Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ﴾ الناس ﴿عن سبيل الله وَشَاقُّواْ الرسول﴾ وعادَوه ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ بما شاهدُوا نعتَه ﵊ في التوراة وبما ظهر على يديهِ من المعجزاتِ ونزلَ عليه من الآياتِ وهم قريظةُ والنضيرُ أو المطعمونَ يومَ بدرٍ ﴿لَن يَضُرُّواْ الله﴾ بكُفرِهم وصدِّهم ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياءِ أو شيئا من الضرر أو لن يضرُّوا رسولَ الله ﷺ بمشاقَّتِه شيئاً وقد حُذفَ المضافُ لتعظيمِه وتفظيعِ مشاقَّته ﴿وَسَيُحْبِطُ أعمالهم﴾ أي مكايدَهُم التي نصبُوها في إبطالِ دينِه تعالى ومُشاقَّةِ رسولِه ﵊ فلا يصلونَ بَها إلى ما كانُوا يبغونَ من الغوائلِ ولا تُثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم
стр. 6652
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تُبْطِلُواْ أعمالكم﴾ بما أبطلَ به هؤلاءِ أعمالَهم من الكفرِ والنفاقِ والعُجبِ والرياءِ والمنِّ والأَذَى ونحوِها وليسَ فيه دليلٌ على إحباطِ الطاعاتِ بالكبائرِ
стр. 6653
﴾ ٨ ٣٤
стр. 6654
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ حكمٌ يعمُّ كلَّ مَن ماتَ على الكُفر وإنْ صحَّ نزولُه في أصحابِ القَليبِ
стр. 6655
﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ أي لا تضعُفوا ﴿وَتَدْعُواْ إِلَى السلم﴾ أي ولا تدْعوا الكفارَ إلى الصلحِ خَوَراً فإنَّ ذلك إعطاءُ الدنيَّةِ ويجوزُ أنْ يكونَ منصُوباً بإضمارِ أنْ على جوابِ النَّهي وقُرِىءَ ولا تدَّعُوا من أدعى القوم تَدَاعَوا نحوُ ارتَموا الصيدَ وترامواه ومنه تراءَوا الهلالَ فإنَّ صيغةَ التَّفاعلِ قد يُرادُ بها صدورُ الفعلِ عن المتعددِ من غير اعتبار وقوعِه عليه ومنه قولُه تعالى عَمَّ يَتَسَاءلُونَ على أحدِ الوجهينِ والفاءُ لترتيبِ النهْيِ على ما سبقَ من الأمرِ بالطَّاعةِ وقولُه تعالى ﴿وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ﴾ جملةٌ حاليةٌ مقررةٌ لمعنى النَّهي مؤكدةٌ لوجوبِ الانتهاءِ وكذا قولُه تعالى ﴿والله مَعَكُمْ﴾ فإنَّ كونَهمُ الأعلينَ وكونَهُ ناصرَهُم من أَقْوى موجباتِ الاجتنابِ عمَّا يُوهم الذلَّ والضراعةَ وكذا نوفيته تعالى لأجور الأعمال حسبما يُعرب عنه قوله تعالى ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم﴾ أيْ ولن يضيَّعها من وتَرتَ الرجلَ إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخٍ أو حميمٍ فأفردَتُه عنه من الوترِ الذي هُو الفردُ وعُبِّرَ عن تركِ الإثابةِ في مقابلةِ الأعمالِ بالوترِ الذي هو إضاعةُ شيءٍ معتدَ به من الأنفس والأموال مع أن الأعمالَ غيرُ موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة إبراز لغايةِ اللطفِ بتصويرِ الثوابِ بصورةِ الحقِّ المستحقِّ وتنزيلِ تركِ الإثابةِ منزلةَ إضاعةِ أعظمِ الحقوقِ وإتلافِها وقد مر في قوله تعالى فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ
стр. 6656
﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ لاثبات لها ولا اعتدادَ بها ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي ثوابَ إيمانِكم وتقواكم من الباقياتِ الصالحاتِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ ﴿ولا يسألكم أموالكم﴾ بحيثُ يخلُّ أداؤُها بمعاشِكم وإنما اقتصرَ على نَزْرٍ يسيرٍ منَها هُو ربعُ العُشرِ تُؤدونَها إلى فقرائكم
стр. 6657
﴿إن يسألكموها﴾ أي أموالَكم ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يُجهدْكُم بطلبِ الكلِّ فإن الإحفاءَ والإلحافَ المبالغةُ وبلوغُ الغايةِ يقالُ أحفَى شاربَهُ إذا أشتأصله ﴿تَبْخَلُواْ﴾ فلا تُعطُوا ﴿وَيُخْرِجْ أضغانكم﴾ أي أحقادَكُم وضميرُ يُخرج لله تعالى ويعضدُه القِراءةُ بنونِ العظمةِ أو للبخل لأنه سبب الأضعان وقُرِىءَ يَخرجُ من الخروجِ بالياء والتاء مسند الى الأضعان
стр. 6658
﴿ها أَنتُمْ هؤلاء﴾ أي أنتُم أيها المخاطبون
стр. 6659
الفتح
﴿
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 6660
﴿أَنَا فتحنا لَكَ﴾ فتحُ البلدِ عبارةٌ عن الظَّفرِ به عُنوةً أو صُلحاً بحِراب أو بدونِه فإنَّه ما لم يُظفرْ به منغلقٌ مأخوذٌ من فتحِ بابِ الدارِ وإسنادُه إلى نونِ العظمةِ لاستنادِ أفعالِ العبادِ إليه تعالى خلقاً وإيجاداً والمرادُ به فتحُ مكةَ شرَّفها الله وهو المرويُّ عن أنسٌ ﵁ بُشّر به رسول الله ﷺ عند انصرافه من الحديبيةِ والتعبيرُ عنه بصيغةِ الماضِي على سَنَنِ سائِر الأخبارِ الربانية لللإيذان بتحققهِ لا محالةَ تأكيداً للتبشيرِ كَما أنَّ تصديرَ الكلامِ بحرفِ التحقيقِ لذلكَ وفيه من الفخامةِ المنبئةِ عن عظمةِ شأنِ المخِبرِ ﷻ وعزَّ سلطانِه ما لا يخفى وقيل هو ما أتيحَ له ﵊ في تلك السنةِ من فتحِ خيبرَ وهو المرويُّ عن مجاهدٍ وقيل هو صلحُ الحديبيةِ فإنَّه وإن لم يكُن فيه حِرابٌ شديدٌ بل ترامٍ بين الفريقينِ بسهامٍ وحجارةٍ لكن لما كان الظهورُ للمسلمين حيثُ سألهم المشركون الصُّلحَ كان فتحاً بلا ريبَ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ رَمَوا المشركين حتى أدخلُوهم ديارهم وعن الكلى ظهرُواً عليهم حتى سألُوا الصُّلحَ وقد رُويَ أنه ﵊ حين
стр. 6661
٤ ﴿
بلغه أنَّ رجلاً قال ما هذابفتح لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدّ هدْيُنا قال بل هو أعظمُ الفتوحِ وقد رضي المشركون أنْ يدفعوكم بالراحِ ويسألوكم القَضيّةَ ويرغبُوا إليكم في الأمانِ وقد رأوا منكم ما يكرهون وعن الشعبيِّ نزلتْ بالحديبيةِ وأصاب رسول الله ﷺ في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ في غزوةٍ حيثُ أصاب أن بويعَ بَيعةَ الرضوانِ وغُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخرَ وبلغ الهديُ محِلَّه وأُطعِموا نخلَ خيبرَ وظهرتِ الرُّوم على فارسَ ففرحَ به المسلمون وكان في فتح الحديبيةِ آيةٌ عظييمة هي أنه نُزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرةٌ فتمضمضَ رسولُ الله ﷺ ثم مجَّه فيها فدرَّتْ بالماءِ حتى شربَ جميعُ من كان معه وشِبعَ وقيل فجاش الماءُ حتى امتلأتْ ولم ينفدْ ماؤها بعدُ وقيل هو جميعُ ما فتحَ له ﵊ من الفتوحِ وقيل هو ما فتح الله له ﵊ من الإسلامِ والنبوةِ والدعوةِ بالحجةِ والسيفِ ولا فتحَ أبينُ منه وأعظمُ وهو رأسُ الفتوحِ كافةً إذ لا فتحَ من فتوحِ الإسلامِ إلا وهو شعبة من شعبةٌ وفرعٌ من فروعِه وقيل الفتحُ بمعنى القضاءِ ومنه انفتاحة للحكومةِ والمعنى قضينا لك على أهلِ مكةَ أنْ تدخلَها من قابلٍ وهو المروى عن قتادة رضى الله عنه وأيَّا ما كانَ فحذفُ المفعولِ للقصدِ إلى نفسِ الفعلِ والإيذانِ بأن مناطَ التبشيرِ نفسُ الفتحِ الصادرِ عنه سبحانَهُ لا خصوصيةُ المفتوحِ ﴿فَتْحاً مُّبِيناً﴾ بيناً ظاهرَ الأمرِ مكشوفَ الحالِ أو فارقاً بين الحقِّ والباطلِ وقولُه تعالى
стр. 6662
﴿لّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ غايةٌ للفتحِ منْ حيثُ إنَّه مترتبٌ على سعيهِ ﵊ في إعلاءِ كلمةِ الله تعالى بمكابدةِ مشاقِّ الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوبِ والالتفاتُ إلى اسم الذاتِ المستتبعِ لجميعِ الصفاتِ للإشعار بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا انتظم في سلك الغايةِ من أفعالِه تعالى صادرٌ عنه تعالى من حيثيةٍ غيرِ حيثيةِ الآخرِ مترتبةٍ على صفةٍ من صفاته تعلى ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي جميعَ ما فرَطَ منكَ من تركِ الأَوْلى وتسميتُه ذنباً بالنظرِ إلى منصبه الجليلِ ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإعلاءِ الدِّين وضمِّ الملكِ إلى النبوةِ وغيرهما مما أفاضَه عليه من النِّعم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ ﴿وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً﴾ في تبليغِ الرسالةِ وإقامةِ مراسمِ الرياسةِ وأصلُ الاستقامةِ وإن كانتْ حاصلةً قبلَ الفتحِ لكنْ حصلَ بعد ذلكَ من اتِّضاحِ سبلِ الحق واستقامة مناهجه مالم يكُنْ حاصلاً قبلُ
стр. 6663
﴿وَيَنصُرَكَ الله﴾ إظهارُ الاسمِ الجليلِ لكونِه خاتمةَ الغاياتِ ولإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأنِ النصرِ كما يعربُ عنه تأكيدُه بقولِه تعالى ﴿نَصْراً عَزِيزاً﴾ أي نصراً فيه عزة ومنعة أو قوياً منيعاً على وصفِ المصدرِ بوصفِ صاحبِه مجازاً للمبالغةِ أو عزيزاً صاحبُه
стр. 6664
﴿هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة﴾
стр. 6665
٦ ٥
بيانٌ لما أفاضَ عليهم من مبادىء الفتحِ من الثباتِ والطُّمأنينةِ أي أنزلَها ﴿فِى قُلُوبِ المؤمنين﴾ بسبب الصلحِ والأمنِ إظهاراً لفضلِه تعالى عليهم بتيسيرِ الأمنِ بعد الخوفِ ﴿لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم﴾ أي يقيناً مُنضماً إلى يقينِهم أو أنزل فيها السكونَ إلى ما جاءَ به عليه والصلاة والسلامُ من الشرائعِ ليزدادُوا إيماناً بها مقروناً مع إيمانِهم بالوحدانيةِ واليومِ الآخرِ عن ابن عباس ﵄ أنَّ أولَ ما أتاهُم به النبيُّ ﷺ التوحيدُ ثم الصلاةُ والزكاةُ ثم الحجُّ والجهادُ فازدادُوا إيماناً معَ إيمانِهم أو أنزلَ فيها الوقارَ والعظمةَ لله تعالى ولرسولِه ليزدادوا باعتقادِ ذلك إيماناً إلى إيمانهم ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾ يدبرُ أمَرها كيفما يريدُ يسلطُ بعضَها على بعضٍ تارةً ويوقعُ بينهما السلمَ أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصاح ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ مُبالغاً في العلمِ بجميعِ الأمورِ ﴿حَكِيماً﴾ في تقديرِه وتدبيرِه وقولُه تعالى
стр. 6666
﴿لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا﴾ متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ ما ذُكر من كونِ جنودِ السمواتِ والأرضِ لهُ تعالى من مَعْنى التصرفِ والتدبيرِ أي دبرَ ما دبرَ من تسليطِ المؤمنينَ ليعرفُوا نعمةَ الله في ذلكَ ويشكرُوها فيدخلَهم الجنةَ ﴿وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم﴾ أي يُغطيها ولا يُظهرها وتقديمُ الإدخالِ في الذكرِ على التكفيرِ مع أن الترتيبَ في الوجودِ على العكسِ للمسارعةِ إلى بيانِ ما هو المطلبُ الأَعْلى ﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي ما ذُكِرَ من الإدخالِ والتكفيرِ ﴿عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً﴾ لا يُقادرُ قدره لأنَّه مُنتهى ما يمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ من جلبِ نفعٍ ودفعِ ضُرَ وعندَ الله حالٌ منْ فَوزاً لأنَّه صفتُه في الأصلِ فلمَّا قدمَ عليهِ صارَ حالاً أي كائناً عَندَ الله أي في علمِه تعالى وقضائِه والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله
стр. 6667
﴿وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ عطفٌ على يُدخل وفي تقديمِ المنافقينَ على المشركين مالا يَخفْى من الدلالةِ على أنَّهم أحقُّ منُهم بالعذابِ ﴿الظانين بالله ظَنَّ السوء﴾ أي ظنَّ الأمرِ السوءِ وهو أنْ لا ينصرَ رسولَه والمؤمنين ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء﴾ أي ما يظنونَهُ ويتربصونَهُ بالمؤمنينَ فهو حائقٌ بهم ودائرٌ عليهم وقُرِىءَ دائرةُ السُّوء بالضمِّ وهُمَا لُغتانِ من ساءَ كالكُره والكَره خلا أنَّ المفتوحَ غلبَ في أنْ يضافَ إليهِ ما يُرادُ ذمُّه من كلِّ شيءٍ وأما المضمومُ فجارٍ مَجْرى الشرِّ ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ عطفٌ على ما استحقُّوه في الآخرةِ على ما استوجبُوه في الدينا والواوُ في الأخيرينِ مع أنَّ حقَّهما الفاءُ المفيدةُ لسببيةِ ما قبلَها لما بعدَها للإيذانِ باستقلالِ كلَ منهُما في الوعيدِ وأصالتِه من غيرِ اعتبارِ استتباعِ بعضِها لبعضٍ ﴿وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ أي جهنمُ
стр. 6668
﴾ ١ ٧
стр. 6669
﴿ولله جنود السماوات والأرض وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً﴾ إعادةٌ لما سبقَ قالُوا فائدتُها التنبيهُ على أنَّ لله تعالى جنودَ الرحمةِ وجنودَ العذابِ وأنَّ المرادَ ههنا جنودُ العذابِ كما يُنْبىء عنه التعرُّضُ لوصفِ العزةِ
стр. 6670
﴿إِنَّا أرسلناك شَاهِداً﴾ أيْ على أُمتكَ لقولِه تعالى وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴿وَمُبَشّراً﴾ على الطاعةِ ﴿وَنَذِيرًا﴾ على المعصيةِ
стр. 6671
﴿لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ الخطابَ للنَّبيِّ ﵊ ولأُمَّتهِ ﴿وَتُعَزّرُوهُ﴾ وتقوُّوه بتقويةِ دينِه ورسولِه ﴿وَتُوَقّرُوهُ﴾ وتُعظِّمُوه ﴿وَتُسَبّحُوهُ﴾ وتنزهوه أو تصلّوا له من السُّبحة ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ غدوة وعشياً عن ابن عباس ﵄ صلاةُ الفجرِ وصلاةُ الظهرِ وصلاةُ العصرِ وقُرىءَ الأفعالُ الأربعةُ بالياءِ التحتانيةِ وقُرِىءَ وتُعزِرُوه بضمِّ التاءِ وتخفيفِ الزَّاي المكسورةِ وقُرِىءَ بفتحِ التَّاءِ وضمِّ الزَّاي وكسرِها وتُعززوه بزاءينِ وتُوقِروه منْ أوقَرهُ بمعنى وَقَّره
стр. 6672
﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ﴾ أيْ على قتالِ قُريشٍ تحتَ الشجرةِ وقولُه تعالى ﴿إِنَّمَا يبايعون الله﴾ خبران يعني أنَّ مبايعتَكَ هي مبايعةُ الله لأنَّ المقصودَ توثيقُ العهدِ بمراعاةِ أوامِره ونواهِيه وقولُه تعالى ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ حال أو استئناف مؤكدله على طريقةِ التخييلِ والمَعْنى أنَّ عقدَ الميثاقِ مَعِ الرسولِ كعقدِه مع الله تعالى من غيرِ تفاوتٍ بينَهما كقولِه تعالى مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وقُرِىءَ إنَّما يُبايعونَ الله أي لأجلِه ولوجهِه ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ أي فمنَ نقضَ عهدَهُ فإنَّما يعودُ ضررُ نكثِه على نفسِه وقُرِىءَ بكسرِ الكافِ ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله﴾ بضمِّ الهاءِ فإنَّه أبقَى بعد حذفِ الواوِ توسلاً بذلك الى تفخيم لامن الجلالةِ وقُرىءَ بكسرِها أيْ ومَنْ وفَّى بعهدِه ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ هُو الجنةُ وقُرِىءَ بما عَهد وقُرِىءَ فسنؤتيِه بنونِ العظمةِ
стр. 6673
﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب﴾ هم أعرابُ غِفارِ ومُزينةَ وجُهينةَ وأشجعَ وأسلمَ والدِّيلِ تخلفُوا عن رسولِ الله ﷺ حينَ استنفرَ من
стр. 6674
﴾ ﴿
حولَ المدينةِ من الأعرابِ وأهلِ البوادِي ليخرجُوا معه عند إرادتِه المسيرَ إلى مكةَ عامَ الحديبيةِ معُتمراً حذراً من قريشٍ أنْ يتعرضُوا له بحربٍ أو يصدُّوه عن البيتِ وأحرمَ ﵊ وساقَ معه الهديَ ليعلم أنَّه لا يريدُ الحربَ وتثاقلُوا عن الخروجِ وقالُوا نذهبُ إلى قومٍ قد غزَوه في عقرِ دارِه بالمدينةِ وقتلوا أصحابه فنقاتلهم فأَوْحَى الله تعالى إليه ﵊ بأنَّهم سيعتلونَ ويقولونَ ﴿شَغَلَتْنَا أموالنا وَأَهْلُونَا﴾ ولم يكُن لنا مَنْ يخلفنَا فيهم ويقومُ بمصالحِهم ويحميهمِ من الضياعِ وقُرِىءَ شَغَّلتنَا بالتشديدِ للتكثيرِ ﴿فاستغفر لَنَا﴾ الله تعالى ليغفرَ لنَا تخلفنَا عنْكَ حيثُ لم يكن ذلكَ باختيارٍ بلْ عنِ اضطرارٍ ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ بدلٌ من سيقولُ أو استئنافٌ لتكذيبِهم في الاعتذارِ والاستغفارِ ﴿قُلْ﴾ رَدَّاً لهم عندَ اعتذارِهم إليكَ بأباطيلِهم ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً﴾ أي فَمنْ يقدر لأجلكم من مشيئته الله تعالى وقضائِه على شيءٍ من النفعِ ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً﴾ أيْ مَا يُضرُّكم من هلاكِ الأهلِ والمالِ وضياعِهما حتَّى تتخلفُوا عنِ الخروجِ لحفظِهما ودفعِ الضررِ عنهُما وقُرىءَ ضُراً بالضمِّ ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ أيْ ومَنْ يَقْدِرُ على شَىْء من الضررِ إنْ أرادَ بكُم ما يُنفعكُم من حفظِ أموالِكم وأهليكِم فأيُّ حاجةٍ إلى التخلفِ لأجلِ القيامِ بحفظِهما وهذا تحقيقٌ للحقِّ ورَدٌّ لهم بموجبِ ظاهرِ مقالتِهم الكاذبةِ وتعميمُ الضرِّ والنفعِ لما يُتوقع على تقديرِ الخروجِ من القتلِ والهزيمةِ والظفرِ والغنيمةِ يردُّه قوله تعلى ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فإنه إضرابٌ عمَّا قالُوا وبيانٌ لكذبِه بعدَ بيانِ فسادِه عَلى تقديرِ صدقهِ أي ليسَ الأمرُ كَما تقولونَ بلْ كانَ الله خبيراً بجميعِ ما تَعْمَلُونَ منَ الأعمالِ التي من جُملتها تخلفُكم وما هُو من مباديِه وقولُه تعالى
стр. 6675
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ الخ بدلٌ من كان الخ مفسرٌ لما فيه من الإبهامِ أي بل ظننتُم ﴿أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ بأن يستأصلَهم المشركون بالمرةِ فخشِيتم إنْ كنتُم معهم أن يصيبكم مااصابهم فلأجلِ ذلك تخلفتُم لا لما ذكرتُم من المعاذير الباطلةِ والأهلونَ جمعُ أهلٍ وقد يُجمع على أهلاتٍ كأرضات على تقديره تاءِ التأنيثِ وأمَّا الأهالي فاسمُ جمعٍ كالليالي وقُرِىءَ إلى أهلِهم ﴿وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ وقبِلتموه واشتغلتُم بشأنِ أنفسِكم غيرَ مُبالينَ بهم وقُرىءَ زَيَّنَ على البناءِ للفاعلِ بإسنادِه إلى الله سبحانَهُ أو إلى الشيطانِ ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ المرادُ به إما الظنُّ الأولُ والتكريرُ لتشديدِ التوبيخِ والتسجيلِ عليه بالسوءِ أو ما يعمُّه وغيرَهُ من الظنونِ الفاسدةِ التي من جُمْلتها الظنُّ بعدمِ صحةِ رسالتِه ﵊ فإنَّ الجازمَ بصحتِها لا يحوم حول فكره ما ذُكِرَ من الاستئصال ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي هالكينَ عند الله مستوجبينَ لسخطِه وعقابِه على أنه جمعُ بائرٍ كعائذٍ وعوذٍ أو فاسدينَ في أنفسِكم وقلوبِكم ونياتكم لاخير فيكُم وقيلَ البُور من بار كالهلك من ملك بناء ومعنى لذلك وصفَ به الواحدُ والجمعُ المذكر والمؤنثُ
стр. 6676
﴾ ٥ ١ ﴿
стр. 6677
﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ﴾ كلامٌ مبتدأٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ مقررٌ لبوارهم ومبينٌ لكيفيتِه أي ومَنْ لم يؤمنْ بهما كدأبِ هؤلاءِ المخلفينَ ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سَعِيراً﴾ أي لَهم وإنما وُضع موضعَ الضميرِ الكافرونَ إيذاناً بأنَّ منْ لم يجمعْ بينَ الإيمانِ بالله وبرسولِه فهو كافرٌ وأنه مستوجبٌ للسعيرِ بكفرِه وتنكيرُ سعيراً للتهويلِ أو لأنَّها نارٌ مخصوصةٌ
стр. 6678
﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ وما فيهما يتصرف في الكلِّ كيفَ يشاءُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يغفرَ له ﴿وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يعذَبهُ من غيرِ دخلٍ لأحدٍ في شيءٍ منهُمَا وجُوداً وعدماً وفيه حسمٌ لأطماعِهم الفارغةِ في استغفارِه ﵊ لهم ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ مُبالغاً في المغفرةِ والرحمةِ لمن يشاءُ ولا يشاءُ إلا لمن تقتضِي الحكمةُ مغفرتَهُ ممن يؤمنُ به وبرسولِه وأما من عداهُ من الكافرينَ فهمُ بمعزلٍ من ذلك قطعاً
стр. 6679
﴿سَيَقُولُ المخلفون﴾ أي المذكورونَ وقوله تعالى ﴿إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ ظرفٌ لما قبله لا شرطٌ لما بعدَهُ أي سيقولونَ عند انطلاقِكم إلى مغانمِ خيبرَ لتحوزُوها حسبما وعدكُم إيَّاها وخصَّكم بها عوضاً مما فاتكُم من غنائمِ مكةَ ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبرَ ونشهدْ معكم قتالَ أهلها ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله﴾ بأنْ يشاركُوا في الغنائمِ التي خصَّها بأهلِ الحديبيةِ فإنه ﵊ رجعَ من الحديبيةِ في ذي الحجةِ من سنة ستَ وأقام بالمدينةِ بقيتها وأوائلَ المحرمِ من سنة سبعٍ ثم غزا خيبرَ بمن شهدَ الحديبيةَ ففتحَها وغنم أموالاً كثيرةً فخصَّها بهم حسبما أمره الله وقُرىء كلمَ الله وهو جمع كلمة وأياما كانَ فالمرادُ ما ذُكِرَ من وعدِه تعالى غنائمَ خيبرَ لأهلِ الحديبيةِ خاصَّة لا قولُه تعالى لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا فإنَّ ذلكَ في غزوةِ تبوكَ ﴿قُلْ﴾ إقناطاً لهم ﴿لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ أي لا تتبعونا فإنه نفي مَعْنى النهي للمبالغةِ ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ أي عندَ الانصرافِ من الحديبيةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ للمؤمنين عند سماعِ هَذا النهي ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي ليسَ ذلكَ النهيُ حكمَ الله بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائمِ وقرىء تحسدوننا بكسر السين وقوله تعالى ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي لا يفهون ﴿إِلَاّ قَلِيلاً﴾ إلا فهماً قليلا وهم فطنتهم لأمرور الدينا ردٌّ لقولِهم الباطلِ ووصفٌ لهم بما هُو أعظمُ من الحسدِ وأَطمُّ من الجهلِ
стр. 6680
﴾ ٨ ١٦
المفرطِ وسوءِ الفهمِ في أمورِ الدينِ
стр. 6681
﴿قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب﴾ كررَ ذكرَهُم بهذا العنوانِ مبالغةً في ذمِّهم ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم بنُو حنيفةَ قومُ مسيلِمَةَ الكذابِ أو غيرُهم ممن ارتدُّوا بعد رسول الله ﷺ أو المشركونَ لقولِه تعالى ﴿تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي يكونُ أحدُ الأمرينِ إما المقاتلةُ أبداً أو الإسلامُ لا غيرُ كما يُفصحُ عنه قراءةُ أو يسلمُوا وأمامن عداهُم فينتهي قتالَهم بالجزيةِ كما ينتهِي بالإسلامِ وفيه دليلٌ على إمامةِ أبي بكرٍ ﵁ إذ لم تتفقْ هذه الدعوةُ لغيرِه إلا إذا صحَّ أنهم ثقيف وهوازن فإنَّ ذلك كان في عهدِ النبوةِ فيخصَّ دوامُ نفي الاتباعِ بَما في غزوةِ خيبرَ كما قالَهُ محيى السنةِ وقيلَ هم فارسُ والرومُ ومعنى يُسلمون ينقادونَ فإنَّ الرومَ نَصَارى وفارسَ مجوسٌ يُقبل منهم الجزيةُ ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ هو الغنيمةُ في الدنيا والجنةُ في الآخرةِ ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ﴾ عن الدعوةِ ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ﴾ في الحديبيةِ ﴿يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ لتضاعفِ جُرمكم
стр. 6682
﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلَا عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ أي في التخلفِ عنِ الغزوِ لِما بِهمْ من العذر والعاهة فإن التكلف يدورُ على الاستطاعةِ وفى نفي الحرجِ عن كلِّ من الطوائفِ المعدودةِ مزيدُ اعتناءٍ بأمرِهم وتوسيعٌ لدائرةِ الرُّخصةِ ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ فيما ذُكِرَ من الأوامر النواهى ﴿يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ وقُرِىءَ نُدْخِلْهُ بنون العظمة ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي عن الطاعةِ ﴿يُعَذّبْهُ﴾ وقرىء بالنونِ ﴿عذابا أليما﴾ لا يقدر قدرُهُ
стр. 6683
﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين﴾ هم الذينَ ذُكِرَ شأنُ مبايعتِهم وبهذهِ الآيةِ سُميتْ بَيعةَ الرضوانِ وقولُه تعالى ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ منصوب برضى وضيغة المضارعِ لاستحضارِ صورتِها وتحتَ الشجرِة متعلقٌ به أو بمحذوف هو حال من مفعولِه رُويَ أنَّه ﵊ لما نزلَ الحديبية بعثَ خراشَ بنَ أمية الخزاعى رسولا االى أهلِ مكةَ فهمُّوا بهِ فمنَعُه الأحابيشُ فرجعَ فبعثَ عثمانَ بنَ عفانَ ﵁ فأخبرَهُم أنَّه ﵊ لم يأتِ لحربٍ وإنما جاء زائراً لهذا البيتِ مَعظماً لحرمتِه فوقّرُوه وقالُوا إنْ شئتَ أنْ تطوفَ بالبيتِ فافعلْ فقالَ ما كنتُ لأطوفَ قبلَ أنْ يطوفَ رسول الله ﷺ واحتبسَ عندهُم فأُرْجِفَ بأنَّهم قتلُوه فقالَ ﵊ لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ ودعا الناسَ إلى البيعةِ فبايعُوه تحتَ الشجرةِ وكانتْ
стр. 6684
﴾ ٩ ٢ ﴿
سَمُرةً وقيلَ سِدرةً على أن يقاتِلُوا قريشاً ولا يفرُّوا ورُويَ على الموتِ دونَهُ وأنْ لا يفرُّوا فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ أنتمُ اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ وكانُوا ألفاً وخمسَمائةٍ وخمسةً وعشرينَ وقيلَ ألفاً وأربعمائةِ وقيلَ ألفاً وثلثَمائةِ وقولُه تعالى ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على يُبايعونك لما عرفتَ من أنَّه بمعنى بايعوك لاعلى رضيَ فإن رضاهُ تعالى عنهم مترتبٌ على علمِه تعالى بِمَا فِي قُلُوبِهِم من الصدقِ والإخلاصِ عند مبايعتهم له ﷺ وقولُه تعالَى ﴿فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ﴾ عطفٌ على رضيَ أي فأنزلَ عليهم الطُّمأنينةَ والأمنَ وسكونَ النفسِ بالربطِ على قلوبِهم وقيلَ بالصلحِ ﴿وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً﴾ هو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما مرَّ تفصيلُه وقُرِىءَ وآتاهُم
стр. 6685
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ أي مغانمَ خيبرَ والالتفاتُ إلى الخطابِ على قراءةِ الأعمشِ وطلحةَ ونافعٍ لتشريفِهم في مقامِ الامتنانِ ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ غالباً ﴿حَكِيماً﴾ مراعياً لمقتضَى الحكمةِ في أحكامِه وقضاياهُ
стр. 6686
﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي ما يُفيؤُه على المؤمنينَ إلى يومِ القيامةِ ﴿تَأْخُذُونَهَا﴾ في أوقاتِها المقدرةِ لكلِّ واحدةٍ منها ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ أي غنائمَ خيبرَ ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ﴾ أي أيدِي أهلِ خيبرَ وحلفائِهم من بني أسدٍ وغطفانَ حيثُ جاءُوا لنُصرتِهم فقذفَ الله في قلوبِهم الرعبَ فنكصُوا وقيلَ أيدِيَ أهلِ مكةَ بالصلحِ ﴿ولتكون آية لّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أمارةً يعرِفونَ بها صدق رسول الله ﷺ وعدِه إيَّاهُم عندَ رجوعِه من الحديبيةِ ما ذُكِرَ من المغانمِ وفتحِ مكةَ ودخولِ المسجدِ الحرامِ واللامُ متعلقةٌ إمَّا بمحذوفٍ مؤخرٍ أي ولتكونَ آيةً لهم فعلَ ما فعلَ من التعجيلِ والكفِّ أو بَما تعلَّق به علةٌ أخرى محذوفةٌ من أحدِ الفعلينِ أي فعجل لكم هذه أو كفَّ أيديَ الناسِ لتغتنمُوها ولتكونَ الخ فالواوُ على الأولِ اعتراضيةٌ وعلى الثانية عاطفةٌ ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ بتلك الآيةِ ﴿صراطا مُّسْتَقِيماً﴾ هو الثقةُ بفضلِ الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وما تذرون
стр. 6687
﴿وأخرى﴾ عطف على هذه أي فعجل لكم هذه المغانمَ ومغانمَ أُخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ وهي مغانمُ هوازنَ في غزوةِ حُنينٍ ووصفُها بعدمِ القدرةِ عليها لما كانَ فيها من الجولةِ قبل ذلكَ لزيادةِ ترغيبِهم فيها وقولُه تعالى ﴿قَدْ أحاط الله بها﴾ صفةٌ أُخرى لأُخرى مفيدةٌ لسهولةِ تأتِّيها بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى بعد بيانِ صعوبةِ منالها بالنظرِ إلى قدرتهم أى قد قدَر الله عليها واستولَى وأظهركُم عليها وقيل حفظَها لكُم ومنعها من غيرِكم هذا وقد قيلَ إنَّ أُخرى منصوبٌ بمضمرٍ يُفسرِه قد أحاط الله بها أي وقضى الله أُخرى ولا ريب في أن الإخبارَ بقضاءِ الله إيَّاها بعد اندراجِها في جُملةِ المغانمِ الموعودةِ بقولِه تعالى وعدكم مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ليس فيه مزيدُ فائدةٍ وإنما الفائدةُ
стр. 6688
﴾ ٢ ٢٥
في بيانِ تعجيلِها ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً﴾ لأن قدرتَهُ تعالى ذاتية لا تختص بشئ دون شئ
стр. 6689
﴿وَلَوْ قاتلكم الذين كَفَرُواْ﴾ أي أهلُ مكةَ ولم يُصالِحوكُم وقيلَ حلفاءُ خيبرَ ﴿لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ مُنهزمينَ ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً﴾ يحرسُهم ﴿وَلَا نَصِيراً﴾ ينصرُهم
стр. 6690
﴿سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ أي سنَّ الله غلبةَ أنبيائِه سنةً قديمةً فيمَنْ مَضَى منَ الأممِ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ أي تغييراً
следующие страницы →