Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
غافر ٥٦ ٥٨ ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ تداركاً لما فرَطَ منكَ من تركِ الأَولى في بعضِ الأحايينِ فإنَّه تعالَى كافيكَ في نُصرةِ دينكَ وإظهارِه على الدِّينِ كُلِّه ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار﴾ أيْ ودُمْ على التسبيحِ ملتبساً بحمدِه تعالَى وقيلَ صَلِّ لهذينِ الوقتينِ إذْ كانَ الواجبُ بمكةَ ركعتينِ بُكرةً وركعتينِ عشياً وقيلَ صلِّ شُكراً لرِّبكَ بالعشيِّ والإبكارَ وقيلَ هُمَا صلاةُ العصرِ وصلاةُ الفجرِ
стр. 6162
﴿إِنَّ الذين يجادلون فِى آيات الله﴾ ويجحدونَ بها ﴿بِغَيْرِ سلطان أتاهم﴾ في ذلكَ من جهتِه تعالَى وتقييدُ المجادلةِ بذلكَ مع استحالةِ إتيانِه للإيذانِ بأنَّ التكلَم في أمِر الدِّينِ لا بُدِّ من استنادِه إلى سلطان مبينٍ البتةَ وهذا عامٌ لكلِّ مجادلٍ مُبطلٍ وإنْ نزلَ في مُشركِي مكَة وقوله تعالى ﴿إن فى صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ﴾ خبرٌ لإنَّ أيْ ما فِي قلوبِهم إلا تكبرٌ عن الحقِّ وتعظّمٌ عن التفكرِ والتعلمِ أو إلَاّ إرادةُ الرياسةِ والتقدمِ على الإطلاقِ أو إلا إرادةُ أنْ تكونَ النبوةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبَما قالُوا لَوْلَا نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتين عظيم وقالو لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سبقونَا إليهِ ولذلكَ يُجادلون فيها لا أنَّ فيها موقع جدال ما وان لهمُ شيئاً يتوهم أنْ يَصلُحَ مداراً لمُجادلتِهم في الجُملةِ وقولُه تعالى ﴿مَّا هُم ببالغيه﴾ صفةٌ لكِبرٌ قال مجاهدٌ ما هُم ببالغي مقتضَى ذلكَ الكِبرِ وهُو ما أرادُوه من الرياسةِ أو النبوةِ وقيلَ المجادلونَ هم اليهودُ وكانُوا يقولونَ لستَ صاحبنَا المذكورَ في التوراةِ بلْ هُو المسيحُ بنُ داودَ يريدونَ الدجَّالَ يخرُج في آخرِ الزمانِ ويبلغُ سلطانُه البَرَّ والبحرَ وتسيرُ معه الأنهارُ وهُو آيةٌ من آياتِ الله تعالى فيرجعُ إلينا المُلكُ فسمَّى الله تعالَى تمنَّيَهم ذلكَ كبْراً ونَفَى أنْ يبلُغوا مُتمنَّاهُم ﴿فاستعذ بالله﴾ أي فالتجىءْ إليهِ من كيدِ مَنْ يحسدُكَ ويبغِي عليكَ وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزاتِ الشياطينِ ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ لأقوالِكم وأفعالِكم وقولُه تعالى
стр. 6163
﴿لخلق السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ تحقيقٌ للحقِّ وتبيينٌ لأشهرِ ما يُجادلونَ فيهِ من أمرِ البعثِ على منهاج قوله تعالى أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقصُورِهم في النظرِ والتأملِ لفرطِ غفلتِهم واتباعِهم لأهوائِهم
стр. 6164
﴿وما يستوى الاعمى والبصير﴾ أي الغافلُ والمستبصرُ ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وَلَا المسيء﴾ أي والمحسن والسيء فلا بد أن تكون لهم حالٌ أُخرى يظهرُ فيها ما بينَ الفريقينِ من التفاوتِ وهيَ فيما بعدَ البعثِ وزيادةُ لا في المسيءِ لتأكيدِ النفي لطولِ الكلامِ بالصلةِ ولأنَّ المقصودَ نفي مساواتِه للمحسنِ فيَما له من الفضلِ والكرامةِ والعاطفُ الثاني عطفُ الموصولِ بما عُطفَ عليهِ على الأعمى والبصيرُ لتغايرِ الوصفينِ في المقصودِ أو الدلالةِ بالصراحةِ والتمثيلِ ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ على الخطابِ بطريق الالتفات
стр. 6165
غافر ٥٩ ٦٤ أي تذكراً قليلاً تتذكرون وقُرِىءَ على الغَيبةِ والضميرُ للناسِ أو الكفَّارِ
стр. 6166
﴿إِنَّ الساعة لَاتِيَةٌ لَاّ رَيْبَ فِيهَا﴾ أي في مجيئِها لوضوحِ شواهدِها وإجماعِ الرسلِ على الوعدِ بوقوعِها ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصدقونَ بها لقصورِ أنظارِهم على ظواهرِ ما يُحسُّون به
стр. 6167
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى﴾ أي اعبدونِي ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي انبكم لقولِه تعالى ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين﴾ أيْ صاغرينَ أذلاّء وإنْ فُسِّرِ الدعاءُ بالسؤالِ كانَ الأمرُ الصارفُ عنه منزّلاً منزلةَ الاستكبارِ عن العبادةِ للمبالغةِ أو المرادُ بالعبادةِ الدعاءُ فإنَّه من أفضلِ أبوابِها وقُرِىءَ سيُدخلُونَ على صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ من الإدخالِ
стр. 6168
﴿الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لتسكنوا فيه﴾ بأن خلقه بارداً مُظلماً ليُؤدِّيَ إلى ضعف الحركات وهُدءِ الحواسِّ لتستريحُوا فيهِ وتقدم الجار والمجرور على المفعول قد مر سره مرارا ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ أي مُبصَراً فيهِ أو بهِ ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ﴾ عظيمٍ لا يُوازيِه ولا يدانيِه فضلٌ ﴿عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَشْكُرُونَ﴾ لجهلِهم بالمُنعمِ وإغفالِهم مواضعَ النعمِ وتكريرُ النَّاسِ لتخصيصِ الكفرانِ بهم
стр. 6169
﴿ذلكم﴾ المتفردُ بالأفعالِ المقتضيةِ للألوهيةِ والربوبيةِ ﴿الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَىْء لَاّ إله إِلَاّ هُوَ﴾ أخبارٌ مترادفةٌ تخصصُ اللاحقةُ منها السابقةَ وتُقررها وقُرِىءَ خالقَ بالنصبِ على الاختصاصِ فيكونُ لا إله إلا هو استئناف بما هُو كالنتيجة للأوصاف المذكورةِ ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيفَ ومن أيِّ وجهٍ تُصرفونَ عن عبادتِه خاصَّةً إلى عبادةِ غيرِه
стр. 6170
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بآيات الله يَجْحَدُونَ﴾ أي مثلَ ذلكَ الإفكِ العجيبِ الذي لا وجَه لهُ ولا مصححَ أصلاً يؤفكُ كلُّ من جحدَ بآياتِه تعالَى أيَّ آية كانتْ لا إفكاً آخرَ له وجهٌ ومصحِّحٌ في الجملة
стр. 6171
﴿الله الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسماء بِنَاء﴾ بيانٌ لفضلِه تعالى المتعلقِ بالمكانِ بعد بيانِ فضلِه المتعلقِ بالزمانِ وقولُه تعالَى ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بيانٌ لفضلِه المتعلقِ بأنفسِهم والفاءُ في فأحسن تفسيرية
стр. 6172
غافر ٦٥ ٦٨ فإنَّ الإحسانَ عينُ التصويرِ أي صوَّركُم أحسنَ تصويرٍ حيث خلقكم منتصب القامةِ باديَ البَشَرةِ متناسبَ الاعضاء والتخططات متهيئاً لمزاولةِ الصنائعِ واكتسابِ الكمالاتِ ﴿وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات﴾ أي اللذائذِ ﴿ذلكم﴾ الذي بغت بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلة ﴿الله ربكم﴾ خبر ان لذلكُم ﴿فَتَبَارَكَ الله﴾ أي تعالَى بذاتِه ﴿رَبّ العالمين﴾ أي مالكُهم ومربيِهم والكلُّ تحتَ ملكوتِه مفتقرٌ إليه في ذاتِه ووجودِه وسائرِ أحوالِه جميعاً بحيثُ لو انقطعَ فيضُه عَنه آناً لانعدمَ بالكليةِ
стр. 6173
﴿هُوَ الحى﴾ المتفردُ بالحياةِ الذاتية الحقيقية ﴿لا إله إلا هو﴾ إذْ لَا موجودَ يدانيهِ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ﴿فادعوه﴾ فاعبدُوه خاصَّةً لاختصاصِ ما يُوجبه به تعالَى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي الطاعةَ من الشركِ الجليِّ والخفيِّ ﴿الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾ أيْ قائلينَ ذلكَ عن ابن عباس ﵄ مَنْ قالَ لَا إله إلا الله فليقُلْ علَى أثرِها الحُمد للَّهِ رَبّ العالمينَ
стр. 6174
﴿قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَمَّا جَاءنِى البينات مِن رَّبّى﴾ من الحججِ والآياتِ أو من الآياتِ لكونِها مؤيدةً لأدلةِ العقلِ منبهةً عليها فإنَّ الآياتِ التنزيليةَ مفسراتٌ للآياتِ التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفُسية ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين﴾ أيْ بأنْ أنقادَ لهُ وأخلصَ له دِيني
стр. 6175
﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ﴾ أيْ في ضمنِ خلقِ آدمَ ﵊ منه حسبَما مرَّ تحقيقُه مراراً ﴿ثُمَّ مِن نطفة﴾ أي ثم خلقكم خلقا تفصيليا من نطفة أي منيَ ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي أطفالاً والإفراد لإرادة الجنسِ أو لإرادةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ علةٌ ليخرجَكم معطوفةٌ على علةٍ أخرى له مناسبة لها كأنه قيلَ ثم يُخرجَكُم طِفْلاً لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقلِ وكَذا الكلامُ في قولِه تعالى ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً﴾ ويجوزُ عطفُه عَلى لتبلغُوا وقُرِىءَ شيخاً كقولِه تعالَى طِفْلاً ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ الشيخوخةِ بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضاً ﴿وَلِتَبْلُغُواْ﴾ متعلقٌ بفعلٍ مقدرٍ بعدَهُ أي ولتبلغُوا ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ هُو وقتُ الموتِ أو يومَ القيامةِ بفعل ذلكَ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولكي تعقلُوا ما في ذلكَ من فنونِ الحِكَمِ والعِبر
стр. 6176
﴿هو الذي يحيي﴾ الأمواتَ ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياءَ أو الذي يفعل الاحياء والامانة ﴿فَإِذَا قضى أَمْرًا﴾ أي أرادَ أمراً من الأمورِ ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من غيرِ توقفٍ على شيءٍ من الأشياءِ أصلاً وهذا تمثيلٌ لتأثيرِ قدرته في المقدوراتِ عند تعلقِ إرادتِه بها وتصويرٌ لسرعةِ
стр. 6177
غافر ٦٩ ٧٣ ترتبِ المكوناتِ على تكوينِه من غير أن يكون هناكَ أمرٌ ومأمورٌ والفاءُ الأُولَى للدِلالةِ على أنَّ ما بعدَها من نتائج ما قبلها من اختصاصِ الاحياء والامانة به سبحانَه
стр. 6178
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون في آيات الله أنى يُصْرَفُونَ﴾ تعجيبٌ من أحوالِهم الشنيعةِ وآرائِهم الركيكةِ وتمهيدٌ لما يعقُبه من بيانِ تكذيبِهم بكلِّ القُرآنِ وبسائرِ الكتبِ والشرائعِ وترتيبُ الوعيدِ على ذلكَ كما أن ما سبقَ من قولِه تعالى إِن الذين يجادلون في آيات الله الخ بيان لابتناء جدالِهم على مَبْنى فاسدٍ لا يكادُ يدخُل تحتَ الوجودِ هُو الأمنيَّةُ الفارغةُ فلا تكريَر فيهِ أي انظُرْ إلى هؤلاءِ المكابرينَ المُجادلينَ في آياتِه تعالَى الواضحةِ الموجبةِ للإيمانِ بها الزاجرةِ عن الجدالِ فيها كيفَ يُصرفونَ عنها معَ تعاضدِ الدَّواعِي إلى الإقبالِ عليها وانتفاءِ الصوارفِ عنها بالكُلِّيةِ وقولُه تعالَى
стр. 6179
﴿الذين كَذَّبُواْ بالكتاب﴾ أيْ بكُلِّ القُرآنِ أو بجنسِ الكُتبِ السماويةِ فإنَّ تكذيبَهُ تكذيبٌ لهَا في محلِّ الجرِّ على أنَّه بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو في حيزِ النصبِ أو الرفعِ على الذمِّ وإنما وُصلَ الموصولُ الثَّانِي بالتكذيبِ دُونَ المُجادلةِ لأنَّ المعتادَ وقوعَ المُجادلةِ في بعض الموادِ لا في الكُلِّ وصيغة الماضي الدلالة على التحقق كما أن صيغةِ المضارعِ في الصلةِ الأُولى للدلالةِ على تجددِ المجادلةِ وتكررِها ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من سائرِ الكتبِ أو مطلقِ الوَحي والشرائعِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ما فعلُوا من الجدالِ والتكذيبِ عند مشاهدتِهم لعقوباتِه
стр. 6180
﴿إِذِ الأغلال فِى أعناقهم﴾ ظرفٌ ليعلمونَ إِذ المَعْنى على الاستقبالِ ولفظُ الماضِي لتيقته ﴿والسلاسل﴾ عطفٌ على الأغلالِ والجارُّ في نيةِ التأخيرِ وقيل مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ خبر الأول عليه وقيل قوله تعالى ﴿يُسْحَبُونَ﴾ بحذفِ العائدِ أي يُسحبونَ بَها وهُو على الأولَينِ حال من المستكن في الظرفِ وقيل استئنافٌ وقعَ جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حالُهم بعدَ ذلكَ فقيلَ يُسحبونَ
стр. 6181
﴿فِى الحميم﴾ وقُرِىءَ والسلاسلَ يَسحبون بالنَّصبِ وَفتحِ الياءِ عَلَى تقديمِ المفعولِ وعطفِ الفعليةِ على الاسميةِ والسَّلاسلِ بالجرِّ حملاً على المَعْنى لأنَّ قولَه تعالى الأغلال فِى أعناقهم في مَعْنى أعناقُهم في الأغلالِ أو إضماراً للباءِ ويدلُّ عليه القراءةُ بهِ ﴿ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يُحرقونَ مِنْ سجرَ التنورَ إذا ملأَهُ بالوقودِ ومنُه السَّجيرُ للصديقِ كأنَّه سُجِّر بالحبِّ أي مُلىءَ والمرادُ بيانُ أنَّهم يُعذبونَ بأنواعِ العذابِ ويُنقلونَ من بابِ إلى بابٍ
стр. 6182
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تشركون﴾
стр. 6183
غافر
стр. 6184
٧٤ - ٧٨ ﴿مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي يقالُ لَهمُ ويقولونَ وصيغةُ المَاضِي للدلالةِ على التحقق ومَعْنى ضلُّوا عنَّا غابُوا عنَّا وذلكَ قبلَ أنْ يقرن بهم آلهتهم اوضاعوا عنَّا فلم نجدْ ما كُنَّا نتوقعُ منُهم ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أي بَلْ تبينَ لنَا أنَّا لم نكُنْ نعبدُ شيئاً بعبادتِهم لما ظهرَ لنا اليومَ أنَّهم لم يكونُوا شيئاً يعتدُّ بهِ كقولِك حسبتُه شيئا فلم يكُنْ ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلكَ الضلالِ الفظيعِ ﴿يضل الله الكافرين﴾ حيت لا يهتدونَ إلى شيءٍ ينفُعهم في الآخرةِ أو كما ضلَّ عنُهم آلهتُهم يُضلّهم عن آلهتِهم حتَّى لو تطالبُوا لم يتصادفُوا
стр. 6185
﴿ذلكم﴾ الإضلالُ ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرض﴾ أي تبطَرون وتتكبرون ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ وهُو الشركُ والطغيانُ ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسعونَ في البطر والأشَر والالتفاتُ للمبالغة في التوبيخِ
стр. 6186
﴿ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ﴾ أي أبوابَها السبعةَ المقسومةَ لكُم ﴿خالدين فِيهَا﴾ مقدراً خلودُكم فيها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ أي عن الحقِّ جهنمُ والتعبيرُ عن مدخلِهم بالمَثْوى لكونِ دخولِهم بطريقِ الخلودِ
стр. 6187
﴿فاصبر﴾ إلى أنْ يُلاقُوا ما أعد لهم من العذابِ ﴿إِنَّ وَعْدَ الله﴾ بتعذيبِهم ﴿حَقّ﴾ كائنٌ لا محالَة ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أي فإنْ نُرِكَ ومَا مزيدةٌ لتأكيدِ الشرطيةِ ولذلكَ لحقتِ النونُ الفعلَ ولا تلحقُه مع إنْ وحدَها ﴿بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ﴾ وهو القتلُ والأسرُ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ ذلكَ ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ يومَ القيامةِ فنجازِيهم بأعمالِهم وهُو جوابُ نتوفينكَ وجوابُ نرينك محذوفٌ مثلُ فذاكَ ويجوزُ ان يكون جوابا لها بَمعْنى إنْ نُعذبهم في حياتِك أو لم نُعذبْهم فإنَّا نعذبهم في الآخرةِ أشدَّ العذابِ وأفظَعه كما ينبىءُ عنْهُ الاقتصارُ على ذكِر الرجوعِ في هذا المعرضِ
стр. 6188
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ إذْ قيلَ عددُ الأنبياءِ ﵈ مائةٌ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً والمذكورُ قصصُهم أفرادٌ معدودةٌ وقيلَ أربعةُ آلافً من بني اسرائيل واربعة آلالف من سائرٍ النَّاسِ ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ أي وما صحَّ وما استقامَ لرسولٍ منهم ﴿أن يأتي بآية إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ فإنَّ المعجزاتِ على تشعب فنونِها عطايَا من الله تعالَى قسمها بينُهم حسبَما اقتضتْهُ مشيئته المبنية على الحكم البالغةِ كسائرِ القَسْمِ ليسَ لهم اختار في إيثارِ بعضِها والاستبدادِ بإتيان المقترح منها
стр. 6189
غافر ٧٩ ٨٢ ﴿فَإِذَا جَاء أَمْرُ الله﴾ بالعذابِ في الدُّنيا والآخرةِ ﴿قُضِىَ بالحق﴾ بإنجاءِ المُحقِّ وإثابتِه وإهلاكِ المُبطلِ وتعذيبِه ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي وقتَ مجيءِ أمرِ الله اسمُ مكانٍ استعيرَ للزمانِ ﴿المبطلون﴾ أي المتمسكونَ بالباطلِ على الإطلاقِ فيدخلُ فيهم المعاندونَ المقترحونَ دخولاً أولياً
стр. 6190
﴿الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأنعام﴾ قيلَ هيَ الإبلُ خَاصَّةً أي خلقَها لأجلِكُم ومصلحتِكم وقولُه تعالى ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ تفصيلٌ لما دلَّ عليهِ اللامُ إجمالاً ومِنْ لابتداءِ الغايةِ ومعناهَا ابتداءٌ الركوبِ والأكلِ منَها أي تعلقهُما بَها وقيل للتبعيضِ أي لتركبُوا بعضَها وتأكلُوا بعضَها لا على أَنَّ كلَاّ من الركوبِ والأكلِ مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أن كلَّ بعضٍ منَها صالحٌ لكلَ منهما وتغييرُ النظمِ الكريمِ في الجُملةِ الثانيةِ لمُراعاةِ الفواصلِ معَ الإشعارِ بأصالِة الركوبِ
стр. 6191
﴿وَلَكُمْ فيِهَا منافع﴾ أُخرُ غيرُ الركوبِ والأكلِ كألبانِها وأوبارِها وجلودِها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ﴾ بحملِ أثقالِكم من بلدٍ إلى بلدٍ ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ لعلَّ المرادَ به حملُ النساءِ والولدانِ عليها بالهودجِ وهو السرُّ في فصلِه عن الركوبِ والجمعُ بينها وبين الفلك في الحملِ لِمَا بينَهمَا من المناسبةِ التامَّةِ حتى سُميتْ سفائنَ البرِّ وقيلَ هي الأزواجُ الثمانيةُ فمعنى الركوبِ والأكلِ منها تعلقُهمَا بالكلِّ لكن لا على أن كلا منهما يجوز تعلقه بكل منها ولا على أن كلا منهما مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أنَّ بعضَها يتعلق به الاكل فقط كالغنم وبعضها يتعلقُ به كلاهُما كالإبلِ والبقرِ والمنافعُ تعمُّ الكلَّ وبلوغُ الحاجةِ عليها يعمُّ البقر
стр. 6192
﴿ويريكم آياته﴾ دلائلَه الدالةَ على كمالِ قدرتِه ووفورِ رحمتِه ﴿فَأَىَّ آيات الله﴾ أي فأيَّ آيةٍ من تلكَ الآياتِ الباهرةِ ﴿تُنكِرُونَ﴾ فإنَّ كلاً منها منَ الظهورِ بحيثُ لا يكادُ يجترىءُ على إنكارِها من له عقلٌ في الجملةِ وهو ناصبٌ لأيَّ وإضافةُ الآياتِ إلى الاسمِ الجليلِ لتربيةِ المهابةِ وتهويلِ إنكارِها وتذكير أيْ هُو الشائعُ المستفيضُ والتأنيثُ قليلٌ لأنَّ التفرقةَ بين المذكِر والمؤنثِ في الأسماءِ غيرُ الصفاتِ نحوُ حمارٌ وحمارةٌ غريبٌ وهيَ في أيَ أغربُ لإبهامِه
стр. 6193
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ أي أقعدُوا فلم يَسِيرُواْ ﴿فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من الأمم المهلكة وقوله تعالى ﴿كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ الخ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ مبادِي أحوالِهم وعواقِبها ﴿وآثارا فِى الأرض﴾ باقيةً بعدَهُم من الأبنيةِ والقصورِ والمصانعِ وقيل هي آثارُ أقدامِهم في الأرضِ لعظمِ أجرامِهم ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
стр. 6194
مَا الأُولى نافيةٌ أو استفهاميةٌ منصوبةٌ بأَغْنَى والثانيةُ موصولةٌ أو مصدريةٌ مرفوعةٌ أي لم يغن عنهم أو أيَّ شيءٍ أغنَى عنهُم مكسوبُهم أو كسبُهم
стр. 6195
﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ بالمعجزاتِ أو بالآياتِ الواضحةِ ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم﴾ أي أظهرُوا الفرحَ بذلك وهو مالهم من العقائدِ الزائغةِ والشُّبهِ الداحضة وتسميتُها علماً للتهكمِ بهم أو علُم الطبائعِ والتنجيمِ والصنائعِ ونحوِ ذلك أو هو علمُ الأنبياءِ الذي أظهرَهُ رسلُهم على أنَّ مَعْنى فرحِهم بهِ ضحِكُهم منْهُ واستهزاؤُهم بهِ ويؤيدُه قولُه تعالى ﴿وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون﴾ وقيلَ الفرحَ أيضاً للرسلِ فإنَّهم لمَّا شاهدُوا تماديَ جهلِهم وسوءَ عاقبتِهم فِرحُوا بمَا أُوتوا منَ العلمِ المُؤدِّي إلى حُسنِ العاقبةِ وشكرُوا الله عليهِ وحاقَ بالكافرينَ جزاءُ جهلِهم واستهزائِهم
стр. 6196
﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ شدةَ عذابِنا ومنْهُ قولُه تعالى بعذاب بئيس ﴿قالوا آمنا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يعنونَ الأصنامَ
стр. 6197
﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي عندَ رؤيةِ عذابِنا لامتناعِ قَبولِه حينئذٍ ولذلكَ قيلَ فلم يك بمعنى لَم يصحَّ ولم يستقمْ والفاء الاولى بيان عاقبةِ كثرتِهم وشدةِ قوتِهم وما كانُوا يكسبونَ بذلكَ زعما منهم ان يُغنِي عنُهم فلم يترتبْ عليهِ إلا عدمُ الإغناءِ فبهذا الاعتبارِ جرى مَجرى النتيجةِ وإنْ كانَ عكسَ الغرضِ ونقيضَ المطلوبِ كَما في قولك وعظتُه فلم يتعظْ والثانيةُ تفسيرٌ وتفصيلٌ لما أُبهمَ وأُجملَ من عدمِ الإغناءِ وقد كثُر في الكلامِ مثلُ هذه الفاء ومبناها على التفسيرَ بعدَ الإبهامِ والتفصيلِ بعد الإجمالِ والثالثةُ لمجردِ التعقيبِ وجعلِ ما بعدَها تابعاً لما قبلَها واقعاً عقيبه لأنَّ مضمونَ قولِه تعالَى فلمَّا جاءتْهُم الخ هُو أنَّهم كفُروا فصارَ مجموعُ الكلامِ بمنزلةِ أنْ يقالَ فكفرُوا ثمَّ لما رَأَوا بأسَنا آمنُوا والرابعةُ للعطفِ على آمنُوا كأنَّه قيلَ فآمنُوا فلم ينفعْهُم لأنَّ النافعَ هُو الإيمانُ الاختياريُّ ﴿سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ أي سَنَّ الله تعالَى ذلكَ سُنَّةً ماضيةً في العباد وهو من المصادر المؤكدةِ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون﴾ أي وقتَ رؤيتِهم البأسَ على أنه اسم مكان قد استُعيرَ للزمانِ كما سلفَ آنِفاً عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ المؤمنِ لم يبقَ روحُ نبيَ ولا صدِّيقٍ ولا شهيدٍ ولا مؤمنٍ إلا صلَّى عليه واستغفر له
стр. 6198
سورة
فصلت آية (١ ٥)
﴾ ٥
سورة فصلت مكية وآياتها أربع وخمسون آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾
стр. 6199
﴿حم﴾ إنْ جُعلَ إسماً للسورةِ فهو إما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وهو الأظهرُ لما مر سرِّه مِراراً أو مبتدأٌ خبره
стр. 6200
﴿تنزل﴾ وهو عَلى الأولِ خبرٌ وخبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ إن جُعلَ مسروداً على نمطِ التعديدِ وقولُه تعالى ﴿مّنَ الرحمن الرحيم﴾ متعلقٌ به مؤكِّدٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أو خبرٌ آخرُ أو تنزيلٌ مبتدأٌ لتخصُّصِه بالصفةِ خبرُه
следующие страницы →