامِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ ﴿علام الغيوب﴾ صفةٌ محمولةٌ على محلِّ إنَّ واسمِها أو بدلٌ من المستكنِّ في يقذفُ أو خبرٌ ثانٍ لأنَّ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقرئ بالنَّصبِ صفة لربِّي أو مقدرا بأعنى وقرئ بكسرِ الغَين وبالفتحِ كصبور مبالغةُ غائب
стр. 5499
﴿قُلْ جَاء الحق﴾ أي الإسلامُ والتوحيد ﴿وما يبدئ الباطل وَمَا يُعِيدُ﴾ أي زهقَ الشِّركُ بحيث لم يبقَ أثرُه أصلاً مأخوذُ من هلاكِ الحيِّ فإنَّه إذا هلكَ لم يبقَ له إبداءٌ ولا إعادةٌ فجُعل مَثَلاً في الهلاكِ بالمرَّة ومنْهُ قولُ عُبيْدٍ أَقْفرَ مِن أَهْلِه عُبيد فليسَ يُبدي وَلَا يُعيدُ وقيل الباطلُ إبليسُ أو الصنم والمعنى لا ينشئ خلقاً ولا يُعيد أو لا يبدئ خيراً لأهلِه ولا يُعيد وقيل ما استفهاميِّةٌ منصوبةٌ بما بعدَها
стр. 5500
﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الطَّريقِ الحقِّ ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى﴾ فإنَّ وبالَ ضلالِي عليها لأنَّه بسببها إذهى الجاهلةُ بالذَّاتِ والأمَّارةُ بالسُّوءِ وبهذا الاعتبارِ قُوبل الشَّرطيةُ بقولِه تعالى ﴿وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى﴾ لأنَّ الاهتداءَ بهدايتِه وتوفيقِه وقرئ ربِّيَ بفتح الياء ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾
стр. 5501
يعلم قولَ كلَ من المُهتدي والضَّالِّ وفعلَه وإنْ بالغَ في إخفائِهما
стр. 5502
﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ﴾ عند الموتِ أو البعثِ أو يومِ بدرٍ وعن ابن عباس ﵄ أنَّ ثمانين ألفاً يغزُون الكعبةَ ليخرِّبوها فإذا دخلُوا البيداءَ خُسف بهم وجوابُ لو محذوفٌ أي لرأيتَ أمراً هائلاً ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ فلا يفوتُون الله يهرب أو تحصُّنٍ ﴿وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من ظهرِ الأرضِ أو من الموقفِ إلى النَّارِ أو من صحراء بدرٍ إلى قَليبها أو من تحت أقدامهم إذا خُسف بهم والجملةُ معطوفة على فَزِعوا وقيل على لافوت على معنى إذْ فَزعُوا فلم يفوتُوا وأُخذوا ويؤيده أنه قرئ وأُخذ بالعطف على محلِّه أي فلا فوت هنا وهناك أخذ
стр. 5503
﴿وقالوا آمنا به﴾ أي بمحمد ﷺ وقد مرَّ ذكرُه في قوله تعالى ما بصاحِبكم ﴿وأنى لَهُمُ التناوش﴾ التَّناوشُ التَّناولُ السَّهلُ أي ومِن أينَ لهم أنْ يتناولُوا الإيمانَ تناولاً سهلاً ﴿مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ فإنَّه في حيِّزِ التكليف وهُم منه بمعزلٍ بعيدٍ وهو تمثيلُ حالِهم في الاستخلاصِ بالإيمانِ بعد ما فاتَ عنهم وبعُد بحالِ مَنْ يُريدُ أن يتناول الشئ من غَلْوةٍ تناوله من ذراع في الاستحالة وقرئ بالهمزة على قلبِ الواوِ لضمِّها وهو من نأشت الشئ إذا طلبتُه وعن أبي عمرو التَّناؤشُ بالهمزِ التَّناولُ من بُعدٍ من قولِهم نأشتُ إذا أبطأتَ وتأخَّرتَ ومنه قولُ مَن قالَ تمنَّى نَئيشا أنْ يكون أطاعنِي وقد حدثتْ بعدَ الامور أمورُ
стр. 5504
﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ أي بمحمد ﷺ أو بالعذابِ الشَّديدِ الذي أنذرهم إياه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ ذلك في أوانِ التَّكليفِ ﴿وَيَقْذِفُونَ بالغيب﴾ ويَرجمون بالظَّنِّ ويتكلَّمون بما لم يظهر لهم في حق الرسول ﷺ من المطاعنِ أو في العذاب المذكورِ من بت القول بنفيه ﴿مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ من جهةٍ بعيدةٍ من حاله ﷺ حيث ينسبونه ﷺ إلى الشِّعرِ والسِّحرِ والكذب وإن ابعد شئ ممَّا جاءَ به الشِّعرُ والسحر وأبعد شئ من عادته المعروفة فيما بين الدَّاني والقاصِي الكذبُ ولعله تمثيلٌ لحالِهم في ذلك بحالِ مَن يرمي شيئاً لا يراهُ من مكانٍ بعيدٍ لا مجالَ للوهم في لحوقه وقرئ ويُقذفون على أنَّ الشَّيطانَ يلقي إليهم ويلقِّنهم ذلك وهو معطوفٌ على قد كفروا به على حكايةِ الحالِ الماضيةِ أو على قالُوا فيكون تمثيلاً لحالِهم بحال القاذفِ في تحصيل ما ضيِّعُوه من الإيمان في الدُّنيا
стр. 5505
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يشتهون﴾ من نفعِ الإيمانِ والنَّجاة من النار وقرئ بإشمامِ الضَّمِّ للحاء ﴿كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ﴾ أي بأشباهِهم من كفرةِ الأُمم الدَّارجة ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُرِيبٍ﴾ أي مُوقعٌ في الرِّيبةِ أو ذي ريبة والأوَّلُ منقولٌ ممَّن يصحُّ أن يكونَ مُريباً من الأعيانِ إلى المعنى والثاني من صاحبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ كما يُقال شعرٌ شاعرٌ والله أعلم عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ سبأٍ لم يبقَ رَّسُولٍ وَلَا نَبِىّ إِلَاّ كان له يومَ القيامة رفيقاً ومُصافحاً
стр. 5506
سورة فاطر ١
سورة فاطر مكية وهى خمس وأربعون آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾
стр. 5507
﴿الحمد لله فاطر السماوات والارض﴾ مبدِعهما من غيرِ مثالِ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيهِ من الفَطرِ وهو الشَّقُّ وقيل الشَّقُّ طولاً كأنَّه شقَّ العدمَ بإخراجِهما منه وإضافته محضة لأنَّه بمعنى الماضي فهو نعتٌ للاسمِ الجليلِ ومن جعلها غيرَ محضةٍ جعله بدلاً منه وهو قليلٌ في المشتقِّ ﴿جَاعِلِ الملائكة﴾ الكلامُ في إضافتِه وكونِه نعتاً أو بدلاً كما قبلَه وقوله تعالى ﴿رُسُلاً﴾ منصوبٌ به على الوجهِ الثَّانِي من الاضافة الاتفاق وأمَّا على الوجهِ الأولِ فكذلك عند الكِسائِّي وأمَّا عند البصريينَ فبمضمرٍ يدلُّ هو عليه لأنَّ اسمَ الفاعلِ إذا كان بمعنى الماضي لا يعملُ عندهم إلا معرَّفاً باللام وقال أبو سعيدٍ السِّيرافيُّ اسم الفاعلِ المتعدِّي إلى اثنينِ يعملُ في الثَّانِي لإنَّ بإضافتَه إلى الأوَّلِ تعذرتْ إضافتُه إلى الثَّانِي فتعيِّن نصبُه له وعلل بعضُهم ذلك بأنَّه بالإضافة أشبه المعرَّفِ باللامِ فعمِل عملَه وقرئ جاعلُ بالرَّفعِ على المدح وقرئ الذى فَطَرَ السموات والارض وَجَعَلَ الملائكة أي جاعلهم وسائطَ بينه تعالى وبين أنبيائِه والصَّالحينَ من عبادِه يبلِّغون إليهم رسالاتِه بالوحيِ والإلهامِ والرُّؤيا الصَّادقةِ أو بينه تعالى وبين خلقِه أيضاً حيثُ يوصِّلون إليهم آثارَ قدرتِه وصنعِه هذا على تقديرِ كونِ الجعلِ تصبيريا أمَّا على تقديرِ كونِه إبداعيَّاً فرُسلاً نُصب على الحالية وقرئ رُسْلاً بسكونِ السِّينِ ﴿أُوْلِى أَجْنِحَةٍ﴾ صفةً لرُسلاً وأولو اسمُ جمعٍ لذُو كما أن أولاء اسم لذا ونظيرُهما في الأسماءِ المتمكِّنة المخاضُ والخلفةُ وقوله تعالى ﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لأجنحة أي ذَوي أجنحة متعدِّدةٍ مُتفاوتةٍ في العدد حسب تفاوتِ ما لَهُم من المتراتب ينزلون بها ويعرجُون أو يسرعون بها والمعنى أنَّ من الملائكة خَلْقاً لكلِّ واحد منهم جناحانِ وخَلْقاً اجنحة كل منهم ثلاثة وخَلْقاً آخر لكلِّ منهم أربعة أجنحة ويُروى أنَّ صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة بجناحين منها يُلقون أجسادَهم وبآخرينِ منها يطيرون فيما أُمروا به من جهتِه تعالى وجناحانِ منها مرخيَّانِ على وجوههم حياءً من الله وعن رسول الله ﷺ أنَّه رأى جبريلَ ﵇ ليلةَ المعراجِ وله ستمائةُ جناح ورُوي أنَّه سألَه ﵉ أنْ يتراءى له في صورتِه فقال إنَّك لن تطيقَ ذلك قال إنِّي أحبُّ أنْ تفعل فخرج ﷺ في ليلةٍ مُقمرةٍ فأتاهُ جبريلُ ﵉ في صورته فغشى عليه ﷺ ثم أفاق وجبريل مسندُهُ وإحدى يديِه على صدرِه والأخرى بين كتفيِه فقال سبحانَ الله ما كنتُ أرى أنَّ شيئاً من الخلقِ هكذا فقال جبريلُ ﵇ فكيف لو رأيت
стр. 5508
فاطر ٢ ٣ إسرافيلَ له اثنا عشرَ جناحاً جناحٌ منها بالمشرقِ وجناحٌ منها بالمغربِ وإنَّ العرشَ على كاهلِه وإنَّه ليتضاءلُ الأحايينَ لعظمةِ الله حتَّى يعودَ مثلَ الوَصَعِ وهو العصفورُ الصَّغيرُ ﴿يَزِيدُ فِى الخلق ما يشاء﴾ استثناف مقرِّرٌ لما قبله من تفاوتِ أحوالِ الملائكةِ في عددِ الأجنحةِ ومؤذنٌ بأنَّ ذلكَ من أحكامِ مشيئتِه تعالى لا لأمرٍ راجعٍ إلى ذَواتهم ببيان حكم كلِّي ناطق بأنَّه تعالى يزيدُ في أيِّ خلقٍ كان كلِّ ما يشاءُ أنْ يزيدَه بموجبِ مشيئتِه ومُقتضى حكمتِه من الأمورِ التي لا يحيطُ بَها الوصفُ وما رُوي عن النبيِّ ﷺ من تخصيص بعض المعاني بالذِّكرِ من الوجهِ الحسنِ والصَّوتِ الحسنِ والشَّعرِ الحسنِ فبيانٌ لبعضِ الموادِّ المعهودةِ بطريقِ التَّمثيلِ لا بطريقِ الحصرِ فيها وقولُه تعالى ﴿إِنَّ الله على كل شَىْء قَدِيرٌ﴾ تعليلٌ بطريقِ التَّحقيق للحُكمِ المذكورِ فإنَّ شمولِ قدرتِه تعالى لجميعِ الأشياءِ ممَّا يوجبُ قدرتَه تعالَى على أنَّ يزيدَ كلَّ ما يشاؤه إيجاباً بيِّناً
стр. 5509
﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ عبَّر عن إرسالِها بالفتحَ إيذاناً بأنَّها أنفسُ الخزائنِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ وأعزُّها منالاً وتنكيرُها للإشاعةِ والإبهام أيْ أي شئ يفتحُ اللَّهُ من خزائنِ رحمتِه أيَّة رحمةٍ كانتْ من نعمةٍ وصحَّةٍ وأمنٍ وعلمٍ وحكمةٍ إلى غيرِ ذلكَ ممَّا لا يُحاط به ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ أي لا أحدَ يقدِر على إمساكِها ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ أي أي شئ يُمْسِكْ ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أي لا أحدَ يقدِر على إرسالِه واختلافُ الضَّميرينِ لما أنَّ مرجعَ الأوَّلِ مفسَّرٌ بالرَّحمةِ ومرجعَ الثَّانِي مطلقٌ يتناولُها وغيرَها كائناً ما كان وفيه إشعارٌ بأنَّ رحمتَه سبقتْ غَضبه ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعدِ إمساكِه ﴿وَهُوَ العزيز﴾ الغالبُ على كلِّ ما يشاءُ من الأمورِ التي من جُملتها الفتحُ والإمساك ﴿الحكيم﴾ الذي يفعلُ كلَّ ما يفعلُ حسبما تقتضيِه الحِكمةُ والمصلحةُ والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لما قبلها ومعربٌ عن كونِ كلَ من الفتحِ والإمساكِ بموجبِ الحكمةِ التي عليَها يدورُ أمرُ التَّكوينِ وبعد ما بيَّن سبحانَه أنَّه الموجدُ للملك والملكوتِ والمتصرِّفُ فيهما بالقبضِ والبسطِ من غيرِ أنْ يكون لأحد في ذلك دخلٌ ما بوجهٍ من الوجوهِ أمرَ النَّاس قاطبةً أو أهلَ مكَّةَ خاصَّةً بشكر نعمه فقال
стр. 5510
﴿يا أيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي إنعامَه عليكم إنْ جُعلت النِّعمةُ مصدراً أو كائنةً عليكم إنْ جُعلت اسماً أي راعُوها واحفظُوها بمعرفةِ حقِّها والاعترافِ بها وتخصيصِ العبادةِ والطَّاعةِ بموليها ولمَّا كانتْ نعمُ الله تعالى مع تشعُّبِ فنونِها منحصرةً في نعمةِ الإيجادِ ونعمةِ الإبقاءِ نَفَى أنْ يكونَ في الوجودِ شئ غيرُه تعالى يصدرُ عنه إحدى النِّعمتينِ بطريقِ الاستفهامِ الإنكاريِّ المُنادِي باستحالةِ أنْ يُجاب عنه بنعَم فقال ﴿هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله﴾ أي هَلْ خالقٌ مغايرٌ له تعالى موجودٌ على أنَّ خالقٍ مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ زيدتْ عليه كلمة مِن لتأكيدِ العُمومِ وغيرِ الله نعتٌ له باعتبارِ محلِّه كما أنَّه نعتٌ له في قراءةِ الجر باعتبار لفظه وقرئ
стр. 5511
فاطر ٤ ٥ بالنَّصبِ على الاستثناءِ وقوله تعالى ﴿يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض﴾ أي بالمطرِ والنَّباتِ كلامٌ مبتدأٌ على التَّقاديرِ لا محلَّ له من الإعراب داخل من حيِّز النَّفي والإنكار ولا مساغَ لما قيلَ من أنَّه صفةٌ أخرى لخالق مرفوعةُ المحلِّ أو مجرورتُه لأنَّ معناه نفي وجودِ خالقٍ موصوفٍ بوصفَيْ المغايرةِ والرَّازقيَّةِ معاً من غيرِ تعرضٍ لنفْي وجودِ ما اتَّصف بالمغايرةِ فَقَطْ ولا لما قيلَ من أنه الخبرُ للمبتدأِ ولا لما قيلَ من أنَّه مفسِّر لمضمرٍ ارتفع به قولُه تعالى مِنْ خالقٍ على الفاعلية أي هل يرزقكم من خالق الخ لما أنَّ معناهما نفي رازقيَّة خالقٍ مغايرٍ له تعالى من غيرِ تعرضٍ لنفيِ وجودِه رأساً مع أنَّه المرادُ حتماً ألا يُرى إلى قولِه تعالى ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ فإنَّه استئنافٌ مسوقٌ لتقرير النَّفيِ المستفادِ منه قصداً وجارٍ مجرى الجوابِ عمَّا يوهمه الاستفهامُ صورةً فحيث كان هذا ناطقاً بنفيِ الوجودِ تعيّنَ أنْ يكونَ ذلك أيضاً كذلك قطعاً والفاءُ في قوله تعالى ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ لترتيبِ إنكارِ عدولهم عن التَّوحيدِ إلى الإشراكِ على ما قبلها كأنه قيل وإذا تبيَّن تفرُّده تعالى بالألوهية والخالقية والرازقية فمنْ أيِّ وجهٍ تُصرفون عن التَّوحيدِ إلى الشِّركِ وقوله تعالى
стр. 5512
﴿وإن يكذبوك فقد كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ بين خطابي النَّاسِ مسارعةً الى تسليته ﷺ بعمومِ البليَّةِ أولاً والإشارةِ إلى الوعدِ والوعيدِ ثانياً أيْ وإن استمرُّوا على أنْ يكذِّبوك فيما بلَّغتَ إليهم من الحقِّ المُبين بعد ما أقمتَ عليهم الحجَّةَ وألقمتَهم الحجرَ فتأسَّ بأولئك الرُّسلِ في المُصابرةَ على ما أصابهُم من قبل قومِهم فوضعَ موضعهَ ما ذُكر اكتفاءً بذكرِ السَّببِ عن ذكرِ المسبَّبِ وتنكيرُ الرُّسل للتَّفخيمِ الموجبِ لمزيدِ التَّسليةِ والتَّوجهِ إلى المُصابرةِ أي رسلٌ أولو شأنٍ خطير وذوو عدد كثيرٍ ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ لا إلى غيرِه فيُجازِي كَّلاً منك ومنُهم بما أنتُم عليهِ من الأحوالِ التي من جملتها صبرُك وتكذيبُهم وفي الاقتصارِ على ذكرِ اختصاصِ المرجعِ بالله تعالى مع إبهامِ الجزاءِ ثواباً وعقاباً من المبالغةِ في الوعدِ والوعيدِ ما لا يخفى وقرئ تَرْجعُ بفتحِ التَّاءِ من الرُّجوع والأولُ أدخلُ في التهويلِ
стр. 5513
﴿يا أيها الناس﴾ رجوعٌ إلى خطابِهم وتكريرُ النِّداءِ لتأكيدِ العظةِ والتَّذكير ﴿إِنَّ وَعْدَ الله﴾ المشارَ إليه برجعِ الأمورِ إليه تعالى من البعث والجزاء ﴿حَقّ﴾ ثابتٌ لا محالةَ من غيرِ خُلفٍ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا﴾ بأنْ يُذهلكم التَّمتع بمتاعِها ويُلهيكم التَّلهي بزخارِفها عن تداركِ ما يهمكم يومَ حلولِ الميعادِ والمرادُ نهيُهم عن الاغترار بها وإنْ توجَّه النَّهيُ صورةً إليها كما في قوله تعالى لا يجر منكم شِقَاقِى ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بالله﴾ وعفوِه وكرمه تعالى ﴿الغرور﴾ أي المبالغُ في الغُرور وهو الشَّيطانُ بأنْ يمنيكم المغفرةَ مع الإصرارِ على المعاصِي قائلاً اعملوا ما شئتُم أَنَّ الله غَفُورٌ يغفِرُ الذُّنوبَ جميعاً فإنَّ ذلكَ وإنْ أمكنَ لكنْ تعاطي الذّنوبِ بهذا التَّوقعِ من قبيلِ تناولِ السُّمِّ تعويلاً على دفعِ الطَّبيعةِ وتكريرُ فعلِ النَّهي للمبالغةِ فيه ولاختلافِ الغرورينِ في الكيفية وقرئ الغُرور بالضَّمِّ على أنَّه مصدرٌ أو جمعُ غَارٍ كقعود جمع قاعد
стр. 5514
فاطر
стр. 5515
٦ - ٨ ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ عداوةً قديمةً لا تكاد تزولُ وتقديمُ لكم للاهتمامِ به ﴿فاتخذوه عَدُوّاً﴾ بمخالفتِكم له في عقِائدِكم وأفعالِكم وكونِكم على حَذَرٍ منه في مجامعِ أحوالِكم وقولُه تعالى ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير﴾ تقريرٌ لعداوتِه وتحذيرٌ من طاعتِه بالتَّنبيهِ على أنَّ غرضَه في دعوةِ شيعتِه إلى اتِّباعِ الهَوَى والركونِ إلى ملاذِّ الدُّنيا ليس تحصيلَ مطالبِهم ومنافِعهم الدُّنيويَّةِ كما هو مقصد المُتحابِّين في الدُّنيا عند سعي بعضِهم في حاجةِ بعضٍ بل هو توريطُهم وإلقاؤُهم في العذابِ المُخلَّد من حيثُ لا يحتسبون
стр. 5516
﴿الذين كَفَرُواْ لَهُمْ﴾ بسببِ كفرِهم وإجابتِهم لدعوةِ الشَّيطانِ واتِّباعِهم لخطواتِه ﴿عَذَابٌ شَدِيدٍ﴾ لا يقادَر قَدُره مديدٌ لا يُبلغ مداهُ ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم﴾ بسببِ ما ذُكر من الإيمانِ والعملِ الصالحِ الذي من جُملتِه عداوةُ الشِّيطانِ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة ﴿وأجر كبير﴾ لاغاية لهما
стр. 5517
﴿أَفَمَن زُين لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فرآه حَسَناً﴾ إمَّا تقريرٌ لما سبقَ من التَّبايُنِ البيِّنِ بين عاقبتيْ الفريقينِ ببيان تباين حاليهما المُؤدِّيينِ إلى تَينكِ العاقبتينِ والفاءُ لإنكارِ ترتيبِ ما بعدها على ما قبلها أي أبعدَ كونِ حاليهما كما ذُكر يكون من زُيِّن له الكفرُ من جهةِ الشَّيطانِ فانهمك فيه كمنْ استقبحَه واجتنَبه واختارَ الإيمانَ والعملَ الصَّالحَ حتَّى لا تكون عاقبتاهما كما ذُكر فحُذِفَ ما حُذف لدلالةِ ما سبق عليه وقولُه تعالى ﴿فَإِنَّ الله يُضِلُّ﴾ الخ تقريرٌ له وتحقيقٌ للحقِّ ببيانِ أنَّ الكُل بمشيئتِه تعالى أيْ فإنَّه تعالىَ يُضلُّ ﴿مَن يَشَآء﴾ أنْ يضلَّه لاستحسانه واستحبابِه الضَّلالَ وصرفِ اختيارِه إليه فيردَّه أسفلَ سافلينَ ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآء﴾ أنْ يهديَه بصرفِ اختيارِه إلى الهُدى فيرفعه إلى أعلى عليين وإمَّا تمهيدٌ لما يعقُبه من نهيه ﷺ عن التَّحسرِ والتَّحزنِ عليهم لعدمِ إسلامِهم ببيانِ أنَّهم ليُسوا بأهلٍ لذلَك بلْ لأنْ يُضربَ عنهم صَفْحاً ولا يُبالي بهم قطعاً أي أبعدَ كونِ حالِهم كما ذُكر تتحسَّر عليهم فحُذف لما دلَّ عليه قولُه تعالى ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات﴾ دلالة بيِّنةٌ وإمَّا تمهيدٌ لصرفِه ﷺ عما كان عليه من الحرصِ الشديدِ على إسلامِهم والمبالغةِ في دعوتِهم إليه ببيان استحالة تحولهم عن الكفرِ لكونِه في غايةِ الحسنِ عندهم أي أبعدَ ما ذُكر من زُيِّن له الكفرُ من قبل الشيطان فرآه فانهمك فيه يقبلُ الهدايةَ حتَّى تطمعَ في إسلامِه وتُتعبَ نفسَك في دعوتِه فحُذِفَ ما حُذف لدلالة ما مرَّ من قولِه تعالى فَإِنِ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء الخ على أنَّه ممن شاء الله تعالى أنْ يضلَّه فمن يهدى من أضل الله وَمَا لَهُم مِن ناصرين وقرئ فلا تُذهب نفسك وقولُه تعالى حسراتِ إمَّا مفعول له أي فلا
стр. 5518
فاطر ٩ ١٠ تهلك نفسك للحسرات والجمعُ للدِّلالةِ على تضاعفِ اغتمامِه ﷺ على أحوالِهم أو على كثرةِ قبائحِ أعمالِهم الموجبةِ للتَّأسُّفِ والتَّحسرِ وعليهم صلةُ تذهب كما يقال هَلك عليه حبا ومات عليه حُزناً أو هو بيانٌ للمتحسَّر عليهِ ولا يجوزُ أنْ يتعلَّق بحسراتٍ لأنَّ المصدرَ لا تتقدَّمُ عليه صلتُه وإمَّا حالٌ كأن كلها صارت حسرات وقوله تعالى ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي من القبائحِ تعليلٌ لما قبله على الوجوهِ الثلاثةِ مع ما فيه فيه من الوعيد عن ابن عباس ﵄ أنَّها نزلتْ في أبي جهلٍ ومُشركِي مكَّةَ
стр. 5519
﴿والله الذى أَرْسَلَ الرياح﴾ مبتدأ وخبر وقرئ الريح وصيغةُ المضارعِ في قوله تعالى ﴿فَتُثِيرُ سحابا﴾ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضاراً لعلك الصُّورةِ البديعةِ الدَّالَّةِ على كمال القدرةِ والحكمةِ ولأنَّ المرادَ بيانُ إحداثِها لتلك الخاصَّيةِ ولذلك أُسند إليها أو للدِّلالةِ على استمرارِ الإثارةِ ﴿فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ ميت﴾ وقرئ بالتَّخفيفِ ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الارض﴾ أي بالمطرِ النَّازلِ منه المدلولِ عليه بالسَّحابِ فإنَّ بينهما تلازماً في الذِّهنِ كما في الخارجِ أو بالسَّحابِ فإنَّه سببُ السَّببِ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي يُبسها وإيرادُ الفعلينِ على صيغةِ الماضِي للدَلالة على التحققِ وإسنادهما الى نون العظمة المنبئ عن اختصاصِهما به تعالى لما فيهما من مزيدِ الصُّنعِ ولتكميل المُماثلةِ بين إحياءِ الأرضِ وبين البعثِ الذي شُبِّه به بقوله تعالى ﴿كَذَلِكَ النشور﴾ في كمال الاختصاصِ بالقُدرةِ الرَّبانيةِ والكافُ في حيِّزِ الرفعِ على الخبرية أي مثلَ ذلك الإحياءِ الذي تشاهدونَه إحياءٌ الأمواتِ في صحَّة المقدوريَّةِ وسهولةِ التأتِّي من غيرِ تفاوتٍ بينَهما أصلاً سوى الألفِ في الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي وقيل في كيفيَّةِ الإحياءِ يُرسل الله تعالى من تحت العرشِ ماءً فينبتُ منه أجسادُ الخلقِ
стр. 5520
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العزة﴾ هم المشركونَ الذينَ كانُوا يتعزَّزون بعبادةِ الأصنامِ كقولِه تعالى ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلهة لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ والذين كانوا يتعزَّزون بهم من الذينَ آمنُوا بألسنتِهم كما في قوله تعالى ﴿الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ والجمعُ بين كانَ ويريد الدلالة على دَوام الإرادةِ واستمرارِها ﴿فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً﴾ أي له تعالى وحَدهُ لا لغيرِه عزَّةُ الدُّنيا وعزَّةُ الآخرةِ أي فليطلبها منْهُ لا من غيرِه فاستُغني عن ذكرِه بذكرِ دليلِه إيذاناً بأنَّ اختصاصَ العزَّةِ به تعالى موجبٌ لتخصيصِ طلبها به تعالى وقوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ بيان لما يُطلب به العزَّةُ وهو التَّوحيدُ والعملُ الصَّالحُ وصعودُهما إليه مجازٌ عن قبولِه تعالى إيَّاهُما أو صعودُ الكَتَبةِ بصحيفتهما وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عبارةٌ عن كمالِ الاعتدادِ به كقولِه تعالى وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات أي إليه يصلُ الكلمُ الطَّيبُ الذي به يُطلب العزَّةَ لا إلى الملائكةِ الموكَّلين بأعمال العبادِ فَقطَ وهو يعزُّ صاحَبهُ ويعطى طلبته بالذات
стр. 5521
فاطر ١١ والمستكّنُّ في يرفعه للكلم فإنَّ مدارَ قبولِ العملِ هو التَّوحيدُ ويُؤيده القراءةُ بنصب العمل أو العمل فإنَّه يحققُ الإيمانَ ويقويه ولا يُنال الدَّرجاتُ العاليةُ إلا به وقرئ يُصعد من الإصعادِ على البناءين والمُصعدُ هو الله سبحانَه أو المتكلِّم به أو الملكُ وقيل الكلمُ الطَّيبُ يتناول الذِّكرَ والدُّعاءَ والاستغفارَ وقراءةَ القُرآن وعنه ﷺ انه سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ إذَا قالَها العبدُ عرجَ بها الملكُ إلى السَّماءِ فحيا بها وجَه الرحمن فإذا لم يكُن عمل صالحا لم تُقبل وعن ابن مسعود ﵁ ما من عبدٍ مسلمٍ يقول خمس كلمات سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله إلا أخذهنَّ ملكٌ فجعلهنَّ تحتَ جناحِه ثم صعدَ بهنَّ فما يمرُّ بهنَّ على جمعٍ من الملائكةِ إلا استغفرُوا لقائلهنَّ حتَّى يحيى بهنَّ وجَه ربِّ العالمين ومصداقُه قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب الخ ﴿والذين يَمْكُرُونَ السيئات﴾ بيانٌ لحال الكَلِمِ الخَبيثِ والعملِ السيء وأهلِهما بعد بيانِ حالِ الكلم الطيب والعمل الصالح وانتِّصابُ السَّيئاتِ على أنَّها صفةٌ للمصدرِ المحذوفِ أي يمكرون المكَرَاتِ السَّيئاتِ وهي مكرات قريش بالنبي ﷺ في دارِ النَّدوةِ وتداورِهم الرَّأيِ في إحدى الثَّلاثِ التي هي الإثباتُ والقتلُ والإخراجُ ﴿لَهُمْ﴾ بسببَ مكراتِهم ﴿عذاب شَدِيدٍ﴾ لا يقادَر قَدرُه ولا يُؤبه عندَهُ لمَا يمكرونَ ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ﴾ وضعَ اسمِ الإشارةِ موضعَ ضميرِهم للإيذانِ بكمالِ تميُّزهم بما هُم فيه من الشَّرِّ والفسادِ عن سائرِ المُفسدينَ واشتهارِهم بذلك وما فيه من معنى البعد للتنبيه على تَرامي أمرهِم في الطُّغيانِ وبُعد منزلِتهم في العُدوانِ أي ومكرُ أولئكَ المُفسدين الذينَ أرادُوا ان يمكروا به ﷺ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أي هو يهلكُ ويفسدُ خاصَّةً لا مَن مكرُوا بهِ ولقد أبارَهُم الله تعالى بعد إبارةِ مكراتِهم حيثُ أخرجَهم من مكَّةَ وقتلَهم وأثبتَهم في قَليبِ بدرٍ فجمعَ عليهم مكراتِهم الثَّلاثَ التي اكتفوا في حقه ﷺ بواحدةٍ منهن
стр. 5522
﴿والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ﴾ دليلٌ آخرُ على صحَّةِ البعثِ والنُّشورِ أي خلقكم ابتداءً منه في ضمنِ خلق آدمَ ﵇ خلقاً إجماليَّاً كما مرَّ في تحقيقُه مراراً ﴿ثُمَّ مِن نطفة﴾ أي ثم خلقكم منها خلقاً تفصيلياً ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا﴾ أي أصنافاً أو ذُكراناً وإناثاً وعن قَتادةَ جعل بعضَكم زَوْجاً لبعضٍ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ﴾ إلا ملتبسةً بعلمِه تابعةً لمشيئتِه ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أي من أحدٍ وإنما سُمِّي معمَّراً باعتبارِ مصيرِه أي وما يُمدُّ في عمرِ أحدٍ ﴿وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي من عمرِ أحدٍ على طريقةِ قولِهم لا يُثيب الله عبداً ولا يُعاقبه إلا بحقَ لكنْ لاعلى معنى لا يُنقص عمره بعد كونه زائدا بل على معنى لا يُجعل من الابتداءِ ناقصاً وقيل الزِّيادةُ والنَّقصُ في عمرٍ واحدٍ باعتبارِ أسبابِ مختلفةٍ أُثبتتْ في اللَّوحِ مثلِ أنْ يكتبَ فيه إنْ حجَّ فلانٌ فعمرُه ستُّونَ وإلا فأربعونَ وإليه أشارَ ﷺ بقولِه الصَّدقة والصِّلةُ تُعمِّرانِ الدِّيارَ وتزيدانِ في الأعمارِ وقيلَ المرادُ بالنَّقصِ ما يمرُّ من عمرِه وينقصُ فإنَّه يكتب في الصَّحيفةِ عمرُه كذا وكذا سنة ثم يُكتب تحتَ ذلك ذهبَ يومٌ ذهبَ يومانِ وهكذا حتَّى يأتي على آخره وقرئ ولا ينقص عل البناءِ للفاعلِ ومن عُمْره
стр. 5523
فاطر ١٢ ١٣ بسكونِ الميمِ ﴿إِلَاّ فِى كتاب﴾ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه اللَّوحُ وقيل عِلمُ الله وقيل صحيفةُ كلِّ إنسانٍ ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي ما ذكر من الخلقِ وما بعدَهُ مع كونِه محاراً للعقولِ والأفهامِ ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ لاستغنائِه عن الأسبابِ فكذلك البعثُ
стр. 5524
﴿وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ مَثلٌ ضُرب للمؤمنِ والكافرِ والفُراتُ الذي يكسرُ العطشَ والسَّائغُ الذي يَسهلُ انحدارُه لعذوبتِه والأُجاج الذي يحرق بملوحته وقرئ سيِّغ كَسيِّد وسَيْغٌ بالتَّخفيفِ ومَلِح ككَتِفٍ وقوله تعالى ﴿وَمِن كُلّ﴾ أي من كلِّ واحدٍ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ أي من المالحِ خاصَّةً ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ إمَّا استطرادٌ في صفةِ البحرينِ وما فيهما من النِّعمِ والمنافعِ وإمَّا تكملةٌ للتَّمثيلِ والمعنى كما أنَّهما وإن اشتركا في بعضِ الفوائدِ لا يتساويانِ من حيثُ أنَّهما متفاوتانِ فيما هو المقصودُ بالذَّاتِ من الماءِ لمَّا خالطَ أحدهما ما أفسدَه وغيَّره عن كمال فطرته لا يساوي الكافرُ المؤمنَ وإنْ شاركه في بعض الصِّفاتِ كالشَّجاعةِ والسَّخاوةِ ونحوهما لتباينهما فيما هو الخاصيَّةُ العُظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصليَّةِ وحيازتِه لكماله اللائقِ دون الآخر أو تفضيلٌ للأُجاجِ على الكافرِ من حيثُ أنَّه يشارك العذبَ في منافعَ كثيرةٍ والكافرُ خِلْوٌ من المنافعِ بالكُلِّية على طريقة قوله تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله والمرادُ بالحلية اللؤلؤُ والمرجانُ ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ﴾ أي في كلَ منهما وإفرادُ ضميرِ الخطابِ مع جمعِه فيما سبقَ وما لحقَ لان الخطاب الكل حد تتأتَّى منه الرُّؤيةُ دونَ المنتفعينَ بالبحرينِ فَقَطْ ﴿مَوَاخِرَ﴾ شواقَّ للماءِ بجريها مقبلةً ومدبرةً بريحٍ واحدةٍ ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ من فضلِ الله تعالى بالنقلة فيها واللام متعلِّقة بمواخرَ وقد جُوِّز تعلُّقها بما يدلُّ عليه الأفعالُ المذكورةُ أي فعلَ ذلك لتبتغُوا مِن فَضْلِهِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكُروا على ذلك وحرفُ التَّرجِّي للإيذانِ بكونِه مرضياً عند الله تعالى
стр. 5525
﴿يولج الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار في الليل﴾ بزيادةِ أحدِهما ونقصِ الآخرِ بإضافةِ بعضِ أجزاءِ كلٌّ منهما إلى الآخَر ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ عطفٌ على يُولج واختلافُهما صيغةً لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجددٌ حيناً فحيناً وأمَّا تسخِّيرُ النيرِّينِ فأمر لا تعدد فيه وإنَّما المتعددُ والمتجددُ آثارُه وقد أُشير إليهِ بقولِه تعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِى﴾ أي بحسبِ حركتِه الخاصَّةِ وحركتِه القسرية على المدارات اليومية المُتعدِّدةِ حسب تعدُّدِ أيَّام السَّنةِ جَرياناً مستمرَّاً ﴿لاِجَلٍ مسمى﴾
стр. 5526
فاطر ١٤ ١٧ قدَّره الله تعالى لجريانهما وهو يوم القيامة كما رُوي عن الحسن ﵀ وقيل جريانُهما عبارةٌ عن حركتيهما الخاصَّتينِ بهما في فلكيهما والأجلُ المُسمَّى هو منتهى دورتيهما ومدَّةُ الجريانِ للشمس سنة والقمر شهرٌ وقد مرَّ تفصيلُه في سُورة لقمانُ ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى فاعلِ الأفاعيلِ المذكورة وما فيه من معنى البعد للإيذان بغاية العظمةِ وهو مبتدأٌ وما بعدَه أخبارٌ مترادفةٌ أي ذلكم العظيمُ الشأنِ الذي أبدعَ هذه الصَّنائعَ البديعةَ ﴿الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك﴾ وفيه من الدلالة على أنَّ إبداعَه تعالى لتلك البدائعِ ممَّا يُوجبُ ثبوتَ تلك الاخبار له مالا يخفى ويجوزُ أنْ يكونَ الأخيرُ كلاماً مُبتدأً في مقابلةِ قوله تعالى ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يملكون من قطمير﴾ الدلالة على تفرُّدِه تعالى بالأُلوهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ وقُرىء يَدعُون بالياءِ التحتانيةِ والقطميرُ لفافةُ النَّواةِ وهو مثلٌ في القِلة والحقارةِ
стр. 5527
﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله كاشفٌ عن جليةِ حالِ ما يدعونَه بأنَّه جمادٌ ليس من شأنِه السَّماعُ ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ﴾ على الفرضِ والتَّقديرِ ﴿مَا استجابوا لَكُمْ﴾ لعجزِهم عن الأفعالِ بالمرَّةِ لا لما قيلَ من أنَّهم متبرِّئون منكم وممَّا تدعُون لهم فإن ذلك مما لا يُتصور منهم في الدُّنيا ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يجحدونَ بإشراكِكم لهم وعبادتِكم إيَّاهم بقولِهم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿وَلَا يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي لا يخبرك بالأمرِ مخبرٌ مثلُ خبيرٍ أخبرَك به وهو الحقُّ سبحانَه فإنَّه الخبيرُ بكُنهِ الأمورِ دُون سَائرِ المخبرين والمرادُ تحقيقُ ما أخبر به من حالِ آلهتِهم ونفيُ ما يدَّعُون لهم من الإلهيةِ
стр. 5528
﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله﴾ في أنفسِكم وفيما يعن لكم من امرمهم او خطب علم وتعريفُ الفقراءِ للمبالغةِ في فقرِهم كأنَّهم لكثرةِ افتقارِهم وشدَّةِ احتياجِهم هم الفقراءُ فحسب وأنَّ افتقارَ سائرِ الخلائقِ بالنسبةِ إلى فقرِهم بمنزلة العدمِ ولذلك قال تعالى وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴿والله هُوَ الغنى الْحَمِيدُ﴾ أي المستغنِي على الإطلاقِ المنعمُ على سائرِ الموجوداتِ المستوجبُ للحمدِ
стр. 5529
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ليسُوا على صفتِكم بل مستمرُّون على الطَّاعةِ أو بعالمٍ آخرَ غيرِ ما تعرفونَهُ
стр. 5530
﴿وَمَا ذلك﴾ أي ما ذُكر من الإذهابِ بهم والإتيانِ بآخرينَ ﴿عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذرٍ ولا متعسرٍ
стр. 5531
فاطر ١٨ ٢٢
стр. 5532
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ أي لا تحملٌ نفسٌ آثمةٌ ﴿وِزْرَ أخرى﴾ إثمَ نفسٍ أُخرى بل إنَّما تحملُ كلٌّ منهما وزرها وأماما في قولِه تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ من حملِ المضلِّين أثقالاً غيرَ أثقالِهم فهو حملُ أثقالِ إضلالِهم مع أثقالِ ضلالِهم وكلاهما أوزارُهم ليس فيها من أوزارِ غيرِهم شئ ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي نفسٌ أثقلَها الأوزارُ ﴿إلى حِمْلِهَا﴾ لحملِ بعضِ أوزارِها ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء﴾ لم تجب بحمل شئ منه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي المدعُو المفهوم من الدَّعوةِ ﴿ذَا قربى﴾ ذا قرابةٍ من الداعى وقرئ ذُو قُربى وهذا نفيٌ للحملِ اختياراً والأوَّلُ نفيٌ له جبارا ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ استئنافٌ مسوق لبيان من يتَّعظُ بما ذُكر أي إنَّما تنذر بهذه الإنذاراتِ ﴿الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ أي يخشَونَه تعالى غائبينَ عن عذابِه أو عن النَّاسِ في خلواتِهم أو يخشَون عذابَه وهو غائبٌ عنهم ﴿وَأَقَامُوا الصلاة﴾ أي راعَوها كما ينبغي وجعلوها مَنَاراً منصوباً وعَلَماً مرفُوعاً أي إنما ينفعُ إنذارُك وتحذيرُك هؤلاءِ من قومِك دُون مَنْ عداهُم منْ أهل التَّمرد والعناد ﴿ومن تزكى﴾ أن تطهرَ من أوضار الأوزارِ والمعاصِي بالتَّاثرِ من هذهِ الإنذاراتِ ﴿فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ﴾ لاقتصارِ نفعِه عليها كما أنَّ مَن تدنَّس بها لا يتدنَّس إلا عليها وقرئ من ازكَّى فإنَّما يزكَّى وهو اعتراضٌ مقررٌ لخشيتهم وإقامِتهم الصَّلاةَ لأنَّها من معظمِ مبادِي التزكِّي ﴿وإلى الله المصير﴾ لا إلى أحدٍ غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً فيجازيهم على تزكِّيهم أحسنَ الجزاء
стр. 5533
﴿وما يستوى الاعمى والبصير﴾ أي الكافرُ والمؤمنُ
стр. 5534
﴿وَلَا الظلمات وَلَا النور﴾ أي ولا الباطلُ ولا الحقُّ وجمع الظلمات مع أفرادِ النُّورِ لتعدُّدِ فنونِ الباطلِ واتِّحاد الحقِّ
стр. 5535
﴿وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ أي ولا الثَّوابُ ولا العقاب وإدخال لاعلى المتقابلينِ لتذكيرِ نفيِ الاستواءِ وتوسيطها بينهما للتأكيد والحرور فَعولٌ من الحرِّ غلب على السَّمومِ وقيل السَّمومُ ما يهبُّ نهاراً والحَرورُ ما يهبُّ ليلاً
следующие страницы →