Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
ص ٣٠ ٣٢ وقوله تعالى ﴿مُّبَارَكٌ﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ لكتابٌ عند مَن يُجوِّز تأخيرَ الوصفِ الصَّريحِ عن غيرِ الصَّريحِ وقُرىء مباركاً على أنَّه حالٌ من مفعولِ أنزلنا ومعنى المبارك الكثيرُ المنافعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وقولُه تعالى ﴿ليدبروا آياته﴾ متعلِّقٌ بأنزلناه أي أنزلنَاهُ ليتفكَّروا في آياتِه التي من جُملتها هذهِ الآياتُ المعربةُ عن أسرارِ التَّكوينِ والتَّشريعِ فيعرفُوا ما يدبر ظاهرها من المعانِي الفائقةِ والتَّأويلاتِ اللائقةِ وقرىء ليتدَّبروا على الاصلى ولتدبَّروا على الخطابِ أي أنتَ وعلماءُ أمَّتك بحذفِ احدى التاءين ﴿وليتذكر أولوا الالباب﴾ أي وليتَّعظ به ذوو العقول السليمة او ليستحضروا ماهو كالمركوزِ في عقولِهم من فرطِ تمكُّنهم من معرفتِه لما نُصبِ عليه من الدَّلائلِ فإنَّ الكتبَ الإلهيةَ مبيِّنةٌ لما لا يُعرف إلا بالشَّرعِ ومرشدةٌ إلى مالا سبيلَ للعقلِ إليه
стр. 5917
﴿ووهبنا لداود سليمان نِعْمَ العبد﴾ وقُرىء نعم العبدُ أي سليمانُ كما ينبىءُ عنه تأخيرُه عن داودَ مع كونِه مفعولاً صريحاً لوهبنا ولأنَّ قوله تعالى ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أيْ رجّاع إلى الله تعالى بالتَّوبة أو إلى التَّسبيح مرجع له تعليلٌ للمدح وهو من حاله لما أنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله تعالى
стр. 5918
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ راجع إليه ﵊ قطعاً وإذْ منصوبٌ باذكُر أي اذكُر ما صدرَ عنه إذْ عُرضَ عليه ﴿بالعشى﴾ هو من الظُّهرِ إلى آخرِ النَّهارِ ﴿الصافنات﴾ فإنَّه يشهدُ بأنَّه أوَّاب وقيل ظرف لأواب وقيل لنعِم وتأخيرُ الصَّافنات عن الظَّرفينِ لما مرَّ مرارا من التَّشويقِ إلى المؤخَّرِ والصَّافنُ من الخيلِ الذي يقومُ على طَرَفِ سُنبكِ يدٍ أو رجلٍ وهو من الصِّفاتِ المحمودةِ في الخيلِ لا يكادُ ينفق إلا في العِراب الخُلَّصِ وقيل هو الذي يجمعُ يديهِ ويسوِّيهما وأمَّا الذي يقفُ على سنبكهِ فهو المنخيم ﴿الجياد﴾ جمعُ جوادٍ وجودٍ وهو الذي يُسرع في جريِه وقيل الذي يجودُ عند الرَّكضِ وقيل وُصفتْ بالصُّفون والجَودةِ لبيان جمعها بين الوصفينِ المحمودينِ واقفةً وجاريةً أي إذا وقفتْ كانتْ ساكنةً مطمئنة في مواقفها وإذا جرتْ كانت سِراعاً خِفافاً في جَريها وقيل هو جمعُ جيِّد رُوي أنَّه ﵊ غَزَا أهلَ دمشقَ ونصيبين وأصابَ ألفَ فرسٍ وقيل أصابها أبُوه من العمالقةِ فورثها منه وقيل خرجتْ من البحرِ لها أجنحةٌ فقعد يوماً بعدما صلَّى الظُّهر على كرسيِّه فاستعرضَها فلم تزلْ تُعرض عليه حتَّى غربتِ الشَّمسُ وغفلَ عن العصرِ أو عن وِردٍ كان له من الذِّكرِ وقتئذٍ وتهيَّبُوه فلم يعلموه فاغتمَّ لما فاتَه فاستردَّها فعقَرها تقرباً لله تعالى وبقي مائةٌ فما في أيدي النَّاسِ من الجياد فمن نسلها وقيل لمَّا عقرَها أبدلَه الله خيراً منها وهي الرِّيحُ تجري بأمره
стр. 5919
﴿فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربى﴾ قالَه ﵊ عند غروب الشَّمسِ اعترافاً بما صدرَ عنْهُ منَ الاشتغالِ بها عن الصَّلاةِ وندماً عليه وتمهيداً لما يعقُبه منْ الأمر بردِّها وعقرِها والتَّعقيب باعتبار أواخرِ العرض المستمرِّ دون ابتدائِه
стр. 5920
ص ٣٣ ٣٤ والتَّأكيدُ للدِّلالةِ على أنَّ اعترافَه وندمَهُ عن صميم القلبِ لا لتحقيقِ مضمونِ الخبر وأصلُ أحببتُ أنْ يعدَّى بعلى لانه بمعنى آثرت لكن لما أُنيب مُنابَ أنبتُ عُدِّي تعديتَه وحبَّ الخير مفعوله كأنه قبل أنبتُ حبَّ الخيرِ عن ذكر ربِّي ووضعتُه موضعه وخير المالُ الكثيرُ والمراد به الخيلُ التي شغلته ﵊ ويحتمل أنَّه سمَّاها خيراً لتعلُّق الخيرِ بها قال ﷺ الخيرُ معقودٌ بنواصِي الخيلِ إلى يوم القيامة وقرىء أنِّي ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ متعلِّق بقوله أحببتُ باعتبار استمرار المحبَّةِ ودوامِها حسب استمرارِ العرضِ أي أنبتُ حب الخير عن ذكر ربِّي واستمرَّ ذلك حتَّى توارتْ أي غربتْ الشَّمسُ تشبيهاً لغروبِها في مغربِها بتوارى المخبأةِ بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها وقيل الضمير للصافنات أي حتى توارتْ بحجابِ اللَّيلِ أي بظلامِه
стр. 5921
﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ﴾ من تمام مقالةِ سليمانَ ﵇ ومرمى غرضِه من تقديم ما قدَّمه ومَن لَم يَتَنَبَّه لَه مع ظهورِه توهَّم أنَّه متَّصل بمضمرٍ هو جوابٌ لمضمرٍ آخرَ كأنَّ سائلاً قال فماذا قال سليمانُ ﵇ فقيل قال ردها فتأمل والفاء في قوله تعالى ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ فصيحةٌ مفصحةٌ عن جملةٍ قد حُذفتْ ثقة بدلالهِ الحالِ عليها وإيذاناً بغاية سرعةِ الامتثالِ بالأمرِ أي فردُّوها عليه فأخذ يمسحُ السَّيفَ مسحاً ﴿بالسوق والاعناق﴾ أي بسوقِها وأعناقِها يقطعها من قولِهم مسحَ عِلاوتَه أي ضرب عنفه وقيل جعل يمسحُ بيدهِ أعناقَها وسوقَها حُبَّاً لها وإعجاباً بها وليس بذاكَ وقُرىء بالسُّؤُقِ على همز الواوِ لضمَّتها كما في أدؤُر وقرىء بالسُّؤوقِ تنزيلاً لضمَّةِ السِّينِ منزلة ضمَّه الواوِ وقُرىء بالسَّاق اكتفاءً بالواحدِ عن الجمعِ لأمنِ الالباسِ
стр. 5922
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ أظهرُ ما قيل في فتنتِه ﵊ ما رُوي مرفُوعاً أنَّه قال لأطوفنَّ الليلةَ على سبعينَ امرأة تأتِي كل واحدة بفارس بجاهد في سبيلِ الله تعالى ولم يقُل إنْ شاءَ الله تعالى فطافَ عليهنَّ فلم تحمل إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءتْ بشقِّ رجلٍ والذي نفسِي بيدِه لو قالَ إنْ شاء الله لجاهدُوا في سبيلِ الله فُرساناً أجمعون وقيل وُلد له ابنٌ فاجتمعتِ الشَّياطينُ على قتلِه فعلم ذلكَ فكانَ يغذُوه في السَّحابِ فَما شعرَ به إلى أنْ أُلقي عَلَى كرسيِّه ميتاً فتنبَّه لخطئِه حيثُ لَم يتوكَّل على الله عزَّ وعَلَا وقيل إنَّه غَزَا صيدونَ من الجزائرِ فقتلَ ملكَها وأصابَ بنْتاً له تسمَّى جرادةَ من أحسنِ النَّاسِ فاصطفَاها لنفسِه واسلمت حبها وكان لا يرقأُ دمعُها جَزَعاً على أبيها فأمرَ الشَّياطينَ فمثَّلوا لها صورتَه وكانت تغدُو إليها وتروحُ مع ولائدها يسجدون لها كعادتهنَّ في مُلكِه فأخبرهَ آصفُ بذلك فكسرَ الصُّورةَ وعاقَب المرأةَ ثم خرج وحدَهُ إلى فَلَاة وفُرش له الرَّمادُ فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى باكياً متضرِّعاً وكانتْ له أمُّ ولدٍ يُقال لها أمينةُ إذا دخلَ للطَّهارةِ أو لإصابةِ امرأةٍ يعطيها خاتمه وكان ملكُه فيه فأعطاها يوماً فتمثَّل لها بصورتِه شيطانٌ اسمه صخر وأخذ الخاتمَ فتختَّم به وجلس على كُرسِّيه فاجتمعَ عليه الخلقُ ونفَّذ حكمَه في كلِّ شيءٍ إلَاّ في نسائِه وغيَّر سليمان
стр. 5923
ص ٣٥ ٣٨ عن هيئتِه فأتى أمينةَ لطلبِ الخاتمِ فأنكرتْهُ وطردتْهُ فعرفَ أنَّ الخطيئةَ قد أدركتْهُ فكان يدورُ على البيوتِ يتكفَّفُ وإذا قال أنَا سليمانُ حثَوا عليه التُّرابَ وسبُّوه ثم عمد إلى السَّماكين ينقلُ لهم السَّمك فيعطونَه كلَّ يومٍ سمكتينِ فمكثَ على ذلك أربعينَ صباحاً عددَ ما عُبد الوثنُ في بيتِه فأنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيلَ حكمَ الشَّيطانِ ثم طارَ اللعينُ وقذفَ الخاتمَ في البحرِ فابتلعتْهُ سمكةٌ فوقعتْ في يدِ سليمانَ فبقرَ بطنَها فإذَا هُو بالخاتمِ فتختَّم به وخرَّ ساجداً وعادَ إليه ملكه وجاب صخرةً لصخرٍ فجعلَه فيها وسدَّ عليه بأُخرى ثم أوثَقهما بالحديدِ والرَّصاص وقذفه في البحرِ وعلى هذا فالجسدُ عبارةٌ عن صخرٍ سمِّي به وهو جسمٌ لا رُوحَ فيه لأنَّه تمثَّل بما لم يكن كذلكَ والخطيئةُ تغافلُه ﵊ عن حالِ أهلِه لأنَّ اتِّخاذَ التَّماثيلِ لم يكُن محظُوراً حينئذٍ وسجودُ الصُّورةِ بغير علمٍ منه لا يضرُّه
стр. 5924
﴿قَالَ﴾ بدل من أنابَ وتفسير له ﴿رَبّ اغفر لِى﴾ أي ما صدرَ عنِّي من الزَّلَّةِ ﴿وَهَبْ لِى مُلْكاً لَاّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى﴾ لا يتسهل له ولا يكونُ ليكونَ معجزةً لي مناسبةً لحالي فإنه ﵊ لمَّا نشأَ في بيتِ الملكِ والنُّبوة وورثهما معاً استدعى من ربِّه معجزةً جامعة لحكمهما اولا ينبغي لأحدٍ أنْ يسلَبه منِّي بعد هذه السَّلبةِ اولا يصحُّ لأحدٍ من بعدي لعظمته كقولك لفلان ماليس لأحدٍ من الفضلِ والمالِ على إرادة وصف الملكِ بالعظمةِ لا أنْ لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وقيل كان مُلكاً عظيماً فخاف أنْ يُعطى مثلَه أحدٌ فلا يحافظُ على حدودِ الله تعالى وتقديمُ الاستغفارِ على الاستيهابِ لمزيد اهتمامِه بأمر الدِّينِ جرياً على سُنن الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّالحين وكون ذلك أدخلَ في الإجابةِ وقُرىء ليَ بفتحِ الياءِ ﴿إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾ تعليلٌ للدُّعاءِ بالمغفرةِ والهبةِ معاً لا بالأخيرة فقط فإنَّ المغفرةَ أيضاً من احكام وصف الوهابية قطعا
стр. 5925
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح﴾ أي فذللناها لطاعتِه إجابةً لدعوتِه فعاد أمرُه ﵊ إلى ما كان عليهِ قبل الفتنةِ وقُرىء الرِّياح ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ بيانٌ لتسخيرِها له ﴿رُخَاء﴾ أي لينةً من الرَّخاوةِ طيبة لا تزعزعُ وقيل طيعةً لا تمتنع عليه كالمأمورِ المنقادِ ﴿حَيْثُ أصاب﴾ أي حيث قصدو اراد حَكَى الأصمعيُّ عن العربِ أصابَ الصَّوابَ فأخطأَ الجوابَ
стр. 5926
﴿والشياطين﴾ عطفٌ على الرِّيح ﴿كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ﴾ بدلٌ من الشياطين
стр. 5927
﴿وآخرين مُقَرَّنِينَ فِى الاصفاد﴾ عطفٌ على كلَّ بنَّاءٍ داخلٌ في حُكمِ البدلِ كأنَّه ﵊ فصَّل الشَّياطينَ إلى عَمَلةٍ استعملهم في الأعمالِ الشَّاقةِ من البناء والغَوص ونحو ذلك وإلى مَرَدةٍ قُرن بعضَهم مع بعضٍ في السَّلاسلِ لكفِّهم عن الشرِّ والفسادِ ولعلَّ أجسامهم شفَّافةٌ فلا تُرى صلبةً فيمكن تقييدُها ويقدرون على
стр. 5928
ص ٣٩ ٤١ الأعمال الصَّعبة وقد جُوِّز أن يكون الإقرانُ في الأصفادِ عبارة عن كفِّهم عن الشُّرورِ بطريق التَّمثيلِ والصَّفدُ القَيدُ وسُمِّي به العطاءُ لأنَّه يرتبط بالمنعمِ عليه وفرَّقوا بين فعليهما فقالُوا صفَده قيَّده وأصفدَهُ أعطاهُ على عكسِ وَعَد وأوعده وقوله تعالى
стр. 5929
﴿هذا﴾ الخ إمَّا حكايةٌ لما خوطب به سليمان ﵇ مبيِّنةٌ لعظمِ شأنِ ما أُوتي من الملكِ وأنَّه مفوَّضٌ إليه تفويضاً كلِّياً وإما مقولٌ مقدر هو معطوف على سخَّرنا أو حالٌ من فاعلهِ كما مرَّ في خاتمةِ قصَّةِ داودَ ﵇ أي وقُلنا له أو قائلين له هذا الأمرُ الذي أعطيناكَه من المُلكِ العظيمِ والبسطةِ والتَّسلطِ على ما لَم يُسلَّطُ عليه غيرُك ﴿عَطَاؤُنَا﴾ الخاصُّ بك ﴿فامنن أَوْ أَمْسِكْ﴾ فأعطِ مَن شئتَ وامنْع مَن شئتَ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حال من المستكن في الأمرِ أي غير محاسب على شئ منِّه وإمساكهِ لتفويضِ التَّصرف فيه إليك على الإطلاقِ أو منْ العطاءِ أي هذا عطاؤنا مُلتبساً بغير حسابٍ لغاية كثرتِه أو صلةٌ له وما بينهما اعتراضٌ على التَّقديرينِ وقيل الإشارةُ إلى تسخير الشَّياطينِ والمرادُ بالمنِّ والإمساكِ الإطلاقُ والتَّقييدُ
стр. 5930
﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى﴾ في الآخرةِ مع ما له من المُلك العظيمِ في الدنيا ﴿وحسن مآب﴾ هو الجنَّةُ قيل فُتن سليمانُ ﵇ بعد ما ملكَ عشرين سنةً وملك بعد الفتنةِ عشرينَ سنة وذكر الفقيهُ أبوُ حنيفةَ أحمدُ بنُ داودَ الدِّيْنَوَريُّ في تاريخه أنَّ سليمانَ ﵇ ورثَ ملكَ أبيهِ في عصرِ كيخسرو بن سياوش وسارَ من الشَّامِ إلى العراقِ فبلغ خبره كيخسر فهربَ إلى خُراسانَ فلم يلبثْ حتَّى هلكَ ثمَّ سارَ سُليمانُ ﵇ إلى مروٍ ثمَّ إلى بلادِ التُّركِ فوغل فيها ثم جازَ بلادَ الصِّين ثم عطفَ إلى أنْ وافى بلادَ فارسٍ فنزلها أيّاماً ثم عاد إلى الشَّامِ ثمَّ أمرَ ببناءِ بيتِ المقدسِ فلَّما فرغَ منه سار إلى تهامةَ ثم إلى صنعاءَ وكان من حديثِه مع صاحبتِها ما ذكر الله تعالى وغَزا بلادَ المغربِ الأندلسِ وطنجةَ وغيرَهما والله تعالى أعلمُ
стр. 5931
﴿واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ عطفٌ على اذكُر عبدنا داودَ وعدمُ تصديرِ قصَّةِ سليمانَ بهذا العُنوان لكمالِ الاتِّصالِ بينه وبينَ داودَ ﵉ وأيُّوبُ هو ابنُ عِيصَ بنِ إسحاقَ ﵇ ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ بدلُ اشتمالٍ من عبدَنا وأيُّوبَ عطفُ بيانٍ له ﴿إِنّى﴾ بأني ﴿مَسَّنِىَ الشيطان﴾ بفتح ياء مسنى وقرئ بإسكانِها وإسقاطِها ﴿بِنُصْبٍ﴾ أي تعب وقرئ بفتحِ النُّونِ وبفتحتينِ وبضمَّتينِ للتثقيلِ ﴿وَعَذَابٍ﴾ أي ألمٍ ووصبٍ يريدُ مرضَه وما كان يُقاسيه من فنونِ الشَّدائدِ وهو المرادُ بالضُّرِّ في قوله إنيِّ مسنى الضُّرُّ وهو حكايةٌ لكلامِه الذي ناداهُ به بعبارتِه وإلَاّ لقيلَ أنَّه مسَّه الخ والإسنادُ إلى الشَّيطان إمَّا لأنَّه تعالَى مسَّه بذلك لما فعل بوسوستِه كما قيل إنَّه أُعجب بكثرةِ مالِه أو استغاثه مظلومٌ فلم يغثه أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزُه أو لامتحان صبره فيكون اعترافاً بالذَّنبِ أو
стр. 5932
ص ٤٢ ٤٤ مراعاةً للأدبِ أو لأنَّه وسوس إلى أتباعِه حتَّى رفضُوه وأخرجُوه من ديارِهم أو لأنَّ المرادَ بالنَّصَبِ ما كان يُوسوس به إليه في مرضِه من تعظيم ما نزل به من البلاءِ والقُنوطِ من الرَّحمةِ ويغريه على الكراهةِ والجَزَعِ فالتجأَ إلى الله تعالَى في أنْ يكفيه ذلك بكشفِ البلاءِ أو بالتوفيقِ لدفعِه وردِّه بالصَّبرِ الجميلِ وليس هذا تمامَ دعائِهِ ﵊ بل من جُملتِه قولُه وانت ارحم الراحمين فاكتفى ههنا عن ذكرِه بما في سُورةِ الأنبياءِ كما تركَ هناك ذكرَ الشَّيطانِ ثقةً بما ذكرههنا وقوله تعالى
стр. 5933
﴿اركض بِرِجْلِكَ﴾ الخ إمَّا حكايةٌ لما قيل له أو مقولٌ لقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على نادى أي فقلنا له اركض برجلك أي اضربْ بها الأرضَ وكذا قوله تعالى ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فإنَّه أيضاً إمَّا حكايةٌ لما قيل له بعدَ امتثالِه بالامر ونبوع الماءِ أو مقولٌ لقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على مقدَّر ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنه قيل فضربَها فنبعتْ عينٌ فقلنا له هذا مغتسلٌ تغتسلُ به وتشربُ منه فيبرأُ ظاهرُك وباطُنك وقيل نبعتْ عينانِ حارَّةٌ للاغتسالِ وباردةٌ للشُّربِ ويأباهُ ظاهرُ النظمِ الكريمُ وقوله تعالى
стр. 5934
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ معطوفٌ على مقدَّرَ مترتبٍ على مقدَّرٍ آخرَ يقتضيه القولُ المقدَّرُ آنفاً كأنَّه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا بذلكَ مابه من ضركما في سورة الأنبياء ووهبنا له أهلَه إمَّا بإحيائِهم بعد هلاكِهم وهو المرويُّ عن الحسنِ أو بجمعِهم بعد تفرُّقِهم كما قيل ﴿وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾ عطفٌ على أهلَه فكان له من الأولادِ ضِعفُ ما كان له قبل ﴿رَحْمَةً مّنَّا﴾ أي لرحمةٍ عظيمةٍ عليه من قبلنا ﴿وذكرى لأُوْلِى الالباب﴾ ولتذكيرهم بذلك ليصبروا عل الشَّدائدِ كما صبرَ ويلجأوا إلى الله فيما يحيقُ بهم كما لجأ ليفعلَ بهم ما فعلَ به من حُسن العاقبةِ
стр. 5935
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ معطوفٌ على اركُض أو على وهبنَا بتقديرِ قُلنا أي وقُلنا خذْ بيدِك الخ والأوَّلُ أقربُ لفظاً وهذا أنسبُ معنى فإنَّ الحاجةَ إلى هذا الأمرِ لا تمسُّ إلا بعد الصَّحةِ فإنَّ امرأتَه رحمةَ بنتَ افرايمَ بنِ يوسفَ وقيل ليَا بنتُ يعقوبَ وقيل ماصرُ بنتُ ميْشا بن يُوسفَ ﵇ ذهبتْ لحاجةٍ فأبطأتُ فحلفَ إنْ برئ ليضربنَّها مائةً ضربة فأمرَه الله تعالى بأخذِ الضِّغثِ والضِّغثُ الحزمةُ الصَّغيرةُ من الحشيشِ ونحوِه وعن ابن عباس ﵄ قبضةٌ من الشَّجرِ وقال ﴿فاضرب بّهِ﴾ أي بذلك الضِّغثِ ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ في يمينك فإنَّ البرَّ يتحققُ به ولقد شرعَ الله سبحانه هذه الرُّخصةَ رحمةً عليه وعليها الحسن خدمتِها إيَّاهُ ورضاهُ عنها وهي باقيةٌ ويجب أنْ يصيبَ المضروبَ كلُّ واحدٍ من المائةِ إما بأطرافِها قائمة أوبأعراضها مبسوطةً على هيئةِ الضَّربِ ﴿إِنَّا وجدناه صَابِراً﴾ فيما أصابَه في النَّفسِ والأهلِ والمالِ وليسَ في شكواهُ إلى الله تعالى إخلالٌ بذلك فإنَّه لا يُسمَّى جزَعاً كتمنِّي العافيةِ وطلب الشِّفاءِ على أنَّه قال ذلك خيفةَ الفتنةِ في الدِّينِ حيث كانُ الشَّيطانُ يوسوس الى قومه
стр. 5936
ص ٤٥ ٤٨ بأنَّه لو كانَ نبيَّاً لما ابُتلي بمثلِ ما ابُتلي به وإرادة القوَّة على الطَّاعةِ فقد بلغ أمرُه إلى أنْ لم يبقَ منه إلَاّ القلبُ واللِّسانُ ويُروى أنَّه ﵇ قال في مناجاتِه إلهي قد علمتَ أنَّه لم يُخالفْ لساني قلبيَ ولم يتبع قلبي بصريَ ولم يهبني ما ملكتْ يميني ولم آكلْ إلا ومعي يتيم ولم أبتْ شبعانَ ولا كاسياً ومعي جائعٌ أو عريانُ فكشفَ الله تعالى عنه ﴿نِعْمَ العبد﴾ أي أيُّوبُ ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ تعليلٌ لمدحِه أيْ رجّاع إلى الله تعالى
стр. 5937
﴿واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ﴾ عطفُ بيانٍ لعبادَنا وقرئ عبدَنا إمَّا على أنَّ إبراهيمَ وحدَهُ لمزيد شرفهِ عطفُ بيانٍ وقيل بدلٌ وقيل نُصبَ بإضمارِ أَعْنِي والباقيانِ عطفٌ على عَبدنا وإمَّا على أنَّ عبدَنا اسمُ جنسٍ وضعَ موضعَ الجمع ﴿أُوْلِى الايدى والابصار﴾ أُولي القوَّةِ في الطَّاعةِ والبصيرةِ في الدِّينِ أو أولي الأعمالِ الجليلةِ والعلومِ الشَّريفةِ فعبَّر بالأيدِي عن الأعمالِ لأنَّ أكثرَها تُباشر بها وبالأبصارِ عن المعارفِ لأنَّها أقوى مباديها وفيه تعريضٌ بالجَهَلةِ البطَّالينَ أنَّهم كالزمنى والعُماةِ وتوبيخٌ على تركِهم المجاهدةِ والتَّأمُّلِ مع تمكنهم منهما وقرئ أُولي الأيدِ بطرحِ الياءِ والاكتفاء بالكسر وقرئ أُولي الأيادِي على جمعِ الجمعِ
стр. 5938
﴿إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ﴾ تعليلٌ لما وُصفوا به من شرفِ العُبودَّيةِ وعلوِّ الرُّتبةِ في العلم والعمل أي جعلناهم خالصينَ لنا بخصلةٍ خالصةٍ عظيمةَ الشَّأنِ كما ينبئ عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ وقولُه تعالى ﴿ذِكْرَى الدار﴾ بيانٌ للخالصةِ بعد إبهامِها للتَّفخيم أي تذكرٍ للدَّارِ الآخرةِ دائماً فإنَّ خُلوصَهم في الطَّاعةِ بسببِ تذكُّرِهم لها وذلكَ لأنَّ مطمحَ أنظارِهم ومطرح أفكارِهم في كلِّ ما يأتونَ وما يذرون جوارُ الله والفوزُ بلقائهِ ولا يتسنَّى ذلك إلَاّ في الآخرةِ وقيل أخلصناهُم بتوفيقِهم لها واللُّطفِ بهم في اختيارِها ويعضد الأولَ قراءةُ من قرأ بخالصتِهم وإطلاق الدَّارِ للإشعارِ بأنَّها الدَّارُ في الحقيقةِ وإنَّما الدُّنيا مَعْبرٌ وقرئ بإضافةِ خالصةٍ إلى ذِكرى أي بما خلُص من ذِكرى الدَّارِ عَلى مَعْنى أنهُم لا يشوبون ذكراهابهم آخرَ أصلاً أو تذكيرهم الآخرةَ وترغيبُهم فيها وتزهيدُهم في الدُّنيا كما هو شأنُ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ ذِكرى الدَّارِ الثَّناءُ الجميلُ في الدُّنيا ولسانُ الصِّدقِ الذي ليس لغيرِهم
стр. 5939
﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار﴾ لمن المُختارين من أمثالِهم المصطَفَين عليهم في الخيرِ والأخيار جمعُ خَيْرٍ كشرَ وأشرارٍ وقيل جمعُ خَيِّرٍ أو خَيْرٍ مُخفَّفٍ منْهُ كأمواتٍ في جمعِ مَيِّتٍ ومَيْتٍ
стр. 5940
﴿واذكر إسماعيل﴾ فُصلَ ذكرُه عن ذكر أبيه وأخيه للإشعارِ بعراقتِه في الصَّبرِ الذي هُو المقصودُ بالتَّذكيرِ ﴿واليسع﴾ هو ابن خطوب بنِ العجوزِ استخلفَه الياسُ على بني إسرائيلَ ثم استنبئ واللامُ فيه حرفُ تعريفٍ دخلَ على يسع كما في قول من
стр. 5941
ص ٤٩ ٥٣ قال رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيد مباركا وقرئ واليسع كأنه أصله لَيْسع فَيْعل من اللَّسعِ دخلَ عليه حرفُ التَّعريفِ وقيل هو على القراءتينِ عَلَم أعجميٌّ دخل عليه اللامُ وقيل هو يُوشع ﴿وَذَا الكفل﴾ هو ابنُ عمِّ يسع أو بشر بن أيوب واختُلف في نبوَّتِه ولقبهِ فقيل فرَّ إليه مائةُ نبيَ من بني إسرائيلَ من القتل فآواهُم وكَفَلهم وقيل كُفل بعملِ رجلٍ صالحٍ كان يُصلِّي كلَّ يومٍ مائةَ صلاة ﴿وَكُلٌّ﴾ أي وكلهم ﴿من الأخيار﴾ المشهور بن بالخبرية
стр. 5942
﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من الآياتِ النَّاطقةِ بمحاسِنهم ﴿ذُكرٌ﴾ أي شَرفٌ لهم وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً أو نوعٌ من الذِّكرِ الذي هو القرآنُ وبابٌ منه مشتملٌ على أنباءِ الأنبياءِ ﵈ وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ هذا ذكرُ مَن مضى من الأنبياءِ وقولُه تعالى ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ شروع في بيان أجرِهم الجزيل في الآجلِ بعد بيان ذكرِهم الجميلِ في العاجلِ وهو بابٌ آخرُ من أبواب التَّنزيلِ والمرادُ بالمتَّقينَ إمَّا الجنسُ وهم داخلونَ في الحكم دُخولاً أوليَّاً وإما نفسُ المذكورين عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم بالتَّقوى التي هي الغايةُ القاصيةُ من الكمالِ
стр. 5943
﴿جنات عَدْنٍ﴾ عطفُ بيانٍ لحسنَ مآبٍ عندَ من يجوز تخالفهما تعريفها وتنكيراً فإنَّ عَدْناً مَعْرِفةٌ لقولِه تعالى جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ أو بدلٌ منه أو نصب على المدحِ وقولُه تعالى ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب﴾ حالٌ من جنَّاتِ عَدْنٍ والعاملُ فيها ما في للمتَّقين من معنى الفعلِ والأبوابُ مرتفعةٌ باسمِ المفعولِ والرَّابطُ بين الحالِ وصاحبِها إمَّا ضميرٌ مقدَّرٌ كما هو رأيُ البصريِّينَ أي الأبوابُ منها أو الألفُ واللَاّمُ القائمةُ مقامَه كما هو رأيُ الكوفيِّينَ إذِ الأصلُ أبوابُها وقُرئتا مرفوعتينِ على الابتداء والخبر أو على أنَّهما خبرانِ لمحذوفٍ أي هي جنَّاتُ عدنٍ هي مفتّحةٌ
стр. 5944
﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ حالٌ من ضميرِ لَهمُ والعاملُ فيها مفتَّحة وقولُه تعالى ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ استئناف لبيان حالهم فيها وقيل هو أيضاً حالٌ مَّما ذُكر أو من ضمير متَّكئين والاقتصارُ على دعاءِ الفاكهةِ للإيذانِ بأنَّ مطاعَمهم لمحضِ التَّفكهِ والتَّلذذِ دُون التَّغذِّي فإنَّه لتحصيل بدلِ المتحلِّلِ ولا تحلَّلِ ثَمة
стр. 5945
﴿وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف﴾ أي على أزواجهنَّ لا ينظُرن إلى غيرِهم ﴿أَتْرَابٌ﴾ لداتٌ لهم فإنَّ التَّحابَّ بين الأقرانِ أرسخُ أو بعضهن لبعضٍ لا عجوزَ فيهنَّ ولا صبيَّةَ واشتقاقُه من التُّراب فإنَّه يمسُّهم في وقتٍ واحدٍ
стр. 5946
﴿هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب﴾ أي لأجلِه فإنَّ الحسابَ علَّةٌ للوصولِ إلى الجزاء وقرئ بالياءِ ليوافقَ ما قبلَه
стр. 5947
ص ٥٤ ٥٩ والالتفاتُ أليقُ بمقامِ الامتنانِ والتَّكريمِ
стр. 5948
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما ذكر من ألوان النِّعم والكَرَاماتِ ﴿لَرِزْقُنَا﴾ أعطيناكموه ﴿مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ انقطاعٍ أبداً
стр. 5949
﴿هذا﴾ أي الأمرُ هذا أو هذا كما ذُكر أو هذا ذِكر وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَآبٍ﴾ شروع في بيان أضَّدادِ الفريق السَّابقِ
стр. 5950
﴿جَهَنَّمَ﴾ إعرابُه كما سلف ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي يدخلُونها حالٌ من جهنَّمَ ﴿فَبِئْسَ المهاد﴾ وهو المهدُ والمفرشُ مستعار من فراشِ النَّائمِ والمخصوص بالذمِّ محذوف وهو جهنَّم لقوله تعالى لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ
стр. 5951
﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أي ليذوقُوا هذا فليذوقُوه كقوله تعالى وإياى فارهبون أو العذابُ هذا فليذوقوه أو هذا مبتدأٌ خبرُه ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ وما بينهما اعتراضٌ وهو على الأولين خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هو حميم والغسَّاقُ ما يغسِق من صديدِ أهلِ النَّارِ من غسَقتِ العينُ إذا سال دمعُها وقيل الحميمُ يحرقُ بحرِّه والغسَّاقُ يحرقُ ببردِه وقيل لو قَطرت منه قطرةٌ في المشرقِ لنتَّنتْ أهلَ المغربِ ولو قَطرت قطرةٌ في المغرب لنتنت أهلَ المشرقِ وقيل الغسَّاقُ عذابٌ لا يعلمه إلَاّ الله تعالى وقُرىء بتخفيفِ السين
стр. 5952
﴿وآخر مِن شَكْلِهِ﴾ أي ومذوقٌ آخرُ أو عذابٌ آخرُ من مثل هذا المذوقِ أو العذابِ في الشِّدَّةِ والفظاعةِ وقُرىء وأُخَرُ أي ومذوقاتٌ أخَرُ أو أنواع عذابٍ أُخر وتوحيدُ ضميرِ شكله بتأويلِ ما ذُكر أو الشَّرابُ الشَّاملُ للحميمِ والغسَّاقِ أو هو راجعٌ إلى الغسَّاقِ ﴿أزواج﴾ أي أجناس وهو خبر لآخر لانه يجوز أن يكون ضروباً أو صفةٌ له أو للثلاثة أو مرتفعٌ بالجار والخبرُ محذوفٌ مثلُ لهم
стр. 5953
﴿هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ حكاية ما يقال من جهة الخَزَنةِ لرُؤساء الطَّاغينَ إذا دخلوا النَّارَ واقتحمها معهم فوجٌ كانوا يتبعونهم في الكُفرِ والضَّلالةِ والاقتحامُ الدُّخولُ في الشَّيء بشدَّةٍ قال الرَّاغبُ الاقتحامُ توسُّطُ شدَّةٍ مخيفةٍ وقولُه تعالى ﴿لَا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ من اتمام كلام الخزنة بطريق الدُّعاءِ على الفوجِ أو صفةٌ للفوجِ أو حالٌ منه أي مقولٌ أو مقولاً في حقِّهم لا مرحباً بهم أي لا اتوا مرحبا اولا رحُبتْ بهم الدَّار مرحباً ﴿إنهم صالوا النار﴾ تعليل من جهةِ الخَزَنةِ لاستحقاقهم الدُّعاءِ عليهم أو وصفهم بما ذُكر وقيل لا مرحباً بهم إلى هنا كلامُ الرُّؤساءِ في حقَ أتباعِهم عند خطاب الخَزَنة لهم باقتحام الفوجِ معهم تضجُّراً من مقارنتهم
стр. 5954
ص ٦٠ ٦٣ وتنفُّرا من مصاحبتِهم وقيل كلُّ ذلك كلامْ الرُّؤساءِ بعضهم مع بعض في حقِّ الأتباعِ
стр. 5955
﴿قَالُواْ﴾ أي الأتباعُ عند سماعِهم ما قيل في حقِّهم ووجه خطابهم للرُّؤساءِ في قولهم ﴿بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ الخ على الوجهينِ الأخيرينِ ظاهرٌ وأمَّا على الوجهِ الأولِ فلعلَّهم إنَّما خاطبُوهم مع أنَّ الظَّاهرَ أنْ يقولُوا بطريقِ الاعتذارِ إلى الخَزَنةِ بل هُم لا مرحباً بهم الخ قَصْداً منهم إلى إظهارِ صدقِهم بالمُخاطبةِ مع الرُّؤساءِ والتَّحاكمِ إلى الخَزَنةِ طمعاً في قضائِهم بتخفيفِ عذابِهم أو تضعيفِ عذابِ خُصَمائهم أي بل أنتم أحقُّ بما قيلَ لنا أو قلتُم وقولُه تعالى ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ تعليلٌ لأحقِّيتهم بذلك أي أنتمُ قدَّمتم العذابَ أو الصِّلِيَّ لنا وأوقعتُمونا فيه بتقديمِ ما يُؤدِّي إليه من العقائد الزائفة والأعمالِ السَّيئةِ وتزيينها في أَعُيننا وإغرائِنا عليها لا انا باشرنَاها من تلقاءِ أنفسنا ﴿فَبِئْسَ القرار﴾ أي فبئسَ المقرُّ جهنَّم قصدُوا بذمِّها تغليظَ جنايةِ الرُّؤساءِ عليهم
следующие страницы →