Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
الزمر ٢٢ الصُّورةِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يتمُّ جفافُه ويشرف على أنْ يثورَ من منابتِه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ من بعد خُضرتِه ونُضرتِه وقُرىء مُصفارَّا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما﴾ فُتاتاً مُتكسِّرةً كأن لم يغنَ بالأمسِ ولكون هذه الحالةِ من الآثارِ القوَّيةِ عُلِّقت بجعلِ الله تعالى كالإخراجِ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر تفصيلاً وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه في الغَرابةِ والدِّلالةِ على ما قُصد بيانُه ﴿لِذِكْرِى﴾ لتذكيراً عظيماً ﴿لاِوْلِى الالباب﴾ لأصحابِ العقولِ الخالصةِ عن شوائبِ الخللِ وتنبيهاً لهم على حقيقةِ الحالِ يتذكَّرون بذلك أنَّ حالَ الحياةِ الدنيا في سرعة التقضى والانصرامِ كما يشاهدونَهُ من حال الحُطامِ كلَّ عامٍ فلا يغترُّون ببهجتِها ولا يُفتتنون بفتنتها أو يجزمون بأن مَن قدَر على إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وإجرائِه في ينابيع الأرضِ قادرٌ على إجراءِ الأنهارِ من تحتِ الغُرفِ هذا وأمَّا مَا قيلَ إنَّ في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنَّه لا بُدَّ من صانعٍ حكيمٍ وأنه كائنٌ عن تقديرٍ وتدبيرٍ لا عن تعطيلٍ وإهمالٍ فبمعزلٍ من تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ وإنَّما يليقُ ذلك بما لو ذُكرَ ما ذُكر من الآثارِ الجليلة والأفعالِ الجميلةِ من غيرِ إسنادٍ لها إلى مؤثِّرٍ ما فحيثُ ذُكرتْ مسندةً إلى الله تعيَّن أنْ يكونَ متعلَّقُ التذكير والتنبيه شئونه تعالى أوشئون آثارِه حسبما بُيِّن لا وجودُه تعالى وقولُه تعالى
стр. 6022
﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام﴾ الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله من تخصيصِ الذِّكرى بأولي الألبابِ وشرحُ الصَّدرِ للإسلامِ عبارةٌ عن تكميلِ الاستعدادِ له فإنه محلٌّ للقلبِ الذي هو منبعٌ للرُّوحِ التي تتعلَّقُ بها النَّفسُ القابلةُ للإسلامِ فانشراحُه مستدعٍ لاتِّساعِ القلبِ واستضاءتِه بنوره فإنه روي انه ﷺ قال إذا دخلَ النُّور القلبَ انشرحَ وانفسحَ فقيل فما علامةُ ذلك قال ﷺ الإنابةُ إلى دارِ الخُلودِ والتَّجافي عن دارِ الغُرور والتَّأهُّبُ للموتِ قبل نزولِه والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ كالذي مرَّ في قوله تعالى أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب وخبرُ مَن محذوفٌ لدلالةِ ما بعدَهُ عليه والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فَمْن شَرحَ الله صدرَهُ أي خلقَهُ متَّسعَ الصَّدرِ مُستعدَّاً للإسلامِ فبقي على الفطرةِ الأصليةِ ولم يتغير بالعوارض المكتسبة الفادحة فيها ﴿فَهُوَ﴾ بموجبِ ذلك مستقرٌّ ﴿على نُورٍ﴾ عظيم ﴿مّن رَّبّهِ﴾ وهو اللُّطفُ الإلهيُّ الفائضُ عليه عند مشاهدةِ الآياتِ التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ والتَّوفيقُ للاهتداءِ بها إلى الحقِّ كمَنْ قسا قلبُه وحَرِجَ صدره بسببِ تبديلِ فطرة الله بسوء اختباره واستولى عليه ظلمات الغي والضِّلالةِ فأعرضَ عن تلك الآياتِ بالكُلِّيةِ حتَّى لا يتذكَّر بها ولا يغتنمُها ﴿فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله﴾ أي من أجلِ ذكرهِ الذي حقُّه أنْ تنشرحَ له الصُّدورُ وتطمئنَّ به القلوبُ أي إذا ذُكر الله تعالى عندهم أو آياتُه اشمأزُّوا من أجلِه وازدادتْ قلوبُهم قساوةً كقولِه تعالى فزادْتُهم رجساً وقُرىء عَن ذكرِ الله أي عن قبولِه ﴿أولئك﴾ البعداء الموصوفون بما ذُكر من قساوةِ القلوب ﴿فِى ضلال﴾ بُعدٍ عن الحقِّ ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهر كونه ضلالاً لكلِّ أحدٍ قيلَ نزلتِ الآيةُ في حمزةَ وعلي ﵄ وأبي لهبٍ وولدِه وقيل في عمار بن
стр. 6023
الزمر ٢٣ ياسر ﵁ وأبي جهلٍ وذويه
стр. 6024
﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ هو القرآنُ الكريمُ رُوي أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ملُّوا ملَّةً فقالُوا له ﷺ حدثا حَديثاً وعن ابن مسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ ﵃ قالُوا لو حدَّثتنا فنزلتْ والمَعنى أنَّ فيه مندوحةً عن سائرِ الأحاديثِ وفي إيقاعِ الاسمِ الجليلِ مبتدأٌ وبناءِ نزَّل عليهِ من تفخيمِ أحسنِ الحديثِ ورفعِ محلَّه والاستشهادِ على حُسنِه وتأكيدِ استنادِه إليه تعالى وأنَّه من عندَه لا يمكنُ صدورُه عن غيرِه والتَّنبيهُ على أنَّه وحيٌ معجز مالا يخفى ﴿كتابا﴾ بدلٌ من أحسنَ الحديثِ أو حالٌ منه سواء اكتسبَ من المضاف اليه تعريفا اولا فإنَّ مساغَ مجيء الحالِ من النكرة المضافة اتفاقيٌّ ووقوعُه حالاً مع كونه اسما لاصفة إمَّا لاتَّصافِه بقولِه تعالى ﴿متشابها﴾ أو لكونِه في قوَّة مكتوباً ومعنى كونِه مُتشابهاً تشابُه معانيهِ في الصِّحَّةِ والأحكامِ والابتناءِ على الحق والصدق واستتباع منافعِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ وتناسب ألفاظِه في الفصاحةِ وتجاوبِ نظمِه في الإعجازِ ﴿مَّثَانِيَ﴾ صفةٌ أخرى لكتابا أو حال أُخرى منه وهو جمعُ مثنى بمعنى مردد ومكرَّرٍ لمَا ثُنِّي من قصصهِ وأنبائِه وأحكامِه وأوامرهِ ونواهيهِ ووعدِه ووعيدِه ومواعظِه وقيل لأنَّه يُثنَّى في التَّلاوةِ وقيل هو جمعُ مَثنى مَفْعل من التَّثنيةِ بمعنى التَّكريرِ والإعادةِ كما في قوله تعالى فارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرةً بعدَ كرَّةٍ ووقوعُه صفةً لكتاباً باعتبار تفاصيلهِ كما يُقال القرآن سورٌ وآياتٌ ويجوزُ أنْ ينتصبَ على التَّمييزِ من مُتشابهاً كما يُقال رأيتُ رجلاً حسناً شمائلَ أي شمائلُه والمعنى متشابهةٌ مثانية ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ قيل صفةٌ لكتاباً أو حالٌ منهُ لتخصُّصه بالصِّفةِ والأظهر أنَّه استئنافٌ مسوق لبيانِ آثارِه الظَّاهرةِ في سامعيهِ بعد بيانِ أوصافهِ في نفسِه ولتقريرِ كونِه أحسنَ الحديثِ والاقشعرارُ التَّقبضُ يقال اقشعرَّ الجلدُ إذا تقبَّضَ تقبُّضاً شَديداً وتركيبُه من القَشع وهو الأديمُ اليابسُ قد ضُمَّ إليه الرَّاءُ ليكونَ رُباعيَّا ودَالاًّ على معنى زائد يُقال اقشعرَّ جلدُه وقفَ شعرُه إذا عرضَ له خوفٌ شديدٌ من منكرٍ هائلٍ دهمه بغتة والمرادُ إمَّا بيانُ إفراطِ خشيتِهم بطريقِ التَّمثيلِ والتَّصويرِ أو بيانُ حصولِ تلك الحالةِ وعرُوضِها لهم بطريقِ التَّحقيقِ والمعني أنَّهم إذا سمعُوا القُرآنَ وقوارعَ آياتِ وعيده أصابتُهم هيبةٌ وخشيةٌ تقشعرُّ منها جلودُهم وإذا ذُكِّروا رحمةَ الله تعالى تبدَّلتْ خشيتُهم رجاءً ورهبتُهم رغبةً وذلكَ قولُه تعالى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ أيْ ساكنةً مطمئنَّةً إلى ذكر رحمتِه تعالى وإنَّما لم يصرَّحْ بها إيذاناً بأنَّها أولُ ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى ﴿ذلك﴾ أي الكتابُ الذي شُرحَ أحوالُه ﴿هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآء﴾ أن يهديَه بصرف مقدورِه إلى الاهتداءِ بتأمُّلِه فيما في تضاعيفه من شواهدِ الحقِّية ودلائلِ كونِه من عند الله تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ أي يخلقُ فيه الضَّلالةَ بصرفِ قُدرته إلى مباديها وإعراضِه عمَّا يُرشده إلى الحقَّ بالكُلِّية وعدم تأثُّرِه بوعيدِه ووعده اصلا او
стр. 6025
الزمر ٢٤ ٢٩ ومن يخذلْ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يُخلِّصه من ورطةِ الضَّلالِ وقيل ذَلِكَ الذي ذُكرَ من الخشيةِ والرَّجاءِ إثر هُداه تعالى يهدي بذلكَ الأثرِ مَن يشاءُ من عبادةِ ومَن يضلل أي من لم يُؤثِّر فيه لطفُه لقسوةِ قلبهِ وإصرارِه على فجوره فماله من هادٍ من مؤثِّرٍ فيه بشيءٍ قَطْ
стр. 6026
﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ﴾ الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لما قبلَه من تباينِ حالَيْ المُهتدي والضَّالَّ والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ وحذفِ الخبرِ كالذي مرَّ في نظيريهِ والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فمَن شأنُه أنَّه بقى نفسَه بوجههِ الذي هو أشرفُ أعضائِه ﴿سُوء العذاب﴾ أي العذابَ السَّيءِ الشَّديدَ ﴿يَوْمُ القيامة﴾ لكون يدهِ التي بها كان يتَّقي المكارَه والمخاوفَ مغلولةً إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتّقاء بوجهٍ من الوجوهِ وقيل نزلتْ في أبي جهلٍ ﴿وَقِيلَ للظالمين﴾ عطف على يتقي ويقالُ لهم من جهةِ خَزَنةِ النَّارِ وصيغةُ الماضِي الدِلالة على التَّحقُّقِ والتقرّرِ وقيلَ هُو حالٌ من ضميرِ يتَّقي بإضمارِ قَدْ ووضع المُظهر في مقام المضمرِ للتَّسجيلِ عليهم بالظُّلم والإشعار بعلَّةِ الأمرِ في قوله تعالى ﴿ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي وبالَ ما كنتُم تكسبونَه في الدُّنيا على الدَّوامِ من الكفرِ والمعاصي
стр. 6027
﴿كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما أصابَ بعضَ الكفرةِ من العذابِ الدنيويِّ إثرَ بيانِ ما يُصيب الكلَّ من العذابِ الأخرويِّ أي كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم من الأممِ السَّالفةِ ﴿فأتاهم العذاب﴾ المقدَّرُ لكلَّ أمَّةٍ منهم ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من الجهةِ التي لا يحتسبونَ ولا يخطرُ ببالِهم إتيانُ الشَّرِّ منها
стр. 6028
﴿فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى﴾ أي الذُّلَّ والصَّغارَ ﴿فِى الحياة الدنيا﴾ كالمسخِ والخسفِ والقتلِ والسى والإجلاءِ ونحوِ ذلك من فنون النَّكالِ ﴿وَلَعَذَابُ الأخرة﴾ المعدِّ لهم ﴿أَكْبَرَ﴾ لشدَّتِه وسرمدينه ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كانَ من شأنِهم أنْ يعلمُوا شيئاً لعلمُوا ذلكَ واعتبرُوا به
стр. 6029
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرآن مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ يحتاجُ إليه النَّاظرُ في أمورِ دينِه ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ كي بتذكروا به ويتعظوا
стр. 6030
﴿قرآنا عَرَبِيّاً﴾ حالٌ مؤكَّدةٌ من هذا على أنَّ مدارَ التَّأكيدِ هو الوصفُ كقولِك جاءني زيدٌ رَجُلاً صالِحاً أو مدحٌ له ﴿غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾ لا اختلافَ فيه بوجهٍ من الوجوهِ فهُو أبلغُ من المستقيمِ وأخصُّ بالمعانِي وقيل المرادُ بالعوجِ الشَّكُّ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ علَّة أُخرى مترتِّبةٌ على الأولى
стр. 6031
﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فيه شركاء متشاكسون﴾
стр. 6032
الزمر ٣٠ ٣١ لمثلٍ من الأمثالِ القُرآنيةِ بعد بيانِ أنَّ الحكمةَ في ضربِها هو التَّذكُّر والاتِّعاظُ بها وتحصيلُ التَّقوى والمرادُ بضربِ المثل هَهُنا تطبيقُ حالةٍ عجيبةٍ بأُخرى مثلِها وجعلِها مثلَها كما مر في سورة يس ومثلاً مفعولٌ ثانٍ لضربَ ورجلاً مفعولُه الأوَّلُ أُخِّر عن الثَّانِي للتَّشويقِ إليه وليتَّصلَ به ما هُو من تتمتِه التي هي العُمدةُ في التَّمثيلِ وفيه ليسَ بصلةٍ لشركاءِ كما قيل بل هُو خبرٌ له وبيانُ أنَّه في الأصلِ كذلكَ مَّما لا حاجةَ إليهِ والجملةُ في حيز النصبِ على أنه وصفٌ لرجلاً أو الوصفُ هو الجارُّ والمجرورُ وشركاء مرتفعٌ به على الفاعليةِ لاعتمادِه على الموصوفِ فالمعنى جعلَ الله تعالى مثلاً للمشركِ حسبَما يقودُ إليهِ مذهبُه من ادَّعاءِ كلَ معبوديه عبوديتَه عبداً يتشاركُ فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورُونه في مهمَّاتهم المتباينةِ في تحيُّرِه وتوزُّعِ قلبه ﴿وَرَجُلاً﴾ أي وجعل للموحِّد مثلاً رجلا ﴿سلما﴾ أي خالصاً ﴿لِرَجُلٍ﴾ فردٍ ليس لغيره عليه سبيل اصلا وقرىء سلما بفتح السين وكسرِها مع سكون الَّلامِ والكُلُّ مصادرٌ من سَلِم له كذا أي خلص نعت بها مبالغةً أو حُذف منها ذُو وقِرىء سالماً وسالم أي وهناك رجلٌ سالم وتخصيصُ الرَّجُلِ لأنَّه أفطن لما يجري عليه من الضُّرِّ والنَّفعِ ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ إنكارٌ واستبعاد لاستوائِهما ونفيٌ له على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وإيذانٌ بأنَّ ذلك من الجلاء والظُّهور بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ أنْ يتفوَّه باستوائِهما أو يتلعثم في الحُكم بتباينهما ضرورةَ أنَّ أحدهما في أعلى عِلِّيِّينَ والآخرُ في أسفلِ سافلينَ وهو السِّرُّ في إبهام الفاضلِ والمفضولِ وانتصاب مثلاً على التَّمييزِ أي هل يستوي حالاهُما وصفتاهُما والاقتصارُ في التَّمييزِ على الواحد لبيان الجنسِ وقُرىء مَثَلين كقوله تعالى اكثر اموالا واولادا باختلاف النَّوعِ أو لأنَّ المرادَ هل يستويانِ في الوصفين على أنَّ الضَّميرَ للمثلينِ لأنَّ التَّقديرَ مَثَلُ رجلٍ فيه الخ ومَثَلُ رجلٍ الخ وقولُه تعالى ﴿الحمد للَّهِ﴾ تقريرٌ لما قبلَهُ من نفيِ الاستواءِ بطريقِ الاعتراضِ وتنبيهٌ للموحِّدين على ان مالهم من المزَّيةِ بتوفيقِ الله تعالى وأنَّها نعمةٌ جليلةٌ موجبة عليهم ان يداموا على حمدِه وعبادتِه أو على أنَّ بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السَّوء صنعٌ جميلٌ ولطفٌ تامٌّ منه مستوجبٌ لحمدِه وعبادتِه وقولُه تعالى ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ منِ بيانِ عدمِ الاستواءِ على الوجهِ المذكورِ إلى بيانِ ان اكثر الناس هم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمالِ ظُهورِه فيبقون في ورطةِ الشِّركِ والضَّلالِ وقولُه تعالَى
стр. 6033
﴿إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ﴾ تمهيدٌ لما يعقُبه من الاختصامِ يوم القيامةِ وقُرىء مائتٌ ومائتونَ وقيل كانُوا يتربصون برسولِ الله ﷺ موتَه أي إنَّكم جميعاً بصددِ الموتِ
стр. 6034
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ﴾ أي مالكِ أمورِكم ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتجُّ أنتَ عليهم بأنَّك بلَّغتهم مَّا أُرسلتَ بِهِ من الأحكام والمواعظ التي من جُملتها ما في تضاعيف هذه الآياتِ واجتهدتَ في الدَّعوةِ إلى الحقَّ حقَّ الاجتهادِ وهم قد لجُّوا في المُكابرة والعناد وقيل المرادُ به الاختصامُ العامُّ الجاري في الدُّنيا بين الأنامِ والأولُ هو الأظهرُ الأنسبُ بقوله
стр. 6035
الزمر ٣٢ ٣٥ تعالى
стр. 6036
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ علَى الله﴾ فإنَّه إلى آخرهِ مسوقٌ لبيانِ حال كلَ من طرفَيْ الاختصامِ الجاري في شأن الكفرِ والإيمانِ لا غيرُ أي أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ مَنِ افترى على الله بأنْ أضافَ إليه الشَّريكَ والولد ﴿وَكَذَّبَ بالصدق﴾ أي بالأمرِ الذي هو عينُ الحقِّ ونفسُ الصِّدقِ وهو ما جاءَ بهِ النبيُّ ﷺ ﴿إِذْ جَاءهُ﴾ أي في أوَّلِ مجيئهِ من غير تدبُّرٍ فيه ولا تأمُّلٍ ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين﴾ أي لهؤلاءِ الذين افترَوا على الله سبحانه وسارعُوا إلى التَّكذيبِ بالصَّدقِ من أوَّلِ الأمرِ والجمعُ باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضَّمائرِ السَّابقةِ باعتبار لفظها أو لجنسِ الكَفَرةِ وهم داخلون في الحكم دخولا أوَّليَّاً
стр. 6037
﴿والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الموصولُ عبارةٌ عن رسول الله ﷺ ومَن تبعه كما أنَّ المرادَ في قولِه تعالى وَلَقَدْ آتينا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ هو ﵊ وقومه وقيل عن الجنس المتناول المرسل والمؤمنين بهم ويؤيِّدُه قراءةُ ابنِ مسعود ﵁ والذين جَاءُوا بالصَّدقِ وصدَّقُوا به وقيل هو صفة لموصوفٍ محذوف هو الفَوجُ او الفريق ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من المجيء بالصَّدقِ والتصديق به ﴿هُمُ المتقون﴾ المنعوتُون بالتَّقوى التي هي أجلُّ الرَّغائبِ وقُرىء وصدَق به بالتَّخفيفِ أي صدَقَ بهِ النّاسَ فأدَّاه إليهم كما نزل عليه من غيرِ تغيير وقيل وصارَ صادقاً به أي بسببهِ لأنَّ ما جاء به من القرآنُ معجزةٌ دالة على صدقه ﷺ وقُرىء صُدِّق به على البناء للمفعول
стр. 6038
﴿لهم ما يشاؤون عِندَ رَبّهِمْ﴾ بيانٌ لما لَهُمْ فِى الآخرة من حسنِ المآبِ بعد بيانِ مالهم في الدنيا من محاسنِ الأعمالِ أي لهم كلُّ ما يشاءون من جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ في الآخرةِ لا في الجنَّةِ فقط لِما أن بعضَ ما يشاءونه من تكفير السَّيئاتِ والأمن من الفَزَع الأكبرِ وسائرِ أهوال القيامةِ إنَّما يقع قبل دخولِ الجنَّةِ ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر من حصول كل ما يشاءونه ﴿جَزَاء المحسنين﴾ أي الذينَ أحسنُوا أعمالَهم وقد مرَّ تفسيرُ الإحسان غيرَ مرَّةٍ وقوله تعالى
стр. 6039
﴿لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ﴾ الخ متعلِّقٌ بقوله تعالى لهم ما يشاءون لكن لا باعتبارِ منطوقِه ضرورةَ أنَّ التَّفكيرَ المذكور لا يُتصوَّرُ كونُه غايةً لثبوت ما يشاءون لهم في الآخرةِ كيف لا وهو بعضُ ما سيثبُتُ لهم فيها بل باعتبارِ فحواه فإنَّه حيثُ لم يكن إخباراً بما ثبت لهم فيما مَضَى بل بما سيثبت لهم فيما سيأتِي كان في معنى الوعدِ به كما مرَّ في قوله تعالى وَعَدَ الله فإنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبلَهُ من قولِه تعالى لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ فإنَّه في معنى وَعَدَهم الله غُرفاً فانتصبَ به وعدُ الله كأنه قيل
стр. 6040
الزمر ٣٦ ٣٧ وَعَدَهم الله جميعَ ما يشاءونه من زوالِ المضارِّ وحصول المسارِّ ليكفِّرَ عنهم بموجب ذلك الوعدِ أسوأَ الذي عملوا دفعاً لمضارِّهم ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إعطاء لمنافِعهم وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ وإضافةُ الا الأسوأِ والأحسنِ إلى ما بعدهما ليستْ من قبيل إضافةِ المفضَّلِ إلى المفضَّل عليه بل من إضافةِ الشَّيءِ إلى بعضِه للقصد إلى التَّحقيقِ والتَّوضيحِ من غير اعتبارِ تفضيلِه عليه وإنَّما المُعتبر فيهما مطلقُ الفضلِ والزَّيادةِ لا على المضاف إليه المعيِّنِ بخصوصه كما في قولهم الناقص والاشج اعد لانني مَرْوانَ خلا أنَّ الزِّيادة المعتبرةَ فيهما ليست بطريقِ الحقيقةِ بل هي في الأوَّلِ بالنَّظرِ إلى ما يليقُ بحالِهم من استعظامِ سيِّئاتِهم وإن قلَّتْ واستصغارِ حسناتِهم وإنْ جلَّتْ والثَّاني بالنَّظرِ إلى لُطفِ أكرمِ الأكرمينَ من استكثارِ الحسنةِ اليسيرةِ ومقابلتها بالمثُوباتِ الكثيرةِ وحمل الزيادة على الحقيقةِ وإن أمكنَ في الأوَّلِ بناءً على أنَّ تخصيصَ الأسوأِ بالذَّكرِ لبيان تكفيرِ ما دُونَه بطريقِ الأولويَّةِ ضرورةَ استلزامِ تكفيرِ الأسوأ لتكفير السَّيِّءِ لكن لمَّا لم يكُن ذلك في الأحسنِ كان الأحسنُ نظمَهما في سلكٍ واحدٍ من الاعتبار والجمعُ بين صيغتَيْ الماضِي والمستقبلِ في صلةِ الموصولِ الثَّاني دون الأوَّلِ للإيذانِ باستمرارهم على الأعمالِ الصَّالحةِ بخلاف السَّيئةِ
стр. 6041
﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ إنكارٌ ونفيٌ لعدم كفايته تعالى على أبلغِ وجهٍ وآكدِه كأن الكفاية من التَّحقُّقِ والظُّهورِ بحيثُ لا يقدِرُ أحدٌ على أن يتفوَّه بعدمِها أو يتلعثم في الجوابِ بوجودِها والمرادُ بالعبدِ إمَّا رسولُ الله ﷺ أو الجنسُ المنتظمُ له ﵇ انتظاما أوليا ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ عبادَهُ وفُسِّر بالأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وكذا قراءةُ من قرأ بكافي عبادِه على الاضافة ويكافىء عباده صيغة المُغالبةِ إمَّا من الكِفايةِ لإفادة المبالغة فيها وإمَّا من المُكافأةِ بمعنى المُجازاة وهذه تسليةٌ لرسولِ الله ﷺ عمَّا قالت له قُريشٌ إنَّا نخاف أنْ تخبلَك آلهتُنا ويصيبَك مضرَّتُها لعيبكِ إيَّاها وفي روايةٍ قالُوا لتكُفَنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو ليصيبنَّكَ منهم خَبَلٌ أو جنونٌ كما قال قومُ هودٍ إنْ نقولُ إلا اعتراك بعض آلهتا بسوءٍ وذلك قوله تعالى ﴿وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ﴾ أي الأوثانِ التي اتَّخذوها آلهةٌ مِن دُونِهِ تعالى والجملةُ استئنافٌ وقيل حالٌ ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ حتَّى غفل عن كفايتِه تعالى وعصمته له ﷺ وخوفه بما لاينفع ولايضر أصلاً ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه إلى خيرٍ ما
стр. 6042
﴿وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلّ﴾ يصرفُه عن مقصدِه أو يُصيبه بسوءٍ يخلُّ بسلوكِه إذ لا رادَّ لفعلِه ولا معارضَ لإرادتِه كما ينطقُ به قولُه تعالى ﴿أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ﴾ غالبٍ لا يُغالبُ منيعٍ لا يُمانعُ ولا يُنازعُ ﴿ذِى انتقام﴾ ينتقمُ من أعدائِه لأوليائِه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لتحقيقِ مضمونِ الكلام وتربية المهابة
стр. 6043
الزمر
стр. 6044
٣٨ - ٤٢ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ لوضوحِ الدَّليلِ وسنوح السَّبيلِ ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهُم ﴿أَفَرَايْتُم مَّا تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ﴾ أي بعد ما تحقَّقتُم أنَّ خالق العالم العلويَّ والسُّفليِّ هو الله فأخبروني أن آلهتَكم إن أرادنى الله بضر هل يكشفنَ عنِّي ذلك الضُّرِّ ﴿أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ﴾ أي أو أرادني بنفعٍ ﴿هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ﴾ فيمنعنها عنى وقرئ كاشفاتٌ ضرَّه وممسكاتٌ رحمتَه بالتَّنوينِ فيهما ونصبِ ضُرِّه ورحمته وتعليق إرادة الضُّرَّ والرَّحمةِ بنفسه ﵊ للردِّ في نحورِهم حيث كانُوا خوّفوه معرَّةَ الأوثانِ ولما فيه من الإيذانِ بإمحاضٍ النَّصيحةِ ﴿قُلْ حَسْبِىَ الله﴾ أي في جميعِ أموري من إصابةِ الخير ودفعِ الشَّرِّ رُوي انه ﷺ لمَّا سألهم سكتُوا فنزلَ ذلك ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون﴾ لا على غير أصلاً لعلمهم بأنَّ كلَّ ما سواه تحت ملكوتِه تعالى
стр. 6045
﴿قل يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالتِكم التي أنتمُ عليها من العداوة التي تمكَّنتُم فيها فإنَّ المكانة تُستعار من العَين للمعنى كما تُستعار هُنا وحَيثُ للزَّمانِ مع كونهما للمكان وقرئ على مكاناتِكم ﴿إِنّى عامل﴾ أي على مكانتِي فحذف للاختصار والمبالغةِ في الوعيدِ والاشعارِ بأنَّ حالَه لا تزال تزداد قوَّةً بنصر الله وتأييدِه ولذلك توعَّدهم بكونه منصُوراً عليهم في الدَّارينِ بقوله تعالى ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
стр. 6046
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ فإنَّ خِزي أعدائِه دليلُ غلبتِه ﵊ وقد عذَّبهم الله تعالى وأخزاهم يومَ بدرٍ ﴿وَيَحِلُّ عليه عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أي دائمٌ هو عذابُ النَّارِ
стр. 6047
﴿أنا أنزلنا عليك الكتاب لِلنَّاسِ﴾ لأجلِهم فإنَّه مناطُ مصالحِهم في المعاشِ والمعادِ ﴿بالحق﴾ حالٌ من فاعلِ أنزلَنا أو من مفعولِه ﴿فَمَنُ اهتدى﴾ بأنْ عملَ بما فيه ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي إنَّما نفعَ به نَفسه ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بأنْ لم يعمل بموجبِه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لما أنَّ وبالَ ضلاله مقصورٌ عليها ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ لتُجبرَهم على الهدى وما وظيفتك إلَاّ البلاغُ وقد بلَّغت أيَّ بلاغٍ
стр. 6048
﴿الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ أي يقبضِها من الابدان
стр. 6049
الزمر ٤٣ ٤٥ بأنْ يقطع تعلُّقها عنها وتصرُّفها فيها إمَّا ظاهراً وباطناً كما عند الموتِ أو ظاهراً فقط كما عند النَّومِ ﴿فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت﴾ ولا يردها الى البدن وقرئ قُضِيَ على البناءِ للمفعولِ ورفعِ الموتَ ﴿وَيُرْسِلُ الاخرى﴾ أي النَّائمةَ إلى بدنها عند التَّيقظِ ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ هو الوقت المضروب لموتِه وهو غاية لجنس الإرسال الواقعِ بعد الإمساكِ لا لفردٍ منه فإنَّ ذلك مَّما لا امتدادَ فيه ولا كميَّة وما روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ في ابنِ آدمَ نَفساً وروحا بينهما مثل شعاع الشَّمسِ فالنفسُ هي التي بها العقل والتميير والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحركُ فتتوفيان عند الموتِ وتُتوفى النَّفسُ وحدَها عند النَّوم قريبٌ مَّما ذُكر ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكر من التَّوفِّي على الوجهينِ والإمساكِ في أحدِهما والإرسالِ في الآخرِ ﴿لَايَاتٍ﴾ عجيبةً دالَّةً عَلى كمالِ قدرتِه تعالى وحكمته وشمول رحمتِه ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفَّيةِ تعلُّقِها بالإبدان وتوفِّيها عنها تارة بالكُلَّيةِ كما عند الموت وإمساكها باقيةً لا تفنى بفنائِها وما يعتريها من السَّعادةِ والشَّقاوةِ وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النَّومِ وإرسالها حيناً بعد حينٍ إلى انقضاءِ آجالِها
стр. 6050
﴿أَمِ اتخذوا﴾ أي بل أتَّخذ قُريشٌ ﴿مِن دُونِ الله﴾ مِن دُون إذنِه تعالى ﴿شُفَعَاء﴾ تشفعُ لهم عنده تعالى ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانوا لا يملكون شيئا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ الهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه والتَّوبيخِ عليه أي قل أتَّتخذونهم شفعاءَ ولو كانُوا لا يملكون شيئاً من الأشياء ولا يعقلونَه فضلاً عن أنْ يملكوا الشَّفاعةَ عندَ الله تعالَى أو هي لإنكارِ الوقوع ونفيه على أنَّ المرادَ بيانُ أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الشفعاء في شئ لأنَّه فرعُ كونِ الأوثان شفعاءَ وذلك أظهرُ المحالاتِ فالمقدَّر حينئذٍ غيرُ ما قُدِّر أوَّلاً وعلى أي تقدير كان فالوا للعطفِ على شرطيةٍ قد حذفت لدلالة المذكورةِ عليها أي أيشفعون لو كانُوا يملكون شيئاً ولو كانُوا لا يملكون الخ وجوابُ لو محذوفٌ لدلالةِ المذكور عليه وقد مرَّ تحقيقُه مراراً
стр. 6051
﴿قُلْ﴾ بعد تبكيتِهم وتجهيلِهم بما ذُكر تحقيقاً للحقِّ ﴿لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً﴾ أي هو مالُكها لا يستطيعُ أحدٌ شفاعةً ما إلَاّ أن يكونَ المشفوعُ له مرتضى والشفيعع مأذوناً له وكلاهما مفقودٌ ههنا وقولُه تعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ تقريرٌ له وتأكيدٌ أي له ملكُهما وما فيهما من المخلوقاتِ لا يملك أحدٌ أنْ يتكلَّم في أمرٍ من أمورِه بدونِ إذنِه ورضاه ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يومَ القيامةِ لا إلى أحدٍ سواهُ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيفعل يومئذ ما يريدُ
стр. 6052
﴿وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ﴾ دون آلهتِهم ﴿اشمأزت قُلُوبُ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ أي انقبضتْ ونَفَرتْ كما في قولِه تعالى وَإِذَا ذكر رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ ولوا على أدبارهم نفورا ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ﴾ فُرادى أو مع ذكرِ الله تعالى ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لفرطِ افتتانهم بها ونسيانِهم حقَّ الله تعالى ولقد بُولغ في بيان حالَيهم القبيحتينِ حيثُ
стр. 6053
الزمر ٤٦ ٤٩ بيّن الغايةُ فيهما فإنَّ الاستبشار هو أن يمتلئ القلبَ سُروراً حتَّى ينبسطَ له بَشَرةُ الوجهِ والاشمئزازُ أن يمتلئ غيظاً وغمَّا ينقبضُ منه أديمُ الوجهِ والعاملُ في إذا الأولى اشمأزَّت وفي الثَّانيةِ ما هو العاملُ في إذَا المفاجأةِ تقديرُه وقتَ ذكرِ الذين من دُونه فاجأوا وقتَ الاستبشارِ
стр. 6054
﴿قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة﴾ أي التجئ إليه تعالى بالدُّعاءِ لما تحيَّرتَ في أمر الدَّعوةِ وضجرت من شدةِ شكيمتِهم في المُكابرة والعناد فإنَّه القادرُ على الأشياء بجُملتها والعالمُ بالأحوال بُرمَّتِها ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي حُكماً يُسلِّمه كلُّ مكابرٍ معاند ويخضعُ له كلُّ عاتٍ مارد وهو العذابُ الدنيويُّ أو الأخرويُّ وقولُه تعالى
стр. 6055
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان آثارِ الحُكمِ الذي استدعاه النبيِّ ﷺ وغايةِ شدَّتِه وفظاعتِه أي لو أنَّ لهم جميعَ ما في الدُّنيا من الأموال والذَّخائرِ ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء العذاب يَوْمَ القيامة﴾ أي لجعلُوا كلَّ ذلك فديةً لأنفسِهم من العذاب الشَّديدِ وهيهاتَ ولاتَ حينَ مناصٍ وهذا كما ترى وعيدٌ شديد وإقناط لهم من الخلاصِ
стр. 6056
﴿وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ أي ظهرَ لهم من فُنون العقوباتِ ما لم يكن في حسابهم وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها ونظيره في الوعد قولُه تعالى فَلَا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ سيئات أعمالِهم أو كسبِهم حين تُعرض عليهم صحائفهم ﴿وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون﴾ أي أحاطَ بهم جزاؤُه
стр. 6057
﴿فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا﴾ إخبارٌ عن الجنسِ بما يفعله غالبُ أفرادِه والفاءُ لترتيب ما بعدها من المناقضةِ والتَّعكيسُ على ما مرَّ من حالتيهم القبيحتينِ وما بينهما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإنكار عليهم أي أنَّهم يشمئزُّون عن ذكرِ الله تعالى وحدَهْ ويستبشرون بذكرِ الآلهةِ فإذا مسَّهم ضُرٌّ دَعَوا مَن اشمأزُّوا عن ذكره دون مَن استبشرُوا بذكرِه ﴿ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا﴾ أعطيناهُ إياها تفصلا فإنَّ التَّخويل مختصٌ به لا يُطلق على ما أُعطي جزاءً ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ﴾ أي على علم منِّي بوجوهِ كسبه أو أبى فأعطاه لما لي من الاستحفاق أو على علمٍ من الله تعالى بي وباستحقاقي والهاءُ لِمَا أنْ جُعلتْ موصولةً وإلَاّ فلِنعمةً والتَّذكيرُ لما أن المراد شئ نعمة ﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾ أي محنةٌ وابتلاءٌ له أيشكرُ
стр. 6058
الزمر ٥٠ ٥٣ أم يكفرُ وهو ردٌّ لما قاله وتغييرُ السَّبكِ للمبالغة فيهِ والإيذانِ بأنَّ ذلك ليس من باب الإيتاء المنبئ عن الكرامةِ وإنَّما هو أمر مباين له بالكُلِّيةِ وتأنيثُ الضَّميرِ باعتبار لفظ النِّعمةِ أو باعتبار الخبر وقرئ بالتَّذكيرِ ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كذلك وفيه دلالة على أن المراد بالإنسانِ هو الجنسُ
стр. 6059
﴿قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ الهاء لقوله إنَّما أُوتيته على علمٍ لأنَّها كلمة أو جملة وقرئ بالتَّذكيرِ والموصول عبارةٌ عن قارونَ وقومِه حيثُ قال إنما أوتيته على علم عندي وهم راضُون به ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من متاعِ الدُّنيا ويجمعون منه
стр. 6060
﴿فأصابهم سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ جزاءُ سيِّئاتِ أعمالِهم أو أجزبة ما كسبُوا وتسميتها سيِّئاتٍ لأنَّها في مقابلة سيِّئاتِهم وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴿والذين ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاء﴾ المشركين ومِن للبيان أو للتَّبعيضِ أي أفرطوا في الظُّلم والعُتوِّ ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ من الكُفر والمعاصي كا أصاب أولئك والسِّينُ للتَّأكيدِ وقد أصابهم أيَّ إصابةٍ حيثُ قحطوا سبعَ سنين وقُتل صناديدُهم يومَ بدرٍ ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي فائنين
следующие страницы →