← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ هُم عامةُ الكفرةِ وقيلَ اليهودُ لما رُوي أنَّها نزلتْ في بعض فقراء المسملين كانُوا يواصلونَ اليهودَ ليصيبُوا من ثمارِهِم ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الأخرة﴾ لكفرِهِم بهَا أو لعلهم بأنَّه لا خلاقَ لهُمْ فيهَا لعنادِهِم الرسولَ المنعوتَ في التوراة المجيد بالآياتِ ﴿كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور﴾ أيْ كَما يئسَ منها الذينَ ماتُوا منهُم لأنَّهم وقفُوا على حقيقةِ الحالِ وشاهدُوا حرمانَهُم من نعيمِهَا المقيمِ وابتلاءَهُم بعذابِهَا الأليمِ والمرادُ وصفهُم بكمالِ اليأسِ منهَا وقيلَ المَعْنَى كما يئسُوا من موتاهُم أنْ يُبعثوا ويرجعُوا إلى الدُّنيا أحياءً والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للإشعار بعلة بأسهم عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الممتحنةِ كانَ لهُ المؤمنونَ والمؤمناتُ شفعاءَ يومَ القيامة

стр. 7352

﴾ ﴿ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 7353

﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ الكلامُ فيه كالذي مر في نظيره

стр. 7354

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ المسلمينَ قالُوا لو علمنَا أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى لبذلنَا فيه أموالَنا وأنفسَنا فلما نزلَ الجهادُ كرهوهُ فنزلت وما قيل من أن النازل قوله تعالى إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً بيّن الاختلال وروي أنهم قالوا يا رسولَ الله لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه فنزلت هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة إلى قوله تعالى وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فولَّوا يومَ أحدٍ وفيه التزامُ أنَّ ترتيبَ الآياتِ الكريمةِ ليسَ على ترتيبِ النزولِ وقيل لما أخبرَ الله تعالى بثوابِ شهداءِ بدرٍ قالتِ الصحابةُ اللَّهم أشهدْ لئِن لقِينا قتالاً لنُفْرغَن فيهِ وُسعنا ففرّوا يومَ أحدٍ فنزلتْ وقيلَ إنَّها نزلتْ فيمن يمتدح كاذباً حيثُ كانَ الرجلُ يقولُ قتلتُ ولم يقتُلْ ولم يَطعنْ وهكذا وقيلَ كانَ رجلٌ قد آذَى المسلمينَ يومَ بدرٍ ونكى فيهم فقتله صهيب وانثحل قتلَهُ آخرُ فنزلتْ في المنتحِلِ وَقِيلَ نزلتْ في المنافقينَ ونداؤُهم بالإيمانِ تهكمٌ وبإيمانهم وليس بذلك كما ستعرفُهُ ولمَ مركبةٌ من اللامِ الجارةِ وما الاستفهاميةِ قد حذفتْ ألفُها تخفيفا لكثرة استعمالها معاً كما في عَمَّ وفيما نظائرهما معنَاها لأيِّ شيءٍ تقولونَ نفعل مالا تفعلونَ من الخيرِ والمعروفِ على أنَّ مدارَ التعبيرِ والتوبيخِ في الحقيقةِ عدمُ فعلِهم وإنَّما وجها إلى قولِهِم تنبيهاً على تضاعفِ معصيتِهِم ببيانِ أنَّ المنكرَ ترك وليس تركَ الخيرِ الموعودِ فقط بلِ الوعدَ بهِ أيضاً وقد كانُوا يحسبونَهُ معروفاً ولو قيلَ لمَ لا تفعلوا ما تقولونَ لفُهم منهُ أنَّ المنكرَ هُو تركُ الموعودِ

стр. 7355

﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ بيانٌ لغايةِ قُبحِ ما فعلوهُ وفرطِ سماجتِه وكبُرَ من بابِ نِعْمَ وبِئْسَ فيه ضميرٌ مبهمٌ مفسرٌ بالنكرةِ بعدهُ وأنْ تقولُوا هو المخصوصُ بالذمِّ وقيل قُصدَ فيهِ التعجبُ من غيرِ لفظِهِ وأُسْندَ إلى أنْ تقولُوا ونصبُ مقتاً على تفسيرِهِ دلالةٌ على أن قولهم مالا يفعلونَ مقتٌ خالصٌ لا شوبَ فيهِ كبُرَ عندَ من يحقرُ دونَهُ كلُّ عظيمٍ

стр. 7356

٥ ٤ وقوله تعالى

стр. 7357

﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ بيانٌ لِما هو مرضيٌّ عنده تعالى بعد بيانِ ما هو ممقوتٌ عندهُ وهذا صريحٌ في أنَّ ما قالُوه عبارةٌ عن الوعدِ بالقتالِ لا عما تقوله المتمدح أو انتحلَهُ المنتحِلُ أو أعاده المنافقُ وأنَّ مناطَ التعبيرِ والتوبيخِ هو إخلافُهم لا وعدُهم كما أشيرَ إليهِ وقُرِىءَ يقاتَلُونَ بفتح التاء ويقاتلون وصفا مصدرٌ وقعَ موقعَ الفاعلِ أو المفعول نصبه على الحاليةِ من فاعلِ يقاتلونَ أي صافِّينَ أنفسَهُم أو مصفوفِينَ وقولُه تعالى ﴿كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ﴾ حالٌ من المستكن في حال الأُولى أي مشبهينَ في تراصِّهِم من غيرِ فُرجةٍ وخللٍ ببنيانٍ رُصَّ بعضُهُ إلى بعضٍ ورُصفَ حتى صار شيئاً واحداً وقولُه تعالى

стр. 7358

﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مقرِّرٌ لما قبله من شناعة تركِ القتالِ وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبي ﵊ بطريقِ التلوينِ أيْ واذكُر لهؤلاءِ المعرضينَ عن القتالِ وقتَ قولِ مُوسى لبني إسرائيلَ حينَ ندبَهُم إلى قتال الجبابرة بقوله يا قوم ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا على أدباركم فتنقلبلوا خاسربن فلم يمتثلُوا بأمرِهِ وعَصوه أشدَّ عصيانٍ حيثُ قالُوا يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون إلى قولِهِ تعالى فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنا ههنا قاعدون وأصرُّوا على ذلكَ وآذُوه ﵊ كلُّ الآذية ﴿يا قوم لِمَ تُؤْذُونَنِى﴾ أي بالمخالفةِ والعصيانِ فيما أمرتكُم بهِ وقولُه تعالَى ﴿وَقَد تَّعْلَمُونَ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ لإنكارِ الإيذاءِ ونفيِ سببِهِ وقدْ لتحقيقِ العلمِ وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على استمرارِهِ أي والحالُ أنَّكم تعلمونَ علماً قطعياً مستمراً بمشاهدةِ ما ظهر بيديَّ من المعجزاتِ القاهرةِ التي معظمُها إهلاكُ عدوِّكُم وإنجاؤُكم من ملكتِهِ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ لأرشدَكم إلى خيرِ الدُّنيا والآخرةِ ومن قضيةِ علمكم بذلكَ أن تبالغُوا في تعاظيمى وتسارعُوا إلى طاعتِي ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ﴾ أي أصرُّوا على الزيغِ عن الحقُّ الذي جاءَ به موسَى ﵇ واستمرُّوا عليهِ ﴿أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ صرفَها عن قبولِ الحقِّ والميلِ إلى الصوابِ لصرفِ اختيارِهِم نحو الغيِّ والضلالِ وقولُهُ تعالى ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الفاسقين﴾ اعتراضٌ تذييليُّ مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغةِ ومؤذنٌ بعلتِهِ أيْ لا يهدِي القومَ الخارجينَ عن الطاعةِ ومنهاجِ الحقِّ المُصرِّين على الغَوايةِ هدايةً موصلةً إلى ما يوصل إليها فإنها شاملةٌ للكُلِّ والمرادُ بهم إما المذكرورن خاصَّة والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم بالفسقِ وتعليلِ عدم الهدية بهِ أو جنسِ الفاسقينَ وهم داخلون ف حُكمه دخولاً أولياً وأيّاً ما كانَ فوصفُهم بالفسقِ ناظرٌ إلى ما في قولِهِ تعالى فافرق بَيْنَنَا وبين القوم الفاسقين هذا هُو الذي تقتضيهِ جزالةُ النظمِ

стр. 7359

٨ ٦ الكريمِ ويرتضيهِ الذوقُ السليمُ وأما ما قيلَ بصددِ بيانِ أسبابِ الأذيةِ من أنهم كانُوا يؤذونَهُ عليهِ الصلاة اولسلام بانواع الأذى من انقاصه وعيبِهِ في نفسِهِ وجحودِ آياتِهِ وعصيانِهِ فيما تعودُ إليهِم منافعُهُ وعبادتِهِم البقرَ وطلبِهِم رؤيةَ الله جهرةً والتكذيبِ الذي هو تضييعُ حقِّ الله وحقِّه فممَّا لا تعلُّقَ له بالمقامِ وقوله تعالى

стр. 7360

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ إمَّا معطوفٌ على إذ الأُولى معمولٌ لعاملِهَا وإما معمولٌ لمضمرٍ معطوفٍ على عاملها ﴿يا بني إسرائيل﴾ ناداهُم بذلكَ استمالةً لقلوبِهِم إلى تصديقه في قولِهِ ﴿إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة﴾ فإنَّ تصديقَهُ عيه الصلاةُ والسلامُ إيِّاها من أَقْوى الدَّواعي إلى تصديقِهِم إيَّاه وقولُهُ تعالَى ﴿وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى﴾ معطوف على مصدقا داع الى تصدقيه ﵊ مثلَه من حيثُ إن البشارةَ به واقعة في التوراة والعاملُ فيهما ما في الرسولِ من مَعْنَى الإرسالِ لا الجارُّ فإنَّه صلةٌ للرسولِ والصلاتُ بمعزلٍ من تضمنِ معنى الفعلِ وعليهِ يدورُ العملُ أي أرسلتُ إليكم حالَ كونِي مصدقاً لما تقدمنى من التوراة ومبشراً بمنْ يأتي من بعدِي من رسولٍ ﴿اسمه أحمد﴾ أى محمدٍ ﷺ يريدُ أنَّ دينيَ التصديقُ بكتبِ الله وأنبيائِهِ جميعاً ممن تقدمَ وتأخَّر وقُرِىءَ منْ بعديَ بفتحِ الياءِ ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بالبينات﴾ أي بالمعجزاتِ الظاهرةِ ﴿قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ مشيرينَ إلى ما جاءَ به أو إليه ﵊ وتسميتُه سحراً للمبالغةِ ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ هَذا ساحرٌ

стр. 7361

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله الكذب وَهُوَ يدعى إِلَى الإسلام﴾ أيْ أيُّ الناسِ أشدُّ ظُلماً ممن يُدعى إلى الإسلامِ الذى ويولصله إلى سعادةِ الدارينِ فيضعَ موضعَ الإجابةِ الافتراءَ على الله بقولِهِ لكلامِهِ الذي هو دعاءُ عبادِهِ إلى الحقِّ هذا سحرٌ أيْ هُو أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ وإنْ لم يتعرضْ ظاهرُ الكلامِ لنفيِ المُساوي وقد مرَّ بيانُهُ غيرَ مرةٍ وقُرِىءَ يُدّعى يقال دَعَاهُ وادَّعاهُ مثلُ لمسَهُ والتمسَهُ ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ أي لا يرشدهُم إلى ما فيهِ فلاحُهم لعدمِ توجههم إليهِ

стр. 7362

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ أي يريدونَ أنْ يطفئُوا دينَهُ أو كتابَهُ أو حجتَهُ النيرةَ واللامُ مزيدةٌ لما فيها من معنى الإرادةِ تأكيداً لها كما زيدَتْ لِما فيها من مَعْنَى الإضافةِ تأكيداً لها في لا أبالك أو يريدون لافتراء ليطفئُوا نورَ الله ﴿بأفواههم﴾ بطعهم فيه مثلتْ حالهُم بحالِ من ينفخُ في نورِ الشمسِ بفيةِ ليطفئَهُ ﴿والله مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي مبلِغُهُ إلى غايتِه بنشرِه في الآفاقِ وإعلائِهِ وقُرِىءَ متمٌّ نورَهُ بلا إضافة ﴿وَلَوْ كره الكافرون﴾ اإرغاما

стр. 7363

﴾ ٣ ٩ لهم والجملةُ في حيزِ الحالِ على ما بُينَ مراراً

стр. 7364

﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى﴾ بالقرآن أو بالمعجزة ﴿ودين الحق﴾ والملة الحنيفة ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ﴾ ليُعلِيَه على جميعِ الأديانِ المخالفةِ لهُ ولقد أنجزَ اللَّهُ وعلَا وعدَهُ حيثُ جعلَهُ بحيثُ لم يبقَ دينٌ من الأديانِ إلا وهُو مغلوبٌ مقهورٌ بدينِ الإسلامِ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ ذلكَ وقُرِىءَ هُو الذي أرسلَ نبيه

стр. 7365

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقُرِىءَ تنجِّيكُم بالتشديدِ وقولُهُ تعالَى

стр. 7366

﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ﴾ استئنافٌ وقعَ جواباً عما نشأ مما قبله كأنَّهم قالوا كيفَ نعملُ أو ماذَا نصنعُ فقيلَ تؤمنونَ بالله الخ وهو خبرٌ في مَعْنى الأمرِ جىء للإيذان بوجوب الامتثال فكان فقد وقعَ فأخبرَ بوقوعِهِ ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وجاهدوا وقُرِىءَ تُؤمِنُوا وتُجاهِدُوا على إضمارِ لامِ الأمرِ ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من الإيمانِ والجهادِ بقسميه وما فيه من معنى البُعد لما مر غيرَ مرة ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ على الإطلاقِ أو من أموالكم أو أنفسكم ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إنْ كنتُم من أهلِ العلمِ فإنَّ الجهلةَ لا يعتدُّ بأفعالِهِم أو إنْ كنتُم تعلمونَ أنَّه خيرٌ لكم كان خيرا لكُم حينئذٍ لأنكُم إذَا علمتم ذلك واعتفدتموه أحببتُم الإيمانَ والجهادَ فوقَ مال تحبونَ أنفسَكُم وأموالَكُم فتُخلِصونَ وتفلحُونَ

стр. 7367

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جوابٌ للأمرِ المدلولِ عليه بلفظ الخبرِ أو لشرطٍ أو استفهامٍ دلَّ عليهِ الكلامُ تقديرُهُ أنْ تؤمنُوا وتُجاهِدوا أو هَلْ تقبلُونَ أن أدلكُم يغفرْ لكُمْ وجعلُه جواباً لهَلْ أدلكُم بعيدٌ لأنَّ مجردَ الدلالةِ لا يوجبُ المغفرةَ ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ومساكن طَيّبَةً فِى جنات عَدْنٍ ذَلِكَ﴾ أي ما ذكرَ من المغفرةِ وإدخالِ الجناتِ الموصوفةِ بما ذكرَ من الأوصاف الجليل ﴿الفوز العظيم﴾ الذِي لَا فوزَ وراءَهُ

стр. 7368

﴿وأخرى﴾ ولكُم إلى هذه النعمِ العظيمةِ نعمةٌ أُخرى عاجلة ﴿تحبونها﴾ وترغبون فيه وفيهِ تعريضٌ بأنهم يؤثرونَ العاجلَ على الآجلِ وقيلَ أُخرى منصوبةٌ بإضمارِ يعطكُمْ أو تحبونَ أو مبتدأٌ خبرُهُ ﴿نَصْرٌ مّن الله﴾ وهو عَلى الأولِ بدلٌ أو بيانٌ وعلى تقديرِ النصبِ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي عاجلٌ عطفٌ على

стр. 7369

﴾ ٤ نصرٌ على الوجوهِ المذكورةِ وقُرِىءَ نصراً وفتحاً قريباً على الاختصاصِ أو على المصدرِ أيْ تُنصرونَ نصراً ويُفتحُ لكم فَتْحاً أو عَلى البدليةِ من أُخرى على تقدير نصبِهَا أي يعطكُم نعمةً أُخرى نصراً وفتحاً ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ عطفٌ على محذوفٍ مثل قُل يأيها الذين وبشر أو على تؤمنونَ فإنَّه في معنى آمِنُوا كأنَّه قيلَ آمِنُوا وجاهِدُوا أيُّها المؤمنونَ وبشرْهُم يأيها الرسولُ بما وعدتَهُم على ذلك عاجلا وآجلا

стр. 7370

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ كُونُواْ أنصار الله﴾ وقُرِىءَ أنصار الله بلَا إضافةٍ لأن المَعْنَى كونُوا بعضَ أنصارِ الله وقُرِىءَ كونُوا أنتُم أنصارَ الله ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أنصارى إِلَى الله﴾ أي مَنْ جُندي متوجهاً إلى الله كما يقتضه قولُهُ تعالى ﴿قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ والإضافةُ الأُولى إضافةُ أحدِ المتشاركينِ إلى الآخرِ لما بينهُما من الاختصاصِ والثانيةُ إضافةُ الفاعلِ إلى المفعولِ والتشبيهُ باعتبارِ المَعْنَى أي كُونُواْ أنصارَ الله كَمَا كانَ الحواريونَ أنصارَهُ حينَ قال لهُم عيسى مَن أنصارِي إلى الله أو قُل لَهُم كونُوا كما قالَ عيسى للحواريينَ والحواريونَ أصفياؤُه وهم أولُ من آمنَ به وكانوا اثنيْ عشَرَ رجلاً ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل﴾ أى بعيسى وطاعوه فيما أمرهم من نصرة الدين ﴿وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ أُخرى به وقاتلوهم ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عَدُوِّهِمْ﴾ أي قوَّيناهُم بالحجة أو بالسيفِ وذلكَ بعد رفع عيسى ﵇ ﴿فَأَصْبَحُواْ ظاهرين﴾ غالبينَ عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الصفِّ كانَ عيسى مصلياً عليهِ مستغفراً له مادام في الدُّنيا وهُو يومَ القيامة رفيقه

стр. 7371

﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 7372

﴿يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ تسبيحاً مُستمِرَّاً ﴿الملك القدوس العزيز الحكيم﴾ وَقَدْ قُرِىءَ الصفاتُ الأربعُ بالرَّفعِ عَلَى المدحِ

стр. 7373

﴿هُوَ الذى بَعَثَ فِى الأميين﴾ أيْ في العربِ لأنَّ أكثرَهُمْ لا يكتبونَ ولا يقرءون قيلَ بدئتْ الكتابةُ بالطَّائفِ أخذُوها منْ أهلِ الحيرةِ وهُمْ من أهلِ الأنبارِ ﴿رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ أيْ كائناً منْ جُملتِهِم أمياً مثلَهُم ﴿يتلو عليهم آياته﴾ مَعَ كونِهِ أمياً مثلَهُم لَم يُعهدْ منْهُ قراءةٌ ولا تعلمٌ ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ صفةٌ أُخرى لرسولاً معطوفةٌ عَلَى يتلو أيْ يحملُهُم عَلى ما يصيرُونَ به أزكياءَ مِن خبائثِ العقائدِ والأعمالِ ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ صفةٌ أُخْرَى لرسولاً مترتبةٌ في الوجودِ عَلَى التِّلاوةِ وإنَّما وَسَّطَ بينَهُما التزكيةَ التي هيَ عبارةٌ عنْ تكميلِ النفسِ بحسبِ قوتِهَا العمليةِ وتهذيبِهَا المتفرغ وعلى تكميلِهَا بحسبِ القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليمِ المترتبِ على التلاوةِ للإيذانِ بأنَّ كلاً منَ الأمورِ المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالِهَا مستوجبةٌ للشكرِ فَلَو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ لتبادَر إلى الفهمِ كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كما مر في سورة البقرةِ وهُوَ السرُّ في التعبيرِ عن القرآنِ تارةً بالآياتِ وَأُخْرَى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حِدةٍ ولا يقدحُ فيهِ شمولُ الحكمةِ لِمَا في تضاعيفِ الأحاديثِ النبويةِ منَ الأحكامِ والشرائعِ ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ لَفِى ضلال مُّبِينٍ﴾ منَ الشركِ وخبث الجاهليةِ وهو بيانٌ لشدةِ افتقارِهِم إلى مَنْ يرشدهُم وإزاحةٌ لمَا عَسَى يُتوهَّم منْ تعلُّمِهِ ﵊ منَ الغيرِ وإنْ هي المخففة واللام في الفارقة

стр. 7374

﴿وآخرين مِنْهُمْ﴾ عطفٌ على الأميينَ أوْ عَلى المنصوبِ في يعلِّمُهُم ويعلِّمُ آخرينَ منهُم أيْ من الأميينَ وهُم الذينَ جَاءُوا بعدَ الصحابةِ إلى يومِ الدِّينِ فإنَّ دعوتِه ﵊ وتعليمه يعمم الجميعَ ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ صفةٌ لآخرينَ أيْ لمْ يلحقُوا بهمْ بعدُ وسيلحقونَ ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ المبالغُ في العزةِ والحكمةِ ولذلكَ مكَّنَ رجلاً أمياً منْ ذلكَ الأمرِ

стр. 7375

٧ ٤ العظيمِ واصطفاهُ منْ بينِ كافةِ البشرِ

стр. 7376

﴿ذلك﴾ الذي امتازَ بهِ منْ بينِ سائرِ الأفرادِ ﴿فَضَّلَ الله﴾ وأحسانُهُ ﴿يُؤْتِيهِ من يشاء﴾ تفضيلا وعطيةً ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ الذي يُستحقَرُ دُونَهُ نعيمُ الدُّنيا ونعيمُ الآخرةِ

стр. 7377

﴿مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة﴾ أي عُلِّمُوهَا وكُلِّفُوا العملَ بهَا ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أيْ لَمْ يعملُوا بِمَا في تضاعِيفِها منَ الآياتِ التي منْ جُملتِها الآياتُ الناطقةُ بنبوةِ رسولِ الله ﷺ ﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ أيْ كتباً منَ العلمِ يتعبُ بحملِهَا ولا ينتفعُ بهَا ويحملُ إمَّا حالٌ والعاملُ فيهَا مَعْنَى المَثلِ أو صفةٌ للحمارِ إذْ ليسَ المرادُ بهِ معيناً فهُو في حكمِ النكرةِ كما في قول من قالَ ... وَلَقَدْ أمرُّ عَلى اللئيمِ يَسُبُّنِي ... ﴿بِئْسَ مَثَلُ القومِ الذينَ كَذَّبُواْ بآياتِ الله﴾ أيْ بئسَ مثلاً مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتِ الله عَلى أنَّ التمييزَ محذوفٌ والفاعلَ المُفسَّرَ بهِ مستترٌ ومثلُ القومِ هُو المخصوصُ بالذمِّ والموصولُ صفةٌ للقومِ أو بئسَ مثلُ القومِ مثلُ الذينَ كذَّبوا إلخ على أنَّ مثلُ القومِ فاعلُ بئسَ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ وهم اليهودُ الذينَ كذَّبُوا بمَا في التوارة من الآياتِ الشاهدةِ بصحةِ نبوة محمدٍ ﷺ ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ الواضعينَ للتكذيبِ في موضعِ التصديقِ أو الظالمينَ لأنفسِهم بتعريضِها للعذابِ الخالدِ

стр. 7378

﴿قُل يا أيُّها الذينَ هَادُواْ﴾ أَيْ تهودُوا ﴿إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ الناس﴾ كانُوا يقولونَ نحنُ أبناءُ الله وأحباؤُه ويَدَّعُونَ أنَّ الدارَ الآخرةَ لهُمْ عندَ الله خالصةً ويقولونَ لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ منْ كانَ هُوداً فأُمِرَ رسولُ الله ﷺ بأنْ يقولَ لهُم إظهاراً لكذبِهِمْ إنْ زعمتُم ذلكَ ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت﴾ أيْ فتمنَّوا منَ الله أنْ يميتَكُم وينقُلَكُم منْ دارِ البليةِ إلى دارِ الكرامةِ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ جوابُه محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه إِن كُنتُمْ صادقين في زَعْمِكُم واثقينَ بأنَّه حقٌّ فَتَمَنَّوُاْ الموتَ فإنَّ مَنْ أيقنَ بأنَّهُ مِنْ أهلِ الجنةِ أحبَّ أنْ يتخلصَ إلَيها منْ هذهِ الدارِ التي هيَ قرارةُ الأكدارِ

стр. 7379

﴿وَلَا يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً﴾ إخبارٌ بما سيكون منهم والبناء في قولِهِ تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ متعلقةٌ بما يدلُّ عليهِ النفيُ أيْ يأبونَ التمنِّي بسببِ ما عمِلوا من الكفرَ والمعاصيَ الموجبةَ لدخولِ النارِ ولما كانتِ اليدُ من بينِ جوارحِ الإنسانِ مناطَ عامَّةِ أفاعيله عبَّرَ بها تارةً عن النفسِ وأُخرى عنِ القدرةِ ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ أيْ بهِم وإيثارُ الإظهارِ على الإظهار

стр. 7380

﴾ ٠ ٨ لذمِّهم والتسجيلِ عليهِم بأنَّهم ظالمونَ في كلِّ ما يأتُون وما يذرونَ من الأمور التي من جملتها ادعاءُ ما هُمْ عنْهُ بمعزلٍ والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مقررةٌ لمضمونِهِ أيْ عليمٌ بهِم وبِمَا صدَرَ عَنْهُم من فنونِ الظلمِ والمعَاصِي المفضيةِ إلى أفانينِ العذابِ وبِمَا سيكونُ منهُم منَ الاحترازِ عَمَّا يؤدِّي إلى ذلكَ فوقعَ الأمرُ كما ذكرَ فلم يتمنَّ منهُم موتَهُ أحدٌ كَما يعرب عنه قوله تعالى

стр. 7381

﴿قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ فإنَّ ذلكَ إنَّما يقالُ لهُم بعدَ ظهورِ فرارِهِم منَ التمنِّي وقد قال ﵊ لو تمنوا لما توا منْ ساعتِهِم وهذهِ إحدَى المعجزاتِ أيْ إنَّ الموتَ الذي تفرونَ منهُ ولا تجسَرونَ عَلى أنْ تتمنَّوهُ مخافةَ أنْ تُؤخذُوا بوبالِ كفرِكُم ﴿فَإِنَّهُ ملاقيكم﴾ اُلبتةَ من غير صارفٍ يلويه ولا عاطف يثنيه والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبارِ الوصفِ وقُرِىءَ بدونِهَا وقُرِىءَ تفرونَ منْهُ مُلاقِيكُم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة﴾ الذي لا تَخفى عليهِ خافيةٌ ﴿فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ منَ الكُفر والمعاصِي بأنْ يجازيَكُم بها

стр. 7382

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة﴾ أيْ فُعِلَ النداءُ لهَا أيْ أُذِّنَ لَهَا ﴿مِن يَوْمِ الجمعة﴾ بيانٌ لإذَا وتفسيرٌ لهَا وقيلَ من بمَعْنَى في كَما في قولِه تعالَى أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أيْ في الأرضِ وإنَّما سمِّي جمعةً لاجتماع الناس منه للصلاةِ وقيلَ أولُ مَنْ سمَّاها جمعةً كعبُ بنُ لُؤَي وكانتِ العربُ تسميهِ العَرُوبَةَ وقيلَ إنَّ الأنصارَ قالو قبلَ الهجرةِ لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيهِ بكُلِّ سبعةِ أيامٍ وللنَّصارَى مثلُ ذلكَ فهلمُّوا نجعلْ لَنَا يوماً نجتمعُ فيهِ فنذكرُ الله فيهِ ونُصلِّي فقالُوا يومُ السبتِ لليهودِ ويومُ الأحدِ للنَّصارَى فاجعلُوه يومَ العَروبَةِ فاجتمعُوا إلى سعدِ بنِ زُرارةَ فصلَّى بهمْ ركعتَينِ وذكر هم فسمَّوه يومَ الجمعةِ لاجتماعِهِم فيهِ فأنزلَ الله آيةَ الجمعةِ فهيَ أولُ جمعةِ كانتْ في الإسلامِ وأما أولُ جمعةً جَمَّعها رسولُ الله ﷺ فهُو أنَّه لما قدمَ مُهَاجِراً نزلَ قُبَاءَ على بني عمرو بنِ عَوْف وأقامَ بها يومُ الإثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ وأسَّس مسجدَهُم ثم خرجَ يومَ الجمعةِ عامداً المدينةَ فأدركتْهُ صلاةُ الجمعةِ في بني سالمِ بنِ عوفٍ في بطن وادلهم فحطب وصلَّى الجمعةَ ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ أيْ امشُوا واقْصِدُوا إلى الخطبةِ والصلاةِ ﴿وَذَرُواْ البيع﴾ واتركُوا المعاملةَ ﴿ذلكم﴾ أي السعيُ إلى ذكرِ الله وتركُ البيعِ ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ منْ مباشرتِهِ فإنَّ نفعَ الآخرةِ أجلُّ وأبقَى ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي الخبر والشر الحقيقيين أوْ إِنْ كنتم أهلَ العلمِ

стр. 7383

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة﴾

стр. 7384

﴾ ﴿ أي أُدِّيتْ وفُرغَ منهَا ﴿فانتشروا فِى الأرض﴾ لإقامةِ مصالِحِكم ﴿وابتغوا مِن فَضْلِ الله﴾ أي الربحَ فالأمرُ للإطلاقِ بعدَ الحظرِ وعنِ ابنِ عباس ﵄ لَمْ يؤمُروا بطلبِ شيءٍ من الدُّنيا إنَّما هو عيادةُ المرضَى وحضورُ الجنائزِ وزيارةُ أخٍ في الله وعنِ الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيِّبِ طلبُ العلمِ وقيلَ صلاةُ التطوعِ ﴿واذكروا الله كَثِيراً﴾ ذِكراً كَثيراً أو زماناً كثيراً ولا تخصوا ذكرَهُ تعالَى بالصلاةِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ كي تفوزُوا بخيرِ الدارينِ

стр. 7385

﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ رُوي أنَّ أهلَ المدينةِ أصابَهُم جوعٌ وغلاءٌ شديدٌ فقدمَ دِحْيةُ بنُ خَلِيفةَ بتجارةٍ منْ زَيْتِ الشامِ والنَّبيُّ ﵊ يخطبُ يومَ الجمعةِ فقامُوا إليهِ خشيةَ أنْ يُسْبقُوا إليهِ فما بقيَ معَهُ ﵊ إلا ثمانيةٌ وقيلَ أحدَ عشرَ وقيلَ اثنا عشرَ وقيلَ أربعونُ فقال ﵊ والَّذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ لَوْ خرجُوا جميعاً لأضرمَ الله عليهِم الواديَ ناراً وكانُوا إذَا أقبلتْ العيرُ استقبلُوها بالطبلِ والتصفيقِ وهُو المرادُ باللهوِ وتخصيصُ التجارةِ برجع الضمير لأنه المقصودة أو لأن الإنقضاض للتجارةِ معَ الحاجةِ إليهَا والانتفاعِ بهَا إذا كانَ مذموماً فمَا ظنُّكَ بالانفضاضِ الى اللهو وهو المذمون في نفسهِ وقيلَ تقديرُهُ إذَا رأَوا تجارةً انفضُّوا إليها أو لهوا انفضُّوا إليهِ فحذفَ الثانيَ لدلالةِ الأولِ عليهِ وقُرىءَ إليهِمَا ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ أيْ عَلى المنبرِ ﴿قُلْ مَا عِندَ الله﴾ منَ الثوابِ ﴿خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة﴾ فإنَّ ذلكَ نفعٌ محققٌ مخلَّدٌ بخلافِ ما فيهِمَا منَ النَّفعِ المتوهَّمِ ﴿والله خير الرازقين﴾ فإليهِ اسعَوا ومنْهُ اطلبُوا الرزق عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سُورةَ الجُمعةِ أُعطِيَ منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ مَنْ أتَى الجمعةَ ومَنْ لَم يأتِهَا في أمصارِ المسلمين

стр. 7386

﴾ المنافقون ﴿ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 7387

﴿إِذَا جَاءكَ المنافقون﴾ أي حضرُوا مجلسكَ ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ مؤكدينَ كلامَهُم بأنَّ واللامُ للإيذانِ بأن شهادتهم هذه صاردة عن صميمِ قلوبِهِم وخلوصِ اعتقادِهِم ووفورِ رغبتِهِم ونشاطِهِم وقولُهُ تعالى ﴿والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ اعتراضٌ مقررٌ لمنطوقِ كلامِهِم وُسِّطَ بينه وبينَ قولِهِ تعالى ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون﴾ تحقيقا وتعييناً لِما نيطَ به التكذيبُ من أنَّهُم قالُوه عن اعتقادٍ كما أُشيرِ إليهِ وإماطةً من أولِ الأمرِ لما عسى يتوهمُ من توجه التكذيبِ إلى منطوقِ كلامِهِم أيْ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبُونَ فيما ضمَّنُوا مقالتَهُم من أنَّها صادرةٌ عن اعتقادٍ وطمأنينة قلب وا لإظهار في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم والإشعارِ بعلةِ الحُكمِ

стр. 7388

﴿اتخذوا أيمانهم﴾ الفاجرةَ التي من جملتها ما حكي عنْهُم ﴿جَنَّةُ﴾ أيْ وقايةً عمَّا يتوجَّهُ إليهِمْ منَ مؤاخذة بالقتلِ والسبي أو غيرِ ذلكَ واتخاذُها جنةً عبارةٌ عن إعدادِهِم وتهيئتِهِم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بهَا ويتخلصُوا عنِ المؤاخذةِ لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يُفصح عنهُ الفاءُ في قولِهِ تعالى ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي فصدوا منْ أرادَ الدخولَ في الإسلامِ بأنَّه ﵊ ليسَ برسولٍ ومن أرادَ الإنفاقَ في سبيلِ الله بالنَّهيِ عنهُ كما سيُحْكَى عنهُم ولا ريبَ في أنَّ هذا الصدَّ منهم متقدمٌ على حلفِهِم بالفعلِ وقُرِىءَ إيمانَهُم أي ما ظهوره على ألسنتِهِم فاتخاذُهُ جنةً عبارةٌ عنِ استعمالهِ بالفعلِ فإنه وقايةٌ دونَ دمائهِم وأموالِهِم فمَعْنَى قولِهِ تعالى فصدُّوا حينئذٍ فاستمرُّوا على ما كانوا عليه من الصدِّ والإعراضِ عن سبيلِهِ تعالَى ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من النفاقِ والصدِّ وفي ساءَ مَعْنَى التعجبِ وتعظيمُ أمرِهِم عندَ السامعين

стр. 7389

﴿ذلك﴾ ذلك إشارة إلى ما تقدمَ من القولِ

стр. 7390

٥ ٤ النَّاعِي عليهِمْ إنَّهم أسوأُ الناسِ أعمالاً أو إلى ما وصف حالِهِم في النفاقِ والكذبِ والاستتارِ بالإيمانِ الصوريِّ وما فيه من معنى البعد مع قُربِ العهدِ المشارِ إليه لما مرَّ مرارا من الإشعارِ ببُعدِ منزلتِه في الشرِّ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنهم ﴿آمنوا﴾ أي نطقُوا بكلمة الشهادةِ كسائرِ منْ يدخُل في الإسلامِ ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ أي ظهرَ كفرُهُم بما شُوهدَ منهم من شَواهدِ الكُفْرِ ودلائِلِه أو نطقُوا بالإيمانِ عندَ المؤمنينَ ثم نطقُوا بالكفرِ عند شياطينهم ﴿فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ﴾ حتى تمرنُوا على الكفرِ واطمأنُّوا بهِ وقرىء على البناء للفاعل وقُرِىءَ فطبعَ الله ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ حقيقةَ الإيمانِ ولا يعرفون حقيقته أصلاً
следующие страницы →