← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

٢٧ - ٢٨ ٢٩ الجاثية على أنه خبرُ كان أيْ مَا كانَ متمسكاً لهم شيءٌ من الأشياءِ ﴿إِلَاّ أَن قَالُواْ ائتوا بآبائنا إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في أنَّا نبعثُ بعدَ الموتِ أي هذا القولُ الباطلُ الذي يستحيلُ أنْ يكونَ من قبيل الحجة وتسمية حجةً إمَّا لسوقِهم إيَّاهُ مساقَ الحُجَّةِ على سبيلِ التهكمِ بهم أو لأنَّه من قبيلِ تحيةٌ بينِهم ضربٌ وجيعُ وقرئ برفعِ حجَّتَهم على أنَّها اسمُ كانَ فالمَعْنى ما كانَ حجَّتُهم شيئاً من الأشياءِ إلا هَذا القولَ الباطلَ

стр. 6547

﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ﴾ ابتداءً ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عندَ انقضاءِ آجالِكم لا كما تزعمونَ من أنَّكم تحيَونَ وتموتونَ بحُكمِ الدهرِ ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ بعدَ الموتِ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ للجزاءِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في جمعِكم فإن من قدَر على البدءِ قدرَ على الإِعادةِ والحكمةُ اقتضتْ الجمعَ للجزاءِ لا محالةَ والوعدُ المصدقُ بالآيات الدال على وقَوعِها حتماً والإتيانُ بآبائِهم حيثُ كانَ مُزاحماً للحكمةِ التشريعيةِ امتنعَ إيقاعُه ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ استدراكٌ من قولِه تعالَى لَا رَيْبَ فِيهِ وهُو إمَّا من تمامِ الكلامِ المأمورِ بهِ أو كلامٌ مسوقٌ من جهتِه تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على أنَّ ارتيابَهُم لجهلِهم وقُصُورِهم في النظرِ والتفكرِ لا لأنَّ فيه شائبةَ رَيْبٍ مَا

стр. 6548

﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ بيانٌ لاختصاصِ المُلكِ المطلقِ والتَّصرفِ الكليِّ فيهمَا وفيمَا بينهُمَا بالله إثرَ بيانِ تصرفِه تعالَى في النَّاسِ بالإحياءِ والإماتةِ والبعثِ والجمعِ للمُجازاةِ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون﴾ العاملُ في يوم يخسرو يومئذ بدلٌ منه

стр. 6549

﴿وترى كُلّ أمَّةٍ﴾ منَ الأممِ المجموعةِ ﴿جَاثِيَةً﴾ باركةً على الركب مستوفزة وقرئ جاذيةً أي جالسةً على أطرافِ الأصابعِ والجَذْوُ أشدُّ استيفازاً منَ الجُثُوّ وعنِ ابن عباس ﵄ جاثية مجتمعةً وقيلَ جماعاتٍ من الجثو وهيَ الجماعةُ ﴿كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها﴾ إلى صحيفة أعمالها وقرئ كُلَّ بالنَّصبِ على أنَّه بدلٌ من الأولِ وَتُدْعَى صفةٌ أو حالٌ أو مفعولٌ ثانٍ ﴿اليوم تُجْزَوْنَ ما كنتم تعملون﴾ أي يقالُ لهم ذلكَ وقوله تعالى

стр. 6550

﴿هذا كتابنا﴾ الخ من تمامِ ما يُقالُ حينئذٍ وحيثُ كانَ كتابُ كلِّ أمةٍ مكتوباً بأمرِ الله تعالى أصيف إلى نونِ العظمةِ تفخيماً لشأنِه وتهويلاً لأمرِه فهذَا متبدأ وكتابنا خيره وقولُه تعالى يَنطِقُ عَلَيْكُم أيْ يشهد عليكُم بالحق من غيرِ زيادةٍ ولا نقصٍ خبرٌ آخرُ أو حالٌ وبالحقِّ حالٌ من فاعلِ ينطقُ وقولُه تعالَى إنَّا كُنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ الخ تعليلٌ لنطقهِ عليهم بأعمالِهم من غير إخلالٍ بشيء منها أي إنَّا كُنَّا فيما قبلُ نستكتبُ الملائكةَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُنيا منَ الأعمالِ حسنةً كانتْ أو سيئة

стр. 6551

الجاثية ٣٠ ٣٥ وقولُه تعالى

стр. 6552

﴿فَأَمَّا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ﴾ أي في جنتِه تفصيلٌ لما يُفعلُ بالأممِ بعد بيانِ ما خُوطِبوا بهِ من الكلامِ المُنطوي على الوعدِ والوعيدِ ذلك أي الذي ذُكرَ من الإدخالِ في رحمتِه تعالى هُوَ الفوز المبين الظاهرُ كونُه فوزاً لا فوزَ وراءَهُ

стр. 6553

(وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تكُن آياتِي تُتلى عليكمُ) أي يقال لهم بطريقِ التَّوبيخِ والتَّقريعِ ألم يكن تأتيكم رُسلي فلم تكُن آياتِي تُتلى عليكم فحذف المعطوفُ عليه ثقةً بدلالةِ القرينة عليهِ فاستكبرتم عن الإيمانِ بها وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ أي قوماً عادتُهم الإجرامُ

стр. 6554

(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الله) أي ما وعدَهُ من الأمنرو الآتيةِ أو وعدُه بذلكَ حَقّ أي واقعٌ لا محالة أو مطابق الواقع والساعة التي هيَ أشهرُ ما وعدَهُ لَاّ رَيْبَ فِيهَا أي في وقوعِها وقُرِىءَ والساعةَ بالنصبِ عطفاً على اسمِ إنَّ وقراءةُ الرفعِ للعطفِ على محلِّ إن وواسمها قلتم لغية عُتوِّكُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة أيْ أيُّ شيءٍ هي استغراباً لَها إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنّاً أيْ ما نفعل إلا نظنُّ ظناً وقيلَ ما نظلن إلا ظناً ضعيفاً ويردُّه قولُه تعالى وَمَا نَحْنُ بمستقنين أي لا مكانه فإنَّ مقابلَ الاستيقانِ مطلقُ الظنِّ لا الضعيفُ منه ولعل هلاؤلاء غيرُ القائلينَ ما هِىَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنيا

стр. 6555

(وَبَدَا لَهُمْ) أي ظهرَ لهم حينئذذ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ على ما هيَ عليهِ من الصُّورةِ المُنكرةِ الهائلةِ وعاينوا وخامةَ عاقبتِها أو جزاءَها فإن جزاء السيئة وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ من الجزاءِ والعقابِ

стр. 6556

(وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ) نترككُم في العذابِ تركَ المنسيِّ كَمَا نَسِيتُمْ في الدُّنيا لقاء يموكم هذا أيْ كَما تركتُم عِدتَهُ ولم تُبالُوا بهِ وإذا فة اللقاء إلى ياليوم إافة المصدرِ إلى ظرفِه وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين أيما أي مَا لأحدٍ منكُم نَاصِرٌ وَاحِدٌ يخلصكُم منَها

стр. 6557

(ذلكم) العذاب يأتكم بسبب أنكم ﴿اتخذتم آيات الله هزوا﴾ مهزوا

стр. 6558

الجاثية ٣٦ ٣٧ بَها ولم ترفعوا لها رأساً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فحسبتُم أنْ لا حياةَ سواها قاليوم لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا أيْ من النَّارِ وقُرِىءَ يَخرجُون من الخُروجِ والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بإسقاطِهم عن رتبة الخطاب استهانة بهبهم أو بنقلِهم من مقامِ الخطابِ إلى غيابةِ النارِ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ أي يُطلبُ منهم أنْ يُعتبوا ربَّهم أيْ يرضون لفواتِ أوانِه

стр. 6559

(فَلِلَّهِ الحمد) خاصَّة رَبّ السموات وَرَبّ الأرض رَبّ العالمين فقلا يستحق الحمد أحمد سواهُ وتكريرُ الربِّ للتأكيدِ والإيذانِ بأنَّ ربوبيتَهُ تعالى لكن منَها بطريقِ الأصالةِ وقُرِىءَ برفعِ الثلاثةِ على المدحِ بإضمارِ هُو

стр. 6560

﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض﴾ لظهورِ آثارِها وأحكامِها فيهما وإظاهرهما في موقعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الكبرياءِ وَهُوَ العزيز الذي لا يُغلبُ الحكيم في كلِّ ما قضَى وقدر فأحمدوه وكبره وأطيعون عنِ النبيِّ صلَّى الله عيهل وسلم منْ قرأَ حم الجاثيةُ سترَ الله تعالى عورتَهُ وسكن روعته يوما الحساب

стр. 6561

سورة الأحقاف ﴾ ٤ سورة الأحقاف مكية وآيها خمس وثلاثون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 6562

﴿حم﴾ ﴿تنزيلُ الكتابِ مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ الكلامُ فيه كالذي مر في مطلعِ السورةِ السابقةِ

стр. 6563

﴿ما خلقنا السماوات والأرض﴾ بما فيهما من حيثُ الجزئيةُ منهما ومن حيثُ الاستقرارُ فيهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من المخلوقاتِ ﴿إِلَاّ بالحق﴾ استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ المفاعيلِ أي إلَاّ خلقاً مُلتبساً بالحقِّ الذي تقتضيهِ الحكمةُ التكوينيةُ والتشريعيةُ أو من أعم الأحوال من فاعلِ خلقنا أو مفعولِه أي ما خلقنَاها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ملابستِنا بالحقِّ أو حالَ ملابستِها به وفيه من الدَلالة على وجودِ الصَّانعِ تعالى وصفاتِ كمالِه وابتناءِ أفعالِه على حِكمٍ بالغةٍ وانتهائِها إلى غاياتٍ جليلةٍ ما لا يَخْفِى ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ على الحقِّ بتقديرِ مضافٍ أي وبتقديرِ أجلٍ مُسمَّى ينتهي إليهِ أمرُ الكلِّ وهو يومُ القيامةِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسمواتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحدِ الْقَهَّارِ وقيل هو آحر مُدةِ البقاءِ المقدرِ لكلِّ واحدٍ ويأباهُ قولُه تعالى ﴿والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ معرضون﴾ فإن ما أنذرواوه يومُ القيامةِ وما فيهِ من الطَّامةِ التَّامةِ والأهوالِ العامةِ لا آخرُ أعمارِهم وقد جُوِّزَ كونُ ما مصدريةً والجملةُ حاليةٌ أي ما خلقنا الخلقَ إلا بالحقِّ وتقديرِ الأجلِ الذي يجاوزون عندَهْ والحالُ أنَّهم غيرُ مؤمنينَ به معرضونَ عنه وعن الاستعدادِ له

стр. 6564

﴿قُلْ﴾ توبيخاً لهم وتبكيتاً ﴿أرأيتم﴾ أخبروني وقرئ أرأيتَكُم ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ ما تَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ الله﴾ منَ الأصنامِ ﴿أَرُونِىَ﴾ تأكيدٌ لأرأيتُم ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾ بيانُ للإبهامِ في ماذَا ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ أي شرْكةٌ معَ الله تعالى ﴿في السماوات﴾ أي في خلقِها أو مُلكِها وتدبيرِها حتَّى يُتوهم أن يكونَ لهم شائبةُ استحقاق للمعبودية فإن مالا مدخلَ له في وجودِ

стр. 6565

٥ ٧ شئ من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فهُو بمعزلٍ منْ ذلكَ الاستحقاقِ بالمرَّةِ وإِنْ كانَ منَ الأحياءِ العُقلاءِ فَما ظنُّكم بالجمادِ وقولُه تعالَى ﴿ائتونى بكتاب﴾ الخ تبكيتٌ لهم بتعجيزِهم عن الاتيان بسند نقاى بعد تبكيتِهم بالتعجيزِ عن الإتيانِ بسندٍ عقليَ أي ائتونِي بكتابٍ إلهيَ كائنٍ ﴿مّن قَبْلِ هذا﴾ الكتابِ أي القُرآنِ الناطقِ بالتَّوحيدِ وإبطالِ الشركِ دالٍ على صحةِ دينِكم ﴿أَوْ أثارة من علم﴾ أو بقيت من علمٍ بقيتْ عليكُم من علومِ الأولينَ شاهدةٍ باستحقاِقهم للعبادِة ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في دَعْواكُم فإنَّها لا تكادُ تَصحُّ ما لم يقُم عليها برهانٌ عقليٌّ أو سلطانٌ نقليٌّ وحيثُ لَم يقُمْ عليها شئ منهُمَا وقد قامتْ على خلافِها أدلةُ العقلِ والنقلِ تبين بطلانها وقرئ إِثَارَةٍ بكسرِ الهمزةِ أي مناظرة فإنهعا تُثيرُ المعانيَ وأثَرةٍ أيْ شئ أوثرتم به وخصخصتم منْ علمٍ مطويَ من غيرِكم وإثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء إما المكسورةُ فبمعنى الأثَرةِ وأمَّا المفتوحةُ فهي المرةُ من أثرَ الحديثَ أي رَواه وأمَّا المضمومةُ فاسمُ ما يؤثر الخطبة التي هي اسمُ ما يُخطبُ بهِ

стр. 6566

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مِن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ إنكارٌ ونفيٌ لأنْ يكونَ أحدٌ يُساوي المُشركينَ في الضَّلالِ وإنْ كانَ سبكُ التَّركيبِ لنفي الأضلِ منهم من غيرِ تعرضٍ لنفي المُساوِي كما مر غيرَ مرة أي هُم أضلُّ من كلِّ ضالَ حيثُ تركُوا عبادةَ خالقِهم السميعِ القادرِ المجيبِ الخبير إلى عبادةِ مصنُوعِهم العارِي عن السمعِ والقدرةِ والاستجابةِ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ غايةٌ لنفي الاستجابةِ ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ﴾ الضميرُ الأول لمفعول ويدعو الثانى لفاعلِه والجمعُ فيهما باعتبارِ معنى مَنْ كما أن الإفرادَ فيما سبقَ باعتبارِ لفظِها ﴿غافلون﴾ لكونِهم جماداتٍ وضمائرُ العقلاءِ لإجرائِهم إيَّاها مُجرى العُقلاءِ ووصفِها بما ذُكر منْ تركِ الاستجابةِ والغفلةِ مع ظهورِ حالِها للتهكم بَها وبعبدَتها كقولِه تعالى إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ الآيةَ

стр. 6567

﴿وَإِذَا حُشِرَ الناس﴾ عند قيامِ القيامةِ ﴿كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين﴾ أي مُكذبينَ بلسانِ الحالِ أو المقالِ علَى ما يروى أنه تعالى يحى الأصنامَ فتتبرأُ عن عبادتِهم وقد جُوِّز أن يراد بهم كلُّ ما يُعبدُ من دُونِ الله مِن الملائكة والجن والإنس وغيرِهم ويبنَى إرجاعُ الضمائرِ وإسنادُ العداوةِ والكفرِ إليهم على التغليبِ ويرادُ بذلكَ تبرؤُهم عنهُم وعنْ عبادتِهم وقيلَ ضميرُ كانُوا للعبدةِ وذلكَ قولُهم والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

стр. 6568

﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ﴾ واضحاتٍ أو مبيناتٍ ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ﴾ أي لأجلِه وفي شأنِه وهو عبارةٌ عن الآياتِ المتلوةِ وضعَ موضعَ ضميرِها تنصيصاً على حقِّيتِها ووجوبِ الإيمانِ بَها كما وضعَ الموصولِ موضِعَ ضميرِ المتلوِّ عليهم تسجيلاً عليهم بكمالَ الكفرِ والضلالةِ ﴿لَمَّا جَاءهُمْ﴾ أي في أول ما جَاءهُمْ من غيرِ تدبرٍ وتأملٍ ﴿هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهرٌ كونُه

стр. 6569

٨ ٩ أَمْ

стр. 6570

﴿يَقُولُونَ افتراه﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من حكايةِ شناعتِهم السابقةِ إلى حكايةِ ما هو أشنعُ منها وما في أمْ من الهمزةِ للإنكارِ التوبيخيِّ المتضمنِ للتعجيبِ أي بل أيقولونَ افترى القُرآنَ ﴿قُلْ إِنِ افتريته﴾ على الفرضِ ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِى من الله شيئا﴾ إذلا ريبَ في أنَّه تعالَى يُعاجلني حينئذٍ بالعقوبةِ فكيفَ أجترئ على أنْ أفتريَ عليهِ تعالى كذباً فأُعرّضَ نفسيَ للعقوبةِ التي لا مناصَ عنها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي تندفعونَ فيهِ من القدحِ في وَحي الله والطعنِ في آياتِه وتسميتِه سحراً تارةً وفريةً أُخرى ﴿كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ حيثُ يشهدُ لي بالصدقِ والبلاغِ وعليكم بالكذبِ والجحودِ وهو وعيد بجزاء إفاضتِهم وقولُه تعالى ﴿وَهُوَ الغفور الرحيم﴾ وعدٌ بالغُفرانِ والرحمةِ لمن تابَ وآمنَ وإشعارٌ بحلمِ الله تعالى عنْهم مع عظمِ جرائمِهم

стр. 6571

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل﴾ البدعُ بمعنى البديعِ كالخِلِّ بمعنى الخليلِ وهو ما لا مثلَ له وقرئ بفتحِ الدالِ على أنه صفةٌ كقِيَمٍ وزِيَمٍ أو جمع مقدر مضاف أيْ ذَا بِدَعٍ وقد جُوِّزَ ذلكَ في القراءةِ الأُولى أيضاً على أنَّه مصدرٌ كانُوا يقترحونَ ﵊ آياتٍ عجيبةً ويسألونَهُ عن المُغيباتِ عِناداً ومُكابرةً فأُمَر ﵇ بأنْ يقولَ لهم ما كنتُ بديعاً من الرسلِ قادراً على ما لم يقدروا حَتَّى آتيَكُم بكلِّ ما تقترحونَهُ وأخبركم بكلِّ ما تسلون عنْهُ من الغيُوبِ فإنَّ مَنْ قبلي من الرسلُ عليهم الصلاة والسلام والسَّلامُ ما كانُوا يأتونَ إلا بما آتاهُم الله تعالى من الآياتِ ولا يُخبرونَهم إلا بَما أُوحيَ إليهم ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يفعل بى ولا بكم﴾ أى أى شئ يُصيبنَا فيما يُستقبل من الزمانِ من أفعالهِ تعالى وماذا يُقدَّرُ لنا من القضاياه وعن الحسنِ ﵁ ما أَدري ما يصيرُ إليه أَمري وأمرُكم في الدُّنيا وعن ابنِ عباس ﵄ ما يفعل بى ولا بكُم في الآخرةِ وقال هيَ منسوخةٌ بقولِه تعالى لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وقيل يجوزُ أن يكونَ المنفيُّ هي الدرايةَ المفصَّلةَ والأظهرُ الأوفقُ لما ذُكِرَ من سببِ النزولِ أنَّ مَا عبارةٌ عمَّا ليسَ علمُه منْ وظائفِ النبوةِ من الحوادثِ والواقعاتِ الدنيويةِ دونَ ما سيقعُ في الآخرةِ فإنَّ العلمَ بذلكَ من وظائفِ النبوةِ وقد وردَ به الوحيُ الناطق بتفاصيلِ ما يُفعلُ بالجانبينِ هذا وقد رُويَ عن الكلبيِّ أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ قالُوا له ﵇ وقد ضجِروا من أذيةِ المشركينَ حتَّى متى نكونُ على هَذا فقالَ ما أدرى ما يفعل بى ولا بكُم أأُتْركُ بمكةَ أم أُومرُ بالخروجِ إلى أرضٍ ذاتِ نخيلٍ وشجرٍ قد رُفعتْ لي ورأيتُها يعني في منامِه وجُوِّزِ أَنْ تكَونَ مَا موصولةً والاستفهاميةُ أقضى لحقِّ مقامِ التبرؤِ عن الدرايةِ وتكريرُ لا لتذكيرِ النفيِّ المنسحبِ إليه وتأكيده

стр. 6572

﴾ ٠ وقرئ ما يُفعلُ على إسنادِ الفعلِ إلى ضميرِه تعالى ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحِى إِلَىَّ﴾ أيْ ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحَى إليَّ على مَعْنى قصرِ أفعالِه ﵊ على اتباعِ الوَحي لاقصر اتباعه على الوجى كما هو المتسارعُ إلى الأفهامِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورة الأنعام وقرئ يُوحِي على البناءِ للفاعلِ وهو جوابٌ عن اقتراحِهم الأخبارَ عمَّا لم يُوحَ إليه ﵇ من الغيوبِ وقيلَ عن استعجالِ المسلمينَ أنْ يتخلصُوا عن أذيةِ المشركينَ والأوَّلُ هو الأوفقُ لقولهِ تعالى ﴿وَمَا أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ﴾ أُنذركم عقاب الله تعالى حسبمَا يُوحى إليَّ ﴿مُّبِينٌ﴾ بينُ الإنذارِ بالمعجزاتِ الباهرةِ

стр. 6573

﴿قل أرأيتم إِن كَانَ﴾ أي ما يُوحَى إليَّ من القرآنِ ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ لَا سحراً ولا مُفترى كما تزعمونَ وقولُه تعالى ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ حالٌ بإضمارِ قَدْ من الضميرِ في الخبرِ وُسّطتْ بين أجزاءِ الشرطِ مسارعةً إلى التسجيلِ عليهم بالكفرِ أو عطفٌ على كانَ كمَا في قولِه تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كان مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ لكنْ لا على أنَّ نظمَهُ في سلك الشرط المتردد بينَ الوقوعِ وعدمِه عندهُم باعتبارِ حالِه في نفسهِ بل باعتبارِ حالِ المعطوفِ عليه عندَهُم فإنَّ كفرَهُم به أمرٌ محققٌ عندهم أيضاً وإنَّما ترددُهم في أنَّ ذلكَ كفرٌ بَما من عند الله تعالى أم لا وكذا الحالُ في قولِه تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بني إسرائيل﴾ وما بعدَهُ من الفعلينِ فإنَّ الكُلَّ أمورٌ محققةٌ عندَهُم وإنَّما ترددُهم في أنَّها شهادةٌ وإيمانٌ بما من عند الله تعالى واستكبار عنه أولاً والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله وكفرتُم به وشهدَ شاهدٌ عظيمُ الشأنِ منْ بني اسرائيل الواقفين على شؤن الله تعالى وأسرارِ الوحي بما أُوتُوا من التوراةِ ﴿على مِثْلِهِ﴾ أي مثلِ القرآنِ من المَعَاني المنطويةِ في التوراةِ المطابقةِ لما في القرآنِ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ فإنَّها عينُ ما فيه في الحقيقةِ كما يعربُ عنه قولُه تعالَى وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأولين وقولُه تعالى إِنْ هذا لَفِى الصحف الأولى والمثليةُ باعتبارِ تأديتِها بعباراتٍ أُخرَ أو على مثلُ ما ذُكرَ من كونه من عند الله تعالى والمثليةُ لما ذُكِرَ وقيل المثلُ صلةٌ والفاء في قوله تعالى ﴿فآمن﴾ للدلالةِ على أنَّه سارعَ إلى الإيمانِ بالقُرآنِ لما علمَ أنَّه من جنسِ الوحي الناطقِ بالحقِّ وهو عبدُ اللَّه بنُ سَلَام لمَّا سمعَ بمقدمِ رسولِ الله ﷺ المدينةَ أتاهُ فنظرَ إلى وجههِ الكريمِ فعلمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ وتأملَهُ فتحققَ أنَّه النبيُّ المنتظرُ فقالَ له إنَّي سائلكَ عن ثلاثٍ لا يعلمُهنَّ إلا نبيٌّ ما أولُ أشراطِ الساعةِ وما أولُ طعام أكله أهلُ الجنةِ والولدُ ينزعُ إلى أبيهِ أو إلى أمَّةِ فقالَ ﵊ أمَّا أولُ أشراطِ الساعةِ فنارٌ تحشرُهم منَ المشرقِ إلى المغربِ وأمَّا طعامِ أهلِ الجنَّةِ فزيادةُ كبدِ حوتٍ وأما الولُد فإنْ سبقَ ماءُ الرجلِ نزعَهُ وإنْ سبقَ ماءُ المرأةِ نزعتْهُ فقال أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله حَقَّا فقامَ ثمَّ قالَ يا رسولَ الله إنَّ اليهودَ قومُ بُهتٌ فإن علمُوا بإسلامِي قبلَ أنْ تسألَهم عنِّي بهتونِي عندكَ فجاءتِ اليهود فقالَ لهم النبيُّ ﵊ أي رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم فقالُوا خيرُنا

стр. 6574

﴾ ١ ١ ﴿ وابنُ خيرِنا وسيدُنا وابنُ سيدِنا وأعلمُنَا وابنُ أعلمِنا قال أرأيتُم إنْ أسلمَ عبدُ اللَّهِ قالُوا أعاذَهُ الله من ذلك فحرج إليهم عبدُ اللَّهِ فقالَ أشهدُ أَن لَاّ إلَه إِلَاّ الله وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله فقالُوا شرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصُوه قالَ هذَا ما كنتُ أخافُ يا رسولُ الله وأحذرُ قالَ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ ﵁ ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ لأحدٍ يمشِي على الأرضِ إنَّه من أهلِ الجنَّةِ إلا لعبدِ اللَّه ابن سَلامٍ وفيهِ نزلَ وَشَهِدَ شَاهِدٌ الآيةَ وقيلَ الشاهدُ مُوسى ﵇ وشهادتُه بما في التَّوراة من بعثةِ النبيِّ عليهما الصَّلاةُ السلام وبهِ قال الشعبيُّ وقالَ مسروقٌ والله ما نزلتْ في عبدُ اللَّه بنُ سَلَام فإنَّ آلَ حم نزلتْ بمكةَ وإنَّما أسلمَ عبدُ الله بالمدينةِ وأجابَ الكلبيُّ بأنَّ الآيةَ مدنية وإنْ كانتْ السورةُ مكيةً ﴿واستكبرتم﴾ عطفٌ على شهدَ شاهدٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ والمعنى أخبروني إن كان من عند الله تعالى وشهدَ على ذلكَ أعلمُ بني إسرائيلَ فآمنَ به من غيرِ تلعثمٍ واستكبرتُم عن الإيمانِ به بعد هذه المرتبةِ مَنْ أضلُّ منكم بقرينة قوله تعالة قال أرأيتم إن كان مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ وقولِه تعالى ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ فإنَّ عدم الهداية مما ينبئ عن الضَّلالِ قطعاً ووصفُهم بالظلمِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ تركَهُ تعالَى لهدايتِهم لظلمِهم

стр. 6575

﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أقاويلِهم الباطلةِ في حقِّ القُرآنِ العظيمِ والمؤمنينَ بهِ أي قالَ كُفَّارُ مكةَ ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ أي لإجلِهم ﴿لَّوْ كَانَ﴾ أي ما جاءَ به ﵊ من القرآنِ والدينِ ﴿خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ فإنَّ معاليَ الأمورِ لا ينالُها أَيْدِي الأراذلِ وهُم سُقَّاطُ عامَّتُهم فقراءُ ومَوالٍ ورعاةٌ قالُوه زعماً منهم أنَّ الرياسةَ الدينيةَ مما يُنالُ بأسبابٍ دنيويةٍ كَما قالُوا لَوْلَا نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيمٍ وزلَّ عنْهم أنَّها منوطةٌ بكمالاتٍ نفسانيةٍ وملكاتٍ رُوحانيةٍ مبناها الإعراض عن زخازف الدُّنيا الدنيةِ والإقبالُ على الآخرةِ بالكليةِ وأنَّ من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ومن حرمها فماله منها من خَلاقٍ وقيلَ قالَه بنُو عامرٍ وغطفانُ وأسدٌ وأشجعُ لما أسلمَ جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وغفارُ وقيلَ قالتْهُ اليهودُ حين أسلمَ عبدُ اللَّه بنُ سَلَام وأصحابِه ويأباهُ أنَّ السورة مكيى ولا بُدَّ حينئذٍ من الالتجاءِ إلى ادعاءِ أنَّ الآيةَ نزلتْ بالمدينةِ ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ ظرفٌ لمحذوفٍ يدلَّ عليهِ ما قبلَهُ ويترتبُ عليهِ ما بعدَهُ أيْ وإذ لم يهتدُوا بالقُرآنِ قالُوا ما قالُوا ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ غيرَ مكتفينَ بنغى خيريّتهِ ﴿هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كما قالُوا أساطيرُ الأوَّلينَ وقيلَ المحذوفُ ظهرَ عنادُهم وليسَ بذاكَ

стр. 6576

﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ القُرآنِ وهو خبرٌ لقولِه تعالى ﴿كِتَابُ موسى﴾ قيلَ والجملةُ حاليةٌ أو مستأنَفةٌ وأيَّا

стр. 6577

﴾ ١ ١٥ ما كانَ فهو لردِّ قولِهم هذا إفكٌ قديمٌ وإبطالِه فإنَّ كونَهُ مُصدقاً لكتابِ مُوسى مقرر لحقِّيتهِ قطعاً ﴿إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾ حالانِ من كتابِ مُوسى أي إماماً يُقتدَى به في دينِ الله تعالى وشرائعِه كما يُقتدى بالإمامِ ورحمةً من الله تعالى لمن آمنَ به وعملَ بموجبهِ ﴿وهذا﴾ الذي يقولونَ في حقِّه ما يقولونَ ﴿كِتَابٌ﴾ عظيمٌ الشأنِ ﴿مُّصَدّقُ﴾ أي لكتابِ مُوسى الذي هو إمامٌ ورحمةٌ أو لِما من بين يديهِ من جميعِ الكتبِ الإلهيةِ وقد قرئ كذلكَ ﴿لّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ حالٌ من ضميرِ الكتابِ في مصدقٌ أو من نفسِه لتخصصهِ بالصفةِ وعاملُها معنى الإشارةِ وعلى الأولِ مصدقٌ وقيلَ مفعولٌ لمصدقٌ أي يصدقُ ذا لسانٍ عربيَ ﴿لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ﴾ متعلقٌ بمصدقٌ وفيه ضميرُ الكتابِ أو الله أو الرسول ﵊ ويؤيدُ الأخيرَ القراءةُ بتاءِ الخطابِ ﴿وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في حيزِ النصبِ عطفاً على محل لينذرَ وقيل في محلِ الرفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ أي وبشرى وقيل على أنَّه عطفٌ على مصدقٌ

стр. 6578

﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ أي جمعُوا بينَ التوحيدِ الذي هُو خلاصةُ العلمِ والاستقامةِ في أمورِ الدينِ التي هيَ مُنتهى العملِ وثُمَّ للدلالة على تراخي رتبةِ العملِ وتوقفِ الاعتدادِ به على التوحيدِ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لُحوق مكروهٍ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فواتِ محبوبٍ والفاءُ لتضمنِ الاسمِ معنى الشرطِ والمرادُ بيانُ دوامِ نفي الحزنِ لا بيانُ نفي دوامِ الحزنِ كما يُوهمه كونُ الخبرِ مضارعاً وقد مرَّ بيانُه مراراً

стр. 6579

﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من الوصفينِ الجليلينِ ﴿أصحاب الجنة خالدين فِيهَا﴾ حالٌ من المستكنِّ في أصحابُ وقولُه تعالَى ﴿جَزَاء﴾ منصوبٌ إمَّا بعاملٍ مقدرٍ أي يُجزَون جزاءً أو بمَعْنى ما تقدمَ فإنَّ قولَه تعالى أولئكَ أصحابُ الجنَّةِ في معنى جازيناهُم ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الحسناتِ العلميةِ والعمليةِ

стр. 6580

﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان﴾ بأنْ يُحسنَ ﴿بوالديه إحسانا﴾ وقرئ حُسْناً أي بأنْ يفعلَ بهمَا حُسْناً أي فعلاً ذَا حُسنٍ أو كأنَّه في ذاتِه نفسُ الحسنِ لفرطِ حُسنهِ وقُرِىءَ بضمِّ السينِ أيضاً وبفتحِهما أيْ بأن يفعل بهما فعل حَسَناً أو وصينَاهْ إيصاءً حسناً ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أي ذاتَ كُرهٍ أو حملاً ذَا كره وهو المشقة وقرئ بالفتحِ وهُما لغُتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ وقيلَ المضمومُ اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ ﴿وَحَمْلُهُ وفصاله﴾ أيْ مدةُ حملِه وفصالِه وهو الفطام وقرئ ة فصله والفصل والفصالُ كالفطمِ والفِطامِ بناءً ومَعْنى والمرادُ

стр. 6581

﴾ ٦ ١٧ بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ كمَا أرادَ بالأمدِ المدة من ال كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ ﴿ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنه حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة يبقي للحملِ ذلكَ قيلَ ولعل تعيينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي اكتهل واستحكمَ قوتُه وعقلُه ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قيلَ لم يبعثْ نبيٌّ قبلَ أربعينَ وقرئ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ ﴿قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى﴾ أي ألهمنِي وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ﴾ أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه﴾ التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى﴾ أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلي قالَ ابنُ عبَّاسٍ أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبي بكرٍ ﵃ فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم بلال وعامر بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلَاّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله فلم يكن له ولدا إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافة رسول الله ﷺ وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبيَّ ﵊ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ ﴿إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك ﴿وَإِنّى مِنَ المسلمين﴾ الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم

стр. 6582

﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الإنسانِ والجمعُ لأنَّ المرادَ به الجنسُ المتصفُ بالوصفِ المَحكِيِّ عنْهُ وما فيهِ من معنى البُعدِ للإشعارِ بعلوِّ رتبتِه وبُعد منزلتِه أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ ﴿الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ من الطاعاتِ فإنَّ المباحَ حسنٌ ولا يثابُ عليهِ ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم﴾ وقرئ الفعلانِ بالياءِ على إسنادِهما إلى الله تعالى وعلى بنائِهما للمفعولِ ورفعِ أحسنَ على أنَّه قائمٌ مقامَ الفاعلِ وكذا الجارُّ والمجرور ﴿فِى أصحاب الجنة﴾ أي كائنينَ في عدادِهم منتظمينَ في سلكِهم ﴿وَعْدَ الصدق﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لما أنَّ قوله تعالى يتقبل ونتجاوزُ وعدٌ من الله تعالى لهُم بالتقبلِ والتجاوزِ ﴿الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ عَلَى ألسنةِ الرُّسلِ

стр. 6583

﴿والذى قَالَ لوالديه﴾ عندَ دعوتِهما لهُ إلى الإيمانِ ﴿أُفّ لَّكُمَا﴾ هو صوتٌ يصدرُ عنِ المرءِ عندَ تضجرخ واللامُ لبيانِ المؤفَّفِ له كما في هَيْتَ لك وقرئ أُفِّ بالفتحِ والكسرِ بغيرِ تنوينٍ وبالحركاتِ الثلاثِ معَ التنوينِ والموصولُ عبارةٌ عن الجنسِ القائلِ ذلكَ القولَ ولذلكَ أُخبرَ عنه بالمجموعِ كما سبقَ قيلَ هُو

стр. 6584

﴾ ٨ ٢٠ في الكافرِ العاقِّ لوالديهِ المكذبِ بالبعثِ وعن قَتَادةَ هُو نعتُ عبدِ سوءٍ عاقِّ لوالديهِ فاجرٍ لربِّه وما رُوي من أنَّها نزلت في عبدلرحمن بن أبي بكرٍ ﵄ قبلَ إسلامِه يردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول الآيةَ فإنه كان من أفاصل المسلمينَ وسَرواتِهم وقد كذَّبتِ الصدِّيقةُ ﵂ مَنْ قالَ ذلكَ ﴿أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ﴾ أُبعثَ من القبر بعد الموت وقرئ أَخْرُجَ من الخُروجِ ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى﴾ ولم يُبعثْ منهم أحدٌ ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله﴾ يسألانِه أنْ يغيثَهُ ويوفقَهُ للإيمانِ ﴿وَيْلَكَ﴾ أي قائلينَ له ويلكَ وهو في الأصلِ دعاءٌ عليه بالثبورِ أُريدَ به الحثَّ والتحريضَ على الإيمانِ لا حقيقةَ الهلاكِ ﴿آمن إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أى البعث أضافا إليهِ تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على حطئه في إسنادِ الوعدِ إليهما وقرئ إِنَّ وَعْدَ الله أي آمِنْ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ ﴿فَيَقُولُ﴾ مكذباً لهُما ﴿مَا هذا﴾ الذي تسميانِه وعدَ الله ﴿إِلَاّ أساطير الأولين﴾ أباطيلُهم التي سَطرُوها في الكتبِ من غيرِ أنْ يكونَ لها حقيقةٌ

стр. 6585

﴿أولئك﴾ القائلون هذه المقالاتِ ﴿الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ وهو قولُه تعالَى لإبليسَ لاملان جهنم منك وممن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما ينبئ عنه قولُه تعالى ﴿فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس﴾ وقدْ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الم السجدةُ ﴿إِنَّهُمْ﴾ جميعاً ﴿كَانُواْ خاسرين﴾ قد ضيَّعُوا فطرتَهُم الأصليةَ الجاريةَ مجرى رؤس أموالِهم باتِّباعِهم الشيطانَ والجملةُ تعليلٌ للحُكمِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ
следующие страницы →