← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

ص ٨٦ ٨٨ أو نقيضُ الباطلِ عظّمه الله تعالى بإقسامِه به أو فأنا الحقُّ أو فقولِي الحقُّ وقوله تعالى لأَمْلَانَّ جَهَنَّمَ الخ حينئذٍ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ أي والله لأملأنَّ الخ وقوله تعالى والحق أَقُولُ على كلِّ تقديرٍ اعتراضٌ مقرِّرٌ على الوجهينِ الأوَّلينِ لمضمونِ الجملةِ القَسَميَّةِ وعلى الوجِه الثَّالثِ لمضمونِ الجملةِ المتقدِّمةِ أعني فقولي الحقُّ وقُرئا منصوبينِ على أنَّ الأوَّلَ مقسمٌ به كقولِك الله لأفعلنَّ وجوابُه لأملأنَّ وما بينهما اعتراضٌ وقُرئا مجرورينِ على أن الأول مقسم به قد أُضمرَ حرفُ قسمِه كقولِك الله لأفعلنَّ والحقَّ أقولَ على حكايةِ لفظِ المقسمِ به على تقديرِ كونِه نقيضَ الباطلِ ومعناه التاكيد والتشديد وقرئ بجرِّ الأَولِ على إضمارِ حرفِ القسمِ ونصبِ الثَّانِي عل المفعوليَّةِ ﴿مِنكَ﴾ أي من جنسِك من الشَّياطينِ ﴿وَمِمَّن تبعك﴾ في الغواية والإضلال ﴿منهم﴾ ومن ذريةِ آدمَ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيدٌ للكافِ وما عُطف عليه أي لأملأنَّها من المتبوعينَ والأتباعِ أجمعينَ كقولِه تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وهذا القولُ هو المرادُ بقوله تعالى ولكن حَقَّ القول مِنْى لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ وحيثُ كان مناطُ الحكمِ ههُنا اتِّباعُ الشَّيطانِ اتَّضحَ أنَّ مدارَ عدمِ المشيئةِ في قولِه تعالى وَلَوْ شِئْنَا لَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا اتباعُ الكَفَرةِ للشَّيطانِ بُسوءِ اختيارِهم لا تحقُّقُ القولِ فليس في ذلك شائبةُ الجبرِ فتدبَّر

стр. 5987

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على القُرآنِ أو على تبليغِ ما يُوحى إليَّ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ دنيويَ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين﴾ أي المتصنعين مما ليسُوا من أهلِه حتَّى أنتحلَ النبوة وأتقوَّلَ القُرآنَ

стр. 5988

﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا هُو ﴿إِلَاّ ذِكْرٌ﴾ من الله ﴿للعالمين﴾ أي للثَّقلينِ كافَّةً

стр. 5989

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي ما أنبأ بهِ من الوعدِ والوعيدِ وغيرِهما أو صحَّةَ خبرهِ وأنَّه الحقُّ والصِّدقُ ﴿بَعْدَ حِينِ﴾ بعد الموتِ أو يوم القيامة أوعند ظهور الإسلام وفسوه وقيل من بقى علمَ ذلك أذا ظهرَ أمرُه وعلَا ومَن ماتَ علمَهُ بعدَ الموتِ وفيه من التهديد ما لا يَخْفى عنِ رسول الله ﷺ مَن قرأَ سورةَ ص كانَ له بوزنِ كلِّ جبلٍ سخَّره الله لداودَ عشرَ حسناتٍ وعُصم أنْ يُصرَّ على ذنبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ وقال أبُو أمامةَ عصمَه الله تُعالى مِنْ كلِّ ذنبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ والله أعلمُ

стр. 5990

سورة الزمر ١ ٣ سورة الزمر مكية إلا قوله قل يا عبادي الآية وآياتها خمس وسبعون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم﴾

стр. 5991

﴿تَنزِيلُ الكتاب﴾ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ هو اسمُ إشارةٍ أُشير به إلى السُّورةِ تنزيلاً لها منزلةَ الحاضر المُشارِ إليه لكونها على شرف الذِّكرِ والحضورِ كما مرَّ مراراً وقد قيل هو ضميرٌ عائد إلى الذكرُ في قوله تعالى إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ للعالمين وقولُه تعالى ﴿مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ صلة للتَّنزيلِ أو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من التَّنزيلِ عاملُها معنى الإشارة أو من الكتابِ الذي هو مفعولٌ معنى عاملُها المضاف وقيل هو خبرٌ لتنزيلُ الكتابِ والوجهُ الأَوَّلُ أو في بمقتضى المقامِ الذي هو بيانُ أنَّ السُّورةَ أو القُرآنَ تنزيلُ الكتابِ مِنَ الله تعالى لا بيانُ أنَّ تنزيلَ الكتابِ منه تعالى لا من غيرِه كما يفيده الوجهُ الأخير وقرئ تنزيلَ الكتابِ بالنَّصبِ على إضمار فعلِ نحو اقرأْ أو الزم والتعرض لو صفى العزَّةِ والحكمة للإيذانِ بظهور أثريهما في الكتاب بحريان أحكامِه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مُدافعٍ ولا ممانع وبابتناءِ جميع ما فيه على أساس الحِكَمِ الباهرةِ وقولُه تعالى

стр. 5992

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ شروعٌ في بيانِ شأنِ المنزَّلِ إليه وما يجبُ عليه إثرَ بيانِ شأن المنَّزلِ وكونِه من عند الله تعالى والمرادُ بالكتاب هو القُرآنُ وإظهاره على تقدير كونِه هو المرادَ بالأَوَّلِ أيضاً لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنِه والباء إمَّا متعلِّقةٌ بالإنزال أي بسبب الحقِّ وإثباته وإظهارِه أو بداعية الحقِّ واقتضائه للإنزالِ وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من نون العظمةِ أو من الكتاب أي أنزلناهُ إليك محقِّين في ذلك أو أنزلناه مُلتبِساً بالحقِّ والصواب أي كلُّ ما فيه حقٌّ لا ريبَ فيه موجبٌ للعمل به حَتْماً والفاءُ في قوله تعالى ﴿فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ لترتيب الأمر بالعبادة على إنزالِ الكتاب إليه ﵊ بالحقِّ أي فاعبْدُه تعالى ممُحِّضاً له الدِّينَ من شوائب الشِّركِ والرِّياءِ حسبما بُيِّن في تضاعيفِ ما أنزل إليك وقرئ برفع الدِّينِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه الظَّرفُ المقدَّمُ عليه لتأكيد الاختصاصِ المُستفاد من اللَاّمِ والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً للأمر بإخلاصِ العبادةِ وقوله تعالى

стр. 5993

﴿أَلَا لِلَّهِ الدين الخالص﴾

стр. 5994

الزمر ٤ استئناف مقرر لما قبله من الأمرِ بإخلاص الدِّينِ له تعالى ووجوبِ الامتثالِ به وعلى القراءةِ الأخيرةِ مؤكِّدٌ لاختصاصِ الدِّينِ به تعالى أي أَلَا هو الذي يجبُ أنْ يُخصَّ بإخلاصِ الطَّاعةِ له لأنَّه المُتفرِّدُ بصفاتِ الأُلوهيَّةِ التي من جملها الاطِّلاعُ على السَّرائرِ والضَّمائرِ وقولُه تعالى ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ تحقيقٌ لحقِّيةِ ما ذُكر من إخلاص الدِّينِ الذي هو عبارةٌ عن التَّوحيدِ ببيان بُطلان الشِّركِ الذي هو عبارةٌ عن ترك إخلاصِه والموصولُ عبارةٌ عن المُشركين ومحله الرفع على الابتداء خبره مما سيأتي من الجُملةِ المُصدَّرةِ بأنْ والأولياءُ عن الملائكةِ وعيسى ﵈ والأصنامِ وقولُه تعالى ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زُلْفَى﴾ حالٌ بتقدير القَول من واو اتخذوا مبينة لكيفيَّةِ إشراكِهم وعدمِ خُلوصِ دينهم والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل وزُلْفى مصدرٌ مؤكِّدٌ على غير لفظِ المصدرِ ملاقٍ له في المعنى أي والذينَ لم يُخلصوا العبادةَ لله تعالى بل شابُوها بعبادةِ غيره قائلين ما نعبدهم لشئ من الأشياءِ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله تعالى تقريباً ﴿إن الله يحكم بينهم﴾ أي وبين خصمائِهم الذين هم المُخلِصون للدِّين وقد حُذفَ لدلالةِ الحالِ عليهِ كما في قولِهِ تعالى لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُّسُلِهِ على أحدِ الوجهينِ أي بين أحدٍ منهم وبين غيرِه وعليه قول النَّابغةِ ... فمَا كانَ بين لخير لو جاءَ سالما ... أبُو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ ... أي بين الخيرِ وبينِي وقيل ضمير بينَهم للفريقينِ جميعاً ﴿فِيمَا هم فيه يختلفون﴾ من الدِّين الذي اختلفُوا فيه بالتَّوحيد والإشراكِ وادَّعى كلُّ فريقٍ منهم صحَّةَ ما انتحله وحكمُه تعالى في ذلك إدخالُ الموحِّدينَ الجنَّةَ والمشركين النَّارَ فالضَّميرُ للفريقينِ هَذَا هُو الذي يستدعيه مساقُ النَّظمِ الكريم وأمَّا تجويزُ أنْ يكونَ الموصول عبارةً عن المعبودينَ على حذف العائد إليه وإضمارِ المشركينَ من غير ذكر تعويلاً على دلالة المساقِ عليهم ويكون التَّقديرُ والذين اتَّخذهم المشركون أولياءَ قائلين مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله إنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي بين العَبَدةِ والمعبودينَ فيما هم فيه يختلفُون حيثُ يرجُو العَبَدةُ شفاعتهم وهم يلعنونهم فبعد الإغضاءِ عمَّا فيه من التَّعسُّفاتِ بمعزل من السَّدادِ كيف لا وليس فيما ذُكر من طلب الشَّفاعةِ واللَّعنِ مادَّةٌ يختلفُ فيها الفريقانِ اختلافاً مُحوِجاً إلى الحكمِ والفصلِ وإنَّما ذاك ما بين فريقَيْ الموحِّدينَ والمشركينَ في الدُّنيا من الاختلاف في الدِّينِ الباقي إلى يوم القيامة وقرئ قالُوا ما نعبدُهم فهو بدل من الصلة لا خبرٌ للموصول كما قيل إذ ليس في الإخبار بذلك مزيد مزية وقرئ ما نعبدكم إلَاّ لتُقرِّبونا حكايةً لما خاطبُوا به آلهتهم وقرئ نعبدُهم إتباعاً للباء ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِى﴾ أي لا يُوفِّقُ للاهتداءِ إلى الحقِّ الذي هو طريقُ النَّجاةِ عن المكروهِ والفوزُ بالمطلوبِ ﴿مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ﴾ أي راسخٌ في الكذبِ مبالغٌ في الكُفرِ كما يُعربُ عنه قراءةُ كذَّاب وكَذُوب فإنَّهما فاقدانِ للبصيرةِ غيرُ قابلينِ للاهتداءِ لتغييرهما الفطرةَ الأصليَّةَ بالتَّمرُّنِ في الضَّلالةِ والتَّمادِي في الغِيِّ والجملةُ تعليلٌ لما ذُكر من حكمه تعالى

стр. 5995

﴿لو أراد الله أن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ الخ استئنافٌ مَسوقٌ لتحقيقِ الحقِّ وإبطالِ القولِ بأنَّ الملائكةَ بناتُ الله عيسى ابنُه تعالى عن ذلكَ عُلَّواً كبيراً ببيانِ استحالةِ اتخاذ الولد في حقه تعالى على الإطلاقِ ليندرجَ فيه استحالة

стр. 5996

الزمر ٥ ما قبل اندراجا أوليا أي لو أراد الله أنْ يتَّخذَ وَلَداً ﴿لاصطفى﴾ أي لاتَّخذَ ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من جملة ما يخلقُه أو من جنس ما يخلقه ﴿مَا يَشَاء﴾ أنْ يتَّخذَه إذْ لا موجودَ سواهُ إلَاّ وهو مخلوقٌ له تعالى لامتناعِ تعدُّدِ الواجبِ ووجوبِ استنادِ جميعِ ما عداهُ إليه ومن البيِّنِ أنَّ اتِّخاذَ الولد منوطٌ بالمماثلة بين المتَّخِذِ والمتَّخَذِ وأنَّ المخلوقَ لا يُماثل خالقَه حتَّى يمكن اتِّخاذُه ولداً فما فرضناه اتِّخاذَ ولدٍ لم يكُن اتِّخاذَ ولدٍ بل اصطفاءُ عبدٍ وإليه أُشير حيث وُضع الاصطفاءُ موضع الاتِّخاذِ الذي تقتضيهِ الشَّرطَّيةُ تنبيهاً على استحالةِ مُقدمها لاستلزم فرض وقوعِه بل فرضِ إراد وقوعِه انتفاءه أي لو أراد الله تعالى أنْ يتَّخذَ ولداً لفعل شيئاً ليس هو من اتِّخاذِ الولد في شئ أصلاً بل إنَّما هو اصطفاءُ عبدٍ ولا ريب في أنَّ ما يستلزم فرضُ وقوَعه انتفاءَه فهو ممتنعٌ قطعاً فكأنَّه قيل لو أراد الله أن يتَّخذَ ولداً لامتنع ولم يصح لكن لاعلى أنَّ الامتناعَ منوطٌ بتحقُّقِ الإرادة بل على أنَّه مُتحقِّقٌ عند عدمِها بطريقِ الأَولوَّيةِ على منوال لو لم يخَفِ الله لم يعصِه وقوله تعالى ﴿سبحانه﴾ تقريرٌ لما ذُكر من استحالة اتخاذ الولد في حقِّه تعالى وتأكيدٌ له ببيانِ تنزُّهه تعالى عنه أي تنزّه بالذَّاتِ عن ذلك تنزهه الخاصّ به على أن السبحان مصدر من سبَح إذا بعُد أو أسبِّحه تسبيحاً لائقاً به على أنَّه عَلَم للتَّسبيح مقولٌ على ألسنة العباد أو سبِّحوه تسبيحاً حقيقاً بشأنِه وقولُه تعالى ﴿هُوَ الله الواحد القهار﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لتنزُّههِ تعالى بحسبِ الصِّفاتِ إثرَ بيانِ تنزُّههِ تعالى عنه بحسب الذَّاتِ فإنَّ صفةَ الأُلوهيَّةِ المستتبعة لسائر صفاتِ الكمال النَّافيةِ لسماتِ النُّقصانِ والوحدة الذَّاتية الموجبة لامتناعِ المُماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيرِه على الإطلاقِ ممَّا يقضِي بتنزُّهه تعالى عمَّا قالوا قضاءً مُتقناً وكذا وصف القهَّاريَّةِ لما أنَّ اتخاذَ الولدِ شأنُ مَن يكون تحتَ ملكوتِ الغيرِ عُرضةً للفناءِ ليقومَ ولدُه مقامَه عند فنائِه ومَن هو مستحيلُ الفناءِ قهَّارٌ لكلِّ الكائناتِ كيفَ يُتصوُرُ أنْ يتَّخذَ من الأشياءِ الفانيةِ ما يقومُ مقامَه وقولُه تعالى

стр. 5997

﴿خلق السماوات والارض بالحق﴾ تفصيلٌ لبعض أفعاله تعالى الدالة على تفرُّدِه بما ذُكر من الصِّفاتِ الجليلة أي خلقهما وَمَا بَيْنَهُمَا من الموجودات ملتبِسة بالحقِّ والصَّوابِ مشتملة عل الحِكَم والمصالح وقولُه تعالى ﴿يكور الليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار على الليل﴾ بيانٌ لكيفيَّةِ تصرُّفةِ تعالى فيهما بعد بيان خلقِهما فإنَّ حدوثَ اللَّيلِ والنَّهارِ في الأرض منوطٌ بتحريك السَّمواتِ أي يغشى كلُّ واحدٍ منُهما الآخَرَ كأنَّه يلفه عليه لفَّ اللباسِ على اللَاّبسِ أو يُغيبه به كما يُغيَّبُ الملفوفُ باللفامة أو يجعله كارَّاً عليه كُروراً متتابعاً تتابع أكوارِ العمامةِ وصيغةُ المضارع للدِّلالةِ على التَّجدُّدِ ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ جعلهما منقادينِ لأمرِه تعالى وقولُه تعالى ﴿كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى﴾ بيانٌ لكيفيَّةِ تسخيرِهما أي كلٌّ منهما يجري لمُنتهى دورتِه أو منقطعِ حركتِه وقد مرَّ تفصيلُه غيرَ مرَّةٍ ﴿إِلَاّ هُوَ العزيز﴾ الغالبُ القادر على كل شئ من الأشياء التي من جُملتها عقابُ العُصاةِ ﴿الغفار﴾ المبالغُ في المغفرةِ ولذلك لا يُعاجل بالعقوبةِ وسلب ما في هذه الصَّنائعِ البديعة من آثارِ الرَّحمةِ وتصدير

стр. 5998

الزمر ٦ الجملة بحرفِ التَّنبيهِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بمضمونِها

стр. 5999

﴿خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ بيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعاله الدالة على ما ذُكر وتركُ عطفِه على خلقِ السَّمواتِ للإيذانِ باستقلالِه في الدِّلالةِ ولتعلُّقِه بالعالم السفلى والبداءة بخلق الإنسانِ لعراقتِه في الدِّلالةِ لما فيه من تعاجيبِ آثارِ القُدرةِ وأسرارِ الحكمةِ وأصالتِه في المعرفةِ فإنَّ الإنسانَ بحالِ نفسِه أعرفُ والمرادُ بالنَّفسِ نفسُ آدمَ ﵇ وقولُه ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ عطفٌ على محذوفٍ هو صفةٌ لنفس أي منْ نفسٍ خلقَها ثمَّ جعل منها زَوْجَها أو على معنى واحدةٍ أي من نفسٍ وحدت ثم جعل منها زوجها فشَفَعها أو على خلقكم لتفاوتِ ما بينهما في الدِّلالةِ فإنَّهما وإن كانتا آيتينِ دالتَّينِ على ما ذُكر لكن الأُولى لاستمرارِها صارتْ معتادةً وأما الثَّانيةُ فحيثُ لم تكن معتادةً خارجةً عن قياسِ الأولى كما يُشعر به التعبيرُ عنها بالجعلِ دون الخلقِ كانت أدخلُ في كونِها آيةً وأجلبَ للتَّعجُّبِ من السَّامعِ فعطفت على الأولى بثمَّ دلالةً على مباينتِها لها فضلاً ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادةِ كونِها آيةً فهو من التَّراخي في الحالِ والمنزلةِ وقيل أخرج ذريَّةَ آدمَ من ظهرهِ كالذَّرِّ ثم خلقَ منه حواء ففيهِ ثلاثُ آياتٍ مترتِّبة خلقُ آدم ﵇ بلا أبٍ وأمَ وخلقُ حوَّاءَ من قُصيراه ثم تشعيبُ الخلقِ الفائتِ للحصرِ منهما وقوله تعالى ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ بيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعاله الدالة على ما ذُكر أي قضى أو قسَم لكم فإنَّ قضاياهُ وقسمه تُوصف بالنُّزولِ من السَّماءِ حيثُ تُكتب في اللوحِ المحفوظِ أو أحدثَ لكم بأسبابٍ نازلةٍ من السَّماءِ كالأمطارِ وأشعَّةِ الكواكبِ ﴿مّنَ الانعام ثمانية أزواج﴾ ذكراً وأُنثى هي الإبلُ والبقرُ والضَّأنُ والمعَزِ وقيل خلقَها في الجنَّةِ ثمَّ أنزلها وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخِّر فإنَّ كونِ الإنزالِ لمنافعِهم وكونَه من الجهةِ العاليةِ من الأمورِ المهمة المشوفة إلى ما أُنزل لا محالةَ وقولُه تعالَى ﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ كيفيَّةِ خلقِهم وأطواره المختلفةِ الدَّالَّةِ على القُدرةِ الباهرةِ وصيغة المضارعِ الدلالة على التَّدرجِ والتَّجدُّدِ وقولُه تعالى ﴿خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ مصدرٌ مؤكد أي يخلقكُم فيها خلقاً كائناً من بعدِ خلقٍ أي خلقاً مدرجاً حيواناً سَوياً من بعد عظام مكسوَّةٍ لحماً من بعد عظامٍ عارية من بعد مضع مخلَّقةٍ من بعد مضغ غير مخلَّقةٍ من بعد علقةٍ من بعد نُطفةٍ ﴿فِى ظلمات ثلاث﴾ متعلِّق بيخلقُكم وهي ظُلمة البطن وظُلمة الرَّحمِ وظُلمة المشيمةِ أو ظُلمة الصُّلبِ والبطنِ والرَّحِمِ ﴿ذلكم﴾ إشارة إليه تعالى باعتبارِ أفعالِه المذكورةِ وما فيه من مَعْنى البُعد للإيذانِ ببُعد منزلتِه تعالى في العظمةِ والكبرياءِ ومحله الرفع على الابتداء أي ذلكم العظيمُ الشأنِ الذي عددت أفعاله ﴿الله﴾ وقوله تعالى ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبرا آخر أي مرببكم فيما ذُكر من الأطوارِ وفيما بعدَها ومالككم المستحقُّ لتخصيصِ العبادةِ به ﴿لَهُ الملك﴾ على الإطلاقِ في الدُّنيا والآخرةِ ليس لغيره شركةٌ في ذلك بوجهٍ

стр. 6000

الزمر ٧ ٨ من الوجوهِ والجملةُ خبرٌ آخرُ وكذا قولُه تعالى ﴿لَا إله إِلَاّ هو﴾ والفاء في قوله تعالى ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ لترتيبِ ما بعدَها على ما ذُكر من شئونه تعالى أي فكيفَ تُصرَفون عن عبادتِه تعالى مع وفورِ موجباتِها ودواعيها وانتفاءِ الصَّارفِ عنها بالكُلِّيةِ إلى عبادةِ غيرِه من غير داعٍ إليها مع كثرة الصَّوارفِ عنها

стр. 6001

﴿إِن تَكْفُرُواْ﴾ به تعالى بعد مشاهدةِ ما ذُكر من فنونِ نعمائِه ومعرفةِ شئونه العظيمةِ الموجبةِ للإيمانِ والشُّكرِ ﴿فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾ أي فاعلمُوا أنَّه تعالى غنيٌّ عن إيمانِكم وشكركم غيرُ متأثِّرٍ من انتفائهما ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ أي عدمُ رضاه بكفر عباده لأجل منفعتِهم ودفعِ مضرَّتِهم رحمةً عليهم لا لتضرُّرهِ تعالى به ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي يرض الشُّكرَ لأجلكم ومنفعتكم لأنَّه سببٌ لفوزكم بسعادة الدَّارينِ لا لانتفاعه تعالى به وإنَّما قيل لعباده لا لكُم لتعميم الحكمِ وتعليله بكونهم عبادَه تعالى وقرئ بإسكانِ الهاءِ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ بيانٌ لعدم سرايةِ كفر الكافر إلى غيرِه أصلاً أي لا تحملُ نفسٌ حاملة للوزر حملَ نفسٍ أخرى ﴿ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿فَيُنَبّئُكُمْ﴾ عند ذلك ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي كنتُم تعملونَه في الدُّنيا من أعمال الكفر والإيمانِ أي يُجازيكم بذلك ثواباً وعقاباً ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي بمضمرات القلوبِ فكيف بالأعمال الظاهرة وهو تعليل للتنبئة

стр. 6002

﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ﴾ من مرضٍ وغيره ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ راجعاً إليه ممَّا كان يدعُوه في حالة الرخاء لعلمه بأنَّه بمعزلٍ من القُدرة على كشف ضُرِّه وهذا وصف للجنس بحالِ بعضِ أفرادِه كقوله تعالى إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ﴾ أي أعطاهُ نعمةً عظيمةً من جنابه تعالى من التَّخولِ وهو التَّعهدُ أي جعله خائلَ مالٍ من قولهم فلانٌ خائلُ مال إذا كان مُتعهِّداً له حسنَ القيامِ به أو من الخَولِ وهو الافتخارُ أي جعله يخُولُ أي يختالُ ويفتخرُ ﴿نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ﴾ أي نسيَ الضُّرَّ الذي كان يدعُو الله تعالى فيما سبق إلى كشفِه ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل التَّخويلِ أو نسي ربَّه الذي كان يدعُوه ويتضرَّعُ إليه إمَّا بناء على أنَّ ما بمعنى مِنْ كما في قوله تعالى وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى وقولُه تعالَى وَلَا أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ وإمَّا إيذاناً بأنَّ نسيانَهُ بلغ إلى حيثُ لا يعرف مدَّعوه ما هو فضلاً عن أنْ يعرفه من هو كما مر في قوله تعالى عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً﴾ شركاءَ في العبادة ﴿لِيُضِلَّ﴾ النَّاس بذلك ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ الذي هو التَّوحيدُ وقرئ ليَضلَّ بفتح الياء أي يزدادَ ضلالاً أو يثبتَ عليه وإلا فأصلُ الضَّلالِ غيرُ متأخِّرٍ عن الجعل المذكور واللامُ لامُ العاقبة كما في قوله تعالى

стр. 6003

الزمر ٩ فالتقطَه آلُ فرعونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً خلا أنَّ هذا أقربُ إلى الحقيقةِ لأنَّ الجاعلَ ههنا قاصدٌ بجعله المذكورِ حقيقةَ الإضلالِ والضَّلالِ وإنْ لم يعرف لجهله أنَّهما إضلالٌ وضلالٌ وأمَّا آلُ فرعونَ فهم غيرُ قاصدين بالتقاطِهم العداوةَ أصلاً ﴿قُلْ﴾ تهديداً لذلك الضَّالَّ المُضلَّ وبياناً لحالِه ومآلِه ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ أي تمتُّعاً قليلاً أو زمَاناً قليلاً ﴿إِنَّكَ من أصحاب النار﴾ أي من ملازميها والمعذَّبين فيها على الدَّوامِ وهو تعليلٌ لقلَّة التَّمتعِ وفيه من الإقناط من النَّجاةِ ما لا يخفى كأنَّه قيل إذ قد أبيتَ قبولَ ما أُمرت به من الإيمان والطَّاعةِ فمن حقَّك أنْ تُؤمرَ بتركه لتذوقَ عقوبتَه

стр. 6004

﴿أم من هو قانت آناء الليل﴾ الخ من تمامِ الكلامِ المأمورِ به وأم إما متصلة قد حذف معاد لها ثقةً بدلالة مساقِ الكلام عليه كأنَّه قيل له تأكيداً للتَّهديد وتهكُّماً به أأنت أحسنُ حالاً ومآلاٍ ام من هو قائمٌ بمواجب الطَّاعاتِ ودائم على أداءَ وظائف العبادات في ساعاتِ اللَّيل حالتَيْ السَّراءِ والضَّراءِ لا عند مساس الضُّرِّ فقط كدأبك حالَ كونِه ﴿ساجدا وَقَائِماً﴾ أي جامعاً بين الوصفينِ المحمودينِ وتقديمُ السُّجودِ على القيام لكونه أدخلَ في معنى العبادة وقرئ كلاهُما بالرَّفعِ على أنه خبرُ بعد خبرٍ ﴿يَحْذَرُ الاخرة﴾ حالٌ أُخرى على التَّرادفِ أو التَّداخلِ أو استئنافٌ وقعَ جَواباً عما نشأ من حكاية حاله من القنوتِ والسُّجود والقيامِ كأنه قيل ما باله يفعل ذلك فقيلَ يحذرُ عذاب الاخرة ﴿ويرجو رَّحْمَةِ رَبّهِ﴾ فينجُو بذلك مما يحذرُه ويفوزُ بما يرجوه كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن التبليغِ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرِ الرَّاجي لا أنَّه يحذرُ ضرَّ الدُّنيا ويرجُو خيرَها فقط وإما منقطعةٌ وما فيها من الإضرابِ للانتقالِ من التَّهديدِ إلى التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعترافِ بما بينهما من التَّباينِ البيِّن كأنَّه قيل بل ام من هو قانتٌ الخ أفضل ام من هو كافرٌ مثلك كما هو المعنى على قراءة التَّخفيفِ ﴿قُلْ﴾ بياناً للحقِّ وتنبيهاً على شرفِ العلمِ والعمل ﴿هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ﴾ حقائقَ الأحوالِ فيعملون بموجبِ علمهم كالقانتِ المذكورِ ﴿والذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي ما ذُكر أو شيئاً فيعملون بمقتضى جهلِهم وضلالِهم كدأبك والاستفهامُ للتَّنبيه على أنَّ كون الأَوَّلينَ في أعلى معارج الخيرِ وكون الآخرينَ في أقصى مدارج الشَّرِّ منَ الظُّهورِ بحيثُ لا يكاد يخفى على أحدٍ من منصفِ ومكابرٍ وقيل هو واردٌ على سبيل التشيه أي كما لا يستوي العالمونَ والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون وقوله تعالى ﴿إنما يتذكر أولوا الالباب﴾ كلامٌ مستقلٌّ غيرُ داخلٍ في الكلامِ المأمور به واردٌ من جهته تعالى بعد الأمر بما ذُكر من القوارعِ الزَّاجرةِ عن الكُفر والمعاصِي لبيانِ عدمِ تأثيرِها في قلوبِ الكفرةِ لاختلال عقولهم كما في قول من قال ... عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار ... ماذا تحيون من نوى وَأَحْجَارِ ... أي إنما يتَّعظُ بهذه البيانات الواضحة أصحابُ العقولِ الخالصةِ عن شوائب الخللِ وهؤلاءِ بمعزلٍ من ذلك وقرئ إنما يذكر بالإدغام

стр. 6005

الزمر

стр. 6006

١٠ - ١٢ ﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا رَبَّكُمْ﴾ أُمر رسولُ الله ﷺ بتذكير المُؤمنين وحملِهم على التَّقوى والطَّاعة إثرَ تخصيص التذكرِ بأولي الألباب إيذاناً بأنَّهم هم كما سيصرِّح به أي قُل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريفٌ لهم بإضافتهم إلي ضمير الجلالةِ ومزيدُ اعتناءٍ بشأن المأمور به فإنَّ نقلَ عينِ أمرِ الله أدخلُ في إيجابِ الإمتثالِ به وقولُه تعالى ﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ تعليلٌ للأمر أو لوجوبِ الامتثال به وإيراد الإحسان في حيِّز الصِّلةِ دون التَّقوى للإيذانِ بأنَّه من باب الإحسانِ وأنَّهما مُتلازمانِ وكذا الصَّبرُ كما مرَّ في قوله تعالى إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ وفي قوله تعالى إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين وقوله تعالى ﴿فِى هذه الدنيا﴾ متعلِّقٌ بأحسنُوا أي عملوا الأعمالَ الحسنةَ في هذه الدُّنيا على وجه الإخلاصِ وهو الذي عبّر عنه رسول الله ﷺ حينَ سُئل عن الإحسانِ بقوله ﷺ أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي حسنة عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها وهي الجنَّةُ وقيل هو متعلِّقٌ بحسنة على أنَّه بيان لمكانها أوْ حالٌ منْ ضميرِها في الظَّرفِ فالمرادُ بها حينئذٍ الصِّحَّةُ والعافيةُ ﴿وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾ فمن تعسَّر عليه التَّوفرُ على التَّقوى والإحسانِ في وطنِه فليهاجر إلى حيثُ يتمكَّن فيه من ذلك كما هو سُنَّة الأنبياءِ والصَّالحينَ فإنه لا عُذرَ له في التَّفريطِ أصلاً وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون﴾ الخ ترغيب في التَّقوى المأمور بها وإيثارُ الصَّابرين على المتَّقين للإيذانِ بأنَّهم حائزونَ لفضيلة الصَّبر كحيازتهم لفضيلةِ الإحسانِ لما أشير إليه من استلزام التَّقوى لهما مع ما فيه من زيادة حثَ على المصابرةِ والمجاهدةِ في تحمُّل مشاقَّ المهاجرة ومتاعبها أي إنَّما يوفَّى الذين صبرُوا على دينِهم وحافظُوا على حدودِه ولم يُفرِّطُوا في مُراعاةِ حقوقه لما اعتراهم في ذلك من فُنونِ الآلامِ والبَلَايا التي من جُملتها مهاجرةُ الأهلِ ومفارقةُ الأوطانِ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ بمقابلة ما كابدُوا من الصَّبرِ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بحيث لا يُحصى ولا يُحصر عن ابن عبَّاسٍ ﵄ لا يَهتدِي إليه حسابُ الحُسَّاب ولا يُعرف وفي الحديثِ أنَّه تنصبُ الموازينُ يوم القيامة لأهلِ الصَّلاة والصَّدقة والحَجِّ فيُؤتَون بها أجورَهم ولا تنُصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجرُ صَّباً حتَّى يتمنَّى أهلُ العافيةِ في الدُّنيا أنَّ أجسادَهم تُقرضُ بالمقاريضِ مَّما يذهبُ به أهلُ البلاءِ من الفضلِ

стр. 6007

﴿قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ أي من كلِّ ما ينافيهِ من الشِّركِ والرِّياءِ وغير ذلك أُمر رسول الله ﷺ ببيانِ ما أُمر به نفسه من الإخلاصِ في عبادة الله الذي هو عبارةٌ عمَّا أُمر به المؤمنون من التَّقوى مبالغةً في حثِّهم على الإتيان بما كُلِّفوه وتمهيداً لما يعقُبه مَّما خُوطب به المشركونَ

стр. 6008

﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين﴾ أي وأُمرت بذلك لأجلِ أنْ أكونَ مقدَّمهم

стр. 6009

الزمر ١٣ ١٦ في الدُّنيا والآخرةِ لأنَّ إحرازَ قَصَب السَّبقِ في الدِّين بالإخلاصِ فيه والعطفُ لمغايرة الثاني الاول بتقيده بالعلَّةِ والإشعارِ بأنَّ العبادةَ المذكورةَ كما تقتضِي الأمرَ بها لذاتِها تقتضيهِ لما يلزمُها من السَّبقِ في الدِّينِ ويجوزُ أنْ تُجعلَ اللَاّمُ مزيدةً كما في أردتُ لأنْ أقومَ بدليلِ قوله تعالى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أسلم فالمعنى وأُمرت أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أسلمَ من أهلِ زمانيِ أو مِن قومي أو أكون أولَ من دَعا غيرَهُ إلى ما دعا إليه نفسَه

стр. 6010

﴿قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ ربي﴾ يترك الإخلاصِ والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ وصفَ بالعظمةِ لعظمةِ ما فيهِ من الدَّواهي والأهوالِ

стр. 6011

﴿قل الله أعبد﴾ لاغيره لا استقلالاً ولا اشتراكاً ﴿مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى﴾ من كل شوب امر ﷺ أوَّلاً ببيان كونِه مأموراً بعبادة الله تعالى واخلاص الدِّينِ له ثمَّ بالإخبارِ بخوفِه من العذابِ على تقديرِ العصيانِ ثمَّ بالإخبارِ بامتثاله بالأمرِ على أبلغِ وجِه وآكدِه إظهاراً لتصلُّبه في الدِّينِ وحسماً لأطماعِهم الفارغةِ وتمهيداً لتهديدِهم بقوله تعالى

стр. 6012

﴿فاعبدوا مَا شِئْتُمْ﴾ أنْ تعبدُوه ﴿مِن دُونِهِ﴾ تعالى وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم مالا يخفي كأنَّهم لمَّا لم ينتهُوا عما نُهوا عنه أُمروا به كي يحل بهم العقابُ ﴿قُلْ إِنَّ الخاسرين﴾ أي الكاملينَ في الخُسران الذي هو عبارةٌ عن إضاعةِ ما يُهمه واتلاف مالا بدَّ منه ﴿الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ باختيارِهم الكفرَ لهما أي أضاعُوهما وأتلفوهُما ﴿يَوْمُ القيامة﴾ حين يدخُلون النَّارِ حيث عرَّضوهما للعذابِ السَّرمديِّ وأوقعُوهما في هَلَكةٍ لا هلكةَ وراءها وقيل خسِروا أهليهم لأنَّهم إنْ كانُوا من أهلِ النَّار فقد خسروهم كما خسِروا انفسهم وإن كانُوا من أهلِ الجنَّةَ فقد ذهبُوا عنهم ذهاباً لا إيابَ بعدَهُ وفيه ان المحذور ذهاب مالو آبَ لانتفع به الخاسرُ وذلك غيرُ متصوَّرٍ في الشِّقِّ الأخيرِ وقيل خسِروهم لانهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم في اهل الجنَّةِ وخَسِروا أهليهم الذين كانِوا يتمتَّعون بهم لو آمنُوا وأيَّا ما كان فليسَ المرادُ مجرد تعريفِ الكاملينَ في الخُسران بما نذكر بل بيانَ أنَّهم هم إما نجعل الموصولِ عبارةً عنهم أو عمَّا هم مُندرجون فيه اندراجاً أوليَّاً وما في قوله تعالى ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين﴾ من استئنافِ الجملةِ وتصديرِها بحرفِ التَّنبيه والإشارةِ بذلك إلى بُعد منزلةِ المشارِ إليه في الشَّرِّ وتوسيطُ ضمير الفصل وتعريفُ الخسرانِ ووصفُه بالمبينِ من الدِّلالةِ عَلى كمالِ هو له وفظاعتِه وأنَّه لا خُسران وراءه مالا يَخفْى وقوله تعالى

стр. 6013

﴿لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار﴾

стр. 6014

الخ نوع بيانٍ لخسرانِهم بعد تهويله بطريق الابهام على أنَّ لهم خبرٌ لظُللٌ ومن فوقِهم متعلِّقٌ بمحذوفٍ قيل هو حالٌ من ظُللٌ والأظهرُ أنَّه حالٌ من الضمير في الظَّرفِ المُقدَّمِ ومن النَّارِ صفةٌ لظللٌ أي لهم كائنةٌ من فوقهم ظللٌ كثيرةٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعضِ كائنةٌ من النَّارِ ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ﴾ أيضاً ﴿ظُلَلٌ﴾ أي أطباقٌ كثيرةٌ بعضُها تحتَ بعضٍ ظللٌ لآخرينَ بل لهم ايضا عند ترديهم في دركانها ﴿ذلك﴾ العذابُ الفظيعُ هو الذي ﴿يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ﴾ ويُحذِّرهم إيَّاه بآياتِ الوعيدِ ليجتنبُوا ما يُوقعهم فيه ﴿يا عباد فاتقون﴾ ولا تتعرَّضُوا لَما يُوجبُ سَخَطي وهذه عظةٌ من الله تعالى بالغةٌ منطويةٌ على غايةِ اللُّطفِ والمرحمةِ وقُرىء يا عبادِي

стр. 6015

﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ أي البالغ اقصى غاية الطُّغيانِ فَعَلوتٌ منه بتقديم اللَاّمِ على العينِ بُني للمبالغةِ في المصدرِ كالرَّحموتِ والعظَمُوتِ ثم وُصف به للمبالغةِ في النَّعتِ والمرادُ به هو الشَّيطانُ ﴿أَن يعبدوها﴾ بدل اشتمال منه فإنَّ عبادةَ غيرِ الله تعالى عبادةٌ للشَّيطانِ إذِ هُو الآمرُ بها والمُزيِّنُ لها ﴿وَأَنَابُواْ إِلَى الله﴾ وأقبلُوا إليه مُعرضين عما سواه إقبالاً كلِّياً ﴿لَهُمُ البشرى﴾ بالثَّوابِ على ألسنةِ الرُّسلِ أو الملائكةِ عند حضورِ الموتِ وحين يُحشرون وبعد ذلك ﴿فَبَشّرْ عِبَادِ﴾

стр. 6016

﴿الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ هم الموصُوفون بالاجتنابِ والإنابةِ بأعيانهم لكنْ وُضع موضِعَ ضميرِهم الظاهِرِ تشريفاً لهم بالإضافةِ ودلالةً على أنَّ مدارَ اتصِّافِهم بالوصفينِ الجليلينِ كونُهم نُقَّاداً في الدَّينِ يميِّزون الحقَّ من الباطلَ ويؤُثرون الأفضلَ فالأفضلَ ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتصافِهم بما ذُكِرَ من النَّعوتِ الجليلةِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ خبرُه ما بعده من الموصولِ أي اولئك المنعوتون بالمحاسن الجميلة ﴿الذين هداهم الله﴾ للذين الحق ﴿وأولئك هم أولوا الالباب﴾ أي هم أصحابُ العقول السليمة عن معارضة الوهمِ ومنازعةِ الهَوَى المستحقُّون للهدايةِ لا غيرهم وفيه دلالةٌ على أنَّ الهدايةَ تحصلُ بفعل الله تعالى وقبول النَّفسِ لها

стр. 6017

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن في النار﴾ بيان الاحوال أضَّدادِ المذكورينَ على طريقة الإجمالِ وتسجيلٌ عليهم بحرمانِ الهداية وهم عَبَدةُ الطَّاغوتَ ومتَّبعُو خطواتها كما يُلوحُ به التَّعبيرُ عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب فإنَّ المرادَ بها قولُه تعالى لإبليسَ لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعين وقوله تعالى لمن تبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وأصلُ الكلامِ أمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب فأنتَ تنقذه على أنَّها شرطيةٌ دخل عليها الهمزةُ لإنكارِ مضمونها ثم الفاءُ لعطفها على جملةٍ مستتبعة لها مقدَّرة بعد الهمزةِ ليتعلَّق الإنكارُ والنَّفيُ بمضمونيهما

стр. 6018

الزمر ٢٠ ٢١ معاً أي أأنتَ مالكُ أمرِ النَّاسِ فمن حقَّ عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ثم كُررتْ الهمزةُ في الجزاءِ لتأكيدِ الإنكارِ وتذكيرِه لمَّا طال الكلامُ ثم وضِع موضعَ الضَّميرِ مَن في النَّارِ لمزيد تشديدِ الإنكارِ والاستبعاد والتَّنبيه عَلى أنَّ المحكومَ عليهِ بالعذابِ بمنزلة الواقعِ في النار وان اجتهاده ﷺ فى دُعائهم إلى الإيمانِ سعيٌ في إنقاذِهم من النَّارِ ويجوزُ أن يكونَ الجزاءُ محذوفاً وقوله تعالى أفأنتَ الخ جملة مستقلَّةٌ مسوقة لتقريرِ مضمون الجملة السَّابقةِ وتعيين ما حُذف منها وتشديدِ الإنكارِ بتنزيل من استحقَّ العذابَ منزلةَ من دخل النَّارَ وتصوير الاجتهاد في دُعائه إلى الإيمان بصورةِ الإنقاذِ من النَّارِ كأنَّه قيل أوَّلاً أفمن حقَّ عليه العذابُ فأنتَ تخلِّصه منه ثم شُدِّد النَّكيرُ فقيل أفأنتَ تنقذ من فى النار وفيه تلويحٌ بأنَّه تعالى هو الذي يقدر على الانقاذ لا غيرُه وحيثُ كان المرادُ بمن في النَّارِ الذين قيل في حقِّهم لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ من النار ومن تحتهم ظُلَلٌ استدركَ منهم بقوله تعالى

стр. 6019

﴿لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ وهم الذين خُوطبوا بقوله تعالى ياعباد فاتقون ووُصفوا بما عُدِّد من الصِّفاتِ الفاضلةِ وهم المخاطَبون أيضاً فيما سبق بقوله تعالى يَا عِبَادِى الذين آمنوا اتقوا رَبَّكُمْ الآيةَ وبينَّ أنَّ لهم درجاتٍ عاليةً في جنَّاتِ النَّعيمِ بمقابلة ما للكفرةِ من دَرَكاتٍ سافلةٍ في الجحيم أي لهم علالي بعضُها فوقَ بعضٍ ﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾ بناءَ المنازلِ المبنية المؤسَّسةِ على الأرضِ في الرَّصانةِ والإحكام ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ من تحت تلك الغرفِ ﴿الانهار﴾ من غيرِ تفاوتٍ بين العُلوِّ والسُّفلِ ﴿وَعَدَ الله﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لقولِه تعالى لهم غُرف الخ فإنه وعدٌ وأيُّ وعدٍ ﴿لَا يُخْلِفُ الله الميعاد﴾ لاستحالتِه عليه سبحانه

стр. 6020

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل من السماء ماء﴾ استئنافٌ وارد إمَّا لتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعة الزَّوالِ وقُرب الاضمحلالِ بما ذُكِرَ من أحوالِ الزَّرعِ ترغيباً عن زخارِفها وزينتها وتحذيراً من الاغترارِ بزَهرتِها كما في نظائرِ قولِه تعالى إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا الآيةَ أو للاستشهاد على تحقُّقِ الموعودِ من الأنهارِ الجاريةِ من تحت الغُرفِ بما يُشاهد من إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وما يترتبُ عليهِ من آثارِ قدرتهِ تعالى وأحكامِ حكمتِه ورحمتِه والمرادُ بالماءِ المطر وقيل كلُّ ماءٍ في الأرضِ فهو من السماء ينزل منها إلى الصَّخرةِ ثم يقسمُه الله تعالى بين البقاعِ ﴿فَسَلَكَهُ﴾ فأدخلَه ونظمه ﴿يَنَابِيعَ فِى الارض﴾ أي عُيوناً ومجاريَ كالعروقِ في الأجسادِ وقيل مياهاً نابعةً فيها فإنَّ الينبوعَ يطلقُ على المنبعِ والنَّابعِ فنصبها على الحالِ وعلى الأوَّلِ بنزعِ الجارِّ أي في ينابيعَ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ أصنافُه من بُرَ وشعيرٍ وغيرهِما أو كيفانه من الألوانِ والطُّعومِ وغيرِهما وكلمة ثُم للتَّراخي في الرُّتبةِ أو الزَّمانِ وصيغةُ المضارع لاستحضار

стр. 6021

الزمر ٢٢ الصُّورةِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يتمُّ جفافُه ويشرف على أنْ يثورَ من منابتِه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ من بعد خُضرتِه ونُضرتِه وقُرىء مُصفارَّا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما﴾ فُتاتاً مُتكسِّرةً كأن لم يغنَ بالأمسِ ولكون هذه الحالةِ من الآثارِ القوَّيةِ عُلِّقت بجعلِ الله تعالى كالإخراجِ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر تفصيلاً وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه في الغَرابةِ والدِّلالةِ على ما قُصد بيانُه ﴿لِذِكْرِى﴾ لتذكيراً عظيماً ﴿لاِوْلِى الالباب﴾ لأصحابِ العقولِ الخالصةِ عن شوائبِ الخللِ وتنبيهاً لهم على حقيقةِ الحالِ يتذكَّرون بذلك أنَّ حالَ الحياةِ الدنيا في سرعة التقضى والانصرامِ كما يشاهدونَهُ من حال الحُطامِ كلَّ عامٍ فلا يغترُّون ببهجتِها ولا يُفتتنون بفتنتها أو يجزمون بأن مَن قدَر على إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وإجرائِه في ينابيع الأرضِ قادرٌ على إجراءِ الأنهارِ من تحتِ الغُرفِ هذا وأمَّا مَا قيلَ إنَّ في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنَّه لا بُدَّ من صانعٍ حكيمٍ وأنه كائنٌ عن تقديرٍ وتدبيرٍ لا عن تعطيلٍ وإهمالٍ فبمعزلٍ من تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ وإنَّما يليقُ ذلك بما لو ذُكرَ ما ذُكر من الآثارِ الجليلة والأفعالِ الجميلةِ من غيرِ إسنادٍ لها إلى مؤثِّرٍ ما فحيثُ ذُكرتْ مسندةً إلى الله تعيَّن أنْ يكونَ متعلَّقُ التذكير والتنبيه شئونه تعالى أوشئون آثارِه حسبما بُيِّن لا وجودُه تعالى وقولُه تعالى

стр. 6022

﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام﴾ الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله من تخصيصِ الذِّكرى بأولي الألبابِ وشرحُ الصَّدرِ للإسلامِ عبارةٌ عن تكميلِ الاستعدادِ له فإنه محلٌّ للقلبِ الذي هو منبعٌ للرُّوحِ التي تتعلَّقُ بها النَّفسُ القابلةُ للإسلامِ فانشراحُه مستدعٍ لاتِّساعِ القلبِ واستضاءتِه بنوره فإنه روي انه ﷺ قال إذا دخلَ النُّور القلبَ انشرحَ وانفسحَ فقيل فما علامةُ ذلك قال ﷺ الإنابةُ إلى دارِ الخُلودِ والتَّجافي عن دارِ الغُرور والتَّأهُّبُ للموتِ قبل نزولِه والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ كالذي مرَّ في قوله تعالى أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب وخبرُ مَن محذوفٌ لدلالةِ ما بعدَهُ عليه والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فَمْن شَرحَ الله صدرَهُ أي خلقَهُ متَّسعَ الصَّدرِ مُستعدَّاً للإسلامِ فبقي على الفطرةِ الأصليةِ ولم يتغير بالعوارض المكتسبة الفادحة فيها ﴿فَهُوَ﴾ بموجبِ ذلك مستقرٌّ ﴿على نُورٍ﴾ عظيم ﴿مّن رَّبّهِ﴾ وهو اللُّطفُ الإلهيُّ الفائضُ عليه عند مشاهدةِ الآياتِ التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ والتَّوفيقُ للاهتداءِ بها إلى الحقِّ كمَنْ قسا قلبُه وحَرِجَ صدره بسببِ تبديلِ فطرة الله بسوء اختباره واستولى عليه ظلمات الغي والضِّلالةِ فأعرضَ عن تلك الآياتِ بالكُلِّيةِ حتَّى لا يتذكَّر بها ولا يغتنمُها ﴿فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله﴾ أي من أجلِ ذكرهِ الذي حقُّه أنْ تنشرحَ له الصُّدورُ وتطمئنَّ به القلوبُ أي إذا ذُكر الله تعالى عندهم أو آياتُه اشمأزُّوا من أجلِه وازدادتْ قلوبُهم قساوةً كقولِه تعالى فزادْتُهم رجساً وقُرىء عَن ذكرِ الله أي عن قبولِه ﴿أولئك﴾ البعداء الموصوفون بما ذُكر من قساوةِ القلوب ﴿فِى ضلال﴾ بُعدٍ عن الحقِّ ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهر كونه ضلالاً لكلِّ أحدٍ قيلَ نزلتِ الآيةُ في حمزةَ وعلي ﵄ وأبي لهبٍ وولدِه وقيل في عمار بن

стр. 6023

الزمر ٢٣ ياسر ﵁ وأبي جهلٍ وذويه

стр. 6024

﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ هو القرآنُ الكريمُ رُوي أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ملُّوا ملَّةً فقالُوا له ﷺ حدثا حَديثاً وعن ابن مسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ ﵃ قالُوا لو حدَّثتنا فنزلتْ والمَعنى أنَّ فيه مندوحةً عن سائرِ الأحاديثِ وفي إيقاعِ الاسمِ الجليلِ مبتدأٌ وبناءِ نزَّل عليهِ من تفخيمِ أحسنِ الحديثِ ورفعِ محلَّه والاستشهادِ على حُسنِه وتأكيدِ استنادِه إليه تعالى وأنَّه من عندَه لا يمكنُ صدورُه عن غيرِه والتَّنبيهُ على أنَّه وحيٌ معجز مالا يخفى ﴿كتابا﴾ بدلٌ من أحسنَ الحديثِ أو حالٌ منه سواء اكتسبَ من المضاف اليه تعريفا اولا فإنَّ مساغَ مجيء الحالِ من النكرة المضافة اتفاقيٌّ ووقوعُه حالاً مع كونه اسما لاصفة إمَّا لاتَّصافِه بقولِه تعالى ﴿متشابها﴾ أو لكونِه في قوَّة مكتوباً ومعنى كونِه مُتشابهاً تشابُه معانيهِ في الصِّحَّةِ والأحكامِ والابتناءِ على الحق والصدق واستتباع منافعِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ وتناسب ألفاظِه في الفصاحةِ وتجاوبِ نظمِه في الإعجازِ ﴿مَّثَانِيَ﴾ صفةٌ أخرى لكتابا أو حال أُخرى منه وهو جمعُ مثنى بمعنى مردد ومكرَّرٍ لمَا ثُنِّي من قصصهِ وأنبائِه وأحكامِه وأوامرهِ ونواهيهِ ووعدِه ووعيدِه ومواعظِه وقيل لأنَّه يُثنَّى في التَّلاوةِ وقيل هو جمعُ مَثنى مَفْعل من التَّثنيةِ بمعنى التَّكريرِ والإعادةِ كما في قوله تعالى فارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرةً بعدَ كرَّةٍ ووقوعُه صفةً لكتاباً باعتبار تفاصيلهِ كما يُقال القرآن سورٌ وآياتٌ ويجوزُ أنْ ينتصبَ على التَّمييزِ من مُتشابهاً كما يُقال رأيتُ رجلاً حسناً شمائلَ أي شمائلُه والمعنى متشابهةٌ مثانية ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ قيل صفةٌ لكتاباً أو حالٌ منهُ لتخصُّصه بالصِّفةِ والأظهر أنَّه استئنافٌ مسوق لبيانِ آثارِه الظَّاهرةِ في سامعيهِ بعد بيانِ أوصافهِ في نفسِه ولتقريرِ كونِه أحسنَ الحديثِ والاقشعرارُ التَّقبضُ يقال اقشعرَّ الجلدُ إذا تقبَّضَ تقبُّضاً شَديداً وتركيبُه من القَشع وهو الأديمُ اليابسُ قد ضُمَّ إليه الرَّاءُ ليكونَ رُباعيَّا ودَالاًّ على معنى زائد يُقال اقشعرَّ جلدُه وقفَ شعرُه إذا عرضَ له خوفٌ شديدٌ من منكرٍ هائلٍ دهمه بغتة والمرادُ إمَّا بيانُ إفراطِ خشيتِهم بطريقِ التَّمثيلِ والتَّصويرِ أو بيانُ حصولِ تلك الحالةِ وعرُوضِها لهم بطريقِ التَّحقيقِ والمعني أنَّهم إذا سمعُوا القُرآنَ وقوارعَ آياتِ وعيده أصابتُهم هيبةٌ وخشيةٌ تقشعرُّ منها جلودُهم وإذا ذُكِّروا رحمةَ الله تعالى تبدَّلتْ خشيتُهم رجاءً ورهبتُهم رغبةً وذلكَ قولُه تعالى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ أيْ ساكنةً مطمئنَّةً إلى ذكر رحمتِه تعالى وإنَّما لم يصرَّحْ بها إيذاناً بأنَّها أولُ ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى ﴿ذلك﴾ أي الكتابُ الذي شُرحَ أحوالُه ﴿هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآء﴾ أن يهديَه بصرف مقدورِه إلى الاهتداءِ بتأمُّلِه فيما في تضاعيفه من شواهدِ الحقِّية ودلائلِ كونِه من عند الله تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ أي يخلقُ فيه الضَّلالةَ بصرفِ قُدرته إلى مباديها وإعراضِه عمَّا يُرشده إلى الحقَّ بالكُلِّية وعدم تأثُّرِه بوعيدِه ووعده اصلا او

стр. 6025

الزمر ٢٤ ٢٩ ومن يخذلْ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يُخلِّصه من ورطةِ الضَّلالِ وقيل ذَلِكَ الذي ذُكرَ من الخشيةِ والرَّجاءِ إثر هُداه تعالى يهدي بذلكَ الأثرِ مَن يشاءُ من عبادةِ ومَن يضلل أي من لم يُؤثِّر فيه لطفُه لقسوةِ قلبهِ وإصرارِه على فجوره فماله من هادٍ من مؤثِّرٍ فيه بشيءٍ قَطْ
следующие страницы →