Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ أي لقومِه حينَ سمعَ بمَا تقوَّلَهُ اللعينُ من حديثِ قتلِه ﵊ ﴿إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لَاّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ صدَّرَ ﵊ كلامَهُ بإنَّ تأكيداً له وإظهاراً لمزيدِ الاعتناءِ بمضمونِه وفرطِ الرغبةِ فيهِ وخصَّ اسمَ الربِّ المنبىءِ عنِ الحفظِ والتربيةِ لأنَّهما الذي يستدعيِه وأضافَهُ إليهِ وإليهم حثَّاً لهم على موافقتِه في العياذِ بهِ تعالى والتوكلَ عليه فإنَّ في تظاهرِ النفوسِ تأثيراً قوياً في استجلابِ الإجابةِ ولم يسمِّ فرعونَ بل ذكرَهُ بوصفٍ يعمُّه وغيرَهُ منَ الجبابرةِ لتعميمِ الاستعاذةِ والإشعارِ بعلةِ القساوةِ والجرأةِ على الله تعالَى وقُرىء عدت بالإدغامِ
стр. 6127
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ آل فِرْعَوْنَ﴾ قيلَ كانَ قبطياً ابْنَ عمَ لفرعونَ آمنَ بموسى سِرَّاً وقيلَ كانَ إسرائيلياً أو غَريباً مُوحداً ﴿يَكْتُمُ إيمانه﴾ أيْ مِنْ فرعونَ وملئِه ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ أتقصِدونَ قتلَهُ ﴿أَن يَقُولَ﴾ لأنْ يقولَ أو كراهةَ أنْ يقولَ ﴿رَبّىَ الله﴾ أيْ وحدَهُ من غيرِ رويةٍ وتأملٍ في أمرِه ﴿وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات﴾ والحالُ أنَّه قد جاءكُم بالمعجزاتِ الظاهرةِ التي شاهدتمُوها وعهدتمُوها ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ أضافَهُ إليهم بعدَ ذكرِ البيناتِ احتجاجاً عليهم واستنزالاً لَهمُ عن رُتبةِ المكابرةِ ثم أخذَهُم بالاحتجاجِ من بابِ الاحتياطِ فقالَ ﴿وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يتخطَّاهُ وبالُ كذبِه فيُحتاجَ في دفعه إلى قتلِه ﴿وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ﴾ أيْ إنْ لَم يُصبكم كلُّه فلَا أقلَّ من اصابة بعضه لاسيما إنْ تعرضتُم له بسوءٍ وهَذا كلامٌ صادرٌ عن غايةِ الإنصافِ وعدمِ التعصبِ ولذلكَ قدَّمَ من شِقَّيْ الترديدِ كونَهُ كاذباً أو يُصبْكُم ما يعدُكُم من عذابِ الدُّنيا وهو بعضُ ما يعدُهم كأنَّه خوَّفُهم بما أظهرُ احتمالاً عندَهُم وتفسيرُ البعضِ بالكُلِّ مستدَلاً بقولِ لَبيدٍ ... ترَّاكُ أمكنةٍ إذَا لَمْ أَرْضَها ... أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها ...
مردودٌ لمَا أنَّ مرادَهُ بالبعضِ نَفْسُه ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ احتجاجٌ آخرُ ذُو وجهينِ أحدُهما أنَّه لوْ كانَ مُسرفاً كذاباً لما هداهُ الله تعالَى إلى البيناتِ ولمَا أيَّدهُ بتلكَ المعجزاتِ وثانيهما إنْ كان كذلك خذلَه الله وأهلكَهُ فَلا حاجةَ لكُم إلى قتلِه ولعلَّه أراهُم المعنى الثَّانِي وهُو عاكفٌ على المَعْنى الأول لتلينَ شكيمتُهم وقد عَرَّضَ به لفرعونَ بأنه
стр. 6128
غافر ٢٩ ٣٣ مسرفٌ كذَّابٌ لا يهديِه الله سبيلَ الصوابِ ومنهاجَ النجاة
стр. 6129
﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين﴾ غالبينَ عالينَ عَلى بني إسرائيلَ ﴿فِى الأرض﴾ أي أرضِ مصرَ لا يُقاومكُم أحدٌ في هذا الوقتِ ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ من أخذِه وعذابِه ﴿إِن جَاءنَا﴾ أي فَلَا تُفسدُوا أمرَكُم ولا تتعرضُوا لبأس الله بقتله فإن جاءَنا لم يمنعنا منه أحدٌ وإنَّما نسبَ ما يسرُّهم من المُلكِ والظهورِ في الأرضِ إليهم خَاصَّة ونظمَ نفسَهُ في سلكِهم فيما يسوؤُهم من مجىء بأسِ الله تعالى تطييباً لقلوبهم وايذانا بأنه مناصح لهم ساعٍ في تحصيلِ ما يُجديهم ودفعِ ما يُرديهم سعيَهُ في حقِّ نفسه ليتأثروا بنصحِه ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ بعد ما سَمِع نُصحَهُ ﴿مَا أُرِيكُمْ﴾ أيْ ما أُشيرُ عليكُم ﴿إِلَاّ مَا أرى﴾ وأستصوبُهُ مِنْ قتلِه ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ﴾ بهذَا الرَّأي ﴿إِلَاّ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي الصوابِ اولا أُعلِّمُكم إلَاّ ما أعلمُ ولا أُسرُّ عنكُم خلافَ ما أُظهرُهُ ولقدْ كذبَ حيثُ كانَ مستشعراً للخوفِ الشديدِ ولكنَّه كان يتجلدُ ولولاهُ لما استشارَ أحداً أبداً وقُرِىءَ بتشديدِ الشِّينِ للمبالغةِ من رشُد كعلاّم أو من رشَد كعبّاد لامن أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصورٌ على السماع أو للنسبة إلى الرُّشْد كعوّاج وبتَّات غيرَ منظور فيه إلى فَعْل
стр. 6130
﴿وقال الذي آمن﴾ مخاطبا لقومه ﴿يا قوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تكذيبه والتعرض له بالسوءِ ﴿مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ مثلَ أيامِ الأممِ الماضيةِ يعني وقائِعَهُم وجمعُ الأحزابِ مع التفسيرِ أغنى عَن جمعِ اليومِ
стр. 6131
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ أيْ مثلَ جزاءِ ما كانوا عليهِ من الكفرِ وإيذاءِ الرُّسلِ ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾ كقومِ لوطٍ ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ﴾ فَلا يُعاقبُهم بغيرِ ذنبٍ ولا يُخلّي الظالَم منُهم بغيرِ انتقامِ وهُو أبلغُ من قولِه تعالى وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ لما أنَّ المنفيّ فيهِ إرادةُ ظلمٍ مَا ينتفي الظلم بطريق الاولوية
стр. 6132
﴿ويا قوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ خوَّفهم بالعذابِ الأُخروي بعدَ تخويفِهم بالعذابِ الدنيويِّ ويومُ التنادِ يومُ القيامةِ لأنَّه يُنادِي فيهِ بعضُهم للاستغاثةِ أو يتصايحونَ بالويلِ والثبورِ أو يتنادَى أصحابُ الجنةِ وأصحابُ النارِ حسبَما حُكِيَ في سورةِ الأعرافِ وقُرِىءَ بتشديدِ الدَّالِ وهُو أنْ ينِدَّ بعضُهم من بعضٍ كقولِه تعالى يَوْمَ يَفِرُّ المرء من أخيه وعنِ الضحَّاكِ إذا سمعُوا زفير النار هَرَباً فلا يأتونَ قُطراً من الأقطارِ إلَاّ وجدُوا ملائكةً صفوفاً فبينَا هُم بموج بعضهم في بعضِ إذْ سمعُوا مُنادياً أقِبلوا إلى الحسابِ
стр. 6133
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ بدلٌ من يومَ التنادِ أي منصرفينَ عن الموقفِ إلى النارِ أو فارينَ منها حسبما نقل آنفا
стр. 6134
غافر ٣٤ ٣٧ ﴿مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمُكم من عذابِه والجملةُ حالٌ أُخْرَى من ضميرِ تُولُّون ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه إلى طريقِ النجاةِ
стр. 6135
﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ﴾ هو يوسفُ بنِ يعقوبَ ﵉ على أنَّ فرعونَهُ فرعونُ موسى أو على نسبةِ أحوالِ الآباءِ إلى الأولادِ وقيلَ سِبْطُه يوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يوسفَ الصدِّيقِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبلِ موُسى ﴿بالبينات﴾ بالمعجزاتِ الواضحةِ ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُمْ بِهِ﴾ من الدينِ ﴿حتى إِذَا هَلَكَ﴾ بالموتِ ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ ضمَّاً إلى تكذيبِ رسالتِه تكذيبَ رسالةِ مَنْ بعدَهُ أو جزماً بأنْ لا يُبعثَ بعدَهُ رسولٌ معَ الشكِّ في رسالتِه وقُرِىءَ ألنْ يبعثَ الله على أنَّ بعضَهُم يقررُ بعضاً بنفي البعثِ ﴿كذلك﴾ مثل ذلكَ الإضلالِ الفظيعِ ﴿يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ في عصيانِه ﴿مُّرْتَابٌ﴾ في دينِه شاكٌّ فيما تشهدُ به البيناتُ لغلبةِ الوهمِ والانهماكِ في التقليدِ
стр. 6136
﴿الذين يجادلون في آيات الله﴾ بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو بيانٌ له أو صفةٌ باعتبارٍ معناهُ كأنَّه قيلَ كلُّ مسرفٍ مرتابٍ أو المسرفينَ المرتابينَ ﴿بغير سلطان﴾ متعلق يجادلون أي بغيرِ حُجَّةٍ صالحةٍ للتمسكِ بها في الجُملةِ ﴿آتاهم﴾ صفةُ سلطانِ ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمنوا﴾ فيه ضربٌ من التعجبِ والاستعظامِ وفي كبُر ضميرٌ يعودُ إلى مَنْ وتذكيرُه باعتبارِ اللفظِ وقيلَ إلى الجدالِ المستفادِ من يُجادلونَ ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الطبع الفظيع ﴿يطبع الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ﴾ فيصدرُ عنه أمثالُ ما ذكر من الإسراف والارتيابِ والمجادلةِ بالباطلِ وقُرِىءَ بتنوينِ قلبِ ووصفُه بالتكبرِ والتجبر لانه منعهما
стр. 6137
﴿وقال فرعون يا هامان ابن لِى صَرْحاً﴾ أي بناءً مكشُوفاً عالياً من صرح الشيء اذ ظهرَ ﴿لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب﴾ أي الطرق
стр. 6138
﴿أسباب السماوات﴾ بيانٌ لها وفي إبهامِها ثمَّ إيضاحِها تفخيمٌ لشأنِها وتشويقٌ للسامعِ إلى معرفتِها ﴿فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى﴾ بالنصبِ على جوابِ الترجِّي وقرىء بالرفع عطفا على أبلغُ ولعلَّه أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً في موضعٍ عالٍ ليرصُدَ منْهُ أحوالَ الكواكبِ التي هي أسبابٌ سماويةٌ تدلُّ على إرسالِ الله تعالَى إيَّاهُ أو أنْ يَرَى فسادَ قوله ﵊ بأنَّ إخبارَهُ من إلِه السماءِ يتوقفُ على اطِّلاعِه عليهِ ووصولِه إليهِ وذلكَ لا يتأتَّى إلا بالصُّعودِ إلى السماءِ وهُو ممَّا
стр. 6139
غافر ٣٨ ٤٢ لا يقْوَى عليهِ الإنسانُ وما ذاكَ إلا لجهلِه بالله سبحانَهُ وكيفيِة استنبائِه ﴿وَإِنّى لَاظُنُّهُ كاذبا﴾ فيَما يدعيه من الرسالة أيْ ومثلَ ذلكَ التزيينِ البليغِ المُفْرطِ ﴿زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ﴾ فانهمكَ فيهِ انهماكاً لا يرْعَوِي عنه بحال ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ أي سبيلِ الرشادِ والفاعلُ في الحقيقةِ هُو الله تعالَى ويؤيدُه قراءة زبن بالفتح وبالتوسط لشيطان وقُرِىءُ وصَدَّ على أنَّ فرعونَ صدَّ الناسَ عنِ الهُدى بأمثالِ هذهِ التمويهاتِ والشبهاتِ ويُؤيدُه قولُه تعالى ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَاّ فِى تَبَابٍ﴾ أي خسَارٍ وهلاكِ أو على أنَّه من صَدَّ صُدوداً أي أعرضَ وقُرِىءَ بكسرِ الصَّادِ على نقلِ حركةِ الدَّالِ إليهِ وقُرِىءَ وصَدٌّ على أنَّه عطفٌ على سوءُ عملِه وقُرِىءَ وصَدُّوا أيْ هُو وقومُهُ
стр. 6140
﴿وقال الذي آمن﴾ أي مؤمنُ آلِ فرعونَ وقيلَ مُوسَى ﵇ ﴿يا قوم اتبعون﴾ فيما دَللْتكُم عليهِ ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أيْ سبيلاً يصلُ سالكُه إلى المقصودِ وفيه تعريضٌ بأنَّ ما يسلُكُه فرعونُ وقومُه سبيل الغي والضلال
стр. 6141
﴿يا قوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع﴾ أي تمتعٌ يسيرٌ لسرعةِ زوالِها أجملَ لَهمُ أولاً ثمَّ فسرَ فافتتحَ بذمِّ الدُّنيا وتصغيرِ شأنِها لأنَّ الإخلادَ إليها رأسُ كلِّ شرَ ومنه تتشعبُ فنونُ ما يُؤدِّي إلى سخطِ الله تعالَى ثمَّ ثنَّى بتعظيمِ الآخرةِ فقالَ ﴿وَإِنَّ الأخرة هِىَ دَارُ القرار﴾ لخلودِها ودوامِ ما فيها
стр. 6142
﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ في الدُّنيا ﴿سَيّئَةً فَلَا يجزى﴾ في الآخرةِ ﴿إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ عدلاً من الله سبحانَهُ وفيه دليلٌ على أنَّ الجناياتِ تُغْرمُ بأمثالِها ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ﴾ الذينَ عملِوا ذلَك ﴿يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أيْ بغيرِ تقديرٍ وموازنةٍ بالعملِ بَلْ أضعافاً مُضاعفةً فضلاً من الله ورحمةً وجعلُ العملِ عمدةً والإيمانِ حالاً للإيذانِ بأنَّه لا عبرةَ بالعملِ بدونِه وأنَّ ثوابَهُ اعلى من ذلك
стр. 6143
﴿ويا قوم مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار﴾ كرر نداءهم ايفاظا لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادى له ومبالغة في توبيخهم على ما يقالون به نصحَهُ ومدارُ التعجبِ الذي يلوح الاستفهامُ دعوتُهم إيَّاهُ إلى النارِ ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه قيل أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشرِّ وقد جعلَه بعضهم من قبيل مالي اراك حزيناً وقولُه تعالَى
стр. 6144
﴿تَدْعُونَنِى لَاكْفُرَ بالله﴾ بدلٌ أو بيانٌ فيه تعليلٌ والدعاءُ كالهدايةِ في التعديةِ بإلى واللامِ ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ علم﴾ بشركتِه له تعالى في المعبوديةِ وقيل بربوبيتِه ﴿عِلْمٍ﴾ والمرادُ نفيُ المعلومِ والإشعارُ بأنَّ الألوهيةَ لا بُدَّ لها من بُرهانٍ موجبٍ
стр. 6145
غافر ٤٣ ٤٦ العلم بَها ﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾ الجامعِ لجميعِ صفاتِ الألوهيةِ من كمالِ القُدرةِ والغَلبةِ وما يتوقفُ عليهِ من العلمِ والإرادةِ والتمكنِ من المجازاةِ والقدرةِ على التعذيبِ والغفرانِ
стр. 6146
﴿لَا جَرَمَ﴾ لا ردَّ لما دعَوهُ إليهِ وجرمَ فعلٌ ماضٍ بمعَنْى حَقَّ وفاعله قوله تعالى ﴿أنما تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلَا فِى الأخرة﴾ أيْ حق ووجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلاً أو عدم دعوة مستجابة دعوةٍ لهَا وقيلَ جرمَ بمعنى كسبَ وفاعلُه مستكنٌّ فيهِ أي كسبَ ذلكَ الدعاءُ إليهِ بطلانَ دعوتِه بمعنى ما حصلَ من ذلكَ إلا ظهورُ بطلانِ دعوتِه وقيل جرمَ فعلٌ من الجَرْمِ وهو القطعُ كما أن بُدّاً من لا بد فُعْلٌ من التبديد أي التفريق والمعنى لا قطع لبطلان ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقا ويؤيده قولهم لاجرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء وفُعْلٌ وفَعَلٌ أخوان كرُشْد ورَشَد ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله﴾ أي بالموتِ عطفٌ على أنَّ ما تدعونِني داخلٌ في حُكمِه وكَذا قولُه تعالَى ﴿وَأَنَّ المسرفين﴾ أي في الضلالِ والطغيانِ كالإشراكِ وسفكِ الدِّماءِ ﴿هُمْ أصحاب النار﴾ أيْ مُلازمُوهَا
стр. 6147
﴿فستذكرون﴾ وقرىء فستذكرون أي فسيذكِّرُ بعضُكم بعضاً عند معاينةِ العذابِ ﴿مَا أقول لكم﴾ من النصائح ﴿وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله﴾ قالَه لما أنَّهم كانُوا توعَّدُوه ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ فيحرُسُ مَنْ يلوذُ به من المكارِه
стр. 6148
﴿فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ شدائدَ مكرِهم وما همّوا به من إلحاقِ أنواعِ العذابِ بمن خالفَهم قيل نجامع مُوسى ﵇ ﴿وَحَاقَ بآل فِرْعَوْنَ﴾ أي بفرعونَ وقومِه وعدمُ التصريحِ بهِ للاستغناءِ بذكرِهم عنْ ذكرِه ضرورةَ أنَّه أولى منُهم بذلكَ وقيل بطَلَبةِ المؤمنِ منْ قومِه لما أنَّه فرَّ إلى جبلٍ فاتبعَهُ طائفةٌ ليأخذوه فوجدوه يصلي والوحوش صفوفٌ حولَهُ فرجعُوا رُعْباً فقتلَهُم ﴿سُوء العذاب﴾ الغرقُ والقتلُ والنَّارُ
стр. 6149
﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيانِ كيفيةِ سوءِ العذابِ أو النَّارُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ كأنَّ قَائِلاً قالَ ما سوءُ العذابِ فقيلَ هُو النَّارُ ويُعرضونَ استئنافٌ للبيانِ أو بدلٌ من سوءِ العذابِ ويُعرضون حالٌ منَها أو من الآلِ ولا يشترطُ في الحَيْقِ أنْ يكونَ الحائقُ ذلكَ السوءَ بعينِه حَتَّى يردَ أنَّ آلَ فرعونَ لم يهمُّوا بتعذيبِه بالنَّارِ ليكونَ ابتلاؤهم بها من قبيلِ رجوعِ ما هَمُّوا بهِ عليهم بلْ يكِفي في ذلكَ أنْ يكونَ مما يطلقُ عليهِ اسمُ السوءِ وقُرِئتْ منصوبةً على الاختصاصِ أو بإضمار فعلٍ يفسرُه يُعرَضونَ مثلُ يُصْلَون فإنَّ عرضَهُم على النَّارِ بإحراقِهم بَها منْ قولِهم عُرضَ الأُسَارى على السيفِ إذا قُتِلُوا بهِ وذلكَ لأرواحِهم
стр. 6150
غافر ٤٧ ٥٠ كما رَوَىَ ابنُ مسعودٍ ﵁ إن أرواحَهم في أجوافٍ طيرٍ سُودٍ تُعرضُ على النَّارِ بُكرةً وعشياً إلى يومِ القيامةِ وذكرُ الوقتينِ إمَّا للتخصيصِ وإمَّا فيما بينهُمَا فالله تعالَى أعلمُ بحالِهم واما للتأييد هذا ما دامتِ الدُّنيا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ يقالُ للملائكة ﴿أدخلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ﴾ أي عذابَ جهنَم فإنَّه أشدُّ ممَّا كانُوا فيه أو أشدّ عذابِ جهنَم فإنَّ عذابَها ألوانٌ بعضُها أشدُّ من بعضٍ وقُرىءَ ادخُلُوا من الدخولِ أي يُقالُ لهم ادخُلُوا يا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ
стр. 6151
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النار﴾ أي واذكُر لقومِكَ وقتَ تخاصُمِهم فيَها ﴿فَيَقُولُ الضعفاء﴾ منهم ﴿لِلَّذِينَ استكبروا﴾ وهُم رؤساؤُهم ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تبعا﴾ اتباعا كحدم في جمعِ خَادِمٍ أو ذَوِي تبعٍ أي أتْباعٍ على إضمار المضافِ أو تَبَعاً على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار﴾ بالدفعِ أو بالحملِ ونصيباً منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه مغنونَ أي دافعونَ عنَّا نصيباً الخ أو بمغنونَ على تضمينِه مَعْنى الحملِ أي مغنونَ عنَّا حاملينَ نصيباً الخ أو نصبٌ على المصدريةِ كشيئاً في قولِه تعالَى لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلَا أولادهم مّنَ الله شَيْئًا فإنَّه في موقعِ غَناءٍ فكذلكَ نصيباً
стр. 6152
﴿قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي نحنُ وانتم فكيف نغني عنكُم ولو قَدرنا لأغنيَنا عن أنفسِنا وقُرِىءَ كُلاًّ على التأكيدِ لاسمِ إنَّ بمعنى كلنا وتنويه عوضٌ عن المضافِ إليهِ ولا مساغَ لجعلِه حالاً من المستكن في الظرف فإنَّه لا يعملُ في الحالِ المتقدمةِ كما يعملُ في الظرفِ المتقدمِ فإنَّك تقولُ كلَّ يومٍ لكَ ثوبٌ ولَا تقولُ جديداً لك ثوبٌ ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ وقضى قضاء متقنا لامرد لهُ ولا معقّبَ لحُكمهِ
стр. 6153
﴿وَقَالَ الذين فِى النار﴾ من الضعفاءِ والمستكبرينَ جميعاً لمَّا ضاقتْ حيلُهم وعيّتُ بهم عِللُهم ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أي للقُوَّامِ بتعذيبِ أهلِ النَّارِ ووضعُ جهنمَ موضعَ الضميرِ للتهويلِ والتفظيعِ أو لبيانِ محلِّهم فيَها بأنْ تكونَ جهنمُ أبعدَ دركاتِ النار وفيها اعني الكفرةِ وأطغاهُم أو لكونِ الملائكةِ الموكلينَ بعذابِ أهلِها أقدرَ على الشفاعةِ لمزيدِ قُربهم منَ الله تعالى ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً﴾ أي مقدارَ يومٍ أو في يومٍ ما منَ الأيامِ على أنه ظرفٌ لا معيارُ شيئاً ﴿مّنَ العذاب﴾ واقتصارهُم في الاستدعاءِ على ما ذُكرَ من تخفيفِ قدرٍ يسيرٍ من العذابِ في مقدارِ قصيرٍ من الزمانِ دونَ رفعِه رأساً أو تخفيفِ قدرٍ كثيرٍ منْهُ في زمانٍ مديدٍ لأنَّ ذلكَ عندهُم مما ليسَ في حيزِ الإمكانِ ولا يكادُ يدخلُ تحتَ أَمانيِّهم
стр. 6154
﴿قالوا﴾ أي الخزنة ﴿أولم تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات﴾
стр. 6155
أيْ ألم تُنبهوا على هَذا ولم تكُ تأتيكُم رسلُكم في الدُّنيا على الاستمرارِ بالحججِ الواضحةِ الدالةِ على سُوءِ مغبةٍ ما كنتُم عليهِ من الكُفرِ والمَعَاصِي كَما في قولِه تعالى أَلَمْ يأْتِكُم رُسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا أرادُوا بذلكَ إلزامَهُم وتوبيخَهُم على إضاعةِ أوقاتِ الدُّعاءِ وتعطيلِ أسبابِ الإجابةِ ﴿قَالُواْ بلى﴾ أي أتَونا بها فكذَّبناهُم كما نطقَ به قولُه تعالَى بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ فِى ضلال كَبِيرٍ والفاء في قوله تعالى ﴿قَالُواْ فادعوا﴾ فصحيةٌ كما في قول من قال فَقَدْ جِئْنَا خُراسانا أيْ إذا كان الأمرُ كذلك فادعُوا أنتُم فإنَّ الدعاءَ لمن يفعلُ ذلكَ مما يستحيلُ صدورُه عنَّا وتعليلُ امتناعِهم عنِ الدعاءِ بعدمِ الإذنِ فيه معَ عرائِه عن بيانِ أنَّ سبَبهُ من قبلِهم كَما تُفصحُ عنه الفاءُ رُبَّما يُوهُم أنَّ الإذنَ في حيزِ الإمكانِ وأنَّهم لو أُذنَ لهم فيهِ لفعلُوا ولم يريدُوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهُم في الإجابةِ بل إقناطَهم منَها وإظهارَ خيبتهم حسبما صرحوا في قولِهم ﴿وَمَا دُعَاء الكافرين إِلَاّ فِى ضلال﴾ أي ضياعٍ وبُطلانٍ وقولُه تعالَى
стр. 6156
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمنوا﴾ إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ من جهته تعالى لبيان ان ما صاب الكفرةَ من العذابِ المحِكيِّ من فروعِ حكمٍ كليَ تقتضيِه الحكمةُ وهو أنَّ شأنَنا المستمرَّ أنَّا ننصرُ رسلنَا وأتباعَهُم ﴿فِى الحياة الدنيا﴾ بالحجَّةِ والظفرِ والانتقامِ لهم من الكفرةِ بالاستئصالِ والقتلِ والسَّبي وغيرِ ذلكَ من العقوباتِ ولا يقدحُ في ذلكَ ما قدْ يتفقُ لهم من صورةِ الغلبةِ امتحاناً إذِ العبرةُ إنَّما هيَ بالعواقبِ وغالبِ الأمر ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الاشهاد﴾ أي يومَ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ للإشعارِ بكيفيةِ النُصرةِ وأنَّها تكونُ عندَ جميعِ الأولينَ والآخِرينَ بشهادةِ الأشهادِ للرسلِ بالتبليغِ وعلى الكفرةِ بالتكذيبِ
стр. 6157
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدلٌ من الأولِ وعدمُ نفعِ المعذرةِ لأنَّها باطلةٌ وقُرِىءَ لا تنفعُ بالتاءِ ﴿وَلَهُمُ اللعنة﴾ أيْ البُعدُ عن الرحمةِ ﴿وَلَهُمْ سُوء الدار﴾ أي جهنُم
стр. 6158
﴿ولقد آتينا مُوسَى الهدى﴾ ما يُهتدَى بهِ من المعجزاتِ والصحفِ والشرائع ﴿وأورثنا بني إسرائيل الكتاب﴾ وتركنَا عليهم من بعدِه التوراةَ
стр. 6159
﴿هُدًى وذكرى﴾ هدايةً وتذكرةً أو هادياً ومذكراً ﴿لاّوْلِى الألباب﴾ لذوِي العقولِ السليمةِ العاملينَ بما في تضاعيفِه
стр. 6160
﴿فاصبر﴾ على ما نالكَ من أذيةِ المشركينَ ﴿إِنَّ وَعْدَ الله﴾ أيْ وعدَه الذي ينطقُ بهِ قولُه تعالَى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون أو وعدَهُ الخاصَّ بكَ أو جميعَ مواعيدِه التي من جُمْلتِها ذلكَ ﴿حَقّ﴾ لا يحتملُ الإخلافَ أصلاً واستشهدْ بحالِ مُوسى وفرعون
стр. 6161
غافر ٥٦ ٥٨ ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ تداركاً لما فرَطَ منكَ من تركِ الأَولى في بعضِ الأحايينِ فإنَّه تعالَى كافيكَ في نُصرةِ دينكَ وإظهارِه على الدِّينِ كُلِّه ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار﴾ أيْ ودُمْ على التسبيحِ ملتبساً بحمدِه تعالَى وقيلَ صَلِّ لهذينِ الوقتينِ إذْ كانَ الواجبُ بمكةَ ركعتينِ بُكرةً وركعتينِ عشياً وقيلَ صلِّ شُكراً لرِّبكَ بالعشيِّ والإبكارَ وقيلَ هُمَا صلاةُ العصرِ وصلاةُ الفجرِ
стр. 6162
﴿إِنَّ الذين يجادلون فِى آيات الله﴾ ويجحدونَ بها ﴿بِغَيْرِ سلطان أتاهم﴾ في ذلكَ من جهتِه تعالَى وتقييدُ المجادلةِ بذلكَ مع استحالةِ إتيانِه للإيذانِ بأنَّ التكلَم في أمِر الدِّينِ لا بُدِّ من استنادِه إلى سلطان مبينٍ البتةَ وهذا عامٌ لكلِّ مجادلٍ مُبطلٍ وإنْ نزلَ في مُشركِي مكَة وقوله تعالى ﴿إن فى صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ﴾ خبرٌ لإنَّ أيْ ما فِي قلوبِهم إلا تكبرٌ عن الحقِّ وتعظّمٌ عن التفكرِ والتعلمِ أو إلَاّ إرادةُ الرياسةِ والتقدمِ على الإطلاقِ أو إلا إرادةُ أنْ تكونَ النبوةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبَما قالُوا لَوْلَا نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتين عظيم وقالو لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سبقونَا إليهِ ولذلكَ يُجادلون فيها لا أنَّ فيها موقع جدال ما وان لهمُ شيئاً يتوهم أنْ يَصلُحَ مداراً لمُجادلتِهم في الجُملةِ وقولُه تعالى ﴿مَّا هُم ببالغيه﴾ صفةٌ لكِبرٌ قال مجاهدٌ ما هُم ببالغي مقتضَى ذلكَ الكِبرِ وهُو ما أرادُوه من الرياسةِ أو النبوةِ وقيلَ المجادلونَ هم اليهودُ وكانُوا يقولونَ لستَ صاحبنَا المذكورَ في التوراةِ بلْ هُو المسيحُ بنُ داودَ يريدونَ الدجَّالَ يخرُج في آخرِ الزمانِ ويبلغُ سلطانُه البَرَّ والبحرَ وتسيرُ معه الأنهارُ وهُو آيةٌ من آياتِ الله تعالى فيرجعُ إلينا المُلكُ فسمَّى الله تعالَى تمنَّيَهم ذلكَ كبْراً ونَفَى أنْ يبلُغوا مُتمنَّاهُم ﴿فاستعذ بالله﴾ أي فالتجىءْ إليهِ من كيدِ مَنْ يحسدُكَ ويبغِي عليكَ وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزاتِ الشياطينِ ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ لأقوالِكم وأفعالِكم وقولُه تعالى
стр. 6163
﴿لخلق السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ تحقيقٌ للحقِّ وتبيينٌ لأشهرِ ما يُجادلونَ فيهِ من أمرِ البعثِ على منهاج قوله تعالى أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقصُورِهم في النظرِ والتأملِ لفرطِ غفلتِهم واتباعِهم لأهوائِهم
стр. 6164
﴿وما يستوى الاعمى والبصير﴾ أي الغافلُ والمستبصرُ ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وَلَا المسيء﴾ أي والمحسن والسيء فلا بد أن تكون لهم حالٌ أُخرى يظهرُ فيها ما بينَ الفريقينِ من التفاوتِ وهيَ فيما بعدَ البعثِ وزيادةُ لا في المسيءِ لتأكيدِ النفي لطولِ الكلامِ بالصلةِ ولأنَّ المقصودَ نفي مساواتِه للمحسنِ فيَما له من الفضلِ والكرامةِ والعاطفُ الثاني عطفُ الموصولِ بما عُطفَ عليهِ على الأعمى والبصيرُ لتغايرِ الوصفينِ في المقصودِ أو الدلالةِ بالصراحةِ والتمثيلِ ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ على الخطابِ بطريق الالتفات
стр. 6165
غافر ٥٩ ٦٤ أي تذكراً قليلاً تتذكرون وقُرِىءَ على الغَيبةِ والضميرُ للناسِ أو الكفَّارِ
следующие страницы →