← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

﴿أجعل الالهة إلها واحدا﴾ بأنْ نفى الأُلوهيَّةَ عنهم وقَصرَها على واحدٍ ﴿إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ﴾ بليغٌ في العَجَبِ وذلك لأنَّه خلافُ ما ألِفُوا عليهِ آباءَهم الذينَ أجمعُوا على ألوهيتهم

стр. 5882

ص ٦ ٧ وواظبُوا على عبادتِهم كابراً عن كابر فإن هذا مدارَ كلِّ ما يأتُون وما يذرُون من أمورٍ دينِهم هو التَّقليدُ والاعتيادُ فيعدُّون ما يخالفُ ما اعتادُوه عجيباً بل مُحالاً وأماً جعلُ مدارِ تعجبِهم عدمَ وفاءِ علمِ الواحدِ وقدرتِه بالأشياءِ الكثيرةِ فلا وجَه له لما أنَّهم لا يدَّعُون أنَّ لآلهتِهم علماً وقدرةً ومدخلاً في حدوث شئ من الأشياءِ حتَّى يلزمَ من نفي ألوهيَّتهم بقاءُ الآثار بلا مؤثر وقرئ عجَّاب بالتَّشديدِ وهو أبلغُ ككُرامٍ وكَرَّامِ رُوي أنَّه لما أسلم عمرُ ﵁ شقَّ ذلك على قُريشٍ فاجتمعَ خمسةٌ وعشرونَ من صناديدِهم فأتَوا أبَا طالبٍ فقالُوا أنتَ شيخُنا وكبيرُنا وقد علمتَ ما فعلَ هؤلاءِ السُّفهاءُ وقد جئناكَ لتقضِي بينَنا وبينَ ابنِ أخيكَ فاستحضرَ رسولَ الله ﷺ وقال يا ابنَ أخِي هؤلاءِ قومُك يسألونَك السُّؤالَ فلا تملْ كلَّ الميلِ على قومك فقال ﷺ ماذا تسألوننى قالوا رفضنا وارفُض ذكَر آلهتِنا وندعكَ وإلهك فقال ﷺ أرأيتُم إنْ أعطيتُكم ما سألتُم أمعطيَّ أنتُم كلمةً واحدةً تملكونَ بها العربَ وتدينُ لكم بها العجمُ قالُوا نعم وعشراً فقال قولُوا لا إلَه إلَاّ الله فقامُوا وقالُوا ذلكَ

стр. 5883

﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ أي وانطلقَ الأشرافُ من قريشٍ عن مجلسِ أبي طالبٍ بعد ما بكَّتهم رسولُ الله ﷺ بالجوابِ العتيدِ وشاهدُوا تصلُّبَه ﷺ في الدِّينِ وعزيمتَه على أنْ يُظهره على الدِّينِ كلِّه ويئسُوا ممَّا كانُوا يرجونَه بتوسطِ أبي طالبٍ من المصالحةِ على الوجِه المذكورِ ﴿أَنِ امشوا﴾ أي قائلين بعضِهم لبعضٍ على وجهِ النَّصيحةِ امشُوا ﴿وَاْصْبِرُواْ على آلهتكم﴾ أي واثبتُوا على عبادتِها متحمِّلين لما تسمعُونه في حقِّها من القدحِ وأنْ هي المفسِّرةُ لأنَّ الانطلاقَ عن مجلسِ التقاولِ لا يخلُو عن القولِ وقيل المرادُ بالانطلاقِ الاندفاعُ في القولِ وامشُوا من مشتِ المرأةُ إذا كثرتْ ولادتُها ومنه الماشيةُ للتفاؤلِ أي اجتمعوا وكثروا وقرئ امشُوا بغير أنْ على إضمار القول وقرئ يمشُون أنِ اصبرُوا ﴿إِنَّ هذا لَشَىْء يُرَادُ﴾ تعليلٌ للأمرِ بالصَّبرِ أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ أي هذا الذي شاهدناهُ من محمَّدٍ ﷺ من أمرِ التَّوحيدِ ونفي آلهتنا وإبطال امرها لشئ يُراد أي من جهتِه ﷺ إمضاؤُه وتنفيذُه لا محالةَ من غير صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لاقول يقال من طرفِ اللِّسان أو أمر يُرجى فيه المسامحةُ بشفاعةٍ أو امتنانٍ فاقطعُوا أطماعَكم عن استنزالِه من رأيهِ بوساطة أبي طالب وشفاعته وحسبكم أن لا تمنعوا من عبادةِ آلهتكم بالكلية فاصبروا عليها وتحمَّلوا ما تسمعونَه في حقِّها من القدحِ وسُوءِ القالةِ وقيل إنَّ هذا الأمر لشئ يريده الله تعالى ويحكم بإمضائِه وما أرادَ الله كونَه فلا مردَّ له ولا ينفعِ فيه إلَاّ الصَّبرُ وقيل إن هذا الأمر لشئ من نوائب الدَّهرِ يُراد بنا فلا انفكاكَ لنا منه وقيل إنَّ دينَكم لشئ يُراد أي يُطلب ليؤخذَ منكم وتُغلبوا عليه وقيل إنَّ هذا الذي يدَّعيهِ من التَّوحيدِ أو يقصدُه من الرِّياسةِ والتَّرفعِ على العرب والعجم لشئ يُتمنَّى ويرُيده كلُّ أحدٍ فتأمَّل في هذه الأقاويلِ واخترْ منها ما يساعدُه النظم الجليلُ

стр. 5884

﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا﴾ الذي يقولُه ﴿فِى الملة الاخرة﴾ أي الملَّةِ النَّصرانيةِ التي هي آخرُ الملل فإنَّهم مُثلِّثةٌ أو في الملَّةِ التي

стр. 5885

ص ٨ ١١ أدركنا عليها آباءَنا ويجوزُ أن يكون الجارُّ والمجرور حالاً من هذا أي ما سمعنا بهذا مِنْ أَهْلِ الكتابِ وَلَا الكُهَّانِ كائناً في الملَّة المترقبة ولقد كذبُوا في ذلك أقبح كذبٍ فإنَّ حديثَ البعثةِ والتَّوحيدِ كان أشهرَ الأمورِ قبل الظُّهور ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما هذا ﴿إِلَاّ اختلاق﴾ أي كذبٌ اختلَقه

стр. 5886

﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ أي القرآن ﴿مّن بَيْنِنَا﴾ ونحن رؤسا النَّاسِ وأشرافُهم كقولهم لَوْلَا نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيم ومرداهم إنكارُ كونه ذكراً منزَّلاً من عندِ الله كقولهم لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وأمثالُ هذه المقالاتِ الباطلة دليل على أنَّ مناطَ تكذيبهم ليس إلَاّ الحسدُ وقِصرُ النَّظرِ على الحُطام الدنيويِّ ﴿بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى﴾ أي من القرآنِ أو الوحي لميلهم إلى التَّقليدِ وإعراضِهم عن النَّظرِ في الأدِلَّةِ المؤدِّية إلى العلمِ بحقِّيتِه وليس في عقيدتِهم ما يبتُّون به فهم مذبذبون بين الأوهامِ ينسبونه تارةً إلى السِّحرِ وأخرى إلى الاختلاقِ ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ أي بل لم يذوقُوا بعد عذابي فإذا ذاقُوه تبيَّن لهم حقيقةُ الحال وفي لمَّا دلالةٌ على أنَّ ذوقَهم على شرف الوقوع والمعنى أنهم لا يصدّقون به حتى يمسَّهم العذاب وقيل لم يذوقوا عذابَى الموعودَ في القرآنِ ولذلك شكُّواً فيه

стр. 5887

﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ العزيز الوهاب﴾ بل أعندهم خزائنُ رحمتِه تعالى يتصرَّفون فيها حسبما يشاءون حتَّى يُصيبوا بها من شاءوا ويُصرفُوها عمَّن شاءوا ويتحكَّموا فيها بمقتضي آرائِهم فيتخيَّروا للنُّبوةِ بعضَ صناديدهم والمعنى أنَّ النُّبوةَ عطيةٌ من الله يتفضَّلُ بها على مَن يَشَاء مِنْ عباده المصطَفينَ لا مانع له فإنَّه العزيز أي الغالب الذي لا يُغالب الوهَّابُ الذي له أنْ يهبَ كلَّ ما يشاءُ لكلِّ مَن يشاءُ وفي إضافةِ اسم الرب المنبئ عن التَّربيةِ والتبليغِ إلى الكمال الى ضميره ﷺ من تشريفه واللُّطفِ به ما لا يخفى وقوله تعالى

стр. 5888

﴿أم لهم ملك السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ترشيحٌ لما سبق أي بل ألهُم ملكُ هذه العوالمِ العُلويةِ والسُّفليةِ حتَّى يتكلَّموا في الأمورِ الرَّبانيةِ ويتحكَّموا في التَّدابيرِ الإلهيةِ التي يستأثرُ بها ربُّ العزَّةِ والكبرياءِ وقولُه تعالى ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إنْ كان لهم ما ذُكر من الملك فليصعدُوا في المعارجِ والمناهج التي يتوصَّلُ بها إلى العرشِ حتَّى يستووا عليه ويدبِّروا أمر العالم ويُنزلوا الوحَي إلى مَن يختارون ويستصوبوُن وفيه من التَّهكُّمِ بهم ما لا غايةَ وراءَه والسَّببُ في الأصل هو الوصلةُ وقيل المرادُ بالأسبابِ السَّمواتُ لأنَّها أسبابُ الحوادثِ السُّفليةِ وقيل أبوابُها

стр. 5889

﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الاحزاب﴾ أي هم جندٌ ما من الكُفَّارِ المتحزبين عل الرُّسلِ مهزومٌ مكسورٌ عمَّا قريب فلا تُبالِ بما يقولون ولا تكترثْ بما يهذُون ومَا مزيدةٌ للتَّقليلِ والتحقير

стр. 5890

ص ١٢ ١٤ نحو قولِك أكلتُ شيئاً ما وقيل للتَّعظيمِ على الهُزءِ وهنالك إشارةٌ إلى حيثُ وضعُوا فيه أنفسَهم من الانتدابِ لمثل ذلك القولِ العظيمِ وقولُه تعالَى

стр. 5891

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الاوتاد﴾ الخ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله ببيانِ أحوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ الذين هؤلاءِ جند ما من جنودهم ممَّا فعلوا من التَّكذيبِ وفعل بهم من العقابِ وذُو الأوتادِ معناه ذُو المُلك الثَّابتَ أصلُه من ثبات البيت المطنَّبِ بأوتاد فاستُعير لثبات الملكِ ورسوخِ السَّلطنةِ واستقامةِ الأمرِ قال الأسودُ بن يَعْفُر ... وَلَقَد غَنُوا فيها بأَنْعمِ عِيْشة ... فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوْتَادِ ... أو ذُو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأنَّ بعضَهم يشدُّ بعضاً كالوتدِ يشدُّ البناءَ وقيل نصبَ أربعَ سوار وكان يمدُّ يَدَيْ المعذَّبِ ورجليه إليهما ويضربُ عليها أوتاداً ويتركُه حتَّى يموتَ وقيل كان يمدُّه بين أربعةِ أوتادٍ في الأرض ويرسلُ عليه العقاب والحيَّاتِ وقيل كانت له أوتادٌ وحبالٌ يلعب بها بين يديِه

стр. 5892

﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب الأيكة﴾ أصحابُ الغَيضةِ من قومِ شُعيبِ ﵇ وقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ الاحزاب﴾ إمَّا بدلٌ من الطَّوائفِ المذكورة كما أنَّ ذلك الكتابُ بدلٌ من ألم على أحدِ الوجوه وفيه فضلُ تأكيدٍ وتنبيهٌ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم وقولُه تعالى

стр. 5893

﴿إِن كُلٌّ إِلَاّ كَذَّبَ الرسل﴾ استئنافٌ جيء به تقريراً لتكذيبِهم وبياناً لكيفَّيتِه وتمهيداً لما يعقُبه أي ما كلُّ أحدٍ من آحادِ أولئكَ الأحزابِ أو الأحزابِ أو ما كلُّ حزب منهم كذَّبَ الرُّسلَ لأنَّ تكذيبَ واحد منهم تكذيبٌ لهم جميعاً لاتِّفاقِ الكلِّ على الحقِّ وقيل ما كلُّ حزبٍ إلَاّ كذَّب رسولَه على نهجِ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ وأيَّاً ما كان فالاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل في خبر المبتدأ أي ما كلُّ أحدٍ منهم محكوماً عليه بحكم إلا محكومٌ عليه بأنه كذَّب الرُّسلَ وقيل ما كلُّ واحدٍ منهم مُخبَراً عنه بخبرٍ إلا مخَبرٌ عنه بأنَّه كذَّب الرُّسلَ وفي إسناد التَّكذيبِ إلى الطَّوائفِ المذكُورةِ على وجهِ الإبهامِ أوَّلاً والإيذانِ بأنَّ كُلَاّ منهم حزبٌ على حيالِه تحزَّب على رسولِه ثانياً وتبيينِ كيفيةِ تكذيبِهم بالجملةِ الاستثنائيةِ ثالثاً فنونٌ من المبالغة مسجَّلةٌ عليهم باستحقاقِ أشدِّ العذابِ وأفظعِه ولذلك رُتّب عليه قولُه تعالى ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي ثبتَ ووقعَ على كلَ منُهم عقابي الذي كانتْ تُوجبه جناياتُهم من أصنافِ العقوباتِ المفصَّلةِ في مواقَعِها وإما بالمبتدا وقولُه تعالى إِن كُلٌّ إِلَاّ كَذَّبَ الرسل خبرُه بحذفِ العائدِ أي إنْ كلٌّ منهم الخ والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكِّدٌ لمضمونِه مع ما فيه من بيانِ كيفيةِ تكذيبهم والتَّنبيهِ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم كما ذُكر وقيل هو مبتدأٌ وخبرٌ والمَعنْى أنَّ الأحزابَ الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم هُم هُم وأنَّهم الذينُ وجد منهم التَّكذيبُ فتدَّبرْ وأمَّا ما قيل من أنه خبرٌ والمبتدأُ قوله تعالى وَعَادٌ الخ أو قوله وقوم لوط الخ فما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن امثاله

стр. 5894

ص ١٥ ١٧

стр. 5895

﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء﴾ شروعٌ في بيان عقابِ كُفَّارِ مكَّة إثر بيانِ عقابِ أضرابِهم من الأحزابِ الذين أُخبر فيما سبقَ بأنَّهم جندٌ حقيرٌ منهم مهزومٌ عن قريبٍ فإنَّ ذلكَ ممَّا يوجبُ انتظارَ السَّامعِ وترقبه إلي بيانه قطعاً وفي الإشارةِ إليهم بهؤلاء تحقيرٌ لشأنِهم وتهوينٌ لأمرِهم وأمَّا جعلُه إشارةً إلى الأحزابِ باعتبارِ حضورِهم بحسبِ الذِّكرِ أو حضورِهم في علم الله فليس في حيِّزِ الاحتمالِ أصلاً كيف لا والانتظار سواءٌ كان حقيقةً أو استهزاء إنما يُتصور في حقِّ من لم يترتب على أعمالِه نتائَجُها بعْد وبعدَ ما بيّن عقابُ الأحزابِ واستئصالُهم بالمرَّةِ لم يبقَ ممَّا أُريد بيانُه من عقوباتهم أمرٌ منتظرٌ وإنَّما الذين في مرصدِ الأنتظارِ كفَّارُ مكَّةَ حيث ارتكبُوا من عظائمِ الجرائم وكبائرِ الجرائرِ الموجبة لأشدِّ العقوباتِ مثلَ ما ارتكب الأحزابُ أو أشدَّ منه ولمَّا يلاقوا بعد شيئاً من غوائلِها أي وما ينتظُر هؤلاءِ الكَفَرةُ الذين هم أمثالُ أولئك الطَّوائفِ المهلكة في الكُفرِ والتَّكذيبِ ﴿إِلَاّ صَيْحَةً واحدة﴾ هي النَّفخةُ الثَّانيةُ لا بمعني أنَّ عقابهم نفسُها بما فيها من الشِّدَّةِ والهَوْلِ فإنَّها داهيةٌ يعمُّ هولُها جميعَ الأُممِ برَّهاً وفاجرِها بل بمعنى أنَّه ليس بينهم وبين حلولِ ما أعدلهم من العقاب الفظيعِ إلَاّ هي حيثُ أُخِّرت عقوبتُهم إلى الآخرةِ لما أنَّ تعذبهم بالاسئصال حسبما يستحقونه والنبي ﷺ بين أظهرِهم خارجٌ عن السُّنَّةِ الإلهيَّةِ المبنيّةِ على الحِكَم الباهرةِ كما نطقَ به قوله تعالى وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وأمَّا ما قيل مِن أنَّها النَّفخةُ الأَولى فممَّا لا وجهَ له أصلاً لما أنَّه لا يشاهد هو لها ولا يُصعقُ بَها إلَاّ مَنْ كانَ حيَّاً عندَ وقوعِها وليس عقابُهم الموعودُ واقعاً عقيبها ولا العذابُ المطلق مؤخر إليها بل يحلُّ بهم من حينِ موتِهم ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي من توقُّفٍ مقدار فَوَاقٍ وهو ما بين الحَلْبتينِ وقرئ بضمِّ الفاءِ وهُما لغتانِ وقولُه تعالى

стр. 5896

﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ حكاية لما قالُوه عند سماعِهم بتأخير عقابهم إلى الآخرةِ أيْ قالُوا بطريق الاستهزاءِ والسُّخريةِ عجِّل لنا قطَّناً من العذابِ الذي تُوعدنا به ولا تؤخره إلى يومِ الحسابِ الذي مبدؤه الصَّيحةُ المذكورةُ والقطُّ القطة من الشَّيءِ من قطَّه إذا قطَعه ويقالُ لصحيفةِ الجائزةِ قطٌّ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ وقد فسِّر بها أي عجِّل لنا صحيفةَ أعمالِنا لننظرَ فيها وقيل ذكرَ رسولُ الله ﷺ وعدَ الله تعالى المؤمنينَ الجنَّة فَقالُوا على سبيلِ الهُزءِ به عجِّلْ لنا نصيبنَا منها وتصديرُ دُعائِهم بالنِّداءِ المذكورِ للإمعانِ في الاستهزاءِ كأنَّهم يدعُون ذلك بكمالِ الرَّغبةِ والابتهالِ

стр. 5897

﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ من أمثالِ هذه المقالاتِ الباطلةِ ﴿واذكر﴾ لهم ﴿عَبْدَنَا داود﴾ أي قصَّته تهويلاً لأمرِ المعصيةِ في أعينهم وتنبيهاً لهم على كمالِ قبحِ ما اجترءوا عليه من المَعاصي فإنَّه ﷺ مع علوِّ شأنِه واختصاصِه بعظائمِ النِّعمِ والكراماتِ لمَّا ألمَّ بصغيرةٍ نزلَ عن منزلتِه ووبَّخْته الملائكةُ بالتَّمثيلِ والتَّعريضِ حتَّى تفطَّنَ فاستغفرَ ربَّه وأنابَ ووُجد منه ما يُحكى من بكائِه الدَّائبِ وغمِّه الواصبِ وندمِه الدَّائمِ فما الظنُّ بهؤلاءِ الكفرة الأذلين

стр. 5898

ص ١٨ ٢٠ من كلِّ ذليلٍ المرتكبينَ لأكبرِ الكبائرِ المصرِّين على أعظمِ المَعَاصي أو تذكَّر قصَّته ﵊ وصُنْ نفسَك أنْ تزلَّ فيما كُلِّفت من مصابرتِهم وتحمُّلِ أذيَّتهم كيلا يلقاكَ ما لقيه من المعاتبةِ ﴿ذَا الايد﴾ أي ذَا الُقوَّة يقال فلانٌ أيدٌ وذُو أيدٍ وآدٌ بمعنى وأياد كل شئ ما يُتقوَّى بهِ ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجَّاعٌ إلى مرضاةِ الله تعالى وهو تعليلٌ لكونِه ذَا الأيدِ ودليلٌ على أن المرادَ به القَّوةُ في الدِّينِ فإنَّه ﵊ كان يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً ويقوم نصفَ اللَّيلِ

стр. 5899

﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ﴾ استئناف مسوق لتعليلِ قوَّتِه في الدِّينِ وأو ابيته إلى مرضاتِه تعالى ومع متعلقة بالتَّسخيرِ وإيثارُها على اللامِ لما أُشير إليه في سورةِ الأنبياءِ من أنَّ تسخيرَ الجبال له ﵊ لم يكن بطريقِ تفويضِ التَّصرُّفِ الكلِّي فيها إليهِ ﵊ كتسخيرِ الرِّيحِ وغيرِها لسليمانَ ﵇ بل بطريق التبعية له ﵊ والاقتداء به في عبادة الله تعالى وقيل متعلقة بما بعدَها وهو أقربُ بالنسبةِ إلى ما في سورة الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يُسَبّحْنَ﴾ أي يُقدسن الله بصوتٍ يتمثلُ له أو بخلقِ الله تعالَى فيها الكلامَ أو بلسانِ الحالِ وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال من الجبال وضع موضعَ مُسبِّحات للدِّلالةِ على تجدُّدِ التَّسبيحِ حالاً بعد حال واستئناف مبينٌ لكيفَّيةِ التَّسخيرِ ﴿بالعشى والإشراق﴾ أي ووقت الإشراقِ وهو حين تشرقُ أي تضئ ويصفُو شعاعُها وهو وقت الضُّحى وأما شروقُها فطلُوعها يقال شرقتِ الشَّمسُ ولمَّا تشرق وعن ام هانئ ﵂ أنه ﵊ صلَّى صلاة الضحى وقالَ هذه صلاة الإشراقُ وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ ما عرفتُ صلاةَ الضُّحى إلَاّ بهذِه الآيةِ

стр. 5900

﴿والطير﴾ عطف على الجبال ﴿مَحْشُورَةً﴾ حالٌ من الطَّيرَ والعاملُ سخَّرنا أي وسخَّرنا الطَّيرَ حالَ كونِها محشورةٌ عن ابن عباس ﵄ كانَ إذا سبَّح جاوبْتُه الجبالُ بالتَّسبيحِ واجتمعتْ إليه الطَّيرُ فسبَّحتْ وذلك حشرُها وقرئ والطَّيرَ محشُورةً بالرَّفعِ على الابتداءِ والخبريةِ ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله مصرِّح بما فُهم منه إجمالاً من تسبيحِ الطَّيرِ أي كلَّ واحدٍ من الجبالِ والطَّيرِ لأجلِ تسبيحِه رجَّاعٌ إلى التَّسبيحِ ووضعُ الأوَّابِ موضعَ المسبِّحِ إمَّا لأنَّها كانتْ ترجِّع التَّسبيحَ والمرجِّعُ رجَّاعٌ لأنَّه يَرْجِعُ إلى فعله رجوعاً بعد رجوعٍ وإمَّا لأنَّ الأوَّابَ هو التَّوابُ الكثيرُ الرجوعِ إلى الله تعالى ومن دأبه إكثارُ الذِّكرِ وإدامُة التَّسبيحِ والتَّقديسِ وقيل الضَّميرُ لله أي كلٌّ من داودَ والجبالِ والطَّيرِ لله أوابٌ أي مسبِّحٌ مرجِّعٌ للتَّسبيحِ

стр. 5901

﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قوَّيناهُ بالهَيبةِ والنصرة وكثرة الجنود وقرئ بالتَّشديدِ للمبالغة قيل كان يبيتُ حول محرابِه أربعون ألفَ مستلئمٍ وقيل ادَّعى رجلٌ على آخرَ بقرةً وعجزَ عن إقامةِ البيِّنةِ فأَوْحَى الله تعالى إليه في المنامِ أنِ اقتل المدَّعى عليهِ فتأخَّر فأُعيد الوحيُ في اليقظةِ فأعلَمه الرَّجلُ فقال إنَّ الله تعالى لم يأخذني

стр. 5902

ص ٢١ ٢٢ بهذا الذَّنبِ ولكنْ بأنِّي قتلتُ أبا هَذا غيلةً فقال النَّاسُ إنْ أذنبَ أحدٌ ذنباً أظهرَهُ الله تعالى عليه فقتلَه فهابُوه وعظمتْ هيبتُه في القلوبِ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ النُّبوةَ وكمالَ العلمِ وإتقانَ العملِ وقيل الزَّبورَ وعلمَ الشَّرائعِ وقيل كلُّ كلامٍ وافقَ الحقَّ فهو حكمةٌ ﴿وَفَصْلَ الخطاب﴾ أي فصل الخصام بتمييزِ الحقِّ عن الباطل أو الكلامَ المُلخَّصَ الذي ينبه المخاطَب على المرامِ من غير التباس لما قد رُوعي فيه مظانُّ الفصل والوصل والعطفِ والاستئنافِ والإظهارِ والإضمارِ والحذفِ والتَّكرارِ وإنَّما سُمِّي به أمَّا بعدُ لأنَّه يفصل المقصودَ عمَّا سبق تمهيداً له كالحمدِ والصَّلاةِ وقيل هو الخطابُ الفصلُ الذي ليس فيه إيجاز مخل ولا إطنابٌ مُملٌّ كما جاء في نعت كلام النُّبوةِ فَصْلٌ لا نَزْر ولا هَذْر

стр. 5903

﴿وهل أتاك نبأ الخصم﴾ استفهامٌ معناه التَّعجيبُ والتَّشويقُ إلى استماع ما في حيِّزهِ لإيذانه بأنَّه من الأنباء البديعةِ التي حقُّها أنْ تشيعَ فيما بين كل حاضرٍ وباد والخَصمُ في الأصل مصدرٌ ولذلكَ يُطلق عَلى الواحدِ وما فوقه كالضَّيفِ ومعنى خصمانِ فريقانِ ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ إذ تصعدوا سورَه ونزلُوا إليه والسُّورُ الحائطُ المرتفعُ ونظيرُه تسنَّمه إذا علا سنامَهُ وتذرَّاهُ إذا علا ذِرْوَتُه وإذْ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ أي نبأ تحاكم الخصم إذْ تسوَّروا أو بالنبأ على أنَّ المرادَ به الواقع في عهد داودَ ﵇ وان اسناده الإتيان إليه على حذفِ مضافٍ أيْ قصَّةً نبأ الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الخُصومةِ لا بأتى لأنَّ إتيانَه الرسول ﷺ لم يكن حينئذٍ وقوله تعالى

стр. 5904

﴿إذ دخلوا على داود﴾ بدلٌ ممَّا قبله أو ظرف لتسوَّروا ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ رُوي أنَّه تعالى بعثَ إليه مَلكين في صورة إنسانينِ قيل هما جبريلُ وميكائيلُ ﵉ فطلبا أنْ يدخلا عليه فوجداهُ في يوم عبادته فمنعهُما الحَرَسُ فتسوَّروا عليه المحراب بمن معهُما من الملائكةِ فلم يشعرْ إلَاّ وهُما بين يديه جالسانِ ففزِع منهم لأنَّهم نزلُوا عليه من فوق على خلافِ العادةِ والحَرَسُ حوله في غير يوم الحُكومةِ والقضاء قال ابن عباس ﵄ أن داود ﵇ جزَّأ زمانَه أربعةَ أجزاءٍ يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للاشتغال بخاصَّةِ نفسه ويوماً للوعظ والتَّذكيرِ ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ فزعِه ﵊ كأنَّه قيلَ فماذا قالتْ الملائكةُ عند مشاهدتِهم لفزعِه فقيل قالوا إزالةً لفزعِه ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ أي نحنُ فوجانِ متخاصمانِ على تسمية مصاحب الخصم خَصْماً ﴿بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾ هو على الفرض وقصد التعرض فلا كذبَ فيه ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي لا تجُر في الحُكومةِ وقرىء ولا تشطُطْ أي لا تبعُد عن الحق وقرىء ولا تشاطِطْ وكلُّها من معنى الشَّططِ وهو مجاوزةُ الحدِّ وتخطِّي الحقِّ ﴿واهدنا إلى سَوَاء الصراط﴾ إلى وسطِ طريقِ الحقِّ بزجر الباغي عمَّا سلكه من طريق الجَوْرِ وإرشاده إلى منهاج العدل

стр. 5905

ص

стр. 5906

٢٣ - ٢٤ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى﴾ استئنافٌ لبيان ما فيه الخُصومة أي أخي في الدِّينِ أو في الصُّحبةِ والتَّعرُّضُ لذلك تمهيدٌ لبيان كمال قبحِ ما فعل به صاحبُه ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة﴾ هي الأُنْثى من الضَّأْنِ وقد يُكنى بها عن المرأةِ والكنايةُ والتَّعريضُ أبلغُ في المقصودِ وقُرىء تَسعٌ وتَسعونَ بفتحِ التَّاءِ ونعِجة بكسر النُّونِ وقُرىء وليْ نعجةٌ بسكونِ الياءِ ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي ملِّكنْيِها وحقيقتُه اجعلِني أكفُلُها كما أكفلُ ما تحتَ يدي وقيل اجعلْها كِفْلي أي نَصيبي ﴿وَعَزَّنِى فِى الخطاب﴾ أي غلبنِي في مخاطبتِه إيَّاي محاجَّةً بأنْ جاء بحجاجٍ لم أقدرْ على ردِّه او في مغالبته اياى في الخِطبةِ يقال خَطَبتُ المرأةَ وخَطبها هو فخاطبني خِطاباً أي غالبني في الخِطبة فغلبنِي حيثُ زُوِّجها دُوني وقُرىء وعازَّني أي غالبني وعَزَنِي بتخفيف الزَّاي طالبا للخفَّةِ وهو تخفيفٌ غريبٌ كأنَّه قيسَ على ظِلْتُ ومِسْتُ

стр. 5907

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ قصد به ﵊ المبالغةَ في إنكار فعل صاحبه وتهجِينَ طمعِه في نعجةِ من ليس له غيرُها مع أنَّ له قطيعاً منها ولعلَّه ﵊ قال ذلك بعد اعترافِ صاحبهِ بما ادَّعاه عليه أو بناهُ على تقدير صدقِ المدَّعِي والسُّؤالُ مصدرٌ مضافٍ إلى مفعولِه وتعديتُه إلى مفعولٍ آخرَ بإلى لتضمُّنه معنى الإضافةِ والضمِّ ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء﴾ أي الشُّركاءِ الذين خلطُوا أموالَهم ﴿لَيَبْغِى﴾ ليتعدَّى وقُرىء بفتح الياء على تقدير النُّون الخفيفةِ وحذفها وبحذف الياءِ اكتفاءً بالكسرةِ ﴿بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ غير مراعٍ لحقِّ الصُّحبةِ والشِّركةِ ﴿إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منهم فإنَّهم يتحامَون عن البغي والعُدوانِ ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ أي وهم قليلٌ وما مزيدةٌ للإبهام والتَّعجبِ من قلَّتِهم والجملةُ اعتراضٌ ﴿وظن داود أَنَّمَا فتناه﴾ الظنُّ مستعارٌ للعلمِ الاستدلاليِّ لما بينهما من المشابهةِ الظَّاهرةِ أي عَلِمَ بما جرى في مجلس الحُكومةِ وقيل لما قضى بينهما ما نظرَ أحدُهما إلى صاحبِه فضحكَ ثم صعدَا إلى السَّماءِ حيال وجهِه فعلم ﵊ أنه تعالى ابتلاهُ وليس المعنى على تخصيص الفتنةِ به ﵊ دون غيرِه بتوجيِه القَصْر المستفادِ من كلمة إنما إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمالُ الشائعُ الواردُ على توجيِه القصرِ إلى متعلِّقات الفعلِ وقيوده باعتبار النَّفي فيه والإثباتِ فيها كما في مثلِ قولِك إنَّما ضربتُ زيداً وإنَّما ضربته تأديباً بل على تخصيص حالِه ﵊ بالفتنةِ بتوجيه القصرِ إلى نفسِ الفعلِ بالقياس إلى ما يُغايره من الأفعالِ لكن لا باعتبار النَّفي والإثباتِ معاً في خُصوصية الفعل فإنَّه غيرُ ممكنٍ قطعاً بل باعتبار النَّفي فيما فيه من معنى مُطلقِ الفعلِ واعتبار الإثبات فيما يقارنه من المعنى المخصُوص فإنَّ كلَّ فعلٍ من الأفعال المخصُوصة ينحلُّ

стр. 5908

عند التَّحقيقِ إلى معنى مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعلِ وإلى معنى مخصُوص يُقارنه ويقيِّده وهو أثرُه في الحقيقةِ فإنَّ معنى نَصَر مثلاً فعَلَ النصْرَ يُرشدك إلى ذلك قولُهم معنى فلانٌ يُعطي ويَمنعُ يفعلُ الإعطاءَ والمنعَ فموردُ القصرِ في الحقيقةِ ما يتعلَّق بالفعلِ باعتبار النَّفي فيه والإثبات فيما يتعلَّق به فالمعنى وعلَم داودُ ﵇ أنَّما فعلنا به الفتنة لاغير قيل ابتليناه بامراة او ريا وقيل امتحناهُ بتلك الحكومةِ هل يتنبه بها لما قُصد منها وإيثارُ طريقِ التمثيل لأنَّه أبلغُ في التَّوبيخِ فإنَّ التَّأملَ فيه إذا أدَّاه إلى الشُّعورِ بما هو الغرضُ كانَ أوقعَ في نفسِه وأعظمَ تأثيراً في قلبهِ وأدعى إلى التَّنبه للخطأ مع ما فيه من مراعاةِ حُرمتِه ﵊ بتركِ المُجاهرة والإشعار بأنَّه أمرٌ يُستحى من التَّصريحِ به وتصويره التَّحاكُم لإلجائِه ﵊ إلى التَّصريحِ بنسبة نفسِه إلى الظُّلم وتنبيهه ﵊ على ان اوربا بصددِ الخصامِ ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ إثرَ ما علمَ أنَّ ما صدرَ عنه ذنبٌ ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ أي ساجداً على تسمية السجودِ ركوعاً لأنَّه مبدؤُه أو خرَّ للسُّجودِ راكعاً أي مُصلِّياً كأنَّه أحرم بركعتي الاستغفارِ ﴿وَأَنَابَ﴾ أي رجع إلى الله تعالى بالتَّوبةِ وأصلُ القصَّة أنَّ داودَ ﵇ رأى امرأةَ رجلٍ يقال له أُوريَّا فمال قلبُه إليها فسأله أنْ يطلقها فاستحي أنْ يردَّه ففعلَ فتزوَّجها وهي أمُ سليمانَ ﵇ وكان ذلك جَائزاً في شريعتِه مُعتاداً فيما بين أمَّتهِ غيرَ مخلَ بالمروءة حيثُ كان يسأل بعضُهم بعضاً أنْ ينزلَ له عن امرأتِه فيتزوَّجها إذا أعجبته وقد كان الأنصارُ في صدر الإسلامِ يُواسون المهاجرين بمثلِ ذلك من غيرِ نكيرٍ خلا أنه ﵊ لعظم منزلتِه وارتفاع مرتبتِه وعلوِّ شأنه نُبِّه بالتَّمثيل على أنَّه لم يكنْ ينبغي له أنْ يتَعَاطى ما يتعاطاه آحادُ أمَّتهِ ويسألَ رجلاً ليس له إلَاّ امرأةٌ واحدة أنْ ينزلَ عنها فيتزوَّجها مع كثرة نسائه بل كان يجبُ عليه أنْ يغالبَ هواهُ ويقهرَ نفسَه ويصبرَ على ما امتُحن به وقيل لم يكن أوريَّا تزوَّجها بل كان خطَبها ثمَّ خطبها داودُ ﵇ فآثره ﵇ أهلها فكان ذنبُه ﵊ إن خطب على حطبة أخيه المسلمِ هذا وأمَّا ما يُذكر من أنَّه ﵊ دخلَ ذاتَ يومٍ محرابَه وأغلق بابَه وجعل يُصلِّي ويقرأُ الزَّبورَ فبينما هو كذلك إذْ جاءَه الشَّيطانُ في صورةِ حمامةٍ من ذهبٍ فمدَّ يده ليأخذَها لابنٍ صغيرٍ له فطارتْ فامتدَّ إليها فطارتْ فوقعت في كُوَّةٍ فتبعها فأبصر امرأةً جميلةً قد نقضت شعرها فغطَّى بدنها وهي امرأةُ أُوريَّا وهو من غُزاة البلقاءِ فكتب إلى أيُّوبَ بن صُوريا وهو صاحبُ بعثِ البلقاءِ أنِ أبعثْ أُوريَّا وقدِّمُه على التَّابوتِ وكان من يتقدَّم على التَّابوتِ لا يحلُّ له أنْ يرجعَ حتَّى يفتحَ الله علي يديِه أو يُستشهدَ ففتح الله تعالَى على يدِه وسلَم فأمرَ بردِّه مرةً أُخرى وثالثةً حتَّى قُتل وأتاه خبرُ قتلِه فلم يحزنْ كما كان يحزنُ على الشهداء وتزوَّج امرأتَه فإفكٌ مبتَدعٌ مكروهٌ ومكرٌ مخترعٌ بئسما مكروه تمجُّه الأسماعُ وتنفرُ عنه الطِّباعُ ويلٌ لمن ابتدعَه وأشاعَه وتبَّاً لَمن اخترعه وأذاعَه ولذلك قال علي ﵁ مَن حدَّثَ بحديثِ داودَ ﵇ على ما يرويهِ القُصَّاصُ جلدتُه مائةً وستِّين وذلك حدُّ الفريةِ على الأنبياءِ صلواتُ الله تعالَى وسلامُه عليهم هذا وقد قيلَ إنَّ قوماً قصُدوا أنْ يقتلُوه ﵊ فتسوّروا المحرابَ ودخلوا عليه فوجدُوا عنده أقواماً فتصنَّعوا بهذا التَّحاكمِ فعلم ﵊ غرضَهم فهمَّ بأنْ ينتقمَ منهمِ فظنَّ أنَّ ذلك ابتلاءٌ له من الله فاستغفرَ ربَّه ممَّا همَّ به وأنابَ

стр. 5909

ص

стр. 5910

٢٥ - ٢٧ ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك﴾ أي ما استغفرَ منه ورُوي أنه ﵊ بقي ساجداً أربعينَ يوماً وليلةً لا يرفعُ رأسَه الا الصلاة مكتوبةٍ أو لما لا بُدَّ منه ولا يرقأُ دمعُه حتَّى نبتَ منه العشبُ إلى رأسه ولم يشرب ماء إلا ثلثاه دمعٌ وجهد نفسَه راغباً إلى الله تعالَى في العفوِ عنه حتَّى كادَ يهلك واشتغل بذلك عن المُلكِ حتَّى وثبَ ابنٌ له يقال له إيشا على ملكِه ودعا إلى نفسِه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغِ من بني إسرائيلَ فلمَّا غُفر له حاربَه فهزمَه ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى﴾ لقرابة وكرامة بعد المغفرة ﴿وَحُسْنُ مآب﴾ حسنَ مرجعٍ في الجنَّةِ

стр. 5911

﴿يا داود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض﴾ إمَّا حكاية لمَّا خُوطب به ﵊ مبينة لزُلفاه عنده وإمَّا مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو معطوف على غفرنا أو حالٌ من فاعلِه أي وقُلنا له أو قائلين له يا داودُ الخ أي استخلفناك على المُلك فيها والحكمِ فيما بينَ أهِلها أو جعلناك خليفةً ممَّن كان قبلك من الأنبياء القائمينَ بالحقِّ وفيه دليلٌ بيِّنٌ على أنَّ حالهَ ﵊ بعد التَّوبةِ كما كانت قبلها لم تتغيَّرْ قَط ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ بحكم الله تعالى فإنَّ الخلافةَ بكلا معنييه مقتضيةٌ له حتماً ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الهوى﴾ أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ بالنصب على أنه جواب النَّهي وقيل هو مجزومٌ بالعطفِ على النَّهيِ مفتوحٌ لالتقاء السَّاكنينِ أي فيكون الهوى أو اتِّباعُه سبباً لضلالِك عن دلائله التي نصها على الحقِّ تكويناً وتَشريعاً وقوله تعالى ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ تعليلٌ لما قبله ببيانِ غائلتِه وإظهار سبيلِ الله في موقع الإضمار لزيادة التَّقريرِ والإيذانِ بكمال شناعةِ الضَّلالِ عنه ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ جملة من خبرٍ ومبتدأٍ وقعتْ خبراً لأنَّ أوْ الظرف خبر لأنَّ وعذابٌ مرتفع على الفاعلية بمَا فيهِ من مَعْنى الاستقرارِ ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ بسبب نسيانِهم وقوله تعالى ﴿يَوْمِ الحساب﴾ إما مفعولٌ لنسُوا فيكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذابِ الشَّديدِ لهم بنسيان يوم الحسابِ بعد الإشعارِ بعلِّيةِ ما يستتبُعه ويستلزمه أعني الضَّلالَ عن سبيل الله تعالى فإنَّه مستلزمٌ لنسيانِ يوم الحساب بالمرَّةِ بل هذا فردٌ من أفرادِه أو ظرفٌ لقولِهِ تَعَالى لَهُمْ أي لهُم عذابٌ شديدٌ يومَ القيامةِ بسببِ نسيانِهم الذي هو عبارةٌ عن ضلالِهم ومن ضرورته أن يكون مفعولُه سبيلِ الله فيكون التَّعليلُ المصرح به حينئذٍ عينَ التَّعليلِ المشعر به بالذَّاتِ غيره بالعُنوان ومَن لم يتنبيه لهذا السرِّ السريِّ قال بسبب نسيانِهم وهو ضلالُهم عن السَّبيلِ فإنَّ تذكَّره يقتضي ملازمةَ الحقِّ ومخالفةَ الهَوَى فتدبَّر

стр. 5912

﴿وما خلقنا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبله

стр. 5913

ص ٢٨ ٢٩ من أمرِ البعثِ والحسابِ والجزاء أي وما خلقناهُما وَمَا بَيْنَهُمَا من المخلوقاتِ على هذا النِّظامِ البديعِ الذي تحارُ في فهمِه العقولُ خلقاً باطلاً أي خالياً عن الغايةِ الجليلةِ والحكمةِ الباهرةِ بل منطوياً على الحقِّ المُبين والحِكم البالغةِ حيثُ خلقنا من بينِ ما خلقنا نُفوساً أودعناها العقلَ والتَّمييزَ بين الحقِّ والباطلِ والنَّافعِ والضَّارِّ ومكنَّاها من التَّصرفاتِ العلميةِ والعمليةِ في استجلابِ منافعِها واستدفاعِ مضارِّها ونصبنا للحق دلائل آفافية وأنفسيةً ومنحناها القُدرةَ على الاستشهادِ بها ثم لم نقتصرْ على ذلك المقدارِ من الألطافِ بل أرسلنا إليها رُسلاً وأنزلنا عليها كتابا بيّنّا فيها كلَّ دقيقٍ وجليلٍ وأزحنا عللَها بالكلِّية وعرضناها بالتكليف للمنافع العظيمةِ وأعددنا لها عاقبةً وجزاءً على حسب أعمالِها ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما نُفي من خلقِ ما ذُكر باطلاً ﴿ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي مظنونهم فإنَّ جحودَهم بأمرِ البعثِ والجزاءِ الذي عليه يدورُ فلَكُ تكوينِ العالمِ قولٌ منهم ببطلانِ خلقِ ما ذُكر وخلوِّه عن الحكمةِ سبحانَهُ وتعالَى عمَّا يقولونَ علوّاً كبيراً ﴿فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ والفاءُ لإفادةِ ترتُّبِ ثبوتِ الويلِ لهُم عَلى ظنِّهم الباطلِ كما أنَّ وُضع الموصولُ موضعَ ضميرِهم للاشعار بما في حيز الصلة بعلية كفرهم له ولا تنافى بينهما لأنَّ ظنَّهم من باب كُفرِهم ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿من النار﴾ تعليليةٌ كما في قوله تعالى فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ونظائرِه مفيدة لعليَّةِ النَّار لثبوتِ الويلِ لهم صَريحاً بعد الإشعارِ بعليةِ ما يُؤدِّي إليها من ظنِّهم وكفرِهم أي فويلٌ لهم بسببِ النَّارِ المترتِّبةِ على ظنِّهم وكفرِهم

стр. 5914

﴿أم نجعل الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كالمفسدين فِى الارض﴾ أمْ منقطعةٌ وما فيَها من بلْ للإضرابِ الانتقاليِّ عن تقرير أمر البعثِ والحسابِ والجزاء بما مرَّ من نفيِ خلقِ العالم خالياً عن الحكمِ والمصالحِ إلى تقريرِه وتحقيقِه بما في الهمزةِ من إنكار التَّسويةِ بين الفريقينِ ونفيها على أبلغِ وجهٍ وآكدِه أي بل أنجعلُ المؤمنينَ المُصلحينَ كالكَفَرةِ المُفسدين في أقطارِ الأرضِ كما يقتضيه عدمُ البعثَ وما يترتَّبُ عليهِ من الجزاءِ لاستواء الفريقين في التَّمتع بالحياةِ الدُّنيا بل الكَفَرةُ أوفرُ حظَّاً منها من المؤمنينَ لكن ذلك الجعلُ محالٌ فتعيَّن البعثُ والجزاءُ حتماً لرفع الأوَّلينَ إلى أعلى عِلِّييِّنَ وردِّ الآخرينَ إلى أسفلِ سافلينَ وقوله تعالى ﴿أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار﴾ إضرابٌ وانتقالٌ عن إثبات ما ذُكر بلزوم المحالِ الذي هو التَّسويةُ بين الفريقينِ المذكُورينِ على الإطلاقِ إلى إثباتِه بلزومِ ما هو أظهرُ منه استحالةً وهو التَّسويةُ بين أتقياءِ المؤمنينَ وأشقياءِ الكَفَرةِ وحملُ الفُجَّار على فَجَرةِ المُؤمنين ممَّا لا يساعدُه المقامُ ويجوزُ أنْ يرادَ بهذينِ الفريقينِ عينُ الأوَّلينِ ويكون التَّكريرُ باعتبارِ وصفينِ آخرينِ هما أدخلُ في إنكار التَّسوية من الوصفينِ الأوَّلين وقيل قال كفَّارُ قُريشٍ للمؤمنين إنَّا نُعطَى في الآخرةِ من الخيرِ ما تُعطَون فنزلتْ

стр. 5915

﴿كِتَابٌ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ هو عبارةٌ عن القُرآن أو السُّورةِ وقولُه تعالى ﴿أنزلناه إِلَيْكَ﴾ صفته

стр. 5916

ص ٣٠ ٣٢ وقوله تعالى ﴿مُّبَارَكٌ﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ لكتابٌ عند مَن يُجوِّز تأخيرَ الوصفِ الصَّريحِ عن غيرِ الصَّريحِ وقُرىء مباركاً على أنَّه حالٌ من مفعولِ أنزلنا ومعنى المبارك الكثيرُ المنافعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وقولُه تعالى ﴿ليدبروا آياته﴾ متعلِّقٌ بأنزلناه أي أنزلنَاهُ ليتفكَّروا في آياتِه التي من جُملتها هذهِ الآياتُ المعربةُ عن أسرارِ التَّكوينِ والتَّشريعِ فيعرفُوا ما يدبر ظاهرها من المعانِي الفائقةِ والتَّأويلاتِ اللائقةِ وقرىء ليتدَّبروا على الاصلى ولتدبَّروا على الخطابِ أي أنتَ وعلماءُ أمَّتك بحذفِ احدى التاءين ﴿وليتذكر أولوا الالباب﴾ أي وليتَّعظ به ذوو العقول السليمة او ليستحضروا ماهو كالمركوزِ في عقولِهم من فرطِ تمكُّنهم من معرفتِه لما نُصبِ عليه من الدَّلائلِ فإنَّ الكتبَ الإلهيةَ مبيِّنةٌ لما لا يُعرف إلا بالشَّرعِ ومرشدةٌ إلى مالا سبيلَ للعقلِ إليه

стр. 5917

﴿ووهبنا لداود سليمان نِعْمَ العبد﴾ وقُرىء نعم العبدُ أي سليمانُ كما ينبىءُ عنه تأخيرُه عن داودَ مع كونِه مفعولاً صريحاً لوهبنا ولأنَّ قوله تعالى ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أيْ رجّاع إلى الله تعالى بالتَّوبة أو إلى التَّسبيح مرجع له تعليلٌ للمدح وهو من حاله لما أنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله تعالى

стр. 5918

﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ راجع إليه ﵊ قطعاً وإذْ منصوبٌ باذكُر أي اذكُر ما صدرَ عنه إذْ عُرضَ عليه ﴿بالعشى﴾ هو من الظُّهرِ إلى آخرِ النَّهارِ ﴿الصافنات﴾ فإنَّه يشهدُ بأنَّه أوَّاب وقيل ظرف لأواب وقيل لنعِم وتأخيرُ الصَّافنات عن الظَّرفينِ لما مرَّ مرارا من التَّشويقِ إلى المؤخَّرِ والصَّافنُ من الخيلِ الذي يقومُ على طَرَفِ سُنبكِ يدٍ أو رجلٍ وهو من الصِّفاتِ المحمودةِ في الخيلِ لا يكادُ ينفق إلا في العِراب الخُلَّصِ وقيل هو الذي يجمعُ يديهِ ويسوِّيهما وأمَّا الذي يقفُ على سنبكهِ فهو المنخيم ﴿الجياد﴾ جمعُ جوادٍ وجودٍ وهو الذي يُسرع في جريِه وقيل الذي يجودُ عند الرَّكضِ وقيل وُصفتْ بالصُّفون والجَودةِ لبيان جمعها بين الوصفينِ المحمودينِ واقفةً وجاريةً أي إذا وقفتْ كانتْ ساكنةً مطمئنة في مواقفها وإذا جرتْ كانت سِراعاً خِفافاً في جَريها وقيل هو جمعُ جيِّد رُوي أنَّه ﵊ غَزَا أهلَ دمشقَ ونصيبين وأصابَ ألفَ فرسٍ وقيل أصابها أبُوه من العمالقةِ فورثها منه وقيل خرجتْ من البحرِ لها أجنحةٌ فقعد يوماً بعدما صلَّى الظُّهر على كرسيِّه فاستعرضَها فلم تزلْ تُعرض عليه حتَّى غربتِ الشَّمسُ وغفلَ عن العصرِ أو عن وِردٍ كان له من الذِّكرِ وقتئذٍ وتهيَّبُوه فلم يعلموه فاغتمَّ لما فاتَه فاستردَّها فعقَرها تقرباً لله تعالى وبقي مائةٌ فما في أيدي النَّاسِ من الجياد فمن نسلها وقيل لمَّا عقرَها أبدلَه الله خيراً منها وهي الرِّيحُ تجري بأمره

стр. 5919

﴿فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربى﴾ قالَه ﵊ عند غروب الشَّمسِ اعترافاً بما صدرَ عنْهُ منَ الاشتغالِ بها عن الصَّلاةِ وندماً عليه وتمهيداً لما يعقُبه منْ الأمر بردِّها وعقرِها والتَّعقيب باعتبار أواخرِ العرض المستمرِّ دون ابتدائِه

стр. 5920

ص ٣٣ ٣٤ والتَّأكيدُ للدِّلالةِ على أنَّ اعترافَه وندمَهُ عن صميم القلبِ لا لتحقيقِ مضمونِ الخبر وأصلُ أحببتُ أنْ يعدَّى بعلى لانه بمعنى آثرت لكن لما أُنيب مُنابَ أنبتُ عُدِّي تعديتَه وحبَّ الخير مفعوله كأنه قبل أنبتُ حبَّ الخيرِ عن ذكر ربِّي ووضعتُه موضعه وخير المالُ الكثيرُ والمراد به الخيلُ التي شغلته ﵊ ويحتمل أنَّه سمَّاها خيراً لتعلُّق الخيرِ بها قال ﷺ الخيرُ معقودٌ بنواصِي الخيلِ إلى يوم القيامة وقرىء أنِّي ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ متعلِّق بقوله أحببتُ باعتبار استمرار المحبَّةِ ودوامِها حسب استمرارِ العرضِ أي أنبتُ حب الخير عن ذكر ربِّي واستمرَّ ذلك حتَّى توارتْ أي غربتْ الشَّمسُ تشبيهاً لغروبِها في مغربِها بتوارى المخبأةِ بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها وقيل الضمير للصافنات أي حتى توارتْ بحجابِ اللَّيلِ أي بظلامِه
следующие страницы →