← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بحذفِ إحدى التاءين من تتذكرون وقرئ تذكُرون من ذَكَر والفاءُ للعطفِ على مقدَّرٍ أي ألا تلاحِظون ذلك فلا تتذكَّرون بطلانَهُ فإنَّه مركوزٌ في عقلِ كلِّ ذكيَ وغبيَ

стр. 5847

﴿أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من توبيخِهم وتبكيتِهم بما ذُكر إلي تبكيتِهم بتكليفِهم ما لا يدخُل تحتَ الوجودِ أصلاً أي بل ألكُم حجَّةٌ واضحةٌ نزلتْ عليكم من السَّماءِ بأنَّ الملائكةَ بناتُه تعالى ضرورةَ أنَّ الحكمَ بذلك لا بُدَّ له من سندٍ حسيَ أو عقلي وحيثُ انتفى كلاهُما فلا بُدَّ من سندٍ نقليَ

стр. 5848

﴿فَأْتُواْ بكتابكم﴾ النَّاطقِ بصَّحةِ دَعْواكم ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ فيها وفي هذه الآياتِ من الإنباءِ عن السُّخطِ العظيمِ والإنكارِ الفظيعِ لأقاويلهم والاستبعادِ الشَّديدِ لأباطيلِهم وتسفيِه أحلامِهم وتركيكِ عقولِهم وأفهامِهم مع استهزاءٍ بهم وتعجيبٍ من جهلِهم مَا لا يَخْفى عَلَى مَنْ تأمَّل فيها وقولُه تعالَى

стр. 5849

﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ التفاتٌ إلى الغَيبةِ للإيذانِ بانقطاعِهم عن الجوابِ وسقوطِهم عن درجةِ الخطابِ واقتضاءِ حالِهم أنْ يعرضَ عنهم وتُحكى جناياتُهم لآخرينَ والمرادُ بالجِنَّةِ الملائكةُ قالوا الجنسُ واحدً ولكنْ من خبث من الجن ومردوكان شرَّاً كله فهو شيطانٌ ومن طهر منهم ونسكَ وكان خيراً كله فهو مَلَكٌ وإنَّما عبَّر عنهم بذلك الاسمِ وَضْعاً منهم وتَقصيراً بهم مع عِظَمِ شأنِهم فيما بينَ الخلقِ أنْ يبلغُوا منزلةَ المناسبة التي أضافُوها إليهم فجعلهم هذا عبارةً عن قولَهم الملائكةُ بناتُ الله وإنَّما أُعيد ذكُره تمهيداً لما يعقُبه منْ قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي وبالله لقد علمتْ الجِنَّةُ التي عظَّموها بأنْ جعلُوا بينها وبينه تعالى نَسَباً وهم الملائكةُ أنَّ الكفرةَ لمحضرونَ النَّار معذَّبُون بها لكذبِهم وافترائِهم في قولِهم ذلك والمرادُ به المبالغةُ في التَّكذيبِ ببيانِ أنَّ الذين يدَّعي هؤلاء لهم تلك النِّسبةَ ويعلمون أنَّهم أعلمُ منهم بحقيقةِ الحالِ يكذبونهم في ذلك ويحكمُون بأنَّهم معذَّبون لأجلِه حُكماً مؤكَّداً وقيل إنَّ قوماً من الزَّنادقةِ يقولون الله تعالى وإبليسُ أخوانِ فالله هو الخيِّرُ الكريم وإبليس هوالشرير اللَّئيمُ وهو المرادُ بقوله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نَسَباً قال الإمامُ الرَّازيُّ وهذا القولُ عندي أقربُ الأقاويلِ وهو مذهبُ المجوس القائلين بيزدان واهر من ويعبرون عنهما بالنور والظلمة وقال مجاهدٌ قالتْ قُريشٌ

стр. 5850

الصافات ١٥٩ ١٦٤ الملائكةُ بناتُ الله فقال ابو بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ فمنْ أمهاتهم تبكيتاً لهمُ فقالوا سَرَواتُ الجنِّ وقيل معنى جعلُوا بينه وبين الجِنَّةِ نَسَباً جعلُوا بينهما مناسبةً حيثُ أشركُوا به تعالى الجن في استحقاق العبادةِ فعلى هذه الأقاويلِ يجوزُ أنْ يكونَ الضَّميرُ في إنَّهم لمحضرون للجنَّة فالمَعنى لقد علمتِ الشَّياطينُ أنَّ الله تعالى يحضرهم النَّارَ ويُعذبهم بها ولو كانُوا مناسبينَ له تعالى أو شركاء في استحقاق العبادةِ لمَّا عذَّبهم والوجهُ هو الأوَّلُ فإنَّ قوله

стр. 5851

﴿سبحان الله عما يصفون﴾ حكايةٌ لتنزيهِ الملائكةِ إيَّاهُ تعالى عمَّا وَصَفه المشركونَ به بعد تكذيبِهم لهم في ذلكَ بتقديرِ قولٍ معطوفٍ على علمتْ وقولُه تعالى

стр. 5852

﴿إِلَاّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ شهادةٌ منهم ببراءةِ المخلصينَ مِن أنْ يَصفُوه تعالَى بذلكَ متضمِّنة لتبرئِهم مِنْهُ بحكمِ اندراجِهم في زُمرة المُخلصين على أبلغِ وجهٍ وآكدِه على أنَّه استثناءٌ منقطعٌ من واوِ يصفُون كأنه قيل ولقد علمنت الملائكةُ أنَّ المشركينَ لمعذبون لقولهم ذلك وقالوا سبحان الله عمَّا يصفونَه به لكنْ عبادُ الله الذين من جملتهم برءاء من ذلكَ الوصفِ وقوله تعالى

стр. 5853

﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين﴾ تعليلٌ وتحقيقٌ لبراءةِ المخلصين ممَّا ذُكر ببيانِ عجزِهم عن إغوائِهم وإضلالِهم والالتفاتُ إلى الخطابِ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بتحقيقِ مضمونِ الكلامِ وما تعبدون عبارةٌ عن الشِّياطينِ الذين اغووهم وفي إيذانٌ بتبرئهم عنهم وعن عبادتِهم كقولِهم بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجنَّ وما نافيةٌ وأنتُم خطابٌ لهم ولمعبوديهم تغليباً وعلى متعلقة بفاتنينَ يقال فتنَ فلانٌ على فلانٍ امرأتَه أي أفسدَها عليه والمعنى فإنَّكم ومعبوديكم أيُّها المشركونَ لستُم بفاتنينَ عليه تعالى بإفسادِ عبادِه وإضلالِهم

стр. 5854

﴿إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم﴾ منهم أي داخلُها لعلمه تعالى بأنَّه يصيرُ على الكفر بسوء اختيارِه ويصيرُ من أهل النَّارِ لا محالةَ وأما المخلصونَ منهم فأنتُم بمعزلٍ من إفسادِهم وإضلالِهم فهم لا جرم برءاء مُن أنْ يُفتتنوا بكم ويسلكُوا مسلككم في وصفِه تعالى بما وصفتُموه به وقرئ صالُ بضمِّ الَّلامِ على أنَّه جمعٌ محمول على معَنْى من قد سقط واوه لالتقاءِ السَّاكنينِ وقولُه تعالى

стр. 5855

﴿وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ تبيينٌ لجلية أمرِهم وتَعيينٌ لحيِّزهم في موقفِ العُبودية بعد ما ذُكر من تكذيبِ الكَفَرةِ فيما قالُوا وتنزيه الله تعالى عن ذلك

стр. 5856

الصافات ١٦٥ ١٧٢ وتبرئةُ المخلصين عنه وإظهارٌ لقصور شأنهم وقمائتهم أي ومامنا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ في العبادةِ والانتهاء إلى إمرِ الله تعَالى مقصورٌ عليه لا يتجاوزُه ولا يستطيع ان يزيل عنه خُضوعاً لعظمتِه وخُشوعاً لهيبتِه وتواضُعاً لجلالِه كما رُوي فمنهم راكعٌ لا يقيُم صُلبَه وساجدٌ لا يرفعُ رأسَه قال ابن عباس ﵄ ما في السَّمواتِ موضعُ شبرٍ إلَاّ وعليه ملكٌ يصلِّي أو يسبِّح ورُوي أنه ﷺ قال أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لها أنْ تئطَّ والذي نفسي بيدِه ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلَاّ وفيه مَلَكٌ واضعٌ جبهَته ساجدٌ لله تعالى وقال السُّدِّيَّ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ في القُربةِ والمشاهدِة

стр. 5857

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون﴾ في مواقفِ الطَّاعةِ ومواطن الخِدمة

стр. 5858

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ المقدِّسون لله سبحانه عن كل ما لا يليقُ بجنابِ كبريائِه وتحليةُ كلامِهم بفُنونِ التَّأكيدِ لإبراز أن صدورَه عنهم بكمالِ الرَّغبةِ والنَّشاطِ هذا هو الذي تقتضيهِ جزالةُ التنزيلِ وقد ذُكر في تفسير الآياتِ الكريمةِ وإعرابِها وجوهٌ أُخرُ فتأمَّلْ والله المُوفِّق

стр. 5859

﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ﴾ أنْ هيَ المخففةُ منَ الثقيلة وضميرُ الشأنِ محذوفٌ والَّلامُ هي الفارقةُ أي إنَّ الشَّأنَ كانتْ قُريشٌ تقولُ

стр. 5860

﴿لو أن عندنا ذكرا مّنَ الاولين﴾ أي كتاباً من كُتب الأوَّلينَ من التَّوارةِ والإنجيلِ

стр. 5861

﴿لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي لأخلصنا العبادةَ لله تعالى ولَما خالفنا كما خالفُوا وهذا كقولِهم لئنْ جاءنا نذير لنكونَّن أهدى من إِحدى الأممِ والفاءُ في قولِه تعالى

стр. 5862

﴿فَكَفَرُواْ بِهِ﴾ فصيحةٌ كما في قوله تعالى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق أي فجاءَهُم ذكرٌ وأيُّ ذكرٍ سيِّدُ الأذكارِ وكتابٌ مُهيمنٌ على سائرِ الكُتبِ والأسفارِ فكفرُوا به ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبةَ كُفرِهم وغائلتَه

стр. 5863

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين﴾ استئنافٌ مقَّررٌ للوعيدِ وتصديرُه بالقسمِ لغايةِ الاعتناءِ بتحقيقِ مضمونِه أي وبالله لقد سبقَ وعدُنا لهم بالنصرة والغلبا هو قولُه تعالى

стр. 5864

﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا﴾

стр. 5865

وهم أتباعُ المُرسلين ﴿لَهُمُ الغالبون﴾ على أعدائِهم في الدُّنيا والآخرةِ ولا يقدحُ في ذلك انهزامُهم في بعضِ المشاهدِ فإنَّ قاعدةَ أمرِهم وأساسَه الظَّفرُ والنُّصرةُ وإنْ وقعَ في تضاعيفِ ذلكَ شَوبٌ من الابتلاءِ والمحنةِ والحكمُ للغالبِ وعن ابن عباس ﵄ إن لم ينصروا في الدُّنيا نُصرِوا في الآخرة وقرئ على عبدنا بتضمين سبقت معنى حقت وتسميتُها كلمةً مع أنَّها كلماتٌ لانتظامِها في معنى واحد وقرئ كلماتُنا

стр. 5866

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأَعرضْ عنهم واصبرْ ﴿حتى حِينٍ﴾ إلى مُدَّةٍ يسيرةٍ وهي مُدَّةُ الكفِّ عن القتالِ وقيل يومَ بدرٍ وقيلَ يومَ الفتح

стр. 5867

﴿وأبصرهم﴾ عل أسوأِ حالٍ وأفظعِ نكالٍ حلَّ بهم من القتلِ والأسرِ والمرادُ بالأمرِ بأبصارِهم الإيذانُ بغايةِ قُربِه كأنَّه بين يديِه ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يقع حينئد من الأمورِ وسوفَ للوعيدِ دُون التَّبعيدِ

стр. 5868

﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ رُوي أنَّه لمَّا نزلَ فسوف يُبصرون قالُوا متَى هذا فنزلَ

стр. 5869

﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي فإذا نزلَ العذابُ الموعودُ بفنائِهم كأنَّه جيشٌ قد هجمَهم فأناخَ بفنائِهم بغتةً فشنَّ عليهم الغارةَ وقطعَ دابرَهم بالمرَّةِ وقيل المرادُ نزول رسول الله ﷺ يوم الفتح وقرئ نزلَ بساحتهم على إسنادِه الى الجار والمجرور وقرئ نُزّل مبنَّياً للمفعولِ من التَّنزيلِ أي نُزّلَ العذابُ ﴿فَسَاء صَبَاحُ المنذرين﴾ فبئسَ صباحُ المنذَرين صباحُهم واللَاّمُ للجنسِ والصَّباحُ مستعارٌ من صباحِ الجيشِ المبيِّتِ لوقت نزول العذابِ ولمَّا كثُرتْ منهم الغارة في الصَّباح سمَّوها صباحاً وإن وقعت ليلاً رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا أتى خيبرَ وكانُوا خارجينَ إلى مزارعِهم ومعهم المَسَاحي قالُوا محمدٌ والخميسُ ورجعهم الى حصنهم فقال ﷺ الله أكبرُ خربتْ خيبرُ إنا إذَا نزلنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرينِ

стр. 5870

﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾ ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تسليةً لرسول الله ﷺ إثرَ تسليةٍ وتأكيدٍ لوقوعِ الميعادِ غبَّ تأكيدِ مع ما في إطلاقِ الفعلينِ عن المفعول من الإيذانِ بأنَّ ما يبصره ﷺ حينئذٍ من فنونِ المسارِ وما يُبصرونه من أنواعِ المضارِّ لا يحيطُ به الوصفُ والبيانُ وقيلَ أُريد بالأوَّلِ عذابُ الدُّنيا وبالثَّاني عذاب الآخرة

стр. 5871

الصافات ١٨٠ ١٨٢

стр. 5872

﴿سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ تنزيهٌ لله سبحانه عن كل ما يصفُه المشركونَ به ممَّا لا يليقُ بجنابِ كبريائِه وجبروتِه ممَّا ذُكر في السورة الكريمة ومالم يُذكر من الأمورِ التي من جُملتِها تركُ إنجازِ الموعودِ على موجبِ كلمتِه السَّابقةِ لا سيَّما في حق رسول الله ﷺ كما يُنْبىء عنه التعرُّضُ لعنوان الربويية المُعربةِ عن التَّربيةِ والتَّكميلِ والمالكيةِ الكُلِّيةِ مع الإضافةِ إلى ضميره ﷺ أوَّلاً وإلى العزَّةِ ثانياً كأنَّه قيلَ سبحانَ من هو مر بيك ومكمِّلكَ ومالكُ العزَّةِ والغَلَبةِ على الإطلاقِ عمَّا يصفُه المشركونَ به من الإشياءِ التي منها تركُ نصرتِكَ عليهم كما يدلُّ عليه استعجالُهم بالعذابِ وقولُه تعالى

стр. 5873

﴿وسلام على المرسلين﴾ تشريفٌ لهم ﵈ بعد تنزيهِه تعالى عمَّا ذُكر وتنويهٌ بشأنِهم وإيذانٌ بأنَّهم سالمون عن كلِّ المكارِه فائزونَ بجميعِ المآربِ وقولُه تعالى

стр. 5874

﴿والحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾ إشارةٌ إلى وصفِه بصفاتِه الكريمةِ الثُّبوتيةِ بعد التَّنبيهِ على اتِّصافِه تعالى بجميعِ صفاته السَّلبيةِ وإيذانٌ باستتباعِها للأفعالِ الجميلةِ التي من جُملتها إفاضتُه عليهم من فُنُونِ الكراماتِ السنيةِ والكمالاتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ وإسباغه عليهم وعلى مَن تبعِهم صُنوف النَّعماءِ الظَّاهرةِ والباطنةِ المُوجبةِ لحمده تعالى وإشعارٌ بأن ما وعده ﷺ من النُّصرةِ والغَلَبة قد تحقَّقتْ والمرادُ تنبيه المؤمنينَ على كيفيَّةِ تسبيحِه تعالى وتحميدِه والتَّسليم على رُسلِه الذين هم وسايط بينهم وبينَهُ عزَّ وعَلَا في فيضانِ الكَمالاتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ عليهم ولعلَّ توسيطَ التَّسليمِ على المُرسلينَ بين تسبيحهِ تعالى وتحميدِه لختمِ السُّورةِ الكريمةِ بحمدِه تعالى مع ما فيه من الإشعارِ بأنَّ توفيقَهُ تعالى للتَّسليمُ عليهم من جُملةِ المُوجبةِ للحمدِ عن عليَ ﵁ من أحبَّ أنْ يُكتالَ بالمكيالِ الأَوْفى من الأجرِ يومَ القيامةِ فليكُن آخرُ كلامِه إذا قامَ من مجلسهِ سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عمَّا يصفُون وسلامٌ على المُرسلينَ والحمدُ للَّهِ رَبّ العالمين عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ الصآفات أُعطِيَ من الأجر عشرَ حَسَناتٍ بعددِ كلِّ جنيَ وشيطان وتباعدت منه مَرَدةُ الشَّياطينِ وبرىءَ مِنَ الشِّركِ وشَهد له حافظاهُ يومَ القيامةِ أنَّه كانَ مُؤمناً بالمُرسلين

стр. 5875

سورة ص ١ ٢ مكية وآياتها ثمان وثمانون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾

стр. 5876

﴿ص﴾ بالسُّكون على الوقفِ وقُرىء بالكسرِ والفتحِ لالتقاءِ السَّاكنينِ ويجوزُ أنْ يكونَ الفتحُ بإضمارِ حرفِ القسمِ في موضعِ الجرِّ كقولِهم الله لافعلين بالجرِّ وأنْ يكونَ ذلكَ نصباً بإضمارِ اذكُرْ أو اقر الا فتحاً كما مرَّ في فاتحةِ سورةِ البقرةِ وامتناعُ الصرَّفِ للتَّعريفِ والتَّانيثِ لأنَّها عَلَمٌ للسُّورةِ وقد صرَفها منَ قرأ صادٌ بالتَّنوينِ على أنَّه اسمُ الكتابِ أو التَّنزيل وقيل هو في قراءةِ الكسر أمرٌ من المصاداةِ وهي المعارضةُ والمقابلةُ ومنها الصَّدى الذي ينعكسُ من الأجسامِ الصَّلبةِ بمقابلة الصَّوتِ ومعناهُ عارضِ القُرآن بعملِك فاعملْ بأوامرِه وانتِه عن نواهيهِ وتخلَّقْ بأخلاقِه ثمَّ إنْ جُعل إسماً للحرفِ مسرُوداً على منهاجِ التَّحدي أو الرَّمزِ إلى كلامٍ مثل صدقَ الله أو صدقَ محمدٌ كما نقل عن أكابرِ السَّلفِ أو اسماً للسُّورة خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أو نصباً على إضمارِ اذكُر أو اقرأْ أو أمراً من المصاداة قالوا وفي قوله تعالى ﴿والقرآن ذِى الذكر﴾ للقسمِ وإنْ جعلَ مُقسَماً بهِ فهي للعطفِ عليهِ فإنْ أُريد بالقرآن كله فالمغايرة بينَهما حقيقةٌ وإنْ أُريد عينُ السُّورةِ فهي اعتبارَّيةٌ كما في قولِك مررتُ بالرجل الكريم وبالنسبة المُباركةِ وأيا ما كان ففي التَّكريرِ مزيدُ تأكيدٍ لمضمونِ الجملةِ المُقسَمِ عليها والذِّكرُ الشَّرفُ والنَّباهةُ كما في قوله تعالى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أو الذِّكرى والموعظة أو ذكرُ ما يُحتاج إليه في أمر الدِّينِ من الشَّرائعِ والأحكام وغيرِها من أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبار الأمم الدَّارجةِ والوعد والوعيد وجواب القسم على الوجه الأول والرَّابعِ والخامس محذوف هو ما ينبىء عنه التَّحدِّي والأمرُ والإقسامُ به من كون المُتحدَّى به معجزاً وكونِ المأمورِ به واجباً وكونِ المقسَم به حقيقاً بالإعظامِ أي أُقسم بالقرآنِ أو بصادٍ وبه إنَّه لمعجز أو لواجب العمل به أو لحقيقٌ بالإعظامِ وأمَّا على الوجهينِ الباقيينِ فهو الكلامُ المرموزُ إليه ونفسُ الجملةِ المذكورةِ قبل القسم فإنَّ التَّسميةَ تنويه بشأن المُسمَّى وتنبيه على عظم خَطَرِه أي إنَّه لصادقٌ والقرآن ذي الذِّكرِ أو هذه السُّورة عظيمةُ الشَّأنِ والقرآنِ الخ على طريقة قولهم هذا حاتمٌ والله ولمَّا كأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأجوبة مُنبئاً عن انتفاء الرِّيبِ عن مضمونه بالكلية انباء بينا كان قوله تعالى

стр. 5877

﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ إضراباً عن ذلك كأنَّه قيل لا ريبَ فيه قطعاً وليس عدمُ إذعان الكَفَرةِ له لشائبةِ ريبٍ ما فيه بل هم في استكبارٍ وحميَّةٍ شديدةٍ وشقاقٍ بعيدٍ لله تعالى ولرسولِه ولذلك لا يذعنون له

стр. 5878

ص ٣ ٥ وقيل الجواب ما دلَّ عليه الجملةُ الإضرابيَّةُ أي ما كفَر به مَن كفَر لخللٍ وجدَهُ فيه بل الذَّينَ كفروا الخ وقُرىء في غِرَّةٍ أي في غَفْلةٍ عمَّا يجب عليهم التَّنبهُ له من مبادى الإيمان ودواعيِه

стр. 5879

﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ﴾ وعيدٌ لهم على كُفرهم واستكبارِهم ببيان ما أصاب مَن قبلهم من المُستكبرينَ وكم مفعولُ أهلكنا ومِن قرنٍ تمييزٌ والمعنى وقرناً كثيراً أهلكنا من القُرون الخاليةِ ﴿فَنَادَوْاْ﴾ عند نزول بأسناو حلول نقمتِنا استغاثةً وتوبةً لينجُوا من ذلك وقوله تعالى ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ حالٌ من ضمير نادوا اي نادَوا واستغاثوا طلباً للنَّجاةِ والحالُ أنْ ليسَ الحينُ حينَ مناصٍ أي فوتٍ ونجاةٍ من ناصَه أي فاتَه لا من ناصَ بمعنى تأخَّر ولا هيَ المشبَّهةُ بليسَ زيدتْ عليها تاءُ التَّانيثِ للتَّأكيدِ كما زِيدتْ على رُبَّ وثُمَّ وخُصَّتْ بنفي الأحيانِ ولم يبرزْ إلا أحدُ معمُوليها والأكثرُ حذفُ اسمِها وقيلَ هي النَّافيةُ للجنسِ زيدتْ عليها التَّاءُ وخصَّتْ بنفيِ الأحيانِ وحينَ مناصٍ منصوبٌ على أنَّه اسمُها أي ولا حين مناص لهم او بفعل مضمر أي ولا ارى حينَ مناصٍ وقُرىء بالرَّفعِ فهو على الأوَّلِ اسمُها والخبر محذف واي وليسَ حينُ مناصٍ حاصلاً لهم وعلى الثَّانِي مبتدأُ محذوفُ الخبرِ أيْ ولا حينُ مناصٍ كائنٌ لهم وقُرىء بالكسرِ كما في قوله طلبُوا صلحَنا ولاتَ او ان فأجبنا أنْ لاتَ حينِ بقاءِ إمَّا لأنَّ لاتَ تجرُّ الأحيانَ كما أنَّ لولا تجرُّ الضَّمائرَ في نحوِ قوله لولاكَ هذا العام لم أحج أو لأنَّ أوانٍ شُبِّه بإذْ في قوله ... نهيتُكَ عن طِلابِكَ أمَّ عمرو ... بعافيةٍ وأنتَ إذٍ صحيحُ ... في أنَّه زمانٌ قُطع منه المضافُ إليه وعُوِّض التنوين لأن أصله أو أن صُلحٍ ثم حُمل عليه حينِ مناصٍ تنزيلاً لقطعِ المضافِ إليه من مناصٍ إذْ أصلُه حينَ مناصِهم منزلَة قطعِه من حينٍ لما بينَ المضافينِ من الإتِّحادِ ثمَّ بنُي الحينُ لإضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ وقرئ لاتِ بالكسرِ كجَيْرِ ويقفُ الكوفيُّون عليها بالهاءِ كالأسماءِ والبصريُّون بالتاءِ كالأفعالِ وما قيل منْ أنَّ التَّاءَ مزيدةٌ على حينٍ لاتِّصالِها به في الإمامِ مما لا وجهَ لَهُ فإنَّ خطَّ المصحفِ خارجٌ عن القياس

стр. 5880

﴿وعجبوا أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ﴾ حكايةٌ لأباطيلِهم المتفرعةِ عَلى ما حُكي من استكبارِهم وشقاقِهم أي عجبُوا من أنْ جاءهم رسولٌ من جنسِهم بل أدونُ منهم في الرِّياسةِ الدُّنيويَّةِ والمالِ على معنى أنَّهم عدُّواً ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمالِ الوقوعِ وأنكرُوه أشدَّ الإنكارِ لا أنَّهم اعتقدُوا وقوعَه وتعجَّبوا منه ﴿وَقَالَ الكافرون﴾ وُضعَ فيه الظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ غضباً عليهم وإيذاناً بأنَّه لا يتجاسرُ على مثل ما يقولونَه إلا المتوغِّلون في الكُفر والفسوق ﴿هذا ساحر﴾ فيما يُظهره من الخوارقِ ﴿كَذَّابٌ﴾ فيما يُسنده إلى الله تعالى من الإرسالِ والإنزالِ

стр. 5881

﴿أجعل الالهة إلها واحدا﴾ بأنْ نفى الأُلوهيَّةَ عنهم وقَصرَها على واحدٍ ﴿إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ﴾ بليغٌ في العَجَبِ وذلك لأنَّه خلافُ ما ألِفُوا عليهِ آباءَهم الذينَ أجمعُوا على ألوهيتهم

стр. 5882

ص ٦ ٧ وواظبُوا على عبادتِهم كابراً عن كابر فإن هذا مدارَ كلِّ ما يأتُون وما يذرُون من أمورٍ دينِهم هو التَّقليدُ والاعتيادُ فيعدُّون ما يخالفُ ما اعتادُوه عجيباً بل مُحالاً وأماً جعلُ مدارِ تعجبِهم عدمَ وفاءِ علمِ الواحدِ وقدرتِه بالأشياءِ الكثيرةِ فلا وجَه له لما أنَّهم لا يدَّعُون أنَّ لآلهتِهم علماً وقدرةً ومدخلاً في حدوث شئ من الأشياءِ حتَّى يلزمَ من نفي ألوهيَّتهم بقاءُ الآثار بلا مؤثر وقرئ عجَّاب بالتَّشديدِ وهو أبلغُ ككُرامٍ وكَرَّامِ رُوي أنَّه لما أسلم عمرُ ﵁ شقَّ ذلك على قُريشٍ فاجتمعَ خمسةٌ وعشرونَ من صناديدِهم فأتَوا أبَا طالبٍ فقالُوا أنتَ شيخُنا وكبيرُنا وقد علمتَ ما فعلَ هؤلاءِ السُّفهاءُ وقد جئناكَ لتقضِي بينَنا وبينَ ابنِ أخيكَ فاستحضرَ رسولَ الله ﷺ وقال يا ابنَ أخِي هؤلاءِ قومُك يسألونَك السُّؤالَ فلا تملْ كلَّ الميلِ على قومك فقال ﷺ ماذا تسألوننى قالوا رفضنا وارفُض ذكَر آلهتِنا وندعكَ وإلهك فقال ﷺ أرأيتُم إنْ أعطيتُكم ما سألتُم أمعطيَّ أنتُم كلمةً واحدةً تملكونَ بها العربَ وتدينُ لكم بها العجمُ قالُوا نعم وعشراً فقال قولُوا لا إلَه إلَاّ الله فقامُوا وقالُوا ذلكَ

стр. 5883

﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ أي وانطلقَ الأشرافُ من قريشٍ عن مجلسِ أبي طالبٍ بعد ما بكَّتهم رسولُ الله ﷺ بالجوابِ العتيدِ وشاهدُوا تصلُّبَه ﷺ في الدِّينِ وعزيمتَه على أنْ يُظهره على الدِّينِ كلِّه ويئسُوا ممَّا كانُوا يرجونَه بتوسطِ أبي طالبٍ من المصالحةِ على الوجِه المذكورِ ﴿أَنِ امشوا﴾ أي قائلين بعضِهم لبعضٍ على وجهِ النَّصيحةِ امشُوا ﴿وَاْصْبِرُواْ على آلهتكم﴾ أي واثبتُوا على عبادتِها متحمِّلين لما تسمعُونه في حقِّها من القدحِ وأنْ هي المفسِّرةُ لأنَّ الانطلاقَ عن مجلسِ التقاولِ لا يخلُو عن القولِ وقيل المرادُ بالانطلاقِ الاندفاعُ في القولِ وامشُوا من مشتِ المرأةُ إذا كثرتْ ولادتُها ومنه الماشيةُ للتفاؤلِ أي اجتمعوا وكثروا وقرئ امشُوا بغير أنْ على إضمار القول وقرئ يمشُون أنِ اصبرُوا ﴿إِنَّ هذا لَشَىْء يُرَادُ﴾ تعليلٌ للأمرِ بالصَّبرِ أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ أي هذا الذي شاهدناهُ من محمَّدٍ ﷺ من أمرِ التَّوحيدِ ونفي آلهتنا وإبطال امرها لشئ يُراد أي من جهتِه ﷺ إمضاؤُه وتنفيذُه لا محالةَ من غير صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لاقول يقال من طرفِ اللِّسان أو أمر يُرجى فيه المسامحةُ بشفاعةٍ أو امتنانٍ فاقطعُوا أطماعَكم عن استنزالِه من رأيهِ بوساطة أبي طالب وشفاعته وحسبكم أن لا تمنعوا من عبادةِ آلهتكم بالكلية فاصبروا عليها وتحمَّلوا ما تسمعونَه في حقِّها من القدحِ وسُوءِ القالةِ وقيل إنَّ هذا الأمر لشئ يريده الله تعالى ويحكم بإمضائِه وما أرادَ الله كونَه فلا مردَّ له ولا ينفعِ فيه إلَاّ الصَّبرُ وقيل إن هذا الأمر لشئ من نوائب الدَّهرِ يُراد بنا فلا انفكاكَ لنا منه وقيل إنَّ دينَكم لشئ يُراد أي يُطلب ليؤخذَ منكم وتُغلبوا عليه وقيل إنَّ هذا الذي يدَّعيهِ من التَّوحيدِ أو يقصدُه من الرِّياسةِ والتَّرفعِ على العرب والعجم لشئ يُتمنَّى ويرُيده كلُّ أحدٍ فتأمَّل في هذه الأقاويلِ واخترْ منها ما يساعدُه النظم الجليلُ

стр. 5884

﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا﴾ الذي يقولُه ﴿فِى الملة الاخرة﴾ أي الملَّةِ النَّصرانيةِ التي هي آخرُ الملل فإنَّهم مُثلِّثةٌ أو في الملَّةِ التي

стр. 5885

ص ٨ ١١ أدركنا عليها آباءَنا ويجوزُ أن يكون الجارُّ والمجرور حالاً من هذا أي ما سمعنا بهذا مِنْ أَهْلِ الكتابِ وَلَا الكُهَّانِ كائناً في الملَّة المترقبة ولقد كذبُوا في ذلك أقبح كذبٍ فإنَّ حديثَ البعثةِ والتَّوحيدِ كان أشهرَ الأمورِ قبل الظُّهور ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما هذا ﴿إِلَاّ اختلاق﴾ أي كذبٌ اختلَقه
следующие страницы →