Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
﴾ ٦ ١٧
بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ كمَا أرادَ بالأمدِ المدة من ال كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ ﴿ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنه حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة يبقي للحملِ ذلكَ قيلَ ولعل تعيينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي اكتهل واستحكمَ قوتُه وعقلُه ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قيلَ لم يبعثْ نبيٌّ قبلَ أربعينَ وقرئ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ ﴿قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى﴾ أي ألهمنِي وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ﴾ أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه﴾ التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى﴾ أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلي قالَ ابنُ عبَّاسٍ أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبي بكرٍ ﵃ فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم بلال وعامر بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلَاّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله فلم يكن له ولدا إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافة رسول الله ﷺ وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبيَّ ﵊ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ ﴿إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك ﴿وَإِنّى مِنَ المسلمين﴾ الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم
стр. 6582
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الإنسانِ والجمعُ لأنَّ المرادَ به الجنسُ المتصفُ بالوصفِ المَحكِيِّ عنْهُ وما فيهِ من معنى البُعدِ للإشعارِ بعلوِّ رتبتِه وبُعد منزلتِه أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ ﴿الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ من الطاعاتِ فإنَّ المباحَ حسنٌ ولا يثابُ عليهِ ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم﴾ وقرئ الفعلانِ بالياءِ على إسنادِهما إلى الله تعالى وعلى بنائِهما للمفعولِ ورفعِ أحسنَ على أنَّه قائمٌ مقامَ الفاعلِ وكذا الجارُّ والمجرور ﴿فِى أصحاب الجنة﴾ أي كائنينَ في عدادِهم منتظمينَ في سلكِهم ﴿وَعْدَ الصدق﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لما أنَّ قوله تعالى يتقبل ونتجاوزُ وعدٌ من الله تعالى لهُم بالتقبلِ والتجاوزِ ﴿الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ عَلَى ألسنةِ الرُّسلِ
стр. 6583
﴿والذى قَالَ لوالديه﴾ عندَ دعوتِهما لهُ إلى الإيمانِ ﴿أُفّ لَّكُمَا﴾ هو صوتٌ يصدرُ عنِ المرءِ عندَ تضجرخ واللامُ لبيانِ المؤفَّفِ له كما في هَيْتَ لك وقرئ أُفِّ بالفتحِ والكسرِ بغيرِ تنوينٍ وبالحركاتِ الثلاثِ معَ التنوينِ والموصولُ عبارةٌ عن الجنسِ القائلِ ذلكَ القولَ ولذلكَ أُخبرَ عنه بالمجموعِ كما سبقَ قيلَ هُو
стр. 6584
﴾ ٨ ٢٠
في الكافرِ العاقِّ لوالديهِ المكذبِ بالبعثِ وعن قَتَادةَ هُو نعتُ عبدِ سوءٍ عاقِّ لوالديهِ فاجرٍ لربِّه وما رُوي من أنَّها نزلت في عبدلرحمن بن أبي بكرٍ ﵄ قبلَ إسلامِه يردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول الآيةَ فإنه كان من أفاصل المسلمينَ وسَرواتِهم وقد كذَّبتِ الصدِّيقةُ ﵂ مَنْ قالَ ذلكَ ﴿أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ﴾ أُبعثَ من القبر بعد الموت وقرئ أَخْرُجَ من الخُروجِ ﴿وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى﴾ ولم يُبعثْ منهم أحدٌ ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله﴾ يسألانِه أنْ يغيثَهُ ويوفقَهُ للإيمانِ ﴿وَيْلَكَ﴾ أي قائلينَ له ويلكَ وهو في الأصلِ دعاءٌ عليه بالثبورِ أُريدَ به الحثَّ والتحريضَ على الإيمانِ لا حقيقةَ الهلاكِ ﴿آمن إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أى البعث أضافا إليهِ تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على حطئه في إسنادِ الوعدِ إليهما وقرئ إِنَّ وَعْدَ الله أي آمِنْ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ ﴿فَيَقُولُ﴾ مكذباً لهُما ﴿مَا هذا﴾ الذي تسميانِه وعدَ الله ﴿إِلَاّ أساطير الأولين﴾ أباطيلُهم التي سَطرُوها في الكتبِ من غيرِ أنْ يكونَ لها حقيقةٌ
стр. 6585
﴿أولئك﴾ القائلون هذه المقالاتِ ﴿الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ وهو قولُه تعالَى لإبليسَ لاملان جهنم منك وممن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما ينبئ عنه قولُه تعالى ﴿فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس﴾ وقدْ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الم السجدةُ ﴿إِنَّهُمْ﴾ جميعاً ﴿كَانُواْ خاسرين﴾ قد ضيَّعُوا فطرتَهُم الأصليةَ الجاريةَ مجرى رؤس أموالِهم باتِّباعِهم الشيطانَ والجملةُ تعليلٌ للحُكمِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ
стр. 6586
﴿وَلِكُلّ﴾ من الفريقينِ المذكورينِ ﴿درجات مّمَّا عَمِلُواْ﴾ مراتبُ من أجزيةِ ما عملوا من الخير والشرِّ والدرجاتُ غالبةٌ في مراتبِ المَثوبة وإيرادها بطريقِ التغليبِ ﴿وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أجزيةَ أعمالِهم وقرئ بنونِ العظمةِ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ثوابِ الأولينَ عقابِ الآخرينَ والجملةُ إمَّا حالٌ مؤكدةٌ للتوفية أو استئنافٌ مقررٌ لها واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ مُؤخرٍ كأنَّه قيل ليوفيهم أعمالَهُم ولا يظلمَهُم حقوقَهم فعلَ ما فعلَ من تقديرِ الأجزيةِ على مقاديرِ أعمالهم فجعل الثواب والعقابَ دركاتٍ
стр. 6587
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار﴾ أي يُعذَّبُونَ بَها منْ قولِهم عُرضَ الأسُارَى على السيفِ أي قُتلوا وقيل يُعرض النارُ عليهم بطريقِ القلبِ مبالغةً ﴿أَذْهَبْتُمْ طيباتكم﴾ أي يقالُ لهم ذلكَ وهو الناصبُ للظرف وقرئ أأْذهبتُم بهمزتينِ وبألفٍ بينَهمَا على الاستفهامِ التوبيخيِّ أي أصبتم أو أخذتم ما كُتب لكُم من حُظوظِ الدُّنيا ولذائِذها ﴿فِى حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا﴾ فلم يبقَ لَكُم بعد ذلك شئ منَها ﴿فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾
стр. 6588
أى الهوان وقد قرئ كذلكَ ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ في الدُّنيا ﴿تَسْتَكْبِرُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ بغيرِ استحقاقٍ لذلكَ ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أي تخرجونَ عن طاعةِ الله أي بسببِ استكبارِكم وفسقِكم المستمرين وقرئ تَفْسِقونَ بكسرِ السِّينِ
стр. 6589
﴿واذكر﴾ أيْ لكُفَّارِ مكةَ ﴿أَخَا عَادٍ﴾ أيْ هوداً ﵇ ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾ بدلُ اشتمالٍ منْهُ أي وقتَ إنذارِه إِيَّاهُم ﴿بالاحقاف﴾ جمعُ حِقْفٍ وهُو مل مستطيلٌ مرتفعٌ فيهِ انحناءٌ من احقوقف الشئ إذا اعوجَّ وكانتْ عادٌ أصحابَ عَمدٍ يسكنونَ بين رمالٍ مشرفةٍ على البحرِ بأرض يقال لها الشجر من بلادِ اليمنِ وقيلَ بينَ عُمَانَ ومَهَرَةَ ﴿وَقَدْ خَلَتِ النذر﴾ أي الرُّسلُ جمعُ نذيرٍ بمعنى المنذرِ ﴿مِن بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من قبلهِ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي منْ بعدهِ والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكدٌ لوجوبِ العملِ بموجبِ الإنذارِ وُسِّط بينَ أنذرَ قومَهُ وبينَ قولِه ﴿أَن لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله﴾ مسارعةً إلى ما ذُكِرَ من التقريرِ والتأكيدِ وإيذاناً باشتراكِهم في العبارةِ المحكيةِ والمَعْنى واذكُرْ لقومِكَ إنذارَ هودٍ قومَهُ عاقبةَ الشركِ والعذاب العظيم وقد أنذر مَنْ تقدمَهُ من الرسلِ ومن تأخرَ عنْهُ قومَهُم مثلَ ذلكَ فاذكُرهم وأَما جعلُها حالاً من فاعلِ أنذرَ على مَعْنى أنَّه ﵊ أنذرَهُم وقالَ لَهُم لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله ﴿إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقد أعلمهم أنَّ الرسلَ الذين بُعثوا قبلَه والذينَ سيُبعثونَ بعدَهُ كلَّهم منذرونَ نحوَ إنذارِه فمعَ ما فيهِ من تكلفِ تقديرِ الإعلامِ لا بُدَّ في نسبةِ الخلوِّ إلى مَن بعدَهُ من الرسلِ من تنزيلِ الآتِي منزلةَ الخالِي
стр. 6590
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ أيْ تصرفنا ﴿عن آلهتنا﴾ عبادتهم ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ منَ العذابِ العظيمِ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ في وعدِك بنزولهِ بنَا
стр. 6591
﴿قَالَ إِنَّمَا العلم﴾ أي بوقتِ نزولِه أو العلمُ بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جُمْلتِها ذلكَ ﴿عَندَ الله﴾ وحدَهُ لا علمَ لي بوقتِ نزولِه ولا مدخلَ لي في إتيانِه وحلولِه وإنَّما علمُه عندَ الله تعالَى فيأتيكُم بهِ في وقتهِ المقدَّرِ لهُ ﴿وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرسلتَ بِهِ﴾ من مواجبِ الرسالةِ التي من جُملتِها بيانُ نزولِ العذابِ إنْ لم تنتُهوا عن الشركِ من غيرِ وقوفٍ على وقت نزوله وقرئ أُبْلِغُكُم من الإبلاغِ ﴿ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حيثُ تقترحُون عليَّ ما ليسَ من وظائفِ الرسلِ من الإتيانِ بالعذابِ وتعيينِ وقتهِ والفاء في قوله تعالى
стр. 6592
﴿فلما رأوه﴾ فصيحة
стр. 6593
﴾ ٥ ٢٦
والضميرُ إما مُبهمٌ يوضحه قوله تعالى ﴿عارضا﴾ إما تمييز أو حالا أو راجعٌ إلى ما استعجلُوه بقولِهم فائتنا بما تَعدُنا أي فأتاهُم فلمَّا رأَوهُ سحاباً يعرضُ في أفق السماءِ ﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أى متوجِّه أوديتِهم والإضافةُ فيه لفظيةٌ كما في قولِه تعالى ﴿قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ولذلكَ وَقَعا وصفينِ للنكرةِ ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي قال هود وقد قرئ كذلك وقرئ قُلْ وهُو ردٌّ عليهم أي ليس الأمرُ كذلك بلْ هُو ﴿مَا استعجلتم بِهِ﴾ من العذابِ ﴿رِيحٌ﴾ بدل من ما أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ ﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ صفةٌ لريحٌ وكذا قولُه تعالى
стр. 6594
﴿تُدَمّرُ﴾ أي تهلكُ ﴿كُلّ شَىْء﴾ من نفوسهم وأموالهم ﴿بأمر ربها﴾ وقرئ يدمر كل شئ من دمَّر دماراً إذا هلكَ فالعائدُ إلى الموصوفِ محذوفٌ أو هو الهاءُ في ربِّها ويجوزُ أنْ يكون استئنافاً وأرادا لبيانِ أنَّ لكلَّ ممكنٍ فناءً مقضياً منوطاً بأمرِ بارئهِ وتكونُ الهاءُ لكلِّ شئ لكونِه بمعنى الأشياءِ وفي ذكرِ الأمرِ والربِّ والإضافةِ إلى الريحِ من الدِلالة على عظمةِ شأنِه ما لا يَخْفى والفاءُ في قوله تعالى ﴿فَأْصْبَحُواْ لَا يرى إِلَاّ مساكنهم﴾ فصيحةٌ أي فجاءتْهُم الريحُ فدمرتْهُم فأصبحُوا بحيثُ لا يرى إلا مساكنهم وقرئ تَرَى بالتاءِ ونصبِ مساكنُهم خطابا لكل أحد يتأنى منه الرؤيةُ تنبيهاً على أنَّ حالَهُم بحيثُ لو حضرَ كلُّ أحدٍ بلادَهُم لا يَرَى فيها إلا مساكنَهُم ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلكَ الجزاء الفظيعِ ﴿نَجْزِي القوم المجرمين﴾ وقد مرَّ تفصيلُ القصةِ في سورةِ الأعرافِ وقد رُويَ أنَّ الريحَ كانتْ تحملُ الفُسطاطَ والظَّعينةَ فترفعُها في الجوِّ حتى تُرى كأنَّها جرادةٌ قيلَ أولُ من أبصرَ العذابَ امرأةٌ منُهم قالتْ رأيتُ ريحاً فيها كشهبِ النَّارِ ورُويَ أنَّ أولَ ما عرفُوا به أنَّه عذابٌ ما رأوا ما كانَ في الصحراءِ من رحالِهم ومواشيهم تطيرُ بها الريحُ بينَ السماءِ والأرضِ فدخلُوا بيوتَهم وغلَّقوا أبوابَهم فقلعتِ الريحُ الأبوابَ وصرعَتْهم فأمالَ الله تعالى الأحقافَ فكانُوا تحتَها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ لهم أنينٌ ثم كشفتِ الريحُ عنهُم فاحتملتهم فطرحتْهُم في البحرِ ورُوِيَ أنَّ هُوداً ﵇ لمَّا أحسَّ بالريحِ خطَّ على نفسِه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين نبع وعن ابن عباس ﵄ اعتزلَ هودٌ ومن معَهُ في حظيرةِ ما يصيبُهم من الريحِ إلا ما يلينُ على الجُلودِ وتلذه الأنفسُ وإنَّها لتمرُّ من عادٍ بالظعنِ بين بينَ السماءِ والأرضِ وتدمغُهم بالحجارةِ
стр. 6595
﴿وَلَقَدْ مكناهم﴾ أي قررنَا عاداً أو أقدرنَاهُم وما في قولِه تعالى ﴿فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ﴾ موصولةٌ أو موصوفةٌ وأنْ نافيةٌ أيْ في الذِي أو فى شئ ما مكنَّاكُم فيهِ من السَّعةِ والبسطةِ وطولِ الأعمار وسائرِ مبادِيِ التصرفاتِ كَما في قوله تعالى ﴿ألم يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ﴾ وممَّا يُحسِّنُ
стр. 6596
﴾ ٧ ٢٨
موقعَ إنْ هَهُنا التَّفَصِّي عن تكرار لفظةِ مَا وهُو الدَّاعِي إلى قلبِ ألِفها هاءً في مَهْمَا وجعلُها شرطيةً أو زائدةً مِمَّا لَا يليقُ بالمقامِ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً﴾ ليستعملُوهَا فيمَا خُلقتْ لهُ ويعرفُوا بكل منها ما بيطت بهِ معرفتُه من فنونِ النعمِ ويستدلُّوا بها على شؤن منعهما ويداومُوا على شُكرِه ﴿فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ حيثُ لم يستعملُوه في استماعِ الوَحي ومواعظِ الرسلِ ﴿وَلَا أبصارهم﴾ حيثُ لم يجتلُوا بها الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في صحائفِ العلم ﴿وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ حيثُ لم يستعملُوها في معرفةِ الله تعالَى ﴿مِن شَىْء﴾ أي شيئاً من الإغناءِ ومِنْ مزيدةٌ للتأكيدِ وقولُه تعالى ﴿إذ كانوا يجحدون بآيات الله﴾ متعلقٌ بما أَغْنَى وهو ظرفٌ جَرَى مجرى التعليلِ من حيثُ أنَّ الحكمَ مرتبٌ على ما أضيفَ إليهِ فإنَّ قولَكَ أكرمتُه إذ أكرمنِي في قوةِ قولِك أكرمته لإكرامه أذا أكرمتَهُ وقتَ إكرامِه فإنَّما أكرمْتَه فيه لوجودِ إكرامه فيه كذا الحالُ في حيثُ ﴿وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون﴾ من العذابِ الذي كانُوا يستعجلونَهُ بطريقِ الاستهزاءِ ويقولونَ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كنتَ من الصادقينَ
стр. 6597
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يا أهلَ مكةَ ﴿مّنَ القرى﴾ كحِجْرِ ثمودٍ وقُرى قومِ لوطٍ ﴿وَصَرَّفْنَا الأيات﴾ كررنَاها لَهُم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكيْ يرجعُوا عمَّا هُم فيه من الكفر والمعاصي
стр. 6598
﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قربانا آلهة﴾ القُربانُ ما يُتقرَّب بهِ إلى الله تعالَى وأحدُ مفعولَيْ اتخذُوا ضميرُ الموصولِ المحذوفِ والثانِي آلهةً وقرباناً حالٌ والتقديرُ فهلَاّ نصرهُم وخلَّصُهم من العذابِ الذين اتخذُوهم آلهةً حالَ كونِها متقرَّباً بَها إلى الله تعالَى حيثُ كانُوا يقولونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زلفى هَؤُلاء شفعاؤُنا عِندَ الله وفيه تهكمٌ بهم ولا مساغَ لجعلِ قرباناً مفعولاً ثانياً آلهة بدلاً منه لفسادِ المَعْنى فإنَّ البدلَ وإنْ كانَ هو المقصودَ لكنَّه لا بُدَّ في غيرِ بدلِ الغلطِ من صحةِ المَعْنى فإنَّ البدلَ وإنْ كانَ هو المقصود فلا بُدَّ في غيرِ بدلِ الغلطِ من صحةِ المَعْنى بدونِه ولا ريبَ في أنَّ قولَنا اتخذوهُم من دونِ الله قُرباناً أي متقربا به ما لا صِحةَ لهُ قطعاً لأنَّه تعالَى متقرَّبٌ إليهِ لا متقرَّبٌ بهِ فلا يصحُّ أنَّهم اتخذُوهم قرباناً متجاوزينَ الله في ذلك وقرئ قُرُباناً بضمِّ الراءِ ﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ أي غابُوا عنْهم وفيه تهكمٌ آخرُ بهم كأنَّ عدمَ نصرِهم لغيبتهم أوضاعوا عنُهم أي ظهرَ ضياعُهم عنهم بالكُليَّةِ وقيل امتنعَ نصرُهم امتناعَ نصرِ الغائبِ عن المنصورِ ﴿وَذَلِكَ﴾ أي ضياعُ آلهتِهم عنُهم وامتناعُ نصرِهم ﴿إِفْكِهِمْ﴾ أيْ أثرُ إفكِهم الذي هُو اتِّخاذُهم إيَّاهَا آلهةً ونتيجةُ شركِهم وقرئ أفَكُهم وكلاهُما مصدرٌ كالحِذْرِ والحذر وقرئ أَفَكَهُم على صيغةِ الماضِي فذلكَ إشارةٌ حينئذٍ إلى الاتخاذِ أيْ وذلكَ الاتخاذُ الذى هو ثمرتُه وعاقبتُه صرفَهُم عن الحق وقرئ أَفَّكَهُم بالتشديدِ للمبالغةِ وآفَكَهُم من الأفعالِ أي جعلهم آفكين وقرئ آفِكُهُم على صيغةِ اسمِ الفاعلِ مضافاً إلى ضميرِهم أى قولهم الإفكِ كما يقالُ قولٌ كاذبٌ ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ عطفٌ على
стр. 6599
﴾ ٩ ٣٠
إفكُهم أي وأثرُ افترائِهم على الله أو أثرُ ما كانُوا يفترونه عليه تعالى وقرئ وذلك إفكٌ مما كانوا يفترون أي بعض مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ من الإفكِ
стр. 6600
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ أمَلْناهم إليكَ وأفبلنا بهم نحوك وقرئ صرَّفَنا بالتشديدِ للتكثيرِ لأنَّهم جماعةٌ وهُو السرُّ في جمعِ الضَّمير في قولِه تعالى ﴿يستمعون القرآن﴾ وما بعدَهُ وهو حالٌ مقدرةٌ من نفراً لتخصصِه بالصفةِ أو صفةٌ أُخرى لَه أي واذكُر لقومِكَ وقتَ صَرَفنا إليكَ نفراً كائناً من الجنِّ مقدَّراً استماعَهم القُرانَ ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي القرآنَ عند تلاوتهِ أو الرسولَ عند تلاوتِه له على الالتفاتِ والأولُ هو الأظهرُ ﴿قَالُواْ﴾ أي قالَ بعضُهم لبعضٍ ﴿أَنصِتُواْ﴾ أى استكنوا لنسمعهُ ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ أُتمَّ وفرغ عن تلاوته وقرئ على البناءِ للفاعلِ وهو ضمير الرسول ﵊ وهذا يؤيد ضميرِ حضروه إليهِ ﵊ ﴿وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ مقدِّرينَ إنذارَهُم عند رجوعهم إليهم وروى أنَّ الجِنَّ كانتْ تسترق السمعَ فلما حُرستِ السماءُ ورُجموا بالشهبِ قَالُواْ مَا هَذا إِلَاّ لنبأٍ حدثَ فنهضَ سبعةُ نفرٍ أو ستةُ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبينَ أو نِينَوى منُهم زوبعةُ فضربُوا حتى بلغو تِهامةَ ثم اندفعُوا إلى وادِي نخلةَ فوافَوا رسولَ الله ﷺ وهو قائمٌ في جوفِ الليلِ يُصلِّي أو في صلاةِ الفجرِ فاستمعُوا لقراءتِه وذلكَ عند منصرفِه من الطائفِ وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ما قرأَ رسولُ الله ﷺ على الجِنِّ ولا رآهُم وإنما كان يتلوا في صلاتِه فمرُّوا به فوقفُوا مستمعينَ وهو لا يشعرُ بهم فأنبأهُ الله تعالَى باستماعِهم وقيلَ بلْ أمرَهُ الله تعالى أنْ ينذرَ الجنَّ ويقرأَ عليهمِ فصرفَ إليه نَفَراً منهم جمعَهُم له فقالَ ﵊ إنِّي أُمرتُ أنْ أقرأَ على الجنِّ اليلة فمن يتبعُني قالَها ثلاثاً فأطرقُوا إلا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ ﵁ قالَ فانطلقنَا حتَّى إذَا كُنَّا بأعلى مكةَ في شِعب الجحونِ خطَّ لي خطَّاً فقالَ لا تخرجْ منه حتَّى أعودَ إليكَ ثم افتتحَ القرآنَ وسمعتُ لغطاً شديداً حتَّى خفتُ على رسولِ الله ﷺ وغشيْتُه أسودةٌ كثيرة حالتْ بيني وبينَهُ حتى ما أسمعُ صوتَهُ ﵊ ثم انقطعُوا كقطعِ السحابِ فقالَ لي رسولُ الله ﷺ هلْ رأيتَ شيئاً قلتُ نعم رجالاً سُوداً مستشعرِي ثيابٍ بيضٍ فقالَ أولئكَ جنُّ نَصيبينَ وكانُوا اثني عشرَ ألفاً والسورةُ التي قراها عليهم افرأ باسمِ ربِّك
стр. 6601
﴿قَالُواْ﴾ أي عندَ رجوعِهم إلى قومهم ﴿يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى﴾ قيلَ قالُوه لأنَّهم كانُوا على اليهوديةِ وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ أن الجنَّ لم تكُن سمعت بأمرِ عِيْسَى ﵇ ﴿مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أرادُوا به التوراةَ ﴿يَهْدِى إِلَى الحق﴾ من العقائدِ الصحيحةِ ﴿وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ مُوصلٍ إليهِ وهُو الشَّرائعُ والأعمال الصالحة
стр. 6602
﴾ ١ ٣ ﴿
стр. 6603
﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾ أراردوا به ما سمعُوه من الكتابِ وصفُوه بالدَّعوةِ إلى الله تعالى بعدما وصفُوه بالهدايةِ إلى الحقِّ والصراطِ المستقيمِ لتلازمِهما دَعَوهم إلى ذلكَ بعدَ بيانِ حقِّيتِه واستقامتِه ترغيباً لهم في الإجابةِ ثم أكَّدُوه بقولِهم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذنوبكم﴾ أي بعض ذنوبكم وهو ما كانَ في خالصِ حقِّ الله تعالى فإنَّ حقوقَ العبادِ لا تُغفرُ بالإيمانِ ﴿وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ معدَ للكفرةِ واختُلفَ في أنَّ لهم أجرا غير هذا أولا والأظهرُ أنَّهم في حُكمِ بن آدمَ ثواباً وعقاباً وقولُه تعالى
стр. 6604
﴿وَمَن لَاّ يُجِبْ دَاعِىَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الأرض﴾ إيجابٌ للإجابةِ بطريقِ الترهيبِ إثرَ إيجابِها بطريقِ الترغيبِ وتحقيقٌ لكونهم منذرينَ وإظهار دعى الله من غيرِ اكتفاءٍ بأحدِ الضميرينِ للمبالغةِ في الإيجابِ بزيادةِ التقريرِ وتربيةِ المهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ وتقييدُ الإعجازِ بكونِه في الأرضِ لتوسيعِ الدائرةِ أي فليسَ بمعجزٍ له تعالى بالهربِ وإن هربَ كلَّ مهربٍ من أقطارِها أو دخلَ في أعماقِها وقولُه تعالى ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ بيانٌ لاستحالةِ نجاتِه بواسطةِ الغيرِ إثرَ بيانِ استحالةِ نجاتِه بنفسهِ وجمعُ الأولياءِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ فيكون من بابا مقابلةِ الجمع بالجمعِ لانقسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كما منا أن الجمع في ق تعالى ﴿أولئك﴾ بذلكَ الاعتبارِ أى أولئك الموصوفون بعدم إجابةِ داعِي الله ﴿فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ أي ظاهرٌ كونُه ضلالاً بحيثُ لا يخفى على أحد أعرضُوا عن إجابةِ مَنْ هَذا شأنُه
стр. 6605
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ الهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يستدعيهِ المقامُ والرؤيةُ قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلمُوا علماً جازماً مُتاخِماً للمشاهدةِ والعيانِ ﴿أَنَّ الله الذى خلق السماوات والأرض﴾ ابتداءً من غيرِ مثال بجتذيه ولا قانون بنتحيه ﴿وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي لم يتعبْ ولم ينصَبْ بذلك أصلاً أو لم يعجزْ عنهُ يقالُ عييتُ بالأمرِ إذا لم يُعرفْ وجَههُ وقولُه تعالى ﴿بِقَادِرٍ﴾ في حيزِ الرفعِ لأنَّه خبرُ أنَّ كما ينبىءُ عنْهُ القراءةُ بغيرِ باءٍ ووجُه دخولِها في القراءةِ الأُولى اشتمالُ النفيِّ الواردِ في صدرِ الآيةِ على أنَّ وَمَا في حيزِها كأنَّه قيلَ أو ليسَ الله بقادجر ﴿على أَن يُحْيِىَ الموتى﴾ ولذلكَ أجيبَ عنه بقولِه تعالى ﴿بلى أَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ تقريراً للقدرةِ على وجهٍ عامَ يكونُ كالبرهانِ على المقصودِ
стр. 6606
﴾ ٤ ٣٥
стр. 6607
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار﴾ ظرفٌ عاملُه قولٌ مضمرٌ مقولُه ﴿أَلَيْسَ هذا بالحق﴾ على أنَّ الإشارةَ إلى ما يشاهدونَهُ حينئذٍ من حيثُ هو من غير أن يخطر بالبالِ لفظٌ يدلُّ عليهِ فضلا عن تذكيره وتأنيثه إذ هُو اللائق بتهويلهِ وتفخيمِه وقد مرَّ في سورةِ الأحزابِ وقيل هيَ إلى العذابِ وفيه تهكمٌ بهم وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم بوعدِ الله ووعيدِه وقولِهم وما نحنُ بمعذبينَ ﴿قالوا بلى وربنا﴾ أكد جوابَهُم بالقسمِ كأنَّهم يطمعونَ في الخلاصِ بالاعترافِ بحقِّيتها كما في الدُّنيا وأنَّى لهُم ذلكَ ﴿قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بها في الدُّنيا ومَعْنى الأمرِ الإهانةُ بهم والتوبيخُ لهم والفاءُ في قولِه تعالى
стр. 6608
﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إذا كان عاقبةُ أمرِ الكفرةِ ما ذُكِرَ فاصبرْ على ما يصيبكَ من جهتِهم كما صبر أولوا الثباتِ والحزمِ من الرسلِ فإنكَ من جُمْلتِهم بل من علْيتِهم ومِنْ للتبيينِ والمرادُ بأُولي العزمِ أصحابُ الشرائعِ الذينَ اجتهدُوا في تأسيسِها وتقريرِها وصبرُوا على تحملِ مشاقِّها ومعاداةِ الطاعنينَ فيَها ومشاهيرُهُم نُّوحٍ وإبراهيمُ وموسى وَعِيسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ هم الصابرونَ على بلاءِ الله كنوحٍ صبرَ على أذيةِ قومِه كانُوا يضربونَهُ حتى يُغشَى عليهِ وإبراهيمُ صبرَ على النَّارِ وعلى ذبحِ ولدِه والذبيحُ على الذبحِ ويعقوبُ على فقدِ الولدِ والبصرِ ويوسفُ على الجُبِّ والسجنِ وأيوبُ على الضُرِّ ومُوسى قال له قومُه إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَاّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ وداودُ بكى على خطيئتِه أربعينَ سنةً وعيْسَى لم يضع لبنةً على لبنةٍ صلواتُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ أي لكُفَّارِ مكةَ بالعذابِ فإنَّه على شرفِ النزولِ بهم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذابِ ﴿لَّمْ يَلْبَثُواْ﴾ في الدُّنيا ﴿إِلَاّ سَاعَةً﴾ يسيرةً ﴿مّن نَّهَارٍ﴾ لما يشاهدونَ من شدةِ العذابِ وطولِ مدتهِ وقولُه تعالى ﴿بَلَاغٌ﴾ خبرٌ مبتدأٍ محذوفٍ أي هَذا الذي وُعظتم بهِ كفايةٌ في الموعظةِ أو تبليغٌ من الرسول ويؤيده أنه قرئ بلغ وقرئ بلاغاً أي بلغُوا بلاغاً ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَاّ القوم الفاسقون﴾ أي الخارجونَ عن الاتعاظ به أو عن الطاعة وقرئ بفتحِ الياءِ وكسرِ اللامِ وبفتحِهما منْ هَلِكَ وهَلَكَ وبنون العظمة من الإهلاكِ ونصبِ القومِ ووصفه عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الأحقافِ كُتبَ له عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ رملة فى الدنيا
стр. 6609
سورة محمدٍ ﷺ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴾ ﴿
سورة محمدٍ ﷺ وتسمى سورة القتال وهى مدنية وقيل مكية وآياتها ثمان وثلاثون
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 6610
﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي أعرضُوا عن الإسلامِ وسلوكِ طريقةِ منْ صَدَّ صُدوداً أو منعُوا النَّاسَ عن ذلكَ مِنْ صدَّهُ صَدَّاً كالمُطعمينَ يومَ بدرٍ وقيلَ هُم اثنا عشرَ رجُلاً من أهلِ الشركِ كانُوا يصدُّونَ الناسَ عن الإسلامِ ويأمرونَهُم بالكفرِ وقيلَ أهلُ الكتابِ الذينَ كفرُوا وصدُّوا مَنْ أرادَ منْهم ومن غيرِهم أنْ يدخلَ في الإسلامِ وقيلَ هو عامٌّ في كلِّ مَن كفرَ وصدَّ ﴿أَضَلَّ أعمالهم﴾ أي أبطلَها وأحبطَها وجعلَها ضائعةً لا أثرَ لَها أصلاً لكنْ لا بمعنى أنَّه أبطلَها وأحبطَها وجعلَها ضائعةً لا أثرَ لَها أصلاً لكنْ لا بمعنى أنَّه أبطلَها وأحبطَها بعد أنْ لم تكُنْ كذلك بلْ بمَعْنى أنَّه حكَم ببطلانِها وضياعِها فإنَّ ما كانُوا يعملونَ من أعمالِ البرِّ كصلةِ الأرحامِ وقِرَى الأضيافِ وفكِّ الأُسارَى وغيرِها من المكارمِ ليسَ لها أثرٌ منْ أصلِها لعدمِ مقارنتِها للإيمانِ أو أبطلَ ما عملوا من الكيدِ لرسولِ الله ﷺ عن سبيلِه بنصرِ رسوله وإظهارِ دينِه على الدِّينِ كلِّه وهُو الأوفقُ لما سيأتى قولِه تعالى فَتَعْساً لَّهُمْ وأضل أعمالهم وقوله فَإِذَا لَقِيتُمُ الخ
стр. 6611
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ قيلَ هم ناس من قريش وقبل من الأنصارِ وقيلَ هُم مؤمنوا أهلِ الكتابِ وقيلَ عامٌّ للكل ﴿وآمنوا بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ﴾ خُصَّ بالذكرِ الإيمانُ بذلكَ مع اندارجه فيما قبلَهُ تنويهاً بشأنِه وتنبيهاً على سُموِّ مكانِه منْ بينِ سائرِ ما يجبُ الإيمانُ بهِ وأنه الأصلُ في الكُلِّ ولذلكَ أُكِّدَ بقولِه تعالى ﴿وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ﴾ بطريقِ حصرِ الحقِّيةِ فيهِ وقيلَ حقِّيتُه بكونِه ناسخاً غيرَ منسوخٍ فالحقُّ على هذا مقابلُ الزائلِ وعلى الأولِ مقابلُ الباطلِ وأيَّاً ما كانَ فقولُه تعالى من رَبَّهُمْ حالٌ من ضميرِ الحق وقرئ نزَّلَ على البناءِ للفاعلِ وأَنزلَ على البناءينِ ونَزَلَ بالتخفيفِ ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم﴾ أي سترَهَا بالإيمانِ والعملِ الصالحِ ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي حال في الدِّينِ والدُّنيا بالتأييدِ والتوفيقِ
стр. 6612
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما مرَّ من إضلالِ الأعمالِ وتكفيرِ السيئاتِ وإصلاحِ البالِ وهو مبتدأٌ
стр. 6613
٤
خبرُهُ قولُه تعالى ﴿بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ أيْ ذلكَ كائنٌ بسببِ أن الأولين ابتعوا الشيطانَ كما قالَهُ مجاهدٌ ففعلوا ما فعلوا من الكفرِ والصدِّ فبيانُ سببيةِ اتباعِه للإضلالِ المذكورِ متضمنٌ لبيانِ سببيتِهما له لكونِه أصلاً مُستتبعاً لهما قطعاً وبسببِ أنَّ الآخرينَ اتبعُوا الحق الذي لا محيد عنه كائناً من ربِّهم ففعلوا ما فعلوا من الإيمانِ به وبكتابِه ومن الأعمالِ الصالحة فبيانُ سببيةِ اتِّباعِه لما ذُكرَ من التكفيرِ والإصلاحِ بعدَ الإشعارِ بسببيةِ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ له متضمنٌ لبيانِ سببيتِهما له لكونِه مبدأً ومنشأً لهما حتماً فلا تدافُعَ بينَ الإشعارِ والتصريحِ في شئ من الموضعينِ ويجوزُ أن يحمل الباطل ما يُقابلُ الحقَّ وهو الزائلُ الذاهبُ الذي لا أصلَ له أصلاً فالتَّصريحُ بسببيةِ اتباعهِ لإضلالِ أعمالِهم وإبطالِها لبيانِ أنَّ إبطالَها لبطلانِ مبناها وزوالِه وأما حملُه على ما لا يُنتفعُ به فليسَ كَما ينبغِي لِما أنَّ الكفرَ والصدَّ أفحشُ منه فلا وجَه للتصريحِ بسببيتِه لما ذُكر من إضلالِ أعمالِهم بطريقِ القصرِ بعدَ الإشعارِ بسببيتِهما له فتدبر ويجوزُ أنْ يرادَ بالباطلِ نفسُ الكفرِ والصدِّ وبالحقِّ نفسُ الإيمانِ والأعمالِ الصالحةِ فيكونُ التنصيصُ على سببيتِهما لما ذُكَرَ من الإضلالِ ومن التفكير والإصلاحِ تصريحاً بالسببيةِ المُشعرِ بَها في المَوقعينِ ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلكَ الضربِ البديعِ ﴿يَضْرِبُ الله﴾ أيْ يبينُ ﴿لِلنَّاسِ أمثالهم﴾ أي أحوالَ الفريقينِ وأوصافَهما الجاريةَ في الغرابةِ مَجْرى الأمثالِ وهي اتباعُ الأولينِ الباطلَ وخيبتُهم وخُسرانُهم واتباعُ الآخرينَ الحقَّ وفوزُهم وفلاحُهم والفاءُ في قولِه تعالى
стр. 6614
﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ لترتيبِ مَا في حيزِها من الأمرِ على ما قبلها فإنَّ ضلالَ أعمالِ الكفرةِ وخيبتَهم وصلاحَ أحوالِ المؤمنينَ وفلاحَهم ممَّا يُوجبُ أنْ يرتّب على كلَ من الجانبينِ ما يليقُ من الأحكامِ أيْ فإذَا كان الأمر كما ذكر فإذَا لقيتُموهم في المُحاربةِ ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ أصلُه فاضربُوا الرقابَ ضرباً فحُذفَ الفعلُ وقُدِّمَ المصدرُ وأُنيبَ مُنابَهُ مضلفا إلى المفعولِ وفيِه اختصارٌ وتأكيدٌ بليغٌ والتعبيرُ به عن القتلِ تصويرٌ له بأشنعِ صورةٍ وتهويلٌ لأمرِه وإرشاده للغزاةِ إلى أيسرَ ما يكونُ منْهُ ﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أي أكثرتُم قتلَهم وأغلظتموه من الشئ الثخينِ وهو الغليظُ أو أثقلتمُوهم بالقتلِ والجراحِ حتَّى أذهبتُم عنهُم النهوضَ ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ فأْسِرُوهم واحفظُوهم والوَثاقُ اسمٌ لما يُوثقُ بهِ وكذا الوثاقُ بالكسرِ وقَدْ قرئ بذلكَ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ أيْ فإمَّا تمنونَ منًّا بعد ذلكَ أو تفْدونَ فداءً والمَعْنى التخييرُ بين القتلِ والاسترقاقِ والمنِّ والفداءِ وهذا ثابتٌ عند الشافعيِّ رحمَهُ الله تَعَالَى وعندنَا منسوخٌ قالُوا نزلَ ذلكَ يومَ بدرٍ ثُمَّ نُسخَ والحكمُ إما القتلُ أو الاسترقاقُ وعن مجاهدٍ ليسَ اليومَ منٌّ ولا فداءٌ إنما هُو الإسلامُ أو ضرب العنق وقرئ فداً كعَصَا ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ أوزارُ الحربِ آلاتُها وأثقالُها التي
стр. 6615
٥ ٩
لا تقومُ إلا بَها من السلاحِ والكُراعِ وأُسندَ وضعُها إليها وهو لأهلِها إسناداً مجازياً وحتَّى غايةٌ عندَ الشافعيِّ لأحدِ الأمورِ الأربعةِ أو للمجموعِ والمَعْنى أنَّهم لا يزالونَ على ذلكَ أبداً إلى أنْ لا يكونَ مع المشركينَ حربا بأن لا تبقى لهم شوكةٌ وقيلَ بأنْ ينزلَ عيسى ﵇ وأما عندَ أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى فإنْ حُملَ الحربُ على حربِ بدرٍ فهي غايةٌ للمنِّ والفداءِ والمعنى يمنى عليهم ويُفادون حتى تضعَ حربُ بدرٍ أوزارَها وإنْ حُملتْ على الجنسِ فهي غايةٌ للضربِ والشدِّ والمَعْنى أنهم يُقتلون ويؤسرون حتَّى يضع جنسُ الحربِ أوزارَها بأنْ لا يبقى للمشركين شوكةٌ وقيلَ أوزارُها آثامُها أي حتَّى يتركَ المشركونَ شركَهم ومعاصيَهم بأنْ أسلمُوا ﴿ذلك﴾ أي الأمرُ ذلك أو فعلوا ذلك ﴿وَلَوْ يَشَاء الله لانتصر منهم﴾ لا تنقم منهم ببعض أسبابا الهلكةِ والاستئصالِ ﴿ولكن﴾ لم يشأ لذلك ﴿لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ فأمرَكم بالقتالِ وبلاكُم بالكافرينَ لتجاهدُوهم فتستوجيبوا الثوابَ العظيمَ بموجبِ الوعدِ والكافروين بكم ليعالجهم على أيديكُم ببعضِ عذابِهم كيْ يرتدعَ بعضُهم عن الكفرِ ﴿والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي استُشهدوا وقرئ قاتلُوا أي جاهدُوا وقَتلُوا وقُتِلوا ﴿فَلَن يُضِلَّ أعمالهم﴾ أى فلن يضيعها وقرى يضل أعماله على البناءِ للمفعولِ ويضِلَّ أعمالَهم من ضلَّ وعنْ قَتَادةَ أنَّها نزلتْ في يومِ أحدٍ
стр. 6616
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدُّنيا إلى أرشدِ الأمورِ وفي الآخرةِ إلى الثوابِ أو سُيْثبِّتَ هدايتَهم ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾
стр. 6617
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ في الدُّنيا بذكرِ أوصافِها بحيثُ اشتاقُوا إليها أو بيَّنها لهم بحيثُ يعلم كلُّ أحدٍ منزلَه ويهتدي إليهِ كأنه كان ساكنَهُ منذُ خُلقَ وعن مقاتل أنَّ الملكَ الموكلَ بعملهِ في الدُّنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شئ أعطاهُ الله تعالى أو طيَّبها لهم من العَرْفِ وهو طيبُ الرائحةِ أو حدَّدها لهم وأفرزَها من عَرفُ الدَّارِ فجنةُ كلَ منهم محددةٌ مفرزةٌ والجملةُ إمَّا مستأنفةٌ أو حالٌ بإضمار قد أو بدونه
стр. 6618
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله﴾ أي دينَه ورسوله ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ على أعدائِكم ويفتحْ لكُم ﴿وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ في مواطنِ الحربِ ومواقفِها أو على مَحَجةِ الإسلامِ
стр. 6619
﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ التعسُ الهلاكُ والعِثارُ والسقوطُ والشرُّ والبعدُ والانحطاطُ ورجلٌ تاعسٌ وتَعِسٌ وانتصابُه بفعلِه الواجبِ حذفُه سماعاً أي فقالَ تعساً لهم أو فقضى تعساً لهم وقولُه تعالى ﴿وَأَضَلَّ أعمالهم﴾ عطفٌ عليهِ داخلٍ معه في حيزِ الخبريةِ للموصولِ
стр. 6620
﴿ذلك﴾ أي ما ذكر من التعسِ وإضلالِ الأعمالِ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنَّهم ﴿كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله﴾ من القرآنِ
следующие страницы →