← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

﴿أَن لَاّ يَدْخُلَنَّهَا﴾ أي الجنةَ ﴿اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ﴾ أن مفسرة لما في التخافتِ من مَعْنَى القولِ وقُرِىءَ بطرحِهَا على إضمارِ القولِ والمرادُ بنهيِ المسكينِ عن الدخولِ المبالغةُ في النَّهيِ عن تمكينِه من الدخولِ كقولِهم لا أرينَّك هَهُنا

стр. 7527

﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قادرين﴾ أي على نكدٍ لا غير من جاردت السَّنةُ إذَا لم يكُنْ فيها مطرٌ وحاردتِ الإبلُ إذا منعتْ دَرَّهَا والمَعْنَى أنَّهم أرادُوا أنْ يتنكدُوا على المساكينِ ويحرمُوهُم وهم قادرونَ على نفعِهِم فغَدوا بحالٍ لا يقدرونَ فيها إلا على النكدِ والحرمانِ وذلكَ أنَّهُم طلبُوا حرمانَ المساكينِ فتعجلُوا الحرمانَ والمسكنَةَ أوْ وغَدَوا على مُحاردةِ جَنَّتِهِم وذهابِ خيرِهَا قادرينَ بدلَ كونِهِم قادرينَ على إصابةِ خيرِهَا ومنافِعِهَا أي غَدَوا حاصلينَ على النكدِ والحرمانِ مكانَ كونِهِم قادرينَ على الانتفاعِ وقيلَ الحردِ الحردِ وقدْ قُرِىءَ بذلكَ أي لم يقدرُوا إلا على حنقِ بعضِهِم لبعضٍ لقولِه تعالَى يتلاومون وقيل الحرْدُ القصدُ والسرعةُ أي غَدَوا قاصدينَ إلى جنتهِم بسرعةٍ قادرينَ عند أنفسِهِم على صِرامِهَا وقيلَ هو علمٌ للجنةِ

стр. 7528

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ﴾ في بديهةِ رؤيتِهِم ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي طريقَ جنتِنَا وما هي بها

стр. 7529

٦٨ سورة القلم (٢٧ ٣٢)

стр. 7530

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوه بعد ما تأملوا ووقفوا على حقيقةِ الأمرِ مُضربينَ عن قولِهِم الأولِ أي لسنا ضالينَ بل نحنُ محرمون حُرِمنَا خيرَهَا بجنايتِنَا على أنفسِنَا

стр. 7531

﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي رأياً أو سِناً ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبّحُونَ﴾ لولا تذكرون الله تعالى وتنوبون إليهِ من خُبثِ نيتِكُم وقد كانَ قالَ لهم حينَ عزمُوا على ذلكَ اذكرُوا الله وتوبُوا إليهِ عن هذهِ العزيمةِ الخبيثةِ من فورِكُم وسارِعُوا إلى حسمِ شرِّها قبلَ حُلولِ النقمةِ فعَصُوه فعيَّرهُم كمَا ينبىء عنه قوله تعالى

стр. 7532

﴿قَالُواْ سبحان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ وقيلَ المرادُ بالتسبيحِ الاستثناءُ لاشتراكهِما في التعظيمِ أو لأنَّه تنزيهٌ لهُ تعالَى عن أنْ يجري في ملكه مالا يشاؤُه

стр. 7533

﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون﴾ أي يلومُ بعضُهم بعضاً فإنَّ منهُم مَن أشارَ بذلكَ ومنهُم من استصوبَهُ ومنهُم من سكتَ راضياً بهِ ومنهُم من انكره

стр. 7534

﴿قالوا يا ويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين﴾ متجاوزينَ حدودَ الله

стр. 7535

﴿عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا﴾ وقُرِىءَ بالتشديدِ أي يُعطينا بدلاً منها ببركةِ التوبةِ والاعترافِ بالخطيئةِ ﴿خَيْراً مّنْهَا إنا إلى ربنا راغبون﴾ راجعون العفوَ طالبونَ الخيرَ وإلى لانتهاء الرغبة او لتضمنها مَعْنَى الرجوعِ عن مُجَاهدٍ تابوا فأُبدِلُوا خَيراً منهَا ورُويَ أنَّهم تعاقَدُوا وقالُوا إنْ أبدلنَا الله خيراً منها لنصنعنَّ كما صنعَ أبُونا فدَعَوا الله تعالَى وتضرعُوا إليهِ فأبدَلهُم الله تعالَى من ليلتِهِم ما هو خيرٌ منها قالُوا إنَّ الله تعالَى أمرَ جبريلُ ﵇ أنْ يقتلعَ تلكَ الجنةَ المحترقةَ فيجعلَهَا بِزُغَرَ من أرضِ الشامِ ويأخذَ من الشامِ جنةً فيجعلَهَا مكانَهَا وقالَ ابن مسعود رضي الله تعالَى عنهُ إنَّ القومَ لمَّا أخلصُوا وعرفَ الله منهُم الصدقَ أبدلَهُم جنةً يقالُ لها الحيوانُ فيها عنبٌ يحملُ البغلُ منهُ عُنقوداً وقالَ أبُو خالدٍ اليمانيُّ دخلتُ تلكَ الجنَّةَ فرأيتُ كلَّ عنقودٍ منهَا كالرجلِ الأسودِ القائمِ وسُئِلَ قَتَادَةُ عن أصحابِ الجنَّةِ أهُم مِنْ أهلِ الجنَّةِ أم مِنْ أهلِ النارِ فقالَ لقد كلفتني تعباً وعنِ الحسنِ رحمَهُ الله تعالَى قولُ أصحابِ الجنةِ إنا إلى ربنا راغبون لا أدرِي إيماناً كانَ ذلكَ منهُم أو على حدِّ ما يكونُ من المشركينَ إذا أصابتْهُم الشدةُ فتوقفَ في أمرِهِم والأكثرونَ على أنَّهُم تابُوا وأخلصُوا حكاه القشيري

стр. 7536

٦٨ سورة القلم (٣٣ ٣٩)

стр. 7537

﴿كَذَلِكَ العذاب﴾ جملةٌ منْ مبتا وخبرٍ مُقدمٍ لإفادةِ القصرِ والألفُ واللامُ للعهدِ أي مثلُ الذي بلونَا بهِ أهلَ مكةَ وأصحابَ الجنةِ عذابُ الدنيَا ﴿وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ﴾ أعظمُ وأشدُّ ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّه أكبرُ لاحترَزُوا عمَّا يؤدِّيهِم إليهِ

стр. 7538

﴿إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ﴾ أي منَ الكفرِ والمَعَاصِي ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي في الآخرةِ أو في جوارِ القُدسِ ﴿جنات النعيم﴾ جناتٍ ليسَ فيها إلَاّ التنعمُ الخالصُ عن شائبةِ ما يُنغّصهُ من الكدوراتِ وخوفِ الزوالِ كما عليهِ نعيمُ الدُّنيا وقولُه تعالَى

стр. 7539

﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ تقريرٌ لما قبلَهُ من فوزِ المُتقينَ بجنَّاتٍ النعيمِ وردٌّ لما يقولَهُ الكفرةُ عند سماعِهِم بحديثِ الآخرةِ وما وعدَ الله المسلمينَ فيهَا فإنهم كانُوا يقولونَ إنْ صحَّ أنا نُبعثُ كما يزعمُ محمدٌ ومَنْ معَهُ لم يكُنْ حالُنَا وحالُهُم إلا مثلَ ما هيَ في الدّنيا وإلا لم يزيدُوا علينَا ولم يفضلونَا وأقصى أمرِهِم أنْ يساوونَا والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنحيفُ في الحكمِ فنجعلَ المسلمينَ كالكافرينَ ثم قيلَ لهُم بطريقِ الالتفاتِ لتأكيدِ الردِّ وتشديدِه

стр. 7540

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تعجبيا من حُكمِهِم واستبعاداً له وإيذاناً بأنَّه لا يصدرُ عن عاقلٍ

стр. 7541

﴿أَمْ لَكُمْ كتاب﴾ نازلٌ من السماءِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أي تقرؤن

стр. 7542

﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي ما تتخيرونَهُ وتشتهونَهُ وأصلُهُ أنَّ لكُم بالفتحِ لأنَّهُ مدروسٌ فلمَّا جِيءَ باللامِ كُسرتْ ويجوزُ أنْ يكونَ حكايةً للمدروسِ كما هُو كقولِهِ تعالَى وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخرين سلامٌ على نُوحٍ فِى العالمين وتخيرُ الشيءِ واختيارُهُ أخذُ خيرِهِ

стр. 7543

﴿أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا﴾ أي عهودٌ مؤكدةٌ بالأيمانِ ﴿بالغة﴾ متناهيةٌ في التوكيدِ وقُرِئتْ بالنصبِ على الحالِ والعاملُ فيها أحدُ الظرفينِ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ متعلقٌ بالمقدرِ في لكم أي ثابتةٌ لكُم إلى يومِ القيامةِ لا نخرجُ عن عُهدتِهَا حتى نحكمكم يومئذٍ ونعطيكُم ما تحكمونَ أو ببالغةٍ أي أيمانٌ تبلغُ ذلكَ اليومَ وتنتهِي إليهِ وافرةً لم تبطُلْ منها يمينٌ ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جوابُ القسمِ لأنَّ معنَى أمْ لكُم علينَا ايمان

стр. 7544

٦٨ سورة القلم (٤٠ ٤٤) أمْ أقسمنَا لكُم

стр. 7545

﴿سَلْهُمْ﴾ تلوينٌ للخطابِ وتوجيهٌ لهُ إلى رسولِ الله ﷺ بإسقاطهم عن رتبة الخطاب أي سلهُم مُبكتاً لهُمْ ﴿أَيُّهُم بذلك﴾ الحكمِ الخارجِ عن العقولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ أي قائمٌ يتصدَّى لتصحيحِه

стр. 7546

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء﴾ يشاركونهم في هَذا القولِ ويذهبونَ مذهبَهُم ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين﴾ في دعواهُم إذْ لا أقلَّ من التقليدِ وقد نبَّه في هذِه الآياتِ الكريمةِ على أنْ ليسَ لهُم شيءٌ يُتوهمُ أنْ يتشبثُوا بهِ حتَّى التقليدُ الذي لا يُفلِحُ من تشبثَ بذيلِه وقيلَ المَعْنَى أمْ لهُم شركاءُ يجعلونَهُم مثلَ المسلمينَ في الآخرةِ

стр. 7547

﴿يوم يكشف عن ساق﴾ أي يومَ يشتدُّ الأمرُ ويصعبُ الخطبُ وكشفُ الساقِ مَثَلٌ في ذلكَ وأصلُهُ تشميرُ المُخدَّراتِ عن سُوقهِنَّ في الهربِ قالَ حاتمٌ أخُو الحربِ إنْ عضَّتْ بهِ الحربُ عَضَّها وإنْ شمَّرتْ عنْ ساقِهَا الحربُ شَمَّرا وقيلَ ساقُ الشيءِ أصلُهُ الذي بهِ قوامُه كساقِ الشجرِ وساقِ الإنسانِ أي يوم يكشف عن أصلِ الأمرِ فتظهرُ حقائقُ الأمورِ وأصولُهَا بحيثُ تصيرُ عياناً وتنكيرُهُ للتهويلِ أو التعظيمِ وقُرِىءَ تَكْشِفُ بالتاءِ على البناءِ للفاعلِ والمفعولِ والفعلُ للساعةِ أو الحالِ وقرىء نكشف بالنون ويكشف بالتاءِ المضمومةِ وكسرِ الشِّينِ من أكشفَ الأمرُ أي دخلَ في الكشفِ وناصبُ الظرفِ فليأتُوا أو مضمرٍ مقدمٍ أي اذْكُر يومَ الخ أو مؤخرٍ أي يوم مشكف عن ساقٍ الخ يكونُ من الأهوالِ وعظائمِ الأحوالِ مالا يبلغُه الوصفُ ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ توبيخاً وتعنيفاً على تركهِم إيَّاهُ في الدُّنيا وتحسيراً لهُم على تفريطِهِم في ذلكَ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لزوال القدرة عليه وفي دلالةٌ على أنَّهُم يقصدونَ السجودَ فلا يتأتَّى منهُم عن ذلكَ عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ تعقمُ أصلا بهم أي تُردُّ عظاماً بلا مفاصل لا تنثني عندَ الرَّفعِ والخفضِ وفي الحديثِ وتبقَى أصلابُهُم طَبقاً واحِداً أي فَقارةٌ واحدةٌ

стр. 7548

﴿خاشعة أبصارهم﴾ حالٌ من مرفوعِ يُدعونَ على أنَّ أبصارَهُم مرتفعٌ بهِ على الفاعليةِ ونسبةُ الخشوعِ إلى الأبصارِ لظهورِ أثرِهِ فيهَا ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تلحقُهُم وتغشاهُم ﴿ذِلَّةٌ﴾ شديدةٌ ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود﴾ في الدُّنيا والاظهار في موضوع الإضمارِ لزيادة التقريرِ أو لأنَّ المرادَ بهِ الصلاةُ أو ما فيها من السجودِ والدعوةُ دعوةُ التكليفِ ﴿وَهُمْ سالمون﴾ متمكنُونَ منْهُ أقوَى تمكنٍ أي فلا يُجيبونَ إليهِ ويأبَونَهُ وإنَّما تُرك ذكرُه ثقةً بظهورِهِ

стр. 7549

﴿فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث﴾ أي كِلْهُ إليَّ فإِنِّي أكفيكَ أمرَهُ أيْ حسبك في الايقاع

стр. 7550

٦٨ سورة القلم (٤٥ ٥٠) به والا نتقام منهُ أنْ تَكِلَ امرَهُ إليَّ وتُخلِّي بينِي وبينَهُ فإنِّي عالمٌ بمَا يستحقُّه من العذابِ ومطيقٌ لهُ والفاءُ لترتيبِ الأمرِ على ما قبلَهَا من أحوالِهِم المحكيةِ أيْ وإذَا كانِ حالُهم في الآخرةِ كذلكَ فذرنى ومن يكذب بهذا القرآنِ وتوكلْ عليَّ في الانتقامِ منْهُ وقولُه تعالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ كيفيةِ التعذيبِ المُستفادِ من الأمرِ السابقِ إجمالاً والضميرُ لمَنْ والجمعُ باعتبارِ معناهَا كما أن الإفراد في يكذِّبُ باعتبارِ لفظِهَا أي سنستنزِلُهُم إلى العذابِ درجةً فدرجةً بالإحسانِ وإدامةِ الصحةِ وازديادِ النعمةِ ﴿مّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراجٌ وهو الإنعامُ عليهِم بلْ يزعمونَ أنه إيثارٌ لهُم وتفضيل على المؤمينين مع أنَّهُ سببٌ لهلاكِهِم

стр. 7551

﴿وَأُمْلِى لَهُمْ﴾ وأُمْهِلُهُم ليزدادُوا إِثماً وهم يزعمونَ أنَّ ذلكَ لإرادةِ الخيرِ بهِم ﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ لا يُوقفُ عليهِ ولا يُدفعُ بشيءٍ وتسميةُ ذلكَ كيداً لكونِهِ في صورةِ الكيدِ

стр. 7552

﴿أم تسألهم﴾ على الإبلاغِ والإرشادِ ﴿أَجْراً﴾ دنيوياً ﴿فَهُمُ﴾ لأجلِ ذلكَ ﴿مّن مَّغْرَمٍ﴾ أي غرامةٍ ماليةٍ ﴿مُّثْقَلُونَ﴾ مكلفونَ حملاً ثقيلاً فيُعرضونَ عنْكَ

стр. 7553

﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ أي اللوحُ أو المغيباتُ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منْهُ ما يحكمُون ويستغنُونَ بهِ عن علمِكَ

стр. 7554

﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ﴾ وهو إمهالُهُم وتأخيرُ نصرتِكَ عليهِم ﴿وَلَا تَكُن كصاحب الحوت﴾ أي يونسُ ﵇ ﴿إِذ نادى﴾ في بطنِ الحوتِ ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوءٌ غيظاً والجملةُ حالٌ من ضميرِ نادَى وعليها يدورُ النهي لا على النداءِ فإنه أمرٌ مستحسنٌ ولذلكَ لم يُذكرِ المُنادَى وإذْ منصوبٌ بمضافٍ محذوفٍ أي لا يكُن حالُك كحالِه وقتَ ندائِهِ أي لا يُوجدُ منكَ ما وُجدَ منْهُ من المضجر والمُغاضبةِ فتبتلى ببلائِهِ

стр. 7555

﴿لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ﴾ وقُرِىءَ رحمةٌ وهُو توفيقُهُ للتوبةِ وقبولُهَا منْهُ وحسُنَ تذكيرُ الفعلِ للفصلِ بالضميرِ وقُرِىءَ تداركتْهُ وتَداركُهُ أي تتداركهُ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ بمَعْنَى لولا أنْ كانَ يقالُ تتداركه ﴿لَنُبِذَ بالعراء﴾ بالأرضِ الخاليةِ من الأشجارِ ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ مُليمٌ مطرودٌ من الرحمةِ والكرامةِ وهو حالٌ من مرفوعِ نُبذَ عليهَا يعتمدُ جوابُ لولا لأنَّها هي المنتفية لا النبذُ بالعراءِ كما مرَّ في الحالِ الأُولى والجملة الشرطية استئناف وارد لبيانِ كونِ المنهيِّ عنْهُ أمراً محذوراً مستتبعاً للغائلةِ وقولُهُ تعالَى

стр. 7556

﴿فاجتباه رَبُّهُ﴾ عطفٌ على مقدرٍ أي فتداركتْهُ نعمةٌ من ربِّه فاجتباهُ بأنْ ردَّ إليهِ الوحيَ وأرسلَهُ الى

стр. 7557

٦٨ سورة القلم (٥١ ٥٢) مائةِ ألفٍ أو يزيدونَ وقيل استنبأَهُ إنْ صحَّ أنَّه لم يكُنْ نبياً قبلَ هذهِ الواقعةِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ من الكاملينَ في الصلاحِ بأنْ عصمَهُ منْ أنْ يفعلَ فعلاً يكونُ تركُهُ أَوْلَى رُوِيَ أنَّها نزلتْ بأُحُدٍ حينَ هم رسول الله ﷺ أن يدعوَ على المنهزمينَ من المؤمنينَ وقيلَ حينَ أرادَ أنْ يدعوَ على ثقيفٍ

стр. 7558

﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم﴾ وقُرِىءَ ليَزلقونَكَ بفتحِ الياءِ من زَلَقه بمعنى أَزْلَقه ويُزهقونَكَ وإنْ هيَ المخففةُ واللامُ دليلُهَا والمَعْنَى أنَّهم من شدَّةِ عداوتِهِم لكَ ينظرونَ إليكَ شَزْراً بحيثُ يكادونَ يُزلّونَ قدمكَ فيرمونكَ من قولِهِم نظر الى نظرا يكاد يصر عني أي لو أمكنَهُ بنظرِهِ الصرعُ لفعلَهُ أو أنَّهُم يكادونَ يُصيبونَكَ بالعينِ إذ قَد رُوي أنَّهُ كانَ في بني أسدٍ عيَّانونَ فأرادَ بعضُهُم أن يعينَ رسول الله ﷺ فنزلتْ وفي الحديثِ إنَّ العينَ لتُدخِلُ الرجلَ القبرَ والجملَ القدرَ ولعله من خصائصِ بعضِ النفوسِ وعن الحسنِ دواءُ الإصابةِ بالعينِ أنْ تقرأَ هَذِه الآية ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر﴾ أي وقتَ سماعِهِم بالقرآنِ على أنَّ لمَّا ظرفيةٌ منصوبةٌ بيُزلقونَكَ وذلكَ لاشتدادِ بُغضِهِم وحسدِهِم عندَ سماعِهِ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ لغايةِ حيرتِهِم في أمرِهِ ﵊ ونهايةِ جهلِهِم بمَا في تضاعيفِ القرآنِ من تعاجيبِ الحِكَمِ وبدائعِ العلومِ المحجوبةِ عن العقولِ المُنغمسةِ بأحكامِ الطبائعِ ولتنفيرِ النَّاسِ عنْهُ ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وحيثُ كانُ مدارُ حُكمِهِم الباطلِ ما سمعُوه منه ﵊ رد ذلك يبيان عُلوِّ شأنةِ وسطوعِ بُرهانِهِ فقيلِ

стр. 7559

﴿وَمَا هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ﴾ على أنَّه حالٌ من فاعل يقولون مفيدة لغايةِ بُطلانِ قولِهِم وتعجيبِ السامعينَ من جرأتِهِم على تفوهِ تلكَ العظيمةِ أي يقولونَ ذلكَ والحالُ أنَّه ذكرٌ للعالمينَ أي تذكيرٌ وبيانٌ لجميعِ ما يحتاجونَ إليهِ من أمورِ دينِهِم فأينَ مَنْ أنزلَ عليهِ ذلكَ وهو مُطلعٌ على أسرارِهِ طُرَّاً ومحيطٌ بجميعِ حقائِقِه خُبراً ممَّا قالُوا وقيلَ معناهُ شرفٌ وفضلٌ لقولِهِ تعالَى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وقيلَ الضَّميرُ لرسول الله ﷺ وكونُه مذكِراً وشرفاً للعالمينَ لا ريبَ فيهِ عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سُورةَ القلمِ أعطاهُ الله ثوابَ الذينَ حسَّن الله اخلاقهم

стр. 7560

٦٩ سورة الحاقة (١ ٤) سورة الحافة مكية وآياتها اثنتان وخمسون آية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾

стр. 7561

﴿الحاقة﴾ أي السَّاعةُ أو الحالةُ الثابتةُ الوقوعِ الواجبةُ المجىءِ لا محالةَ أو التي يحقُّ فيها الأمورُ الحقةُ من الحسابِ والثوابِ والعقابِ أو التي تُحقُّ فيها الأمورُ أي تُعرفُ على الحقيقةِ من حقَّهُ يحقه اذا عرف حقيقة جعل الفعل لها ومجازا وهو لِما فيها منَ الأمورِ أو لمَنْ فيها من أُولِي العلمِ وأيَّا ما كانَ فحذفُ الموصوفِ للإيذانَ بكمالِ ظهورِ اتصافهِ بهذِهِ الصفةِ وجريانِهَا مجرى الإسمِ وارتفاعُها على الابتداءِ خبرُها

стр. 7562

﴿ما الحاقة﴾ الى أنَّ مَا مبتدأٌ ثانٍ والحاقَّةُ خبرُهُ والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ والأصلُ ما هيَ أيْ أيُّ شيءٍ هي في حالِهَا وصفَتِهَا فإنَّ مَا قدْ يُطلب بها الصفةُ والحالُ فوضعُ الظاهرِ موضعَ المضمرِ تأكيداً لهولها هذا ما ذكرُوهُ في إعرابِ هذه الجملةِ ونظائرِهَا وقد سبقَ في سورةِ الواقعةِ أنَّ مُقتضَى التحقيقِ أنْ تكونَ ما الاستفهاميةُ خبراً لما بعدَهَا فإنَّ مناطَ الإفادةِ بيانُ أنَّ الحاقةَ أمرٌ بديعٌ وخَطْبٌ فظيعٌ كما يفيدُهُ كونُ مَا خبراً لا بيانُ أنَّ أمراً بديعاً الحاقةُ كما يفيدُهُ كونُها مبتدأً وكونُ الحاقَّةِ خبراً وقوله تعالى

стр. 7563

﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ أي وأيُّ شيءٍ أعلمكَ ﴿مَا الحاقة﴾ تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم المخلوقاتِ على مَعْنَى أنَّ عظمَ شأنِهَا ومَدَى هولِهَا وشدَّتِهَا بحيثُ لا تكادُ تبلغُهُ درايةُ أحدٍ ولا وهمُهُ وكيفَما قدرتَ حالَهَا فهيَ أعظمُ من ذلكَ وأعظمُ فلا يتسنَّى الإعلامُ وما في حيز الرفع على الابتداءِ وأدراكَ خبرُهُ ولا مساغَ هَهُنَا للعكسِ ومَا الحاقَّةُ جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ على الوجهِ الذي عرفَتَهُ محلُّها النصبُ على إسقاطِ الخافضِ لأنَّ أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله تعالى ولا أدراكم بِهِ فلمَّا وقعتْ جملةُ الاستفهامِ معلّقةً لهُ كانَتْ في موضعِ المفعولِ الثانِي والجملةُ الكبيرةُ معطوفةٌ على ما قبلها من الجملة الواقعةِ خبراً لقولِهِ تعالَى الحاقة مؤكدةٌ لهولِها كما مرَّ

стр. 7564

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾ أيْ بالحالةِ التي تقرعُ النَّاسَ بفنونِ الأفزاعِ والأهوالِ والسماءَ بالانشقاقِ والانفطارِ والأرضَ والجبال بالدك

стр. 7565

٦٩ سورة الحافة (٥ ٩) والنسفِ والنجومَ بالطمسِ والانكدارِ ووضعُهَا موضعَ ضميرِ الحَاقَّةِ للدلالةِ على مَعْنَى القرعِ فيها تشديدا لهلولها والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لإعلامِ بعضِ أحوالِ الحَاقَّةِ لهُ ﵊ إثرَ تقريرِ أنَّه ما أدراهُ ﵊ بها أحدٌ كما في قولِهِ تعالى وما أدراك ما هية نَارٌ حَامِيَةٌ ونظائرُهُ خَلا أنَّ المبيِّنَ هناكَ نفسُ المسؤل عنْهَا وهَهُنَا حالٌ منْ أحوالِهَا كَما في قولِهِ تعالى وما أدراك ما لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ فكمَا أنَّ المبيَّنَ هناكَ ليسَ نفسَ ليلةِ القدرِ بل فضلَها وشرفَها كذلكَ المبيَّنُ ههنا هولُ الحاقةِ وعظمُ شأنِهَا وكونُها بحيثُ يحقُّ إهلاكُ منْ يكذبُ بها كأنَّه قيلَ وما أدراكَ ما الحاقةُ كذبتْ بها ثمودُ وعادٌ فأُهلِكُوا
следующие страницы →