← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

فاطر ٤٥ في مسايرِهم إلى الشَّامِ واليمنِ والعراقِ من آثار دمار الأممِ الماضيةِ العاتيةِ والهمزة للانكار والنفي الواو للعطفِ على مقدَّرٍ يليقُ بالمقامِ أي أقعدُوا في مساكنِهم ولم يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين من قبلهم ﴿وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأطولَ أعماراً فما نفعُهم طولُ المَدَى وما أغنَى عنهم شدَّةُ القُوى ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحالية وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء﴾ أي ليسبقه ويفوته ﴿في السماوات وَلَا فِى الارض﴾ اعتراضٌ مقررٌ لما يُفهم مَّما قبله من استئصالِ الأممِ السَّالفةِ وقولُه تعالىَ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أي مُبالغاً في العلمِ والقُدرةِ ولذلك علمَ بجميعِ أعمالِهم السَّيئةِ فعاقبَهم بموجبِها تعليل لذلك

стр. 5567

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس﴾ جميعاً ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ من السَّيئاتِ كما فُعل بأولئكَ ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا﴾ أي على ظهرِ الأرضِ ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ من نسمةٍ تدُبُّ عليها من بني آدمَ وقيل ومن غيرِهم أيضاً من شؤمِ معاصِيهم وهو المرويُّ عن ابن مسعود وانس ﵄ ويعضُد الأولَ قولُه تعالى ﴿ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى﴾ وهو يومُ القيامةِ ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ فيجازيهم عندَ ذلك بأعمالِهم إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرَّاً فشرٌّ عنِ النبيِّ ﷺ مَن قرأَ سورةَ الملائكةِ دعتْهُ ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ أنِ ادخلْ من أيِّ بابٍ شئتَ والله تعالَى أعلم

стр. 5568

سورة يس ١ ٣ سورة يس مكية وعنه ﷺ تدعى المعمة تعم صاحبها خير الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضى له كل حاجة وآياتها ثلاث وثمانون ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 5569

﴿يس﴾ إمَّا مسرودٌ على نمطِ التَعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ أو اسم السورة كما نصَّ عليه الخليلُ وسيبويةِ وعليه الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو النَّصبُ على أنه مفعول لفعل مضمرٍ وعليهما مدارُ قراءةِ يس بالرَّفع والنَّصبِ أي هَذه يس او اقرا يس ولا مَساغَ للنَّصب بإضمارِ فعلِ القسمِ لأنَّ ما بعدَهُ مُقسمٌ بِه وقد ابو الجمعَ بين قَسَمين على شيءٍ واحدٍ قبل انقضاءِ الأوَّلِ ولا مجالَ للعطفِ لاختلافِهما إعراباً وقيل هو مجرورٌ بإضمارِ باءِ القسمِ مفتوحٌ لكونِه غيرَ منصرفٍ كما سلف في فاتحةِ سُورة البقرةِ من أنَّ ما كانتْ من هذه الفواتحِ مفردة مثلَ صاد وقاف ونون أو كانت موازنةً لمفردٍ نحوِ طس ويس وحم الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ يتأتَّى فيها الإعرابُ اللفظيُ ذكره سيبويه في بابِ أسماءِ السُّورِ من كتابِه وقيل هُما حركتا بناءٍ كما في حيثُ وأينَ حسَبما يشهدُ بذلك قراءة يس بالكسر كجَيْرِ وقيل الفتحُ والكسرُ تحريكٌ للجِدِّ في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ وعن ابن عباس ﵄ أنَّ معناه يا إنسانُ في لغةِ طَيءٍ قالُوا المرادُ به رسولُ الله ﷺ ولعلَّ أصلَه يا أُنيسين فاقتُصر على شطرِه كما قيل مَنُ الله في ايمن الله

стр. 5570

﴿والقرآن﴾ بالجر على أنه مقسم به ابتداءً وقد جُوِّز أنْ يكونَ عطفاً على يس على تقدير كونه مجرورا بإضمارِ باءِ القسمِ ﴿الحكيم﴾ أي المتضمِّنِ للحكمةِ أو النَّاطقِ بها بطريقِ الاستعارةِ أو المتَّصفِ بها على الإسنادِ المجازيِّ وقد جُوِّز أنْ يكونَ الأصلُ الحكيمُ قائلُه فحذُف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه فبانقلابِه مرفوعاً بعد الجرِّ استكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ كما مرَّ في صدرِ سُورة لُقمانَ

стр. 5571

﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جوابٌ للقسم والجملةُ لردِّ إنكار الكَفَرةِ بقولِهم في حقِّه ﷺ لستَ مُرسَلاً وهذه الشَّهادةُ منه من جملة ما أُشير إليه بقوله تعالى في جوابهم قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وفي تخصيص القُرآن بالإقسامِ به أَوَّلاً وبوصفه بالحكيمِ ثانياً تنويهٌ بشأنه وتنبيهٌ على أنه كما يشهد برسالته ﷺ من حيث نظمُه المعجزُ المُنطوي على بدائعِ الحكم يشهدُ بها من هذه الحيثيَّةِ أيضاً لما أنَّ الاقسام بالشيء

стр. 5572

يس ٤ ٧ استشهاد به على تحقُّقِ مضمون الجملة القسميةِ وتقوية لثبوتِه فيكون شاهداً به ودليلاً عليه قَطْعاً وقوله تعالى

стр. 5573

﴿على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبرٌ آخَرُ لأنَّ أو حالٌ من المستكنِّ في الجار والمجرور على أنَّه عبارةٌ عن الشَّريعةِ الشَّريفةِ بكمالها لا عن التَّوحيدِ فقط وفائدتُه بيانُ أنَّ شريعتَه ﷺ اقوم الشَّرائعِ وأعدلُها كما يُعرب عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ والوصفُ اثر بيان انه ﷺ من جملة المرسلين بالشَّرائعِ

стр. 5574

﴿تَنزِيلَ العزيز الرحيم﴾ نصب على المدح وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ وبالجرِّ على أنه بدلٌ من القرآن وأيا ما كان فهو مصدرٌ بمعنى المفعولِ عبَّر به عن القرآنُ بياناً لكمال عراقتِه في كونِه منزَّلاً من عندِ الله كأنَّه نفس التَّنزيلِ واظهارا لفخامتِه الإضافيةِ بعدَ بيانِ فخامتِه الذَّاتيَّةِ بوصفه بالحكمة وفي تخصيص الاسمينِ الكريمينِ المُعربينِ عن الغلبةِ التَّامةِ والرأفة العامة حيث على الايمان ترهيباً وترغيباً وإشعارٌ بأنَّ تنزيلَه ناشيءٌ عن غايةِ الرَّحمةِ حسبما نطقَ به قولُه تعالى وَمَا أرسلناك إِلَاّ رَحْمَةً للعالمين وقيل النصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلِه المضمرِ أي نزل تنزيل العزيزِ الرَّحيمِ على أنَّه استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما ذُكر من فخامةِ شأنِ القُرآن وعلى كلِّ تقديرٍ ففيهِ فضلُ تأكيدٍ لمضمونِ الجملة القسميةِ

стр. 5575

﴿لّتُنذِرَ﴾ متعلِّقٌ بتنزيل على الوجوهِ الأُولِ وبعامله المضمرِ على الوجهِ الآخيرِ أي لتنذَر به كما في صدرِ الأعرافِ وقيل هو متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ لمن المرسلين أي إنَّك مرسلٌ لِتُنذِرَ ﴿قَوْماً مَّا أُنذِرَ آباؤهم﴾ أي لم يُنذْر آباؤُهم الأقربون لتطاولِ مدَّة الفترةِ على أنَّ ما نافيةٌ فتكون صفةً مبيِّنةً لغاية احتياجهم إلى الإنذارِ أو الذي أنذره أو شيئاً أُنذره آباؤهم الأبعدون على أنَّها موصولةٌ أو موصوفة فيكون مفعولاً ثانياً لتنذرَ أو إنذار آبائِهم الأقدمين على أنَّها مصدريةٌ فيكون نعتاً لمصدرٍ مؤكَّدٍ أي لتنذر انذار كائناً مثلَ إنذارِهم ﴿فَهُمْ غافلون﴾ على الوجهِ الأولِ متعلِّق بنفي الإنذارِ مترتِّب عليه والضَّميرُ للفريقينِ أي لم تنذر آباؤهم فهم جميعاً لأجلِه غافلون وعلى الوجوهِ الباقيةِ متعلِّقٌ بقوله تعالى لّتُنذِرَ أو بما يفيده إنَّك لمن المُرسلين وارد لتعليل انذاره ﷺ أو إرساله بغفلتهم المحوجةِ إليهما على أنَّ الضميرَ للقوم خاصَّةً فالمعنى فهم غافلُون عنه أي عمَّا أُنذر آباؤهم الأقدمونَ لامتدادِ المُدَّة واللَاّمُ في قولِه تعالى

стр. 5576

﴿لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ﴾ جوابُ القسمِ أيْ والله لقد ثبت وتحقَّقَ عليهم البتةَ لكن لا بطريق الجبرِ من غير أنْ يكون من قبلهم ما يقتضيِه بل بسبب إصرارِهم الاختياريِّ على الكُفر والإنكار وعدم تأثُّرهم من التَّذكيرِ والإنذار وغلوِّهم في العُتوِّ والطُّغيانِ وتماديهم في اتِّباعِ خُطُوات الشَّيطانِ بحيثُ لا يَلْويهم صارفٌ ولا يثنيهم عاطفٌ كيف لا والمرادُ بما حقَّ من القول قوله

стр. 5577

يس ٨ ١١ تعالى لإبليسَ عند قوله لأغوينَّهم أجمعين لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ منك وممن تبعك منهم أجمعين وهو المعنيُّ بقوله تعالى لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والنار والناس أجمعين كما يلوحُ به تقديمُ الجنة على النَّاسِ فإنَّه كما ترى قد أوقع فيه الحكم بإدخال جهنَّم على مَن تبعَ إبليسَ وذلك تعليلٌ له بتبعيته قطعاً وثبوت القولِ على هؤلاء الذين عبَّر عنهم بأكثرِهم إنَّما هو لكونِهم من جملة أولئك المصرِّين على تبعيَّةِ إبليسَ أبداً وإذ قد تبيَّن أنَّ مناطَ ثبوتِ القول وتحقُّقهِ عليهم إصرارُهم على الكُفرِ إلى الموتِ ظهر أنَّ قوله تعالى ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ متفرِّعٌ في الحقيقةِ على ذلك لا على ثُبوت القول وقوله تعالى

стр. 5578

﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا﴾ تقريرٌ لتصميمهم على الكُفرِ وعدم ارعوائِهم عنه بتمثيلِ حالِهم بحال الذين غُلَّتْ أعناقُهم ﴿فَهِىَ إِلَى الاذقان﴾ أي فالأغلالُ منتهيةٌ إلى أذقانِهم فلا تدعُهم يلتفتونَ إلى الحقِّ ولَا يَعطفونَ أعناقَهم نحوَه ولا يطأطئون رءوسهم له ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ رافعونَ رءوسهم غاضُّون أبصارَهم بحيثُ لا يكادُون يَروَن الحقَّ أو ينظرُون إلى جهتِه

стр. 5579

﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إمَّا تتَّمةٌ للتَّمثيل وتكميلٌ له أي تكميلٍ أي وجعلنا مع ما ذُكر من أمامهم سَدَّاً عظيماً ومن ورائهم سَدَّاً كذلك فغطينا بها أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرونَ على إبصارِ شيءٍ ما أصلاً وإمَّا تمثيلٌ مستقلٌّ فإنَّ ما ذُكر من جعلهم محصورينَ بين سَدَّينِ هائلين قد غطَّيا أبصارَهم بحيث لا يُبصرون شيئاً قطعاً كافٍ في الكشف عن كمال فظاعةِ حالِهم وكونِهم محبوسين في مطمورةِ الغيِّ والجهالاتِ محرومين عن النَّظرِ في الأدلَّةِ والآياتِ وقُرىء سُدَّاً بالضمِّ وهي لغةٌ فيه وقيل ما كان من عمل النَّاسِ فهو بالفتحِ وما كان من خلقِ الله فبالضمِّ وقُرىء فأعشينَاهم من العَشَا وقيل الآيتانِ في بني مخزومٍ وذلك أنَّ أبا جهلٍ حلف لئِن رأى رسولَ الله ﷺ يصلِّي ليرضخنَّ رأسَه فأتاه وهو يصلي ﷺ ومعه حجرٌ ليدمغَه فلَّما رفع يدَه انثنتْ يدُه إلى عنقِه ولزق الحجرُ بيده حتَّى فكُّوه عنها بجهدٍ فرجع إلى قومه فأخبرَهم بذلك فقال مخزوميٌّ آخرُ أنا أقتلُه بهذا الحجرِ فذهب فأَعمى الله تعالى بصرَهُ

стр. 5580

﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ بيانٌ لشأنِهم بطريق التَّصريحِ إثرَ بيانه بطريق التمثيل أي مستوٍ عندهم إنذارُك إيَّاهم وعدمُه حسبما مرَّ تحقيقُه في سورةِ البقرةِ وقوله تعالى ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استئنافٌ مؤكِّدٌ لما قبله مبيِّنٌ لما فيه من إجمالِ ما فيه الاستواءُ أو حالٌ مؤكدةٌ له أو بدلٌ منه ولما بُيِّن كونَ الإنذارِ عندهم كعدمِه عقب ببيانِ من يتأثَّر منه فقيل

стр. 5581

﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ أي إنذاراً مستتبعاً للأثر ﴿مَنِ اتبع الذكر﴾ أي القُرآنَ بالتَّامُّلِ فيه أو الوعظِ ولم يصرَّ على اتِّباعِ خُطُوات الشَّيطانِ ﴿وَخشِىَ الرحمن بالغيب﴾ أي

стр. 5582

يس ١٢ ١٤ خافَ عقابَه وهو غائبٌ عنْهُ على أنَّه حالٌ من الفاعلِ أو المفعولِ أو خافَه في سريرتِه ولم يغترَّ برحمتِه فإنَّه منتقمٌ قهَّار كما أنَّه رحيمٌ غَفَّار كما نطق به قولُه تعالَى نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الأليم ﴿فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ عظيمةٍ ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لا يُقادر قدرُه والفاء لترتيب البشارةِ أو الأمرِ بها على ما قبلها من اتِّباعِ الذِّكرِ والخشيةِ

стр. 5583

﴿إنا نحن نحيي الموتى﴾ بيانٌ لشأنٍ عظيمٍ ينطوي على الإنذارِ والتَّبشيرِ انطواءً إجماليَّاً أي نبعثُهم بعد مماتِهم وعن الحسنِ إحياؤهم إخراجُهم من الشِّركِ إلى الإيمانِ فهو حينئذٍ عدةٌ كريمةٌ بتحقيق المُبشَّر به ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ﴾ أي ما أسلفُوا من الأعمالِ الصالحة وغيرها ﴿وآثارهم﴾ التي أبقوها من الحسناتِ كعلمٍ علمُوه أو كتابٍ ألَّفُوه أو حبيسٍ وقفُوه أو بناءٍ بنوَه من المساجدِ والرِّباطاتِ والقناطرِ وغيرِ ذلك من وجوهِ البرِّ ومن السَّيئاتِ كتأسيسِ قوانينِ الظلم والعدوان وترتيب مبادي الشرِّ والفساد فيما بين العباد وغير ذلك من فنون الشُّرور التي أحدثُوها وسنُّوها لمن بعدهم من المُفسدين وقيل هي آثار المشَّائينَ إلى المساجدِ ولعلَّ المرادَ أنَّها من جُملةِ الآثارِ وقُرىء ويُكتب على البناءِ للمفعولِ ورفعِ آثارَهم ﴿وَكُلَّ شىْء﴾ من الأشياءِ كائناً ما كانَ ﴿أحصيناه فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أصلٍ عظيمِ الشَّأنِ مظهر لجميعِ الأشياءِ ممَّا كانَ وما سيكونُ وهو اللَّوحُ المحفوظُ وقُرىء كلُّ شيءٍ بالرَّفعِ

стр. 5584

﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية﴾ ضربُ المَثَلِ يُستعملُ تارةً في تطبيقِ حالةٍ غريبةٍ بحالةٍ أُخرى مثلِها كما في قوله تعالى ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كفروا امراة نوح وامراة لُوطٍ وأخرى في ذكر حالةٍ غريبةٍ وبيانِها للنَّاس من غير قصدٍ إلى تطبيقِها بنظيرةِ لها كما في قولِهِ تعالى وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامثال على أحدِ الوجهينِ أي بيَّنا لكم أحوالاً بديعةً هي في الغرابةِ كالأمثالِ فالمَعْنى على الأوّلِ اجعلْ أصحابَ القريةِ مثلاً لهؤلاء في الغُلوِّ في الكفرِ والإصرارِ على تكذيبِ الرُّسلِ أي طبِّق حالَهم بحالهم على أنَّ مثلاً مفعولٌ ثان لا ضرب وأصحابَ القريةِ مفعولُه الأوَّلَ أُخِّر عنْهُ ليتَّصل بهِ ما هو شرحُه وبيانُه وعلى الثَّاني اذكُر وبيِّن لهم قصَّةً هي في الغرابةِ كالمَثَل وقوله تعالى أصحابَ القريةِ بدلٌ منه بتقديرِ المضافِ أو بيانٌ له والقريةُ أنطاكيِّةُ ﴿إِذْ جَاءهَا المرسلون﴾ بدلُ اشتمالٍ من أصحابَ القريةِ وهم رُسلُ عيسى ﵇ إلى أهلِها ونسبةُ إرسالِهم إليهِ تعالى في قولِه

стр. 5585

﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين﴾ بناء على أنَّه كان بأمره تعالى لتكميلِ التَّمثيلِ وتتميم التَّسليةِ وهما يحيى وبُولس وقيل غيرُهما ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي فأتياهم فدعواهم إلى الحقِّ فكذَّبوهما في الرِّسالةِ ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ أي قوَّينا يقال عزز المطر الارض اذ لبَّدها وقُرىء بالتَّخفيفِ من عزَّه إذا غلبَه وقهرَه وحُذف المفعولُ لدلالة ما قبله عليه ولأنَّ المقصدَ ذكر المعزَّزِ به ﴿بِثَالِثٍ﴾ هو شَمعُون ﴿فَقَالُواْ﴾ أي جميعاً ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ مُؤكِّدين كلامَهم لسبق الإنكارِ لما أنَّ تكذيبَهما تكذيبٌ للثَّالثِ لاتِّحادِ كلمتهم وذلك أنَّهم كانوا عَبَدَة أصنام فأرسل اليهم

стр. 5586

يس ١٥ ١٧ عيسى ﵇ اثنينِ فلما قَرُبا من المدينة رأياً شيخاً يَرعى غُنيماتٍ له وهو حبيبٌ النَّجارُ صاحب يس فسألهما فأخبراهُ قال أمعكما آيةٌ فقالا نشفي المريضَ ونُبرىء الأكْمَه والأبرصَ وكان له ولدٌ مريضٌ منذ سنتينِ فمسحاهُ فقام فآمن حبيبٌ وفشا الخبرُ وشُفي على أيديهما خلقٌ وبلغ حديثُهما إلى الملكِ وقال لهما ألنا إلهٌ سوى آلهتِنا قالا نعم من أوجدَك وآلهتَك فقال حتَّى أنظرَ في أمرِكما فتبعهما النَّاسُ وقيل ضربُوهما وقيل حُبسا ثمَّ بعث عيسى ﵇ شَمعُون فدخلَ مُتنكِّرا وعاشر حاشيةَ الملك حتَّى استأنُسوا به ورفعوا خبرَه إلى الملكِ فأنسَ به فقالَ له يَوْماً بلغني أنَّك حبستَ رجلينِ فهل سمعت مايقولونه قال لَا حال الغضبُ بيني وبينَ ذلكَ فدعاهُما فقال شَمعُون مَن أرسلكُما قالا الله الذي خَلَق كلَّ شيءٍ وليسَ له شريكٌ فقال صفاهُ وأَوْجِزا قالَا يفعلُ مَا يشاءُ ويحكُم ما يريدُ قال وما آيتكُما قالا ما يتمنَّى الملكُ فَدَعا بغلامٍ مطمُوسِ العينينِ فدعَوَا الله تعالى حتَّى انشقَّ له بصرٌ فأخذا بُندقتينِ فوضعاهما في حدقتيهِ فصارتا مُقلتينِ ينظرُ بهما فقال له شَمعُون أرأيتَ لَو سألتَ إلهَك حتَّى يصنعَ مثلَ هذا فيكونَ لك وله الشَّرفُ قال ليس لي عنك سرٌّ إن إلهنَا لا يُبصر ولا يَسمع ولا يضرُّ ولا ينفعُ وكان شمعُون يدخلُ معهم على الصَّنمِ فيصلِّي ويتضرَّعُ وهم يحسبون أنَّه منهم ثم قال إنْ قدر إلهُكما على إحياءِ ميِّتٍ آمنَّا به فدعَوا بغلامٍ ماتَ من سبعةِ أيامٍ فقامَ وقال إنِّي أُدخلت في سبعةِ أوديةٍ من النَّارِ وإنِّي أُحذركم ما أنتُم فيه فآمِنُوا وقال فُتحت أبوابُ السَّماء فرأيتُ شَاباً حسنَ الوجهِ يشفعُ لهؤلاء الثَّلاثةِ قال الملكُ من هُم قال شمعُونُ وهذانِ فتعجَّبَ الملكُ فلمَّا رأى شمعُون أنَّ قولَه قد أثر فيه نصحَه فآمنَ وآمنَ قومٌ ومَن لم يُؤمن صاحَ عليهم جبريلُ ﵇ فهلكُوا هكذا قالُوا ولكن لا يُساعده سياقُ النظمِ الكريمِ حيثُ اقُتصر فيه على حكايةِ تمادِيهم في العنادِ واللَّجاجِ وركوبِهم متنَ المُكابرةِ في الحِجاجِ ولم يُذكرْ فيه ممَّن يؤمن أحدٌ سوى حبيبٍ ولو أنَّ الملكَ وقوماً من حواشيه آمنُوا لكان الظَّاهرُ أنْ يُظاهروا الرُّسلَ ويساعدوهم قُبلوا في ذلك أو قُتلوا كدأب النَّجار الشهيد ولكان لهم فيه ذكرٌ ما بوجه من الوجوه اللَّهم إلَاّ أن يكونَ إيمانُ الملكِ بطريق الخُفيةِ على خوفٍ من عناة ملئِه فيعتزلُ عنهم مُعتذراً بعذرٍ من الأعذارِ

стр. 5587

﴿قَالُواْ﴾ أي أهلُ أنطاكيَّةَ الذينَ لَم يُؤمنوا مُخاطبينَ للثَّلاثةِ ﴿مَا أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مثلنا﴾ من غير مزيةٍ لكُم عَلينا مُوجبةٍ لاختصاصكم بما تدعونَه ورفعُ بشرٌ لانتقاضِ النَّفيِ المُقتضي لإعمالِ ما بإلَاّ ﴿وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَىْء﴾ ممَّا تدعُونه من الوحي والرِّسالةِ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَكْذِبُونَ﴾ في دَعْوى رسالتِه

стр. 5588

﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إليكم لمرسلون﴾ استشهدوا بعلمِ الله تعالى وهو يَجْري مجرى القسمِ مع ما فيه من تحذيرِهم معارضةَ علم الله تعالى وزادُوا الَّلامَ المؤكِّدةَ لِما شاهدُوا منُهم من شدَّةِ الإنكارِ

стр. 5589

﴿وَمَا عَلَيْنَا﴾ أي من جهةِ ربِّنا ﴿إِلَاّ البلاغ المبين﴾ أي إلَاّ تبليغُ رسالتِه تبليغاً ظَاهِراً بيِّناً

стр. 5590

يس ١٨ ٢٢ بالآياتِ الشَّاهدةِ بالصِّحَّةِ وقد خرجنا عن عُهدته فلا مؤاخذةَ لنا بعد ذلك من جهة ربِّنا أو ما علينا شيءٌ نُطالب به من جهتِكم إلا تبليغُ الرِّسالةِ على الوجهِ المذكورِ وقد فعلناه فأيُّ شيءٍ تطلبون منَّا حتَّى تُصدِّقوُنا بذلك

стр. 5591

﴿قَالُواْ﴾ لمَّا ضاقتْ عليهم الحيلُ وعيَّت بهم العلل ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تشاءمنا بكم جرياً على دَيْدنِ الجَهَلةِ حيث كانُوا يتيَّمنون بكلِّ ما يُوافق شهواتِهم وإن كان مستجلباً لكلِّ شر ووبال ويتشاءمون بمالا يُوافقها وإنْ كان مستتبعاً لسعادةِ الدَّارينِ أو بناء على الدعوة لاتخلو عن الوعيدِ بما يكرهونَه من اصابة ضر متعلق بأنفسهم وأهليهم وأموالِهم إنْ لم يُؤمنوا فكانوا ينفرون عنه وقد رُوي أنَّه حُبس عنهم القطرُ فقالوه ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ﴾ أي عن مقالتِكم هذه ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بالحجارةِ ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لا يُقادرُ قَدرُه

стр. 5592

﴿قَالُواْ طائركم﴾ أي سببُ شُؤمكم ﴿مَّعَكُمْ﴾ لا مِن قِبلنا وهو سوءُ عقيدتِكم وقبحُ أعمالكم وقُرىء طَيركُم ﴿أئن ذُكّرْتُم﴾ أي وُعظتُم بما فيه سعادتُكم وجوابُ الشَّرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ عليه أي تطيرتُم وتوعدتُم بالرَّجمِ والتَّعذيبِ وقُرىء بألفٍ بين الهمزتينِ وبفتحِ أنْ بمعنى أتطيرتُم لأنْ ذُكِّرتم وأنْ ذكِّرتم وإنْ ذُكِّرتم بغيرِ استفهام وأينَ ذُكِّرتم بمعنى طائركم معكم حيثُ جرى ذكركُم وهو أبلغُ ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ إضرابٌ عمَّا تقتضيه الشَّرطيَّةُ من كونِ التَّذكيرِ سبباً للشُّؤمِ أو مصحِّحاً للتوعد أي ليس الأمرُ كذلك بل أنتُم قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان فلذلك أتاكُم الشُّؤمُ أو في الظُّلمِ والعُدوانِ ولذلك تَوعدتُم وتَشاءمتُم بمن يجبُ إكرامُه والتَّبركُ به

стр. 5593

﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ هو حبيبٌ النَّجارُ وكان ينحتُ أصنامَهم وهو ممَّن آمنَ برسولِ الله ﷺ وبينهما ستمائةُ سنةٍ كما آمنَ به تُبَّعُ الأكبرُ وورقةُ بنُ نوفلٍ وغيرُهما ولم يؤمن من بنبي غيره ﷺ أحدٌ قبل مبعثِه وقيل كان في غارٍ يعبدُ الله تعالى فلمَّا بلغه خبرُ الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أظهرَ دينَه ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ مجيئهِ ساعياً كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ عند مجيئِه فقيل قال ﴿يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ تعرض لعُنوانِ رسالتهم حثَّاً لهم على اتِّباعِهم كما أنَّ خطابَهم بيا قوم لتأليفِ قلوبِهم واستمالتِها نحو قبولِ نصيحتِه وقوله تعالى

стр. 5594

﴿اتبعوا من لا يسألكم أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ تكريرٌ للتأكيد والتوسل به إلى وصفهم بما يرغِّبُهم في اتِّباعهم من التَّنزهِ عن الغرض الدُّنيويِّ والاهتداء إلى خير الدُّنيا والدِّينِ

стр. 5595

﴿وَمَا لِىَ لَا أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى﴾ تلطُّفٌ في الارشاد

стр. 5596

يس ٢٣ ٢٧ بإيراده في معرض المُناصحةِ لنفسِه وإمحاض النُّصحِ حيثُ أراهم أنَّه اختارَ لهم ما يختارُ لنفسه والمرادُ تقريعُهم على ترك عبادةِ خالقِهم إلى عبادةِ غيرِه كما ينبىء عنه قوله ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مبالغةً في التَّهديدِ ثمَّ عاد إلى المساق الاول فقال

стр. 5597

﴿أأتخذ من دونه آلهة﴾ إنكارٌ ونفيٌ لاتِّخاذِ الآلهة على الإطلاق وقوله تعالى ﴿إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ لَاّ تُغْنِ عَنّى شفاعتهم شَيْئاً﴾ أي لا تنفعني شيئا من النفع ﴿ولا يُنقِذُونَ﴾ من ذلك الضُّرِّ بالنصرة والمظاهرة استئناف سيق لتعليلٍ النَّفي المذكور وجعلُه صفةً لآلهةً كما ذهب إليه بعضُهم رُبَّما يُوهم أنَّ هناك آلهةً ليستْ كذلكَ وقُرىء إنْ يَردن بفتح الياءِ على معنى إنْ يُوردني ضراً أي يجعلنِي مورداً للضُّرِّ

стр. 5598

﴿إِنّى إِذاً﴾ أي إذا اتخذتُ من دونه آلهةً ﴿لَفِى ضلال مُّبِينٍ﴾ فإنَّ اشراك ماليس من شأنِه النَّفعُ ولا دفعُ الضُّرِّ بالخالق المقتدرِ الذي لا قادرَ غيرُه ولا خيرَ إلا خيرُه ضلال بيِّن لا يَخْفى على أحدٍ ممَّن له تمييزٌ في الجملةِ

стр. 5599

﴿إني آمنت بِرَبّكُمْ﴾ خطاب منه للرُّسلِ بطريق التَّلوينِ قيل لمَّا نصحَ قومَه بما ذُكر همُّوا برجمِه فأسرع نحوَ الرُّسلِ قبل أن يقتلُوه فقال ذلك وإنَّما أكَّده لإظهارِ صدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط واضاف الربَّ إلى ضميرِهم رَوْماً لزيادة التَّقريرِ وإظهاراً للاختصاصِ والاقتداء بهم كأنَّه قالَ بربِّكم الذي أرسلَكم أو الذي تدعُوننا إلى الإيمانِ به ﴿فاسمعون﴾ أي اسمعُوا إيمانيَ واشهدُوا لي به عند الله تعالى وقيل الخطابُ للكفرةِ شافههَم بذلك إظهاراً للتَّصلُّبِ في الدِّينِ وعدم المبالاة بالقتلِ وإضافةُ الرَّبِّ إلى ضميرهم لتحقيقِ الحقِّ والتَّنبيهِ على بُطلان ما هم عليه من اتِّخاذِ الأصنامِ أرباباً وقيل للنَّاس جميعاً

стр. 5600

﴿قِيلَ ادخل الجنة﴾ قيل له ذلك لمَّا قتلُوه إكراماً له بدخولِها حينئذٍ كسائر الشُّهداءِ وقيل لما همُّوا بقتله رفعَه الله تعالى إلى الجنَّةِ قاله الحسنُ وعن قَتادةَ أدخلَه الله الجنَّةَ وهو فيها حيٌّ يُرزقُ وقيل معناه البُشرى بدخولِ الجنَّةِ وأنَّه من أهلِها وإنَّما لم يُقل له لأنَّ الغرضَ بيان المقول لا المقول له لظهوره وللمبالغةِ في المسارعةِ إلى بيانِه والجملةُ استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالِه ومقالهِ كأنَّه قيلَ كيفَ كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في دينه والتسخي بروحه لوجهه تعالى فقيل قيل ادخل الجنَّة وكذلك قوله تعالى ﴿قَالَ يَا ليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾

стр. 5601

﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين﴾ فإنَّه جواب عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالهِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ عند نيلِه تلك الكرامةَ السَّنيةَ فقيل قال الخ وإنما تمنَّى علَم قومه بحاله ليحملَهم ذلك عن اكتسابِ مثله

стр. 5602

يس ٢٨ ٣١ بالتَّوبةِ عن الكُفرِ والدخول في الإيمانِ والطَّاعةِ جرياً على سَننِ الأولياء في كظم الغيظ والتَّرحمِ على الأعداءِ أو ليعلموا أنهم كانُوا على خطأٍ عظيمٍ في أمره وأنَّه كان على الحقِّ وأنَّ عداوتَهم لم تكسبه إلَاّ سعادةً وقُرىء من المكرمين وما موصولةٌ أو مصدريةٌ والباء صلةُ يعلمون أو استفهاميةٌ وردت على الاصل والباء متعلِّقةٌ بغفرَ أي بأي شيءٍ غفرَ لي ربِّي يريدُ به تفخيمَ شأنِ المهاجرةِ عن ملَّتِهم والمصابرةِ على أذيَّتِهم

стр. 5603

﴿وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد قتلِه أو رفعِه ﴿مِن جُندٍ مّنَ السماء﴾ لإهلاكِهم والانتقامِ منهم كما فعلناه يوم بدر والخندق بل كفينا أمرَهم بصيحةِ مَلَكٍ وفيه استحقار لهم لاهلاكهم وإيماء إلى تفخيمِ شأن الرسول ﷺ ﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتِنا أنْ ننزلَ لإهلاكِ قومِه جُنداً من السَّماءِ لما أنَّا قَدَّرنا لكلِّ شيءٍ سَبَباً حيثُ أهلكنا بعضَ مَن أهلكنا من الأُمم بالحاصبِ وبعضَهم بالصيحة وبعضَهم بالخسفِ وبعضَهم بالإغراقِ وجعلنا إنزالَ الجندِ من خصائصِك في الانتصارِ من قومك وقيل ما موصولة معطوفة على جندٍ أي وما كنَّا مُنزلين على مَن قبلهم من حجارةٍ وريحٍ وأمطارٍ شديدةٍ وغيرِها

стр. 5604

﴿إِن كَانَتْ﴾ أي ما كانتْ الأخذةُ أو العقوبةُ ﴿إِلَاّ صَيْحَةً واحدة﴾ صاحَ بها جبريلُ ﵇ وقُرىء إلَاّ صيحةٌ بالرَّفعِ على أنَّ كانَ تامة وقُرىء إلا زَقيةً واحدةً من زَقَا الطَّائرُ إذا صاحَ ﴿فَإِذَا هُمْ خامدون﴾ ميِّتُون شُبِّهوا بالنَّارِ الخامدةِ رمزا الى أنَّ الحيَّ كالنَّارِ السَّاطعةِ في الحَرَكةِ والالتهابِ والميِّتُ كالرماد كما قال لَبيدٌ ... وَمَا المرءُ إلَاّ كالشَّهاب وضوئِه ... يحورُ رَمَاداً بعدَ إذْ هُو ساطع ...

стр. 5605

(يا حسرة عَلَى العباد) تعالى فهذه من الأحوالِ التي حقُّها أنْ تحضرِي فيها وهي ما دل عليه قوله تعالى ﴿وَمَا يَأْتِيهِم من رَّسُولٍ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون﴾ فإنَّ المستهزئينَ بالنَّاصحينَ الذين نيطت بنصائِحهم سعادةُ الدَّارينِ أحقَّاءُ بأنْ يتحسَّروا ويتحسَّرُ عليهم المتحسِّرون أو قد تلهَّفَ على حالهم الملائكةُ والمؤمنون من الثَّقلينِ وقد جُوِّز أنْ يكون تحسُّراً عليهم من جهةِ الله تعالى بطريق الاستعارةِ لتعظيم ما جنوه على أنفسِهم ويؤيِّده قراءةُ يَا حسرتَا لأنَّ المعنى يا حسرتِي ونصبُها لطولِها بما تعلَّق بها من الجارِّ وقيل بإضمارِ فعلِها والمنادى محذوف وقرىء ياحسرة العبادِ بالإضافةِ إلى الفاعلِ او المفعول ويا حسرة على العبادِ بإجراءِ الوصلِ مجرى الوقفِ
следующие страницы →