← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

﴿وهديناهما﴾ بذلك ﴿الصراط المستقيمَ﴾ الموصِلَ إلى الحقِّ والصَّوابِ بما فيه من تفاصيلِ الشَّرائعِ وتفاريعِ الأحكامِ

стр. 5812

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الأخرين﴾ ﴿سلام على موسى وهارون﴾ أي أبقينا فيما بين الأممِ الآخرين هذا الذِّكرَ الجميلَ والثَّناءَ الجزيلَ

стр. 5813

﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ الجزاءِ الكاملِ ﴿نَجْزِى المحسنين﴾ الذين هُما من جملتهم لاجزاء قاصراً عنه

стр. 5814

﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ سبق بيانُه

стр. 5815

﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين﴾ هو إلياسُ بنُ ياسينَ من سبط هرون أخي مُوسى ﵈ بُعث بعده وقيل إدريسُ لأنه قرئ مكانه إدريس وإدراس وقرئ إيليس وقرئ إلياسَ بحذفِ الهمزة

стр. 5816

﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي عذابَ الله تعالى

стр. 5817

﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أتعبدونَه وتطلبون الخيرَ منه وهو اسمُ صنمٍ كان لأهل بكَّ من الشَّأمِ وهو البلد المعروفُ اليوم ببَعْلَبَكَّ قيل كان من ذهبٍ طوله عشرون ذراعاً وله أربعةُ أوجهٍ فتُنوا به وعظَّموه حتى أخدمُوه أربعمائة سادنٍ وجعلوهم أنبياءَ فكان الشَّيطانُ يدخل جوفَه ويتكلَّم بشريعة الضَّلالةِ والسَّدنةُ يحفظونَها ويُعلِّمونها النَّاسَ وقيل البَعْلُ الرَّبُّ بلغة اليمنِ أي أتعبدون بعضَ البُعولِ ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾

стр. 5818

أي وتتركون عبادته وقد أُشير إلى المقتضى للإنكارِ المعنيِّ بالهمزة ثم صرَّح به بقوله تعالى

стр. 5819

﴿الله ربكم ورب آبائكم الاولين﴾ بالنَّصبِ على البدليةِ من أحسن الخالقين وقرئ بالرَّفعِ على الابتداءِ والتَّعرُّضُ لذكرِ ربوبيَّتهِ تعالى لآبائهم لتأكيدِ إنكارِ تركهِم عبادته تعالى والإشعارِ ببُطلان آراءِ آبائهم أيضاً

стр. 5820

﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ﴾ بسبب تكذيبهم ذلك ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أي العذابَ والإطلاقُ للاكتفاء بالقرائنِ على أنَّ الإحضارَ المطلقَ مخصوص بالشَّرِّ عُرفاً

стр. 5821

﴿إِلَاّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ استثناء من ضمير مُحضرون

стр. 5822

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخرين سلام على إِل يَاسِين﴾ هو لغة في الياسَ كسيناءَ في سينينَ وقيل هو جمعٌ له أُريد به هو وأتباعُه كالمهلَّبين والخُبَيبين وفيه أنَّ العَلَم إذا جُمع يجبُ تعريفُه كالمثالين وقرئ بإضافة آلِ إلى ياسينَ لأنَّهما في المصحفِ مفصولانِ فيكونُ ياسينَ أبا إلياس

стр. 5823

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ مرَّ تفسيرُه

стр. 5824

﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين إِذْ نجيناه﴾ أي اذكُر وقتَ تنجيتِنا إيَّاه ﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَاّ عَجُوزاً فِى الغابرين﴾ أي الباقين في العذابِ أو الماضين الهالكين ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الاخرين﴾ فإنَّ في ذلك شواهدَ على جليةِ أمرِه وكونِه من جملة المرسلين

стр. 5825

الصافات ١٣٧ ١٤٥

стр. 5826

﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهلَ مكَّة ﴿لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ على منازلهم في متاجرِكم إلى الشَّأمِ وتشاهدون آثارَ هلاكهم فإنَّ سدومَ في طريق الشَّأمِ ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ داخلينَ في الصَّباحِ

стр. 5827

و ﴿بالليل﴾ أي ومساء أونهارا أو ليلا ولعلَّها وقعت بقرب منزلٍ يمرُّ بها المرتحلُ عنه صباحاً والقاصدُ له مساءً ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتَّى تعتبرُوا به وتخافوا أنْ يُصيبكم مثلُ ما أصابهم

стр. 5828

﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين﴾ وقرئ بكسر النُّونِ

стр. 5829

﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي هربَ وأصله الهربُ من السَّيدِ لكن لمَّا كان هربُه من قومه بغير إذن ربِّه حسُن إطلاقُه عليه ﴿إِلَى الفلك المشحون﴾ أي المملوءِ

стр. 5830

﴿فساهم﴾ فقارعَ أهلَه ﴿فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ فصار من المغلوبينَ بالقُرعةِ وأصله المزلق عن مقام الظفر رُوي أنه ﵊ لمَّا وعدَ قومَه بالعذابِ خرجَ من بينهم قبل أنْ يأمرَه الله تعالى به فركبَ السَّفينةَ فوقفتْ فقالوا فيها عبدٌ آبقٌ فاقترعُوا فخرجت القُرعةُ عليه فقال أنا الآبقُ ورَمَى بنفسه في الماءِ

стр. 5831

﴿فالتقمه الحوت﴾ فابتعله من اللُّقمةِ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخلٌ في المَلامةِ أو آتٍ بما يُلام عليه أو مليم نفسه وقرئ مَليم بالفتح مبنيًّا من لِيم كمَشيب في مشُوب

стр. 5832

﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ الذَّاكرينَ الله كثيراً بالتَّسبيحِ مدَّة عمره أو في بطنِ الحوتِ وَهُوَ قوله لَا إله إِلَاّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين وقيل من المصلِّين فإنَّه ﵊ كان كثيرَ الصَّلاةِ في الرَّخاءِ

стр. 5833

﴿لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ حيًّا وقيل ميِّتاً وفيه حثٌّ على إكثارِ الذِّكرِ وتعظيمٌ لشأنهِ ومن أقبل عليه في السَّراءِ أُخذ بيدِه عند الضَّرَّاء

стр. 5834

﴿فنبذناه بالعراء﴾ بأن حملنا الحوتَ على لفظه بالمكان الخالي عمَّا يُغطِّيه من شجرٍ أو نبتٍ رُوي

стр. 5835

الصافات ١٤٦ ١٤٩ أنَّ الحوتَ سار مع السفينة رافعا رأسا يتنفسُّ فيه يونسُ ﵇ ويسبِّحُ ولم يفارقْهم حتى انتهو إلى البرِّ فلفظَه سالماً لم يتغير منه شئ فأسلمُوا ورُوي أنَّ الحوتَ قذفَه بساحل قريةٍ من المَوصلِ واختُلف في مقدارِ لبثه فقيل أربعون يوماً وقيل عشرون وقيل سبعةٌ وقيل ثلاثةٌ وقيل لم يلبثْ إلا قليلاً ثم أُخرج من بطنهِ بعيد الوقتِ الذي التُقمَ فيه رَوى عطاءٌ أنَّه حين ابتعله أوحى اللَّهُ تعالى إلى الحوتِ إنِّي جعلتُ بطنك له سجناً ولم أجعله لك طعاماً ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ممَّا ناله قيل صار بدنُه كبدنِ الطِّفلِ حين يُولد

стр. 5836

﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ﴾ أي فوقه مظلَّة عليه ﴿شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ﴾ وهو كل ما ينبسطُ على الأرضِ ولا يقوم على ساقٍ كشجر البطِّيخ والقِثَّاءِ والحنظلِ وهو يَفْعيلٌ من قَطَن بالمكانِ إذا أقام به والأكثرون على أنَّه الدُّبَّاءُ غطَّته بأوراقِها عن الذُّبابِ فإنَّه لا يقعُ عليه ويدلُّ عليه أنَّه قيلَ لرسولِ الله ﷺ إنَّك تحبُّ القرعَ قال أجلْ هي شجرةُ أخي يونس وقيل هي التِّينُ وقيل المَوزُ تغطَّى بورقهِ واستظلَّ بأغصانهِ وأفطر على ثماره وقيل كان يستظلُّ بالشَّجرةِ وكانت وعلةٌ تختلفُ إليه فيشربُ من لبنها

стр. 5837

﴿وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ﴾ هم قومُه الذين هرب منهم وهم أهل نَيْنَوى والمرادُ به إرسالُه السَّابقُ أَخبر أولاً بأنَّه من المرسلين على الاطلاقِ ثم أخبرَ بأنَّه قد أُرسل إلى أمةٍ جمَّةٍ وكأنَّ توسيطَ تذكير وقت هربِه إلى الفُلكِ وما بعده بينهما لتذكير سببهِ وهو ما جَرَى بينَهُ ﵊ وبين قومِه من إنذاره إيَّاهم عذابَ الله تعالى وتعيينِه لوقت حلوله وتعلُّلِهم وتعليقِهم لإيمانِهم بظهور أماراتِه كما مرَّ تفصيلُه في سُورة يونسَ ليعلم أنَّ إيمانَهم الذي سيحكى بعد لم يكُن عقيبَ الإرسالِ كما هو المتبادَرُ من ترتيبِ الإيمانِ عليه بالفاء بل بعد اللَّتيا والَّتي وقيل هو إرسالٌ آخرُ إليهم وقيل إلى غيرِهم وليس بظاهرٍ ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي في مَرأى النَّاظرِ فإنَّه إذا نظر إليهم قال إنَّهم مائةِ ألفٍ أو يزيدونَ والمراد هو الوصف بالكثرة وقرئ بالواو

стр. 5838

﴿فآمنوا﴾ أي بعد ما شاهدُوا علائمَ حلول العذابِ إيماناً خالصا ﴿فمتعناهم﴾ أي بالحياة الدُّنيا ﴿إلى حِينٍ﴾ قدَّره الله سبحانه لهم قيل ولعل عدمَ ختمِ هذه القصَّةِ وقصَّةِ لوطٍ بما خُتم به سائرُ القصصِ للتَّفرقةِ بينهما وبين أربابِ الشَّرائعِ وأُولي العزمِ من الرُّسلِ أو اكتفاء بالتسليم بالشامل لكلِّ الرُّسلِ المذكورينَ في آخرِ السُّورةِ

стр. 5839

﴿فاستفتهم﴾ أمرِ الله في صدرِ السُّورة الكريمةِ رسوله ﷺ بتبكيتِ قُريشٍ وإبطالِ مذهبِهم في إنكارِ البعثِ بطريقِ الاستفتاءِ وساقَ البراهينَ القاطعةَ النَّاطقة بتحقُّقةِ لا محالة وبيَّن وقوعَه وما سيلقَونه عند ذلكَ من فُنون العذابِ واستثنى منهم عبادَه المُخلَصين وفصَّل ما لهم من النَّعيمِ المقيمِ ثم ذكر أنَّه قد ضلَّ من قبلهم أكثرُ الأوَّلينَ

стр. 5840

الصافات ١٥٠ ١٥٣ وأنَّه تعالى أرسلَ إليهم منذرين عل وجهِ الإجمالِ ثم أوردَ قصص كلِّ واحدٍ منهم على وجهِ التَّفصيلِ مبيِّناً في كل قصَّةِ منها أنَّهم من عبادِه تعالى واصفاً لهم تارةً بالإخلاصِ وأُخرى بالإيمانِ ثم أمره ﷺ ههنا بتبكيتِهم بطريقِ الاستفتاءِ عن وجهِ أمرٍ منكرٍ خارج عن العقول بالكلِّيةِ وهي القسمةُ الباطلةُ اللازمةُ لما كانُوا عليه من الاعتقاد الزَّائغِ حيثُ كانُوا يقولون كبعض أجناس العربِ جُهينةَ وبني سلمةَ وخُزاعةَ وبني مَليحٍ الملائكةُ بناتُ الله والفاءُ لترتيبِ الأمرِ على ما سبق من كون أولئك الرُّسلِ الذين هم أعلامُ الخَلْقِ عليهم الصلاة والسلام عبادَه تعالى فإنَّ ذلك ممَّا يؤكِّدُ التَّبكيتَ ويُظهر بُطلانَ مذهبهم الفاسد ثم تبكيتُهم بما يتضمَّنُه كفرهم المذكورُ من الاستهانة بالملائكة بجعلهم إناثاً ثم أبطل أصلَ كفرهم المنطوي على هذينِ الكفرينِ وهو نسبةُ الولدِ إليه عن ذلكَ علوَّاً كبيراً ولم ينظمه في سلكِ التَّبكيتِ لمشاركتهم النَّصارى في ذلك أي فاستخبرْهم ﴿أَلِرَبّكَ البنات﴾ اللاتي هن أوضعُ الجنسينِ ﴿وَلَهُمُ البنون﴾ الذين هم أرفعُهما فإنَّ ذلك ممَّا لا يقولُ به من له أدنى شئ من العقلِ وقوله تعالى

стр. 5841

﴿أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من التبكيتِ بالاستفتاءِ السَّابقِ إلى التَّبكيتِ بهذا كما أُشير إليه أي بل أخلقنا الملائكةَ الذين هم من أشرفِ الخلائقِ وأبعدِهم من صفات الأجسامِ ورذائل الطَّبائعِ إناثاً والأُنوثةُ من أخسِّ صفاتِ الحيوانِ وقوله تعالى ﴿وَهُمْ شاهدون﴾ استهزاء بهم وتجهيل لهم كقولِه تعالى أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ وقوله تعالى مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والارض والا خلق أَنفُسِهِمْ فإنَّ أمثالَ هذه الامور لا تعلم بالمشاهدةِ إذ لا سبيلَ إلى معرفتِها بطريقِ العقلِ وانتفاء النَّقلِ ممَّا لا ريَب فيه فلا بُدَّ أنْ يكون القائل بأنوثتهم شاهداً عند خلقِهم والجملةُ إما حالٌ من فاعل خلقنا أي بل أخلقناهُم إناثاً والحالُ أنهم حاضرون حينئذٍ أو عطفٌ على خلقنا أي بل أهم شاهدون وقوله تعالى

стр. 5842

﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ ليقولون ولد الله﴾ استثناف من جهته غيرُ داخلٍ تحت الأمر بالاستفتاء مسبوق لإبطالِ أصل مذهبِهم الفاسدِ ببيان أنَّ مبناهُ ليس إلَاّ الإفكُ الصَّريحُ والافتراء القبيحُ من غير أنْ يكونَ لهم دليلٌ أو شبهة قطعاً ﴿وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ في قولِهم ذلك كَذِباً بيِّناً لا ريبَ فيه وقرئ ولدُ الله على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الملائكةُ ولدُه تعالَى عن ذلكَ عُلوَّاً كبيراً فإنَّ الولدَ فعل بمعنى مفعولٍ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ والمذكَّرُ والمؤنَّثُ

стр. 5843

﴿أَصْطَفَى البنات على البنين﴾ إثباتٌ لإفكِهم وتقريرٌ لكذبِهم فيما قالوا ببيان استلزامه لأمر بيِّن الاستحالة هو اصطفاؤه تعالى البنات على النبين والاصطفاء أخذ صفوة الشئ لنفسه وقرئ بكسرِ الهمزةِ على حذفِ حرف الاستفهام

стр. 5844

الصافات ١٥٤ ١٥٨ ثقةً بدلالةِ القَرَائنِ عليهِ وجعله بدلاً من ولدَ الله ضعيفٌ وتقديرُ القولِ أي لكاذبونَ في قولِهم اصطفَى الخ تعسُّفٌ بعيدٌ

стр. 5845

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بهذا الحكم الذي يَقضي ببطلانِه بديهةُ العقلِ

стр. 5846

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التاءين من تتذكرون وقرئ تذكُرون من ذَكَر والفاءُ للعطفِ على مقدَّرٍ أي ألا تلاحِظون ذلك فلا تتذكَّرون بطلانَهُ فإنَّه مركوزٌ في عقلِ كلِّ ذكيَ وغبيَ

стр. 5847

﴿أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من توبيخِهم وتبكيتِهم بما ذُكر إلي تبكيتِهم بتكليفِهم ما لا يدخُل تحتَ الوجودِ أصلاً أي بل ألكُم حجَّةٌ واضحةٌ نزلتْ عليكم من السَّماءِ بأنَّ الملائكةَ بناتُه تعالى ضرورةَ أنَّ الحكمَ بذلك لا بُدَّ له من سندٍ حسيَ أو عقلي وحيثُ انتفى كلاهُما فلا بُدَّ من سندٍ نقليَ

стр. 5848

﴿فَأْتُواْ بكتابكم﴾ النَّاطقِ بصَّحةِ دَعْواكم ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ فيها وفي هذه الآياتِ من الإنباءِ عن السُّخطِ العظيمِ والإنكارِ الفظيعِ لأقاويلهم والاستبعادِ الشَّديدِ لأباطيلِهم وتسفيِه أحلامِهم وتركيكِ عقولِهم وأفهامِهم مع استهزاءٍ بهم وتعجيبٍ من جهلِهم مَا لا يَخْفى عَلَى مَنْ تأمَّل فيها وقولُه تعالَى

стр. 5849

﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ التفاتٌ إلى الغَيبةِ للإيذانِ بانقطاعِهم عن الجوابِ وسقوطِهم عن درجةِ الخطابِ واقتضاءِ حالِهم أنْ يعرضَ عنهم وتُحكى جناياتُهم لآخرينَ والمرادُ بالجِنَّةِ الملائكةُ قالوا الجنسُ واحدً ولكنْ من خبث من الجن ومردوكان شرَّاً كله فهو شيطانٌ ومن طهر منهم ونسكَ وكان خيراً كله فهو مَلَكٌ وإنَّما عبَّر عنهم بذلك الاسمِ وَضْعاً منهم وتَقصيراً بهم مع عِظَمِ شأنِهم فيما بينَ الخلقِ أنْ يبلغُوا منزلةَ المناسبة التي أضافُوها إليهم فجعلهم هذا عبارةً عن قولَهم الملائكةُ بناتُ الله وإنَّما أُعيد ذكُره تمهيداً لما يعقُبه منْ قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي وبالله لقد علمتْ الجِنَّةُ التي عظَّموها بأنْ جعلُوا بينها وبينه تعالى نَسَباً وهم الملائكةُ أنَّ الكفرةَ لمحضرونَ النَّار معذَّبُون بها لكذبِهم وافترائِهم في قولِهم ذلك والمرادُ به المبالغةُ في التَّكذيبِ ببيانِ أنَّ الذين يدَّعي هؤلاء لهم تلك النِّسبةَ ويعلمون أنَّهم أعلمُ منهم بحقيقةِ الحالِ يكذبونهم في ذلك ويحكمُون بأنَّهم معذَّبون لأجلِه حُكماً مؤكَّداً وقيل إنَّ قوماً من الزَّنادقةِ يقولون الله تعالى وإبليسُ أخوانِ فالله هو الخيِّرُ الكريم وإبليس هوالشرير اللَّئيمُ وهو المرادُ بقوله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نَسَباً قال الإمامُ الرَّازيُّ وهذا القولُ عندي أقربُ الأقاويلِ وهو مذهبُ المجوس القائلين بيزدان واهر من ويعبرون عنهما بالنور والظلمة وقال مجاهدٌ قالتْ قُريشٌ

стр. 5850

الصافات ١٥٩ ١٦٤ الملائكةُ بناتُ الله فقال ابو بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ فمنْ أمهاتهم تبكيتاً لهمُ فقالوا سَرَواتُ الجنِّ وقيل معنى جعلُوا بينه وبين الجِنَّةِ نَسَباً جعلُوا بينهما مناسبةً حيثُ أشركُوا به تعالى الجن في استحقاق العبادةِ فعلى هذه الأقاويلِ يجوزُ أنْ يكونَ الضَّميرُ في إنَّهم لمحضرون للجنَّة فالمَعنى لقد علمتِ الشَّياطينُ أنَّ الله تعالى يحضرهم النَّارَ ويُعذبهم بها ولو كانُوا مناسبينَ له تعالى أو شركاء في استحقاق العبادةِ لمَّا عذَّبهم والوجهُ هو الأوَّلُ فإنَّ قوله
следующие страницы →