Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين﴾ فإنَّه جواب عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالهِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ عند نيلِه تلك الكرامةَ السَّنيةَ فقيل قال الخ وإنما تمنَّى علَم قومه بحاله ليحملَهم ذلك عن اكتسابِ مثله
стр. 5602
يس ٢٨ ٣١ بالتَّوبةِ عن الكُفرِ والدخول في الإيمانِ والطَّاعةِ جرياً على سَننِ الأولياء في كظم الغيظ والتَّرحمِ على الأعداءِ أو ليعلموا أنهم كانُوا على خطأٍ عظيمٍ في أمره وأنَّه كان على الحقِّ وأنَّ عداوتَهم لم تكسبه إلَاّ سعادةً وقُرىء من المكرمين وما موصولةٌ أو مصدريةٌ والباء صلةُ يعلمون أو استفهاميةٌ وردت على الاصل والباء متعلِّقةٌ بغفرَ أي بأي شيءٍ غفرَ لي ربِّي يريدُ به تفخيمَ شأنِ المهاجرةِ عن ملَّتِهم والمصابرةِ على أذيَّتِهم
стр. 5603
﴿وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد قتلِه أو رفعِه ﴿مِن جُندٍ مّنَ السماء﴾ لإهلاكِهم والانتقامِ منهم كما فعلناه يوم بدر والخندق بل كفينا أمرَهم بصيحةِ مَلَكٍ وفيه استحقار لهم لاهلاكهم وإيماء إلى تفخيمِ شأن الرسول ﷺ ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتِنا أنْ ننزلَ لإهلاكِ قومِه جُنداً من السَّماءِ لما أنَّا قَدَّرنا لكلِّ شيءٍ سَبَباً حيثُ أهلكنا بعضَ مَن أهلكنا من الأُمم بالحاصبِ وبعضَهم بالصيحة وبعضَهم بالخسفِ وبعضَهم بالإغراقِ وجعلنا إنزالَ الجندِ من خصائصِك في الانتصارِ من قومك وقيل ما موصولة معطوفة على جندٍ أي وما كنَّا مُنزلين على مَن قبلهم من حجارةٍ وريحٍ وأمطارٍ شديدةٍ وغيرِها
стр. 5604
﴿إِن كَانَتْ﴾ أي ما كانتْ الأخذةُ أو العقوبةُ ﴿إِلَاّ صَيْحَةً واحدة﴾ صاحَ بها جبريلُ ﵇ وقُرىء إلَاّ صيحةٌ بالرَّفعِ على أنَّ كانَ تامة وقُرىء إلا زَقيةً واحدةً من زَقَا الطَّائرُ إذا صاحَ ﴿فَإِذَا هُمْ خامدون﴾ ميِّتُون شُبِّهوا بالنَّارِ الخامدةِ رمزا الى أنَّ الحيَّ كالنَّارِ السَّاطعةِ في الحَرَكةِ والالتهابِ والميِّتُ كالرماد كما قال لَبيدٌ ... وَمَا المرءُ إلَاّ كالشَّهاب وضوئِه ... يحورُ رَمَاداً بعدَ إذْ هُو ساطع ...
стр. 5605
(يا حسرة عَلَى العباد) تعالى فهذه من الأحوالِ التي حقُّها أنْ تحضرِي فيها وهي ما دل عليه قوله تعالى ﴿وَمَا يَأْتِيهِم من رَّسُولٍ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون﴾ فإنَّ المستهزئينَ بالنَّاصحينَ الذين نيطت بنصائِحهم سعادةُ الدَّارينِ أحقَّاءُ بأنْ يتحسَّروا ويتحسَّرُ عليهم المتحسِّرون أو قد تلهَّفَ على حالهم الملائكةُ والمؤمنون من الثَّقلينِ وقد جُوِّز أنْ يكون تحسُّراً عليهم من جهةِ الله تعالى بطريق الاستعارةِ لتعظيم ما جنوه على أنفسِهم ويؤيِّده قراءةُ يَا حسرتَا لأنَّ المعنى يا حسرتِي ونصبُها لطولِها بما تعلَّق بها من الجارِّ وقيل بإضمارِ فعلِها والمنادى محذوف وقرىء ياحسرة العبادِ بالإضافةِ إلى الفاعلِ او المفعول ويا حسرة على العبادِ بإجراءِ الوصلِ مجرى الوقفِ
стр. 5606
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ أي ألم يعلمُوا وهو معلَّقٌ عن العمل في قوله تعالى ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون﴾ لأنَّ كم لا يعملُ فيها ما قبلها وإنْ كانتْ خبريَّةً لأنَّ أصلَها الاستفهامُ خلا أنَّ معناه نافذٌ في الجُملةِ كما نفذَ في قولك ألم تَرَ إنَّ زيداً لمنطلقٌ وإن لم يعملْ في لفظه ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
стр. 5607
بدلٌ من كم أهلكنا على المعنى أيْ ألم يروا كثرةَ إهلاكِنا من قبلهم من المذكُورين آنِفاً ومن غيرهم كونهم غير راجعين إليهم وقُرىء بالكسرِ على الاستئنافِ وقُرىء ألم يَرَوا من أهلكنا والبدلُ حينئذٍ بدلُ اشتمالٍ
стр. 5608
﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بيانٌ لرجوع الكلِّ إلى المحشرِ بعد بيان عدم الرُّجوعِ إلى الدُّنيا وأنْ نافية وتنوينُ كلٌّ عوضٌ عن المضافِ إليهِ ولمَّا بمعنى إلَاّ وجميعُ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ ولدينا ظرفٌ له أو لما بعده والمعنى ما كلُّهم إلَاّ مجموعون لدينا مُحضرون للحسابِ والجزاءِ وقيل محضرون معذبون فكل عبارةٌ عن الكَفَرة وقُرىء لما بالتَّخفيفِ على أنَّ مُخفّفة من الثقيلة واللامُ فارقةٌ وما مزيدةٌ للتأكيد والمعنى أنَّ كلهم مجموعون الخ
стр. 5609
﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ بالتخفيف وقُرىء بالتَّشديدِ وقوله تعالى آيةٌ خبرٌ مقدَّمٌ للاهتمامِ به وتنكيرُها للتفخيم ولهم إمَّا متعلِّقةٌ بها لأنَّها بمعنى العلامةِ أو بمضمرٍ هو صفةٌ لها والأرضُ مبتدأٌ والميتةُ صفتُها وقوله تعالى ﴿أحييناها﴾ استئنافٌ مبيّن لكفية كونها آيةً وقيل آيةٌ مبتدأٌ ولهم خبرٌ والأرضُ الميتةُ مبتدأ موصوف وأحييناها خبره والجملة مفسِّرة لآية وقيل الإرض مبتدأ وأحييناها خبرُه والجملةُ خبرٌ لآيةٌ وقيل الخبرُ لها هو الأرضُ وأحييناها صفتُها لأنَّ المرادَ بها الجنسُ لا المعيِّنة والأولُ هو الأَولى لأن مصب الفائدة هو كونُ الأرضِ آيةً لهم لا كونُ الآيةِ هي الأرضُ ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ جنس الحبِّ ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ تقديم الصِّلةِ للدِّلالةِ على أنَّ الحبَّ معظم ما يُؤكل ويُعاش به
стр. 5610
﴿وجعلنا فيها جناتٌ من نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي من أنواعِ النَّخلِ والعنبِ ولذلك جُمعا دون الحبِّ فإنَّ الدّالّ على الجنسِ مشعرٌ بالاختلافِ ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ وذكرُ النَّخيلِ دُون التُّمور ليطابقَ الحبَّ والأعنابَ لاختصاص شجرها بمزيدِ النَّفعِ وآثار الصُّنعِ ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ وقُرىء بالتَّخفيفِ والفجرُ والتَّفجيرُ كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى ﴿مِنَ العيون﴾ أي بعضاً من العُيون فحذف الموصوفُ وأُقيمت الصفةُ مُقامَه أو العيون ومن مزيدةٌ على رأي الأخَفْشِ
стр. 5611
﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرَهِ﴾ متعلِّقٌ بجعلنا وتأخيرُه عن تفجير العيون لانه من مبادى الأثمارِ أي وجعلنا فيها جنَّاتٍ من نخيلٍ ورتبنا مبادى أثمارِها ليأكُلوا من ثمرِ ما ذُكر من الجنَّاتِ والنَّخيلِ بإجراء الضَّميرِ مجرى اسمِ الإشارةِ وقيل الضَّميرُ لله تعالى بطريقِ الالتفاتِ إلى الغَيبةِ والإضافةُ لأنَّ الثَّمرَ يخلقُه تعالى وقُرىء بضمَّتينِ وهي لغةٌ فيه أو جمع ثمارٍ وبضمَّةٍ وسكونٍ ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ عطفٌ على ثمرِه وهو ما يُتَّخذُ منه من العصير والدِّبس ونحوهما وقيل ما نافيةٌ والمعنى أن الثمر بخلق الله تعالى لا بفعلهم ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحاليةِ ويؤكد الأوَّلَ قراءة
стр. 5612
يس ٣٦ ٣٨ عملتُ بلا هاءٍ فإنَّ حذفَ العائدِ من الصِّلةِ أحسنُ من الحذفِ من غيرِها ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لعدم شكرِهم للنِّعم المعدودةِ والفاء للعطفِ على مقدر يقتضيه المقام أي أيرون هذه النِّعمَ أو أيتنعمون بها فلا يشكرونَها
стр. 5613
﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الازواج كُلَّهَا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتنزيهه تعالى عمّا فعلوه من ترك شكره على آلائه المذكورة واستعظام ما ذُكر في حيز صلة من بدائعِ آثارِ قُدرتِه وأسرارِ حكمتِه وروائعِ نعمائِه الموجبةِ للشُّكرِ وتخصيصِ العبادةِ به والتَّعجيب من إخلالِهم بذلك والحالةُ هذه وسبحانَ علمٌ للتَّسبيحِ الذي هو التبعيدُ عن السُّوءِ اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البعدِ عنه والحكمَ به مِنْ سبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعدَ فيهما وأمعنَ ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسعُ الجرْي وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أُسبِّحُ سبحانَه أي أنزّهُه عمَّا لا يليقُ به عقْداً وعملاً تنزيهاً خاصَّا به حقيقاً بشأنِه وفيه مبالغةٌ من جهة الاشتفاق من السَّبْح ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ عن المصدرِ الدَّالِ على الجنسِ إلى الاسمِ الموضوع له خاصَّة لاسيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مُقامَ المصدرِ مع الفعلِ وقيل هو مصدرٌ كغُفرانٍ أُريد به التنزُّهُ التامُّ والتَّباعد الكُلِّيُ عن السُّوءِ ففيه مبالغةٌ من جهةِ إسنادِ التَّنزه إلى الذَّاتِ المُقدَّسةِ فالمعنى تنزه بذاتِه عن كلِّ ما لا يليقُ به تنزُّهاً خاصَّا به فالجملةُ على هذا إخبارٌ من الله تعالى بتنزهِه وبراءتِه عن كل مالا يليقُ به مَّما فعلُوه وما تركُوه وعلى الأوَّلِ حكم منه بذلك وتلقين للمؤمنين أنْ يقولوه ويعتقدُوا مضمونَه ولا يُخلُّوا به ولا يغفلُوا عنه المراد بالأزواجِ الأصنافُ والأنواعُ ﴿مِمَّا تُنبِتُ الارض﴾ بيانٌ لها والمرادُ به كلُّ ما ينبتُ فيها من الأشياءِ المذكورةِ وغيرها ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي خلقَ الأزواجَ من أنفسِهم أي الذَّكرَ والأُنثى ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي والأزواجَ مما لم يُطلعهم الله تعالى على خُصوصيَّاتهِ لعدمِ قُدرتِهم على الاحاطةِ بها ولمَّا لم يتعلَّق بذلك شيءٌ من مصالحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وإنما أطلعَهم على ذلك بطريقِ الإجمالِ على منهاج قوله تعالى وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ لما نبط به وقوفُهم على عظمِ قدرتِه وسعةِ مُلكهِ وسلطانِه
стр. 5614
﴿وآية لهم الليل﴾ جملةٌ من خبرٍ مقدمٍ ومبتدأٍ مؤخَّرٍ كما مرَّ وقوله تعالى ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ جملةٌ مبيِّنة لكيفيَّةِ كونِه آيةً أي نُزيله ونكشفُه عن مكانِه مستعارٌ من السَّلخِ وهو إزالةُ ما بين الحيوانِ وجلدِه من الاتِّصالِ والأغلبُ في الاستعمالِ تعليقُه بالجلدِ يقال سلختُ الإهابَ من الشَّاةِ وقد يُعكس ومنه الشَّاةُ المسلوخةُ ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي داخلونَ في الظَّلامِ مفاجأةً وفيه رمزٌ إلى أنَّ الأصلَ هو الظَّلامُ والنُّورُ عارضٌ
стр. 5615
﴿والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا﴾ لحدَ مُعين ينتهي إليهِ دورُها فشبه بمستقرِّ المسافرِ اذا قطع مسيرَه أو لكبد السَّماءِ فإنَّ حركتَها فيه توجد ابطأ
стр. 5616
يس ٣٩ ٤١ بحيثُ يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً قال والشَّمسُ حَيْرى لها بالجوِّ تدويمُ أو لا استقرارَ لها على نهجٍ مخصوصٍ أو لمنتهى مقدَّر لكلِّ يومٍ لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغاربِ فإنَّ لها في دورِها ثلاثمائة وستِّين مشرقاً ومغرباً تطلع كلَّ يومٍ من مطلعِ وتغربُ من مغرب ثم لا يعود إليهما إلى العامِ القابلِ او المنقطع جريها عند خرابِ العالمِ وقُرىء إلى مستقرَ لها وقُرىء لا مستقرَّ لها أي لاسكون لها فإنَّها متحرِّكةٌ دائماً وقُرىء لا مستقرَّ لها على أنَّ لا بمعنى ليسَ ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى جريها وما فيهِ من معنى البعد مع قرب العهد بالمُشار إليه للإيذان بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه أي ذلك الجريُ البديعِ المنطوي على الحِكَم الرَّائعةِ التي تحارُ في فهمها العقولُ والأفهامُ ﴿تَقْدِيرُ العزيز﴾ الغالبِ بقُدرته علَى كلِّ مقدورٍ ﴿العليم﴾ المحيطِ علمُه بكلِّ معلومٍ
стр. 5617
﴿والقمر قدرناه﴾ بالنَّصبِ بإضمار فعل يفسره الظاهر وقُرِىءَ بالرَّفعِ على الابتداءِ أي قدَّرنا له ﴿مَنَازِلَ﴾ وقيل قدرنا مسيرَه منازلَ وقيل قدرنَاهُ ذا منازلَ وهي ثمانية وعشرون الشرطين البطان الثُّريَّا الدبَرانُ الهقعةُ الهنعةُ الذراعُ النثرةُ الطرفُ الجبهةُ الزبرةُ الصِّرفةُ العَوَا السِّماكُ الغفر الزباني الا كليل القلبُ الشوْلةُ النعائمُ البلدةُ سعدُ الذابحُ سعدُ بلَع سعدُ السعودِ سعدُ الأخبيةِ فرغُ الدلوِ المقدَّم فرغُ الدَّلوِ المؤخّرُ الرَّشا وهو بطنُ الحوتِ ينزل كلَّ ليلةٍ في واحدٍ منها لا يتخطَّاها ولا يتقاصرُ عنها فإذا كان في آخرِ منازلِه وهو الذي يكون قبيلَ الاجتماع دقَّ واستقوسَ ﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ كالشِّمراخِ المُعوجِ فعلون من الانعراجِ وهو الاعوجاجُ وقُرىء كالعَرجونَ وهما لغتانِ كالبُزيَون والبِزيونِ ﴿القديم﴾ العَتيقِ وقيل هو ما مرَّ عليه حولٌ فصاعداً
стр. 5618
﴿لَا الشمس يَنبَغِى لَهَا﴾ أي يصحُّ ويتسهَّلُ ﴿أَن تدْرِكَ القمر﴾ في سرعةِ السَّيرِ فإنَّ ذلكَ يخلُّ بتكون النَّباتِ وتعيُّشِ الحيوانِ أو في الآثارِ والمنافعِ أو في المكانِ بأن تنزلَ في منزلِه أو في سلطانه فتطمس نورَه وإيلاءُ حرفِ النَّفي الشَّمسَ للدلالة على انها مسخرات لا يتيسر لها إلا ما قُدرِّ لها ﴿ولا الليل سَابِقُ النهار﴾ أي يسبقُه فيفوتُه ولكنْ يعاقُبه وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيِّرانِ وبالسبقِ سبقُ القمرِ إلى سُلطانِ الشَّمسِ فيكون عكساً للأوَّلِ وإيراد السَّبقِ مكان الإدراك لأنَّه الملائمُ لسرعةِ سيرهِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أي وكلُّهم على أن التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ الذي هو الضميرُ العائدُ إلى الشَّمسِ والقمرِ والجمعُ باعتبارِ التَّكاثرِ العارضِ لهما بتكاثرِ مطالعهما فإنَّ اختلافَ الأحوالِ يُوجب تَعدداً ما في الذَّاتِ أو إلى الكواكبِ فإنَّ ذكرَهما مشعرٌ بها ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يسيرُون بانبساط وسهولة
стр. 5619
﴿وآية لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ﴾ أولادَهم الذين يبعثُونهم إلى تجاراتِهم أو صبيانَهم ونساءَهم الذين يستصحبونهم فإنَّ الذُّريةَ تطلقُ عليهن لا سيَّما مع الاختلاطِ وتخصيصُهم بالذِّكرِ لما أنَّ استقرارَهم في السُّفنِ أشقُّ واستمساكهم فيها أبدعُ ﴿فِى الفلك المشحون﴾ أي المملوءِ وقيل هو فلك نوح
стр. 5620
يس ٤٢ ٤٥ ﵇ وحملُ ذريَّاتِهم فيها حملُ آبائِهم الأقدمين وفي أصلابِهم هؤلاء وذرياتُهم وتخصيصُ أعقابِهم بالذَّكرِ دُونَهم لأنه أبلغَ في الامتنانِ وأدخلُ في التَّعجيبِ الذي عليه يدورُ كونُه آيةً
стр. 5621
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ﴾ ممَّا يماثلُ الفُلكَ ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل فإنها سفائنُ البرِّ أو ممَّا يُماثل ذلك الفُلكَ من السُّفنِ والزَّوارقِ وجعلها مخلوقةً لله تعالى مع كونِها من مصنوعاتِ العبادِ ليس لمجرَّدِ كون صُنعِهم بأقدارِ الله تعالى وإلهامِه بل لمزيدِ اختصاصِ أصلِها بقُدرته تعالى وحكمته حسبما يُعرب عنه قولُه واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا والتَّعبيرُ عن مُلابستهم بهذه السُّفنِ بالرُّكوبِ لأنَّها باختيارهم كما أنَّ التعبيرَ عن مُلابسة ذُرِّيَّتهم بفُلكِ نوحٍ ﵇ بالحَملِ لكونِها بغير شعورٍ منهم واختيارٍ
стр. 5622
﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ الخ من تمامِ الآيةِ فإنَّهم معترفون بمضمونِه كما ينطقُ به قولُه تعالى وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين وقرئ نُغرِّقهم بالتَّشديدِ وفي تعليق الإغراقِ بمحض المشيئةِ إشعار بأنَّه قد تكامل ما يُوجب إهلاكَهم من معاصيهم ولم يبقَ آلَاّ تعلُّقُ مشيئتِه تعالى به أي إنْ نشأْ نغرقهم في اليمِّ مع ما حملناهم فيه من الفُلك فحديثُ خَلْقِ الإبل حينئذٍ كلامٌ جئ به في خلالِ الآيةِ بطريق الاستطرادِ لكمالِ التَّماثلَ بين الإبلِ والفُلكِ فكأنَّها نوعٌ منه أو مع ما يركبون من السُّفنِ والزَّوارقِ ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي فلا مُغيثَ لهم يحرسهم من الغَرَق ويدفعه عنهم قبل وقوعِه وقيل فلا استغاثةَ لهم من قولِهم أتاهم الصَّريخُ ﴿وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ أي ينجُّون منه بعد وقوعِه وقوله تعالى
стр. 5623
﴿إِلَاّ رَحْمَةً مّنَّا وَمَتَاعاً﴾ استثناء مفرغ من أعم العللِ الشَّاملةِ للباعث المتقدِّمِ والغاية المتأخِّرةِ أي لا يغاثون ولا ينقذون لشئ من الأشياءِ إلا لرحمةٍ عظيمةٍ من قبلنا داعيةٍ إلى الإغاثةِ والانقاذِ وتمتيع بالحياة مترتِّب عليهما ويجوزُ أنْ يُرادَ بالرَّحمةِ ما يُقارن التَّمتيعَ من الرَّحمةِ الدُّنيويَّةِ فيكون كلاهما غايةً للإغاثةِ والانقاذِ أي لنوعٍ من الرحمة وتمتيع ﴿إلى حِينٍ﴾ أي إلى زمانٍ قُدِّر فيه آجالُهم كما قيل ... ولم أسلمْ لكي أبقَى ولكن ... سَلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ ...
стр. 5624
﴿وإذا قيل لهم اتقوا﴾ بيانٌ لإعراضِهم عن الآياتِ التَّنزيليةِ بعد بيانِ إعراضِهم عن الآيات الآفافية التي كانُوا يشاهدونَها وعدم تأمُّلِهم فيها أيْ إذَا قيل لهم بطريقِ الإنذارِ بما نزل من الآيات أو بغيره اتَّقوا ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من الآفاتِ والنَّوازلِ فإنَّها محيطة بكم أو ما يصيبكم من المكاره مِن حيثُ تحتسبون ومن حيثُ لا تحتسبون أو من الوقائع النَّازلةِ على الأُمم الخالية قبلكم والعذاب المعدِّ لكم في الآخرة أو من نوازل السَّماءِ ونوائب
стр. 5625
يس ٤٦ ٤٧ الأرض أو من عذابَ الدُّنيا وعذابَ الآخرةِ أو ما تقدَّم من الذُّنوبِ وما تأخَّر ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إمَّا حال من واوِ اتقوا أو غايةٌ له أي راجين أنْ تُرحموا أو كي تُرحموا فتنجُوا من ذلك لما عرفتُم أنَّ مناط النَّجاةِ ليس إلَاّ رحمةَ الله تعالى وجوابُ إذا محذوف ثقةً بانفهامِه من قوله تعالى
стр. 5626
﴿وما تأتيُهم من آيةٍ من آيات رَبّهِمْ إِلَاّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ انفهاماً بيِّناً أمَّا إذا كان الإنذارُ بالآيةِ الكريمة فبعبارةِ النَّصِّ وأمَّا إذا كان بغيرها فبدلالته لأنَّهم حين أعرضوا عن آياتِ ربِّهم فلأنْ يُعرضوا عن غيرِها بطريق الأولويَّةِ كأنَّه قيل وإذا قيل لهم اتَّقوا العذاب أعرضُوا حسبما اعتادُوه وما نافيةٌ وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرارِ التَّجدُّدِي ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثاني تبعيضيةٌ واقعةٌ مع مجرورِها صفةً لآيةٍ وإضافةُ الآيات إلى اسم الرب المضافِ إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتْبِعِ لتهويل ما اجترُءوا عليه في حقِّها والمراد بها إمَّا الآياتُ التنزيليةُ فإتيانُها نزولُها والمعنى ما ينزِلُ إليهم آيةٌ من الآيات القرآنيةَ التي من جُمْلتِها هذهِ الآياتُ الناطقةُ بما فُصِّل من بدائعِ صنعِ الله تعالى وسوابغ آلائِه الموجبةِ للإقبال عليها والإيمانِ بها إِلَاّ كَانُواْ عَنْهَا معرضين على وجه التكذيبِ والاستهزاء وإمَّا ما يعمُّها وغيرها من الآياتُ التكوينيةُ الشاملةُ للمعجزات وغيرِها من تعاجيبِ المصنوعاتِ التي منْ جُملتها الآياتُ الثَّلاثُ المعدودة آنِفاً فالمرادُ بإتيانها ما يعمُّ نزول الوحيِ وظهور تلك الأمورِ لهم والمعنى ما يظهر لهم آيةٌ منَ الآياتِ التي منْ جُمْلتها ما ذكِرَ منَ شئونه الشَّاهدةِ بوحدانيَّتِه تعالى وتفرُّدهِ بالألُوهَّيةِ إلَاّ كانُوا عنها مُعرضين تاركين للنظر الصحيحِ فيها المؤدِّي إلى الإيمان به تعالى وإيثارُه على أنْ يُقال إلَاّ أعرضُوا عنها كما وقع مثلُه في قوله تعالى وأن يروا آية يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ الدلالة على استمرارهم على الإعراضِ حسَبَ استمرارِ إتيانِ الآياتِ وعن متعلقةٌ بمعرضين قُدِّمت عليه مراعاةً للفواصل والجملةُ في حيز النصبِ على أنَّها حالٌ من مفعولِ تأتي أو من فاعلِه المتخصِّصِ بالوصف لاشتمالِها على ضمير كلَ منهُما والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي ما تأتيُهم من آيةٍ من آيات ربِّهم في حالٍ من أحوالِهم إلا حالَ إعراضِهم عنها أو ما تأتيهم آيةٌ منها في حالٍ من أحوالِها إلا حالَ إعراضِهم عنها
стр. 5627
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ من ما رِزَقَكُمُ الله﴾ أي أعطاكُم بطريق التَّفضلِ والإنعام من أنواع الأموالِ عبَّر عنها بذلكَ تحقيقاً للحقِّ وترغيباً في الإنفاق على منهاج قولِه تعالى وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وتنبيهاً على عِظَمِ جنايتهم في تركِ الامتثالِ بالأمر وكذلك من التبعيضية أي إذا قيل لهم بطريق النصيحة أنفقُوا بعض ما أعطاكم الله تعالى من فضله على المحتاجين فإنَّ ذلك مما يرد البلاء ويدفعُ المكاره ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ بالصَّانعِ وهم زنادقةٌ كانُوا بمكَّةَ ﴿للذين آمنوا﴾ تهكُّماً بهم وبما كانُوا عليه من تعليق الأمورِ بمشيئةِ الله تعالى ﴿أَنُطْعِمُ﴾ حسبما تعظوننا به ﴿مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ﴾
стр. 5628
أي على زعمِكم وعن ابن عباس ﵄ كان بمكَّةَ زنادقُة إذا أُمروا بالصَّدقةِ على المساكين قالوا لا والله أيُفقره الله ونُطعمه نحنُ وقيل قالَه مُشركو قُريشٍ حين استطعمهم فقراءُ المؤمنين من أموالهم التي زعمُوا أنَّهم جعلُوها لله تعالى مِنَ الحرث والأنعامِ يُوهمون أنَّه تعالى لما لم يشأْ إطعامَهم وهو قادرٌ عليه فنحن أحقُّ بذلك وما هو إلا لفرطِ جهالتِهم فإنَّ الله تعالى يُطعم عبادَه بأسبابٍ من جُملتها حثُّ الأغنياءِ على إطعامِ الفُقراء وتوفيقُهم لذلك ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ حيثُ تأمروننا بما يُخالف مشيئةَ الله تعالى وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ جواباً لهم من جهتِه تعالى أو حكايةً لجواب المُؤمنين لهم
стр. 5629
﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي فيما تعدوننا بهِ من قيام السَّاعةِ مخُاطبين لرسول الله ﷺ والمؤمنين لمَا أنَّهم أيضاً كانُوا يتلون عليهم آياتِ الوعيدِ بقيامها ومعنى القُرْبِ في هذا إمَّا بطريق الاستهزاءِ وإمَّا باعتبارِ قُربِ العهدِ بالوعدِ
стр. 5630
﴿مَا يَنظُرُونَ﴾ جوابٌ من جهتهِ تعالى أي ما ينتظرونَ ﴿إِلا صَيْحَةً واحدة﴾ هي النَّفخةُ الأولى ﴿تَأُخُذُهُمْ﴾ مفاجأةً ﴿وَهُمْ يَخِصّمُونَ﴾ أي يتخاصمُون في متاجرِهم ومعاملاتِهم لا يخطر ببالهم شئ من مخايلها كقولِه تعالى فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فلا يغترُّوا بعدم ظهور علائِمها ولا يزعمُوا أنَّها لا تأتيهم وأصلُ يخصِّمون يَخْتَصِمُون فُسكِّنت التَّاءُ وأُدغمتْ في الصَّادِ ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين وقرئ بكسر الياءِ للاتباعِ وبفتح الخاءِ على إلقاءِ حركةِ التاء عليه وقرئ على الاختلاسِ وبالإسكانِ على تجويزِ الجمعِ بين السَّاكنينِ إذا كان الثَّاني مُدغَماً وإنْ لم يكُن الأوَّلُ حرف مد وقرئ يَخْصِمُون من خَصَمَه إذا جَادَله
стр. 5631
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شئ من أمورِهم إنْ كانُوا فيما بين أهليهم ﴿وَلَا إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إنْ كانُوا في خارج أبوابِهم بل تبغتهم الصَّيحةُ فيموتون حيثُما كانُوا
стр. 5632
﴿وَنُفِخَ فِى الصور﴾ هيَ النَّفخةُ الثَّانيةُ بينها وبين الأوُلى أربعون سنةً أي يُنفخ فيهِ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحقق الوقوع ﴿فَإِذَا هُم مّنَ الاجداث﴾ أي القبورِ جمع جَدَثٍ وقرئ بالفاءِ ﴿إلى رَبّهِمْ﴾ مالِكَ أمرِهم على الإطلاقِ ﴿يَنسِلُونَ﴾ يُسرعون بطريقِ الإجبارِ دُونَ الأختيارِ لقولِه تعالى لدينا محضرون وقرئ بضمِّ السِّينِ
стр. 5633
﴿قَالُواْ﴾ أي في ابتداء بعثهم من القبور ﴿يا ويلنا﴾ احضر فهذا أوانك وقرئ يا ويلتَنَا ﴿مَن بَعَثَنَا من مرقدنا﴾ وقرئ مَن أهبّنا من هبَّ من نومه إذا انتبه وقرئ من هَبّنا بمعنى أهبنا وقيل أصله
стр. 5634
يس ٥٣ ٥٥ هبَّ بنا فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعلُ إلى الضَّميرِ قيل فيه ترشيحٌ ورمزٌ وإشعار بأنَّهم لاختلاطِ عقولِهم يظنُّون أنَّهم كانوا نياماً وعن مجاهدٍ أنَّ للكفَّار هجعةً يجدون فيها طعمَ النَّومِ فإذا صِيح بأهل القُبور يقولون ذلكَ وعنِ ابنِ عبَّاسٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ وقَتادة رحمهم الله تعالى إِنَّ الله تعالى يرفعُ عنهم العذابَ بينَ النَّفختينِ فيرقدُون فإذا بُعثوا بالنَّفخةِ الثَّانيةِ وشاهدُوا من أهوال يوم القيامةِ ما شاهدُوا دَعَوا بالويلِ وقالوا ذلك وقيل إذا عاينُوا جَهَنَّمَ وما فيها من أنواع العذابِ يصير عذابُ القبر في جنبِها مثلَ النَّومِ فيقولون ذلك وقُرىء مِن بَعْثنا ومِن هَبّنا بمن الجارَّةِ والمصدرِ والمرقدُ إمَّا مصدرٌ أي من رُقادِنا أو اسمُ مكانٍ أُريد به الجنسُ فينتظم مراقدَ الكلِّ ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ وما موصولةٌ محذوفةٌ العائدِ أو مصدريةٌ وهو جواب من قبل الملائكةِ أو المؤمنينَ عُدل به عن سَننِ سؤالِهم تذكيراً لكُفرهم وتقريعاً لهم عليه وتنبيهاً على أنَّ الذي يهُمهم هو السُّؤالُ عن نفسِ البعثِ ماذا هو دون الباعثِ كأنَّهم قالُوا بعثكم الرحمن الذي وعدكُم ذلك في كتبِه وأرسلَ إليكم الرُّسلَ فصدقُوكم فيه وليسَ الأمرُ كما تتوهمونَه حتَّى تسألُوا عن الباعثِ وقيلَ هُو مِنْ كلامِ الكافرينَ حيث يتذكرون ما سمعوه من الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيجيبونَ به أنفسَهم أو بعضَهم بعضاً وقيل هذا صفةٌ لمرقدنا وما وعدَ الخ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي ما وعد الرَّحمنُ وصدقَ المرسلونَ حقٌّ
стр. 5635
﴿إِن كَانَتْ﴾ أي ما كانَتْ النَّفخةُ التي حكيتُ آنفاً ﴿إِلَاّ صَيْحَةً واحدة﴾ حصلتْ من نفخ إسرافيلَ ﵇ في الصُّور ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ﴾ أي مجموعٌ ﴿لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ من غيرِ لبثٍ ما طرفهَ عينٍ وفيه من تهوينِ أمرِ البعثِ والحشرِ والإيذانِ باستغائهما عن الأسبابِ ما لا يَخْفى
стр. 5636
﴿فاليوم لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ من النُّفوسِ برةً كانتْ أو فاجرةً ﴿شَيْئاً﴾ من الظُّلم ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ ما كنتم تعملون﴾ أي الا جزاءَ ما كنتُم تعملونَهُ في الدُّنيا على الاستمرار من الكفر والمعاصي على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامه للتَّنبيه على قُوَّةِ التَّلازمِ والارتباط بينهما كأنَّهما شيءٌ واحدٌ أو إلَاّ بما كنتُم تعملونَه أي بمقابلتِه أو بسببهِ وتعميمُ الخطابِ للمؤمنين يردُّه أنَّه تعالى يُوفِّيهم أجورهم ويزيدَهم من فضلِه أضعافاً مضاعفةً وهذه حكايةٌ لما سيُقال لهم حين يَرَوْنَ العذابَ المُعدَّ لهم تحقيقاً للحقِّ وتقريعاً لهم وقوله تعالى
стр. 5637
﴿إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ فاكهون﴾ من جُملة ما سيُقال لهم يومئذ زيادةً لحسرتِهم وندامتِهم فإنَّ الأخبارَ بحسن حالِ أعدائِهم إثرَ بيان سُوء حالِهم مَّما يزيدُهم مساءةً على مساءةٍ وفي هذه الحكايةِ مزجرةٍ لهؤلاءِ الكَفرةِ عمَّا هم عليه ومدعاةٌ إلى الاقتداء بسيرةِ المُؤمنين والشُّغُل هو الشَّأنُ الذي يصدُّ المرءَ ويشغلُه عمَّا سواهُ من شئونه لكونِه أهمَّ عنده من الكُلِّ إمَّا لإيجابهِ كمالَ المسرة
стр. 5638
يس ٥٦ ٥٧ والبهجةِ أو كمالِ المساءةِ والغمِّ والمرادُ ههنا هو الأولُ وما فيه من التنكير والإبهامِ للإيذان بارتفاعِه عن رتبةِ البيانِ والمراد به ما هم فيه من فنون الملاذّ التي تلهيهم عمَّا عداهَا بالكلية وإمَّا أنَّ المرادَ به افتضاضُ الابكار او السماع وضرب الاوتار او النزاور أو ضيافةُ الله تعالى أو شغلُهم عمَّا فيه أهلُ النَّارِ على الإطلاقِ أو شغلُهم عن أهاليهم في النَّارِ لا يهمهم أمرُهم ولا يُبالون بهم كيلا يُدخلَ عليهم تنغيصٌ في نعيمهم كما رَوى كلُّ واحدٍ منها عن واحدٍ من أكابرِ السَّلفِ فليس مرادُهم بذلك حصرَ شغلِهم فيما ذُكرُوه فقطُ بل بيانَ أنَّه من جملة اشغالهم وتخصيصُ كلَ منهم كلاًّ من تلكَ الأمورِ بالذكرِ محمول على اقتضاء مقامِ البيانِ إياَّه وهو مع جارِه خبرٌ لأنَّ وفاكهون خبر آخرُ لها أي أنهم مستقرُّون في شغل وأي شغلٍ في شغل عظيمِ الشَّأنِ متنعمون بنعيمٍ مقيم فائزون بملك كبيرٍ والتَّعبيرُ عن حالِهم هذه بالجملةِ الاسميةِ قبل تحققها بتنزيل المترقب المتوقَّعِ منزلة الواقع للإيذان بغايةِ سرعةِ تحقُّقها ووقوعِها ولزيادةِ مساءة المخاطَبين بذلك وقرىء في شغل بسكون الغين وفي شَغَل بفتحتين وبفتحةٍ وسكون والكل لغات وقرئ فكهون للمبالغةِ وفَكُهون بضمِّ الكاف وهي لغةٌ كنطُس وفاكهينَ وفكهِين على الحالِ من المستكنِّ في الظرف وقوله تعالَى
стр. 5639
﴿هُمْ وأزواجهم فِى ظلال عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ كيفيَّةِ شغلِهم وتفكّههم وتكميلهما بما يزيدهُم بهجة وسروراً من شركة أزواجِهم لهم فيمَا هُم فيهِ من الشُّغل والفكاهةِ على أنَّ هم مبتدأ وأزواجهم عطفٌ عليه ومتكئون خبر والجارَّانِ صلتانِ له قدمتا عليهِ لمراعاةِ الفواصلِ أو هو والجارانِ بما تعلّقا به من الاستقرارِ أخبارٌ مترتبة وقيل الخبر هو الظَّرفُ الأولُ والثَّاني مستأنفٌ على أنَّه متعلق بمتكئون وهو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ وقيل على أنَّه خبرٌ مقدمٌ ومتكئون مبتدأٌ مؤخر وقرئ متكين بلا همز نصباً على الحالِ من المستكنَّ في الظَّرفينِ أو أحدِهما وقيل هم تأكيدٌ للمستكن في خبر إن ومتكئون خبرٌ آخرُ لها وعلى الأرائكِ متعلَّقٌ به وكذا في ظلال أو هذا بمضمرٍ هو حالٌ من المعطوفين والظِّلالُ جمع ظلَ كشعابٍ جمع شعبٍ أو جمع ظُلَّةٍ كقِباب جمع قبة ويؤيده قراءة في ظُللٍ والأرائك جمعُ أريكةٍ وهي السَّريرُ المزين بالثيابِ والسُّتورِ قال ثعلبٌ لا تكون أريكةٌ حتى تكونَ عليها حجلةٌ وقوله تعالى
стр. 5640
﴿لَهُمْ فِيهَا فاكهة﴾ الخ بيانٌ لما يتمتعون به في الجنةِ من المآكلِ والمشارب ويتلذذون به من الملاذِّ الجسمانيةِ والرُّوحانيةِ بعد بيانِ ما لهُم فيها من مجالسِ الأنسِ ومحافلِ القدسِ تكميلاً لبيانِ كيفيةِ ما هُم فيه من الشغلِ والبهجةِ أي لهم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ من كلِّ نوعٍ من الفواكِه وما في قولِه تعالى ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ موصولةٌ أو موصوفةٌ عبَّر بها عن مدعوَ عظيمِ الشَّأنِ معيَّنٍ أو مبهمٍ إيذاناً بأنَّه الحقيقُ بالدُّعاءِ دون ما عداه ثم صرَّح به رَوْماً لزيادةِ التَّقريرِ بالتَّحقيقِ بعد التَّشويقِ كما ستعرفه أو هي باقيةٌ على عمومها قصد بها التَّعميمِ بعد تخصيصِ بعضِ الموادِّ المعتادةِ بالذكر وأيا ما كانَ فهو مبتدأ ولهم خبرُه والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ السَّابقةِ وعدمُ الاكتفاءِ بعطفِ ما يدَّعون على فاكهة لئلا
следующие страницы →