Полный текст (8 642 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
﴾ ٥ ١ ﴿
من أقوالِهِم على التفصيلِ بعدَ تكذيبِهِم في الكُلِّ على الإجمالِ ﴿وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمْ﴾ وكانَ الأمرُ كذلك فإنَّ ابْنَ أُبيّ وأصحابَهُ أرسلُوا إلى بَنِي النضيرِ ذلكَ سراً ثم أخلفُوهُم وفيه حجةٌ بينةٌ لصحةِ النبوة وإعجازِ القرآنِ ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ على الفرضِ والتقديرِ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدبار﴾ فراراً ﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ أي المنافقونَ بعد ذلكَ أي يهلكهم الله ولا ينفهم نفاقُهُم لظهورِ كفرِهِم أو ليَهْزُمَنَّ اليهودُ ثم لا ينفعهم نصرة المنافين بعد ذلك
стр. 7317
﴿لَانتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ أي أشدُّ مرهوبيةً على أنها مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ ﴿فِى صُدُورِهِمْ مّنَ الله﴾ أي رهبتُهُم منكُم في السرِّ أشدُّ مما يظهرونَهُ لكم من رهبةِ الله فإنهم كانُوا يدَّعونَ عندَهُم رهبةً عظيمةً من الله تعالى ﴿ذلك﴾ أي ما ذُكِرَ من كونِ رهبتِهِم منكُم أشدَّ من رهبةِ الله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنَّهُم ﴿قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ شيئاً حتى يعلمُوا عظمةَ الله تعالى فيخشَوه حقَّ خشيتِهِ
стр. 7318
﴿لَا يقاتلونكم﴾ أي اليهودَ والمنافقونَ بمعنى لا يقدرونَ على قتالِكُم ﴿جَمِيعاً﴾ أي مجتمعينَ متفقينَ في موطنٍ من المواطنِ ﴿إِلَاّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالدروبِ والخنادقِ ﴿أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾ دونَ أنْ يصحرُوا لكُم ويبارزُوكم لفرطِ رهبتِهِم وقُرِىءَ جُدْرٍ بالتخفيفِ وقُرِىءَ جِدَارٍ وبإمالةِ فتحةِ الدالِ وجَدْرِ وجدر وهما الجدارُ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ استئنافٌ سيقَ لبيانِ أن ما ذُكر من رهبتم ليسَ لضعفِهِم وجبنِهِم في أنفسِهِم فإنَّ بأسَهُم بالنسبة إلى أقرانِهِم شديدٌ وإنما ضعفُهُم وجبنُهُم بالنسبةِ إليكُم بما قذفَ الله تعالَى في قلوبَهُم من الرعبِ ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ مجتمعينَ متفقينَ ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ متفرقةٌ لا أُلفةَ بينها ﴿ذلك﴾ أي ما ذكر منْ تشتتِ قلوبِهِم بسببِ أنَّهُم ﴿قَوْمٌ لَاّ يَعْقِلُونَ﴾ أي لا يعقلونَ شيئاً حتَّى يعرفُوا الحقَّ ويتبعُوه وتطمئنَ به قلوبُهُم وتتحدَ كلمتُهُم ويرمُوا عن قوسٍ واحدةٍ فيقعونَ في تيهِ الضلال وتتشتت قلوبِهِم حسبَ تشتتِ طرقِهِ وتفرقِ فنونِهِ وأمَّا ما قيل من أن المعنى لا يعقلونَ أنَّ تشتتَ القلوبِ مما يُوهِنُ قُواهُم فبمعزلٍ منَ السدادِ وقولُهُ تعالَى
стр. 7319
﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه مثلُهم أيْ مثلُ المذكورينَ من اليهودِ والمنافقينَ كمثلِ أهلِ بدرٍ أو بني قَينُقَاع على ما قيلَ أنهم أُخرِجُوا قبلَ بني النضيرِ ﴿قَرِيبًا﴾ في زمانٍ قريب وانتصابه بمثل ذا التقديرُ كوقوعِ مثلِ الخ ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي سوءَ عاقبةِ كُفرِهِم في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لا يُقادرُ قَدْرُهُ والمَعْنَى أنَّ حالَ هؤلاءِ كحالِ أولئكَ في الدُّنيا والآخرةِ لكنْ لا على أنَّ حالَ كُلِّهم كحالِهِم بلْ حالُ بعضِهِم الذينَ هم اليهودُ كذلكَ وأما حالُ المنافقينَ فهيَ ما نطقَ به
стр. 7320
﴾ ٦ ١٩
قولُه تعالى
стр. 7321
﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ فإنَّه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدرِ مبينٌ لحالِهِم متضمنٌ لحالٍ أُخْرَى لليهود وهى اغترارهم بمقابلة المنافقينَ أولاً وخيبتُهُم آخِراً وقد أُجْمِلَ في النظمِ الكريمِ حيثُ أُسنِدَ كلٌّ من الخبرينِ إلى المقدرِ المضافِ إلى ضميرِ الفريقينِ منْ غير تعيينِ ما أُسْنِدَ إليهِ بخصوصِهِ ثقةً بأنَّ السامعَ يردُّ كلاً من المثلينِ إلى ما يماثلُهُ كأنَّهُ قيلَ مثلُ اليهودِ في حلولِ العذابِ بهم كمثلِ الذينَ منْ قبلِهِم الخ ومثلُ المنافقينَ في إغرائِهِم إيَّاهُم على القتالِ حسبما نُقِلَ عنهُم كمثلِ الشيطانِ ﴿إِذْ قَالَ للإنسان اكفر﴾ أيْ أغراهُ على الكفرِ إغراءِ الآمرِ الأمور على المأمورِ بهِ ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء منك﴾ وقرئ أنا برئ منكَ إنْ أريدَ بالإنسانِ الجنسُ فهذَا التبرؤُ منَ الشيطانِ يكونُ يومَ القيامةِ كما ينبئ عنْهُ قولُه تعالى ﴿إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ وإنْ أُرِيدَ بهِ أبو جهلٍ فقولُهُ تعالى اكفر عبارةٌ عنْ قولِ إبليسِ يومَ بدرٍ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ وتبرؤه قوله يومئذ إنى برئ مّنْكُمْ إِنّي أرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ الله الآيةَ
стр. 7322
﴿فَكَانَ عاقبتهما﴾ بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كانَ واسمُهَا ﴿أنهما في النار﴾ وقرئ بالعكسِ وقد مرَّ أنه أوضح ﴿خالدين فيها﴾ وقرئ خالدانِ فيها عَلى أنه خبرُ أنَّ وفي النارِ لغوٌ ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين﴾ أي الخلودُ في النارِ جزاءُ الظالمينَ على الإطلاقِ دون هؤلاء خاصة
стр. 7323
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اتقوا الله﴾ أي في كل ما تأتون وما تذرونَ ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ أيُّ شئ قدمَتْ من الأعمالِ ليومِ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ لدنوِّهِ أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غَدُهُ وتنكيرُهُ لتفخيمِه وتهويلِه كأنه قيلَ لغدٍ لا يُعرفُ كنهُهُ لغايةِ عظمِه وأما تنكيرُ نفسٍ فلاستقلالِ الأنفسِ النواظرِ فيما قدَّمن لذلكَ اليومَ الهائلِ كأنه قيلَ ولتنظُر نفسٌ واحدةٌ ذلكَ ﴿واتقوا الله﴾ تكريرٌ للتأكيدِ أو الأولُ في أداءِ الواجباتِ كما يُشعرُ به ما بعدَهُ من الأمر بالعمل وهذا تركِ المحارمِ كما يُؤذنُ بهِ الوعيدُ بقولِهِ تعالَى ﴿أَنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي من المعاصِي
стр. 7324
﴿وَلَا تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله﴾ أي نَسُوا حقوقَهُ تعالَى وما قدرُوه حقَّ قدرِهِ ولم يراعُوا مواجبَ أوامرِهِ ونواهِيه حقَّ رعايتِهَا ﴿فأنساهم﴾ بسببِ ذلكَ ﴿أَنفُسِهِمْ﴾ أي جعلَهُم ناسينَ لها حتَّى لم يسمعُوا ما ينفعُها ولم يفعَلُوا ما يخلِّصُهَا أو أراهُم يومَ القيامةِ من الأهوالِ ما أنساهُم أنفسَهُم ﴿أُولَئِكَ﴾
стр. 7325
﴾ ٣ ٢٠
هُمُ ﴿الفاسقون﴾ الكاملونَ في الفسوقِ
стр. 7326
﴿لَا يَسْتَوِى أصحاب النار﴾ الذينَ نسُوا الله تعالَى فاستحقُّوا الخلودَ في النارِ ﴿وأصحاب الجنة﴾ الذينَ اتَقوا الله فاستحقُّوا الخلودَ في الجنة ولعلَّ تقديمَ أصحابِ النارِ في الذكرِ للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ المقصور الذي ينبىءُ عنه عدمُ الاستواءِ من جهتِهِم لا من جهةِ مقابلِيهِم فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بين الشيئينِ المتفاوتينِ زيادةً ونقصاناً وإن جازَ اعتبارُهُ بحسبِ زيادةُ الزائدِ لكنْ المتبادرُ اعتبارُهُ بحسبِ نقصانِ الناقصِ وعليهِ قولُه تعالى هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير أَمْ هل يستوى الظلمات والنور إلى غيرِ ذلك منَ المواقعِ وأما قولُهُ تعالى هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ فلعلَّ تقديمَ الفاضلِ فيهِ لأنَّ صلتَه ملكةٌ لصلةِ المفضولِ والاعدامُ مسبوقةٌ بملكاتِهَا وَلَا دلالةَ في الآيةِ الكريمةِ على أنَّ المسلمَ لا يقتص بالكافرون وأنَّ الكفارَ لا يملكونَ أموالَ المسلمينَ بالقهرِ لأنَّ المرادَ عدمُ الاستواءِ في الأخرويةِ كما ينبىءُ عنه التعبيرُ عن الفريقينِ بصاحبيةِ النار وصاحبتيه الجنَّةِ وكذا قولُهُ تعالى ﴿أصحاب الجنة هُمُ الفائزون﴾ فإنه استئناف مبين لكيفية عدمِ الاستواءِ بينَ الفريقينِ أي هُم الفَائزون بكلِّ مطلوب الناجون عن كل مكروهٍ
стр. 7327
﴿لو أنزلنا هذا القرآن﴾ العظيمَ الشأنِ المنطويَ على فنونِ القوارعِ ﴿على جَبَلٍ﴾ من الجبالِ ﴿لَّرَأَيْتَهُ﴾ مع كونِهِ عَلماً في القسوةِ وعدمِ التأثرِ مما يصادِمُهُ ﴿خاشعا مُّتَصَدّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ أي متشققاً منها وقُرِىءَ مُصَدَّعاً بالإدغامِ وهذا تمثيلٌ وتخييلٌ لعلوِّ شأنِ القرآنِ وقوةِ تأثيرِ ما فيهِ من المواعظِ كما ينطق به قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أُريدَ به توبيخَ الإنسانِ على قسوةِ قلبهِ وعدم تخشعِهِ عندَ تلاوتِهِ وقلةِ تدبرِهِ فيه
стр. 7328
﴿هُوَ الله الذى لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ وَحْدَهُ ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي ما غابَ عن الحسِّ من الجواهر القدسية وأحالها وما حضرَ لهُ من الأجرام وأعراضاها وتقديمُ الغيبِ على الشهادةِ لتقدمِهِ في الوجودِ وتعلقِ العلمِ القديمِ به أو المعدُوم والموجودُ أو السرُّ والعلانيةُ ﴿هُوَ الرحمن الرحيم﴾
стр. 7329
﴿هُوَ الله الذى لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ كُرِّرَ لإبرازِ الاعتناءِ بأمرِ التوحيدِ ﴿الملك القدوس﴾ البليغُ في النزاهةِ عما يوجبُ نُقْصاناً وقُرِىءَ بالفتحِ وهي
стр. 7330
﴾ ٤
لغةٌ فيهِ ﴿السلام﴾ ذُو السلامةِ من كلِّ نقصٍ وآفةٍ مصدرٌ وصفَ بهِ للمبالغةِ ﴿المؤمن﴾ واهبُ الأمنِ وقُرِىءَ بالفتحِ بمَعْنَى المُؤْمَنُ بهِ على حذفِ الجارِّ ﴿المهيمن﴾ الرقيبُ الحافظُ لكلِّ شيءٍ مُفَيْعِلٌ منْ الأمن بقلبِ همزتِهِ هاءً ﴿العزيز﴾ الغالبُ ﴿الجبار﴾ الذي جبرَ خلقَهُ على ما أرادَ أو جبرَ أحوالَهُم أي أَصْلَحَها ﴿المتكبر﴾ الذي تكبرَ عن كلِّ ما يوجبُ حاجةً أو نُقصاناً أو البليغُ الكبرياءِ والعظمةِ ﴿سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيهٌ له تعالَى عمَّا يُشركونه به تعالى أو عن إشراكِهِم به تعالى إثرَ تعدادِ صفاتِهِ التي لا يمكِنُ أنْ يشارِكَهُ تعالَى في شيءٍ منها شيءٌ ما أصلاً
стр. 7331
﴿هُوَ الله الخالق﴾ المقدرُ للأشياءِ على مُقتضى حكمتِهِ ﴿البارئ﴾ الموجدُ لها بريئاً منَ التفاوتِ وقيلَ المميزُ بعضَهَا من بعضٍ بالأشكالِ المختلفةِ ﴿المصور﴾ الموجد لصورها وكيفيتها كما أرادَ ﴿لَهُ الأسماء الحسنى﴾ لدلاتها على المعانِي الحسنةِ ﴿يُسَبّحُ له ما في السماوات والأرض﴾ ينطقُ بتنزههِ تعالَى عن جميع النقائض تنزهاً ظاهراً ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ الجامعُ للكمالاتِ كافةً فإنها معَ تكثرِهَا وتشعبها راجعةٌ إلى الكمالِ في القدرةِ والعلمِ عن النبيِّ ﵊ من قرأَ سورةَ الحشرِ غفرَ الله لهُ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر
стр. 7332
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 7333
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ نزلتْ في حاطبِ ابنِ أبي بَلْتَعةَ وذلكَ أنَّه لمَّا تجهزَ رسولُ الله ﷺ لغزو الفتحِ كتبَ إلى أهلِ مكةٍ أن رسولَ الله ﷺ يريدُكُم فخُذُوا حذْرَكُم وأرسلَهُ مع سارةَ مولاةِ بني المطلبِ فنزلَ جبريلُ ﵇ بالخبرِ فبعثَ رسولَ الله ﷺ علياً وعماراً وطلحةَ والزبيرَ والمقدادَ وأبا مرثدٍ وقالَ انطلقُوا حتى تأتُوا روضةَ خاخٍ فإنَّ بها ظعينةً معها كتب حاطبٍ إلى أهلِ مكةَ فخذُوه منهَا وخلُّوها فإنْ أبتْ فاضربُوا عنقَهَا فأدركُوهَا ثمةَ فجحدتْ فسلَّ عليٌّ سيفَهُ فأخرجْتَهُ من عقاصِهَا فاستحضر رسول الله ﷺ حاطباً وقال ما حملكَ على هَذا فقالَ يا رسولَ الله ما كفرتُ منذ أسلمتُ ولا غششتكَ منذُ نصحتكَ ولكني كنتُ أمرأ ملصَقاً في قريشٍ وليسَ لي فيهم مَنْ يحمي أَهْلِي فأردتُ أن آخذَ عندهُم يداً وقد علمتُ أن كتابي لن يغنة عنهُم شيئاً فصدَّقَهُ رسولُ الله ﷺ وقبلَ عذرَهُ ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ أى توصلون إليم على أن الباء زائدة كما في قوله تعالى وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة أو تلقونَ إليهم أخبارَ النبيِّ ﵊ بسببِ المودَّةِ التي بينكُم وبينَهُم والجملةُ إما حالٌ من فاعل لا تتخِذُوا أو صفةٌ لأولياءَ وإبرازُ الضميرِ في الصفاتِ الجاريةِ على غيرِ مَنْ هيَ لهُ إنما يُشترطُ في الإسمِ دونَ الفعلِ أو استئنافٌ ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ الحق﴾ حالٌ من فاعلِ تلقونَ وقيل من فعل لا تتخذُوا وقُرِىءَ لِمَا جاءَكُم أي كفرُوا لأجلِ ما جاءكُم بمعنى جعلِ ما هو سببُ الإيمانِ سبباً للكفرِ ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم﴾ أي منْ مكةَ وهو إما حالٌ من فاعلِ كفرُوا أو استئنافٌ مبينٌ لكفرِهِم وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورَةِ وقولِهِ تعالى ﴿أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبّكُمْ﴾ تعليل للإخراج فيه تغليل المخاطبِ على الغائبِ والتفاتٌ منَ التكلمِ إلى الغَيبة للإشعارِ بما يوجبُ الإيمانَ من الأُلوهيةِ والرُّبوبيةِ
стр. 7334
﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وابتغاء مَرْضَاتِى﴾ متعلقٌ بلا تتخذُوا كأنَّه قيلَ لا تتولَّوا أعدائِي إن كُنتُم أوليائِي وقولُهُ تعالى ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ استئنافٌ واردٌ على نهجِ العتابِ والتوبيخِ أي تُسرونَ إليهِم المودَّةَ أو الأخبارَ بسببِ المودَّةِ ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾ أيْ والحالُ أنِّي أعلمُ منكُم ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ﴾ ومُطْلعٌ رسولِي عَلى ما تسرونَ فأيُّ طائلٍ لكم في الإسرارِ وقيلَ أعلمُ مضارعٌ والباءُ مزيدةٌ وما موصلة أو مصدريةٌ وتقديمُ الإخفاءِ على الإعلانِ قد مرَّ وجهُه في قولِهِ تعالى يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي الاتخاذَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ فقد أخطأَ طريق الحقَّ والصوابَ
стр. 7335
﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ﴾ أيْ إنْ يظفر وا بكُم ﴿يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء﴾ أي يُظهروا ما في قلوبِهِم منَ العداوةِ ويرتبُوا علَيها أحكامَهَا ﴿وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء﴾ بمَا يسُوؤكم من القتلِ والأسرِ والشتمِ ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي تمنَّوا ارتدادكُم وصيغةُ الماضى للإيذان بتحقيق ودادتِهِم قبل أن يثقفُوهُم أيضاً
стр. 7336
﴿لن تنفعكم أرحامكم﴾ قرباتكم ﴿وَلَا أولادكم﴾ الذين توالونَ المشركينَ لأجلِهِم وتتقربُونَ إليهِم محاماةً عليهِم ﴿يَوْمُ القيامة﴾ بجلبِ نفعٍ أو دفعِ ضرَ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ استئنافٌ لبيانَ عدمِ نفعِ الأرحامِ والأولادِ يومئذٍ أي يفرق الله بينكم بما اعتراكُم من الهولِ الموجبِ لفرارِ كلِّ منكُم من الآخرِ حسبما نطق به قوله تعالى يَوْمَ يَفِرُّ المرء من أخيه الآية فمالكم ترفضونَ حقَّ الله تعالى لمراعاةِ حقِّ منْ هَذا شأنُهُ وقُرِىءَ يُفْصَل ويفصَّل مبينا للمفعول ويفصل يفصل مبينا للفاعلِ وهُو الله تعالَى ونفصِل ونفصِّل بالنون ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكُم بهِ
стр. 7337
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ خصلةٌ حميدةٌ حقيقةٌ بأنْ يُؤتَسَى ويُقْتَدى بهَا وقولُهُ تعالَى ﴿فِى إبراهيم والذين مَعَهُ﴾ أي منْ أصحابِهِ المؤمنينَ صفةٌ ثانيةٌ لأسوةٌ أو خبرٌ لكانَ ولكُم للبيانِ أو حالٌ من المستكنِّ في حسنةٌ أو صلةٌ لها لا لأسوةٌ عندَ من لا يجوزُ العملَ بعدَ الوصفِ ﴿إِذْ قَالُواْ﴾
стр. 7338
٥
ظرفٌ لخبرِ كَان ﴿لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بَرَاء مّنكُمْ﴾ جمعُ برئ كظريف وظرفاء وقرئ بِراءٌ كظِرافٍ وبُراءٍ كرُخالٍ وبَرَاءٌ على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ من الأصنام ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي بدينِكُم أو بمعبودِكُم أو بِكُم وبهِ فلا نعتدُّ بشأنِكُم وبآلِهَتِكُم ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء أَبَداً﴾ أيْ هَذا دأبُنَا معكُم لا نتركُهُ ﴿حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ﴾ وتتركُوا ما أنتُمْ عليهِ من الشركِ فتنقلبُ العداوةُ حينئذٍ ولايةً والبغضاءُ محبةً ﴿إِلَاّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ استثناءٌ من قولِهِ تعالى أسوةٌ حسنةٌ فإنَّ استغفارِه ﵊ لأبيهِ الكافرِ وإنْ كانَ جائزاً عقلاً وشرعاً لوقوعِهِ قبل تبينِ أنَّهُ من أصحابِ الجحيمِ كما نطقَ به النصُّ لكنَّهُ ليسَ ممَّا ينبغِي أنْ يُؤتسى بهِ أصلاً إذ المرادُ بهِ ما يجبُ الائتساءُ بهِ حتماً لورودِ الوعيدِ على الإعراضِ عنه بما سيأتي من قولِه تعالى وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد فاستثناؤهُ من الأسوةِ إنما يفيدُ عدمَ وجوبِ استدعاءِ الإيمانِ والمغفرةِ للكافرِ المرجوِّ إيمانُهُ وذلكَ مما لا يرتابُ فيه عاقلٌ وأما عدم وأما عدمُ جوازِهِ فلا دِلالةَ للاستثناءِ عليهِ قطعاً هذا وأما تعليلُ عدمِ كونِ استغفارِه ﵊ لأبيهِ الكافرِ مما ينبغي أنْ يُؤتَسى بهِ بأنَّه كانَ قبل النَّهيِ أو لموعِدة وعَدَهَا إياهُ فبمعزلٍ منَ السَّداد بالكلية لابتنائه على تناول النَّهي لاستغفارِهِ ﵊ له وإنبائِهِ عن كونِهِ مُؤْتَسَى به لو لم يُنْهَ عنه وكلاهما بين البلان لما أنَّ موردَ النَّهي هو الاستغفارُ للكافر بعد تبين أمرِهِ وقد عرفتَ أن استغفارِه ﵊ لأبيهِ كان قبلَ ذلكَ قطعاً وأنَّ ما يُؤْتَسَى به ما يجبُ الائتساءُ بهِ لا ما يجوزُ فعلُهُ في الجملة وتجويزُ أن يكونَ استغفارِه ﵊ له بعدَ النَّهيِ كما هو المفهومُ من ظاهر قوله أو لموعِدة وعدها إياه مما لا مساغَ له وتوجيهُ الاستثناءِ إلى العِدَة بالاستغفارِ لا إلى نفسِ الاستغفار بقوله اغفر لاِبِى الآيةَ لأنها كانَتْ هي الحاملةَ لهُ ﵊ على الاستغفارِ وتخصيصُ هذهِ العِدَة بالذكر دون ما وقع في سورة مريمَ من قوله تعالى سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي لورودها على طريق التوكيدِ القسَميّ وأما جعلُ الاستغفارِ دائراً عليها وترتيبُ التبرُّؤ على تبين الأمرِ فقد مر تحقيقه في سورة التوبةِ وقولِهِ تعالى ﴿وَمَا أملِك لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء﴾ من تمامِ القولِ المُستثنى محلُّه النصبُ على أنه حال من فاعل لأستغفرنَّ لكَ أي أستغفرُ لكَ وليسَ في طاقتِي إلا الاستغفارُ فموردُ الاستثناءِ نفسُ الاستغفارِ لا قيدُهُ الذي هُو في نفسه من خصال الخيرِ لكونِه إظهاراً للعجزِ وتفويضاً للأمرِ إلى الله تعالَى وقولُهُ تعالَى ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾ الخ من تمام ما نُقلَ عن إبراهيمَ ﵇ ومنْ معَهُ منَ الأسوةِ الحسنةِ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لقصرِ التوكلِ والإنابةِ والمصيرِ على الله تعالَى قالُوهُ بعدَ المُجَاهَرَةِ وقشرِ العَصَا التجاءً إلى الله تعالَى في جميعِ أمورِهِم لا سيما في مدافعةِ الكفرةِ وكفايةِ شرورِهِم كما ينطق به قوله تعالَى
стр. 7339
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بأنْ تسلطَهُم علَيْنَا فيفتنونَا بعذابٍ لا نطيقُهُ ﴿واغفر لَنَا﴾ ما فرط منا من العذاب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز﴾ الغَالِبُ الذي لَا يَذِلُّ
стр. 7340
من التجأَ إليهِ ولَا يخيبُ رجاءُ مَنْ توكَّلَ عليهِ ﴿الحكيم﴾ الذي لَا يفعلُ إلا ما فيهِ حكمةٌ بالغةٌ وتكريرُ النداءِ للمبالغةِ في التضرعِ والجؤارِ هَذا وأما جعلُ الآيتينِ تلقيناً للمؤمنينَ من جهتِهِ تعالَى وأَمراً لهم بأنْ يتوكلُوا عليهِ وينيبُوا إليهِ ويستعيذُوا بهِ من فتنةِ الكفرةِ ويستغفُرُوا مما فرطَ منهم تكملةً لما وصَّاهُم بهِ من قطعِ العلائقِ بينهُمْ وبينَ الكفرةِ فلا يساعدُهُ النظمُ الكريمُ
стр. 7341
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ أي في إبراهيمَ ومن مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ تكريرٌ للمبالغةِ في الحثِّ على الائتساءِ به ﵊ ولذلكَ صُدرَ بالقسمِ وقولُهُ تعالى ﴿لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الأخر﴾ بدلٌ من لكُم فائدَتُهُ الإيذانُ بأنَّ مَن يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخرِ لا يتركُ الاقتداءَ بهم وأنَّ تركَهُ منْ مخايل عدمِ الإيمان بهما كما ينبئ عنه قولُهُ تعالَى ﴿وَمِنَ يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد﴾ فإنَّهُ مما يوعَدُ بأمثالِهِ الكفرةُ
стр. 7342
﴿عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم﴾ أي منْ أقاربكم المشركين ﴿مودة﴾ بأن يوافقكم في الدين وعدهم الله تعالى بذلكَ لِما رأى منهم من التصلبِ في الدينِ والتشددِ لله في معاداةِ آبائِهِم وأبنائِهِم وسائِرِ أقربائِهِم ومقاطعَتِهِم إيَّاهُم بالكليةِ تطيبا لقلوبِهِم ولقد أنجزَ وعدَهُ الكريمَ حينَ أتاحَ لهم الفتحَ فأسلمَ قومُهُمْ فتمَّ بينَهُم من التحابِّ والتَّصافِي ما تمَّ ﴿والله قَدِيرٌ﴾ أي مبالغٌ في القُدرةِ فيقدرُ على تقليبِ القلوبِ وتغييرِ الأحوالِ وتسهيلِ أسبابِ المودَّةِ ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيغفرُ لمن أسلمَ منَ المشركينَ ويرحمُهُم وقيلَ غفورٌ لما فرطَ منكُم في موالاتِهِم مِن قبلُ ولِمَا بقِيَ في قلوبِكُم من ميلِ الرحمِ
стр. 7343
﴿لَاّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم﴾ أي لا ينهاكُم عن البرِّ بهؤلاءِ فإنَّ قولَهُ تعالى ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ بدلٌ من الموصولِ ﴿وَتُقْسِطُواْ إليهم﴾ أى تفضوا إليهم بالقسطِ أي العدلِ ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ أي العادلينَ رُويَ أنَّ قُتيلةَ بنتَ عبدِ العُزَّى قدمتْ مشركةً على بنتِهَا أسماءُ بنتِ أبي بكرٍ ﵁ بهدايَا فلم تقبلْها ولم تأذنْ لَها بالدخولِ فنزلتْ فأمرَها رسول الله ﷺ أنْ تُدخلَها وتقبلَ منْهَا وتُكرمَها وتُحسنَ إليها وقيلَ المرادُ بهم خزاعةُ وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلُوه ولا يعينوا عليهِ
стр. 7344
﴿إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِى الدين وَأَخْرَجُوكُم مّن دياركم﴾ وهم عتاةُ أهلِ مكةَ
стр. 7345
﴾ ٠
﴿وظاهروا على إخراجكم﴾ وهم سائرُ أهلِها ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ بدل اشتمال من الوصول أي إنما ينهاكُم عن تتولهم ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون﴾ لوضعهم الولايةَ في موضعِ العداوةِ أو هم الظالمونَ لأنفسِهِم بتعريضِها للعذابِ
стр. 7346
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ بيانٌ لحكمِ من يُظهرُ الإيمانَ بعدَ بيانِ حُكم فريقي الكافرينِ ﴿إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات﴾ من بينِ الكفار ﴿فامتحنوهن﴾ فاختبروهم بما يغلبُ على ظَنِّكم موافقة قلوبهنَّ للسانِهنَّ في الإيمانِ يُروى أنَّ رسولِ الله ﷺ كانَ يقولُ للتي يمتحنُهَا بالله الذي لا إلَه إِلَاّ هُو ما خرجتِ من بغضِ زوجٍ بالله ما خرجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ بالله ما خرجتِ التماسَ دُنيا بالله ما خرجتِ إلا حباً لله ورسولِه ﴿الله أَعْلَمُ بإيمانهن﴾ لأنَّه المطلعُ على ما في قلوبهنَّ والجملةُ اعتراضٌ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ بعدَ الامتحانِ ﴿مؤمنات﴾ علماً يمكنكم تحصيلُه وتبلغُه طاقتُكم بعد اللتيا واللتى من الاستدلال بالعلائمِ والدلائلِ والاستشهادِ بالأماراتِ والمخايلِ وهو الظنُّ الغالبُ وتسميتُه علماً للإيذانِ بأنه جارٍ مجرى العلمِ في وجوبِ العملِ به ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار﴾ أي إلى أزواجِهِنَّ الكفرةِ لقولهِ تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ فإنَّه تعليلٌ للنهي عن رجعهنَّ إليهمِ والتكريرُ إما لتأكيدِ الحرمةِ أو لأنَّ الأولَ لبيانِ زوالِ النكاحِ الأولِ والثانيَ لبيانِ امتناعِ النِّكاحِ الجديدِ ﴿وَأَتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ أي وأعطُوا أزواجهنَّ مثلَ ما دفعُوا إليهنَّ من المهورِ وذلكَ أنَّ صلحَ الحديبيةِ كانَ على أنَّ من جاءنا منكم ورددناه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنَّبيُّ ﵊ بالحديبية فأقبل زوجها مسافرٌ المخزوميُّ وقيلَ صيفيُّ بنُ الراهبِ فقال يا محمدُ ارددْ عليَّ امرأتِي فإنكَ قد شرطتَ أن تردَّ علينا من أتاكَ منا فنزلتْ لبيانِ أن الشرطَ إنما كانَ في الرجالِ دُونَ النساءِ فاستحلفَها رسولُ الله ﷺ فحلفتْ فأَعطى زوجَها ما أنفقَ وتزوجَها عمرُ ﵁ ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن تَنكِحُوهُنَّ﴾ فإنَّ إسلامَهُنَّ حالَ بينهنَّ وبينَ أزواجهن الكفار ﴿إذا آتيتموهن أُجُورَهُنَّ﴾ شُرطَ إيتاءُ المهرِ في نكاحهنَّ إيذاناً بأنَّ ما أُعطَى أزواجُهُنَّ لا يقومُ مقامَ المَهْرِ ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ جمعُ عصمةٍ وهي ما يُعتصم به من عقدٍ وسببٍ أيْ لا يكُنْ بينكُم وبين المشركات ولا عُلقةٌ زوجيةٌ قال ابن عباس ﵄ من كانتْ له امرأة كافرة بمكة ة فلا يعتدنَّ بها من نسائِهِ لأنَّ اختلافَ الدارينِ قطعَ عصمتَها منْهُ وعنِ النخعى ﵀ هيَ المسلمةُ تلحقُ بدارِ الحربِ فتكفُرُ وعن مجاهدٍ أمرهُم بطلاقِ الباقياتِ مع الكفار ومفارقتهن وقرىء ولاتمسكوا بالتشديد ولا تَمسّكوا بحذف إحدى
стр. 7347
﴾ ٢ ١ ﴿
التاءين من تتمسكوا ﴿واسألوا مَّآ أَنفَقْتُمْ﴾ من مهورِ نسائكم للاحقات بالكفار ﴿وليسألوا مَآ أَنفَقُواْ﴾ من مهورِ أزوزاجهم المهاجراتِ ﴿ذلكم﴾ الذي ذُكِرَ ﴿حُكْمُ الله﴾ وقولُه تعالَى ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ أو حالٌ من حكمِ الله على حذفِ الضميرِ أي يحكمُه الله أو جعل لكم حاكماً على المبالغةِ ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يشرعُ ما تقتضيهِ الحكمةُ البالغةُ رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ الآية أدَّى المؤمنونَ ما أُمروا بهِ من مهورِ المهاجراتِ إلى أزواجهنَّ المشركينَ وأبى المشركونَ أنْ يؤدُوا شيئاً من مهورِ الكوافرِ إلى أزواجِهنَّ المسلمينَ فنزلَ قولُه تعالى
стр. 7348
﴿وَإِن فَاتَكُمْ﴾ أي سبقكُم وانفلتَ منكُم ﴿شَىْء مّنْ أزواجكم إِلَى الكفار﴾ أي أحدٌ من أزواجِكم وقد قُرِىءَ كذلكَ وإيقاعُ شيءٌ موقعَهُ للتحقيرِ والإشباعِ في التعميمِ أو شيءٌ من مهورِ أزواجِكم ﴿فعاقبتم﴾ أي فجاءتُ عقبتُكم أي نوبتُكم من أداءِ المهرِ شبه ما حَكَم بهِ على المسلمينَ والكافرينَ من أداءِ هؤلاء مهورِ نساءِ أولئكَ تارةً وأداءِ أولئكَ مهورَ نساءِ هؤلاء أخرى بأمر يتعاقون فيه كما يتعاقبون في الركوبِ وغيرِه ﴿فَاتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ﴾ من مهرِ المهاجرةِ التي تزوجتُموها ولا تؤتوهُ زوجَها الكافرَ وقيلَ معناهُ إنْ فاتكم فأصبتُم من الكفارِ عُقْبى هيَ الغنيمةُ فآتُوا بدلَ الفائتِ من الغنيمةِ وقُرىءَ فأعقبتُم وفعقَّبْتُم بالتشديدِ وفعقِبْتُم بالتخفيفِ وفتحِ القافِ وبكسرِهَا قيلَ جميع من لحق بالمشكرين من نساءِ المؤمنينَ المهاجرينَ ستُّ نسوةٍ أمُّ الحكمِ بنتُ أبي سفيانَ وفاطمةُ بنتُ أميةٍ وبَرْوعُ بنتُ عُقْبةٍ وعبدةُ بنتُ عبدِ العُزَّى وهندُ بنتُ أبي جهل كثلوم بنتُ جرولٍ ﴿واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإن الإيمانَ بهِ تعالى يقتضِي التَّقوى منهُ تعالَى
стр. 7349
﴿يا أيها النبى إِذَا جَاءكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ﴾ أي مبايعاتٍ لكَ أيْ قاصداتٍ للمبايعةِ نزلتْ يومَ الفتحِ فإنَّه ﵊ لما فرغَ من بَيعةِ الرجالِ شرعَ في بيعة النساءِ ﴿على أَن لَاّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾ أي شيئا من الأشياءِ أو شيئا من الإشراكِ ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أولادهن﴾ أُريدَ به وأدُ البناتِ وقُرِىءَ ولا يُقَتِّلْنَ بالتشديدِ ﴿وَلَا يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ كانتِ المرأةُ تلتقطُ المولودَ فتقولُ لزوجِها هُو ولدي منكَ كُنِيَ عنْهُ بالبهتانِ المُفترى بينَ يديها ورجلَيها لأنَّ بطنَها الذي تحملُهُ فيهِ بينَ يديها وَمَخرجُه بينَ رِجْلَيْها ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ أي فيما تأمرهنَّ بهِ من معروفٍ وتنهاهنَّ عنْهُ من منكرٍ والتقييدُ بالمعروفِ مع أنَّ الرسولَ صلى الله عله وسلم لا يأمرُ إلا بهِ للتنبيه على أنَّه لا يجوزُ طاعةُ مخلوقٍ في معصيةِ الخالق
стр. 7350
﴾ ﴿
وتخصيص الأمر المعدودةِ بالذكرِ في حَقِّهنَّ لكثرةِ وقوعِها فيمَا بينهنَّ معَ اختصاصِ بعضها بهنَّ ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ أي على ما ذُكر وما لم يُذكر لوضوحِ أمرِهِ وظهورِ أصالتِهِ في المبايعةِ من الصلاةِ والزكاةِ وسائرِ أركانَ الدِّينِ وشعائرِ الإسلامِ وتقييد مبايعتهنَّ بِما ذُكِرَ من مجيئهنَّ لحثن على المسارعةِ إليها مع كمالِ الرغبةِ فيهَا من غيرِ دعوةٍ لهنَّ إليها ﴿واستغفر لَهُنَّ الله﴾ زيادةٍ على ما في ضمنِ المبايعةِ فإنها عبارةٌ عن ضمانِ الثوابِ من قبلِهِ ﵊ بمقابلةِ الوفاءِ بالأمورِ المذكورةِ من قبلهنَّ ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالِغٌ في المغفرةِ والرحمةِ فيغفرُ لهنَّ ويرحمهنَّ إذا وفَّينَ بما بايعنَ عليهِ واختلفَ في كيفيةِ مبايعتِهِ ﵊ لهن يومئذٍ فَرُوِيَ أنه ﵊ لما فرغَ من بَيعةِ الرجالِ جلسَ على الصَّفا ومعه عمرُ ﵁ أسفلَ منْهُ فجعلَ ﵊ يشترطُ عليهن البيعةَ وعمرُ يصافحهنَّ ورُوِيَ أنَّه كلفَ امرأةٍ وقفتْ على الصَّفا فبايعتهنَّ وقيلَ دَعا بقدحٍ من ماءٍ فغمسَ فيهِ يدَهُ ثم غمسنَ أيديهنَّ ورُوي أنَّه ﵊ بايعهنَّ وبين يديهِ وأيديهِنَّ ثوبٌ قطريٌّ والأظهرُ الأشهرُ ما قالتْ عائشةَ ﵂ والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساءِ قطُّ إلا بما أمرَ الله تعالَى وما مستْ كفُّ رسولِ الله ﷺ كفَّ امرأةٍ قَط وكانَ يقولُ إذا أخذَ عليهنَّ قَدْ بايعتكنَّ كلاماً وكانَ المؤمناتُ إذَا هاجرنَ إلى رسول الله ﷺ يمتحنهن يقولُ الله يأَيُّهَا النبى إِذَا جَاءكَ المؤمنات إلى آخرِ الآيةِ فإذا أقررنَ بذلكَ من قولِهِنَّ قالَ لهنَّ انطلقنَ فقد بايعتكن
стр. 7351
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ هُم عامةُ الكفرةِ وقيلَ اليهودُ لما رُوي أنَّها نزلتْ في بعض فقراء المسملين كانُوا يواصلونَ اليهودَ ليصيبُوا من ثمارِهِم ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الأخرة﴾ لكفرِهِم بهَا أو لعلهم بأنَّه لا خلاقَ لهُمْ فيهَا لعنادِهِم الرسولَ المنعوتَ في التوراة المجيد بالآياتِ ﴿كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور﴾ أيْ كَما يئسَ منها الذينَ ماتُوا منهُم لأنَّهم وقفُوا على حقيقةِ الحالِ وشاهدُوا حرمانَهُم من نعيمِهَا المقيمِ وابتلاءَهُم بعذابِهَا الأليمِ والمرادُ وصفهُم بكمالِ اليأسِ منهَا وقيلَ المَعْنَى كما يئسُوا من موتاهُم أنْ يُبعثوا ويرجعُوا إلى الدُّنيا أحياءً والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للإشعار بعلة بأسهم عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الممتحنةِ كانَ لهُ المؤمنونَ والمؤمناتُ شفعاءَ يومَ القيامة
стр. 7352
﴾ ﴿
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 7353
﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ الكلامُ فيه كالذي مر في نظيره
стр. 7354
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ المسلمينَ قالُوا لو علمنَا أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى لبذلنَا فيه أموالَنا وأنفسَنا فلما نزلَ الجهادُ كرهوهُ فنزلت وما قيل من أن النازل قوله تعالى إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً بيّن الاختلال وروي أنهم قالوا يا رسولَ الله لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه فنزلت هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة إلى قوله تعالى وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فولَّوا يومَ أحدٍ وفيه التزامُ أنَّ ترتيبَ الآياتِ الكريمةِ ليسَ على ترتيبِ النزولِ وقيل لما أخبرَ الله تعالى بثوابِ شهداءِ بدرٍ قالتِ الصحابةُ اللَّهم أشهدْ لئِن لقِينا قتالاً لنُفْرغَن فيهِ وُسعنا ففرّوا يومَ أحدٍ فنزلتْ وقيلَ إنَّها نزلتْ فيمن يمتدح كاذباً حيثُ كانَ الرجلُ يقولُ قتلتُ ولم يقتُلْ ولم يَطعنْ وهكذا وقيلَ كانَ رجلٌ قد آذَى المسلمينَ يومَ بدرٍ ونكى فيهم فقتله صهيب وانثحل قتلَهُ آخرُ فنزلتْ في المنتحِلِ وَقِيلَ نزلتْ في المنافقينَ ونداؤُهم بالإيمانِ تهكمٌ وبإيمانهم وليس بذلك كما ستعرفُهُ ولمَ مركبةٌ من اللامِ الجارةِ وما الاستفهاميةِ قد حذفتْ ألفُها تخفيفا لكثرة استعمالها معاً كما في عَمَّ وفيما نظائرهما معنَاها لأيِّ شيءٍ تقولونَ نفعل مالا تفعلونَ من الخيرِ والمعروفِ على أنَّ مدارَ التعبيرِ والتوبيخِ في الحقيقةِ عدمُ فعلِهم وإنَّما وجها إلى قولِهِم تنبيهاً على تضاعفِ معصيتِهِم ببيانِ أنَّ المنكرَ ترك وليس تركَ الخيرِ الموعودِ فقط بلِ الوعدَ بهِ أيضاً وقد كانُوا يحسبونَهُ معروفاً ولو قيلَ لمَ لا تفعلوا ما تقولونَ لفُهم منهُ أنَّ المنكرَ هُو تركُ الموعودِ
стр. 7355
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ بيانٌ لغايةِ قُبحِ ما فعلوهُ وفرطِ سماجتِه وكبُرَ من بابِ نِعْمَ وبِئْسَ فيه ضميرٌ مبهمٌ مفسرٌ بالنكرةِ بعدهُ وأنْ تقولُوا هو المخصوصُ بالذمِّ وقيل قُصدَ فيهِ التعجبُ من غيرِ لفظِهِ وأُسْندَ إلى أنْ تقولُوا ونصبُ مقتاً على تفسيرِهِ دلالةٌ على أن قولهم مالا يفعلونَ مقتٌ خالصٌ لا شوبَ فيهِ كبُرَ عندَ من يحقرُ دونَهُ كلُّ عظيمٍ
следующие страницы →