Полный текст (8 642 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
تَتْبَعُهَا الرادفة أي الواقعةُ التي تُردِفُ الأُولى وهيَ النفخةِ الثانيةِ تابعةً لها لا قبلَ ذلكَ فإنَّه عبارةٌ عن الزمانِ الممتدِّ الذي يقعُ فيهِ النفختانِ وبينهما أربعونَ سنةً واعتبارُ امتدادِه معَ أنَّ البعثَ لا يكون إلا عند النفخةِ الثانيةِ لتهويل اليومِ ببيان كونه موقعا
стр. 8017
٧٩ سورة النازعات (٨ ١٠) لداهيتينِ عظيمتينِ لا يَبْقى عندَ وقوعِ الأُولى حيٌّ إلا ماتَ ولا عندَ وقوع الثانية إلا بُعثَ وقامَ ووجْهُ إضافتِه إلى الأُولى ظَاهِرٌ وقيلَ يومَ ترجفُ منصوبٌ باذكُرْ فتكونُ الجملةُ استئنافاً مقرراً لمضمون الجوابِ المُضْمرِ كأنَّه قيلَ لرسولِ الله ﷺ اذكُر لهم يومَ النفختينِ فإنه وقتُ بعثِهم وقيلَ هو منصوبٌ بما دلَّ عليه قولُه تعالَى
стр. 8018
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي يومَ ترجفُ وجفتِ القلوبُ قيلَ قلوبٌ مبتدأٌ ويومئذٍ متعلقٌ بواجفةٌ وهيَ صفةٌ لقلوبٌ مُسوِّغةٌ لوقوعِه مبتدأً وقوله تعالى
стр. 8019
﴿أبصارها﴾ أي أبصار أصحاب ﴿خاشعة﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ وقعتْ خبراً لقلوبٌ وقَدْ مرَّ أنَّ حقَّ الصفة أن تكون معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف عند السامعِ حتَّى قالُوا إن الصفاتِ قبلَ العلمِ بها أخبارٌ والأخبارُ بعدَ العلمِ بها صفاتٌ فحيثُ كانَ ثبوتُ الوجيفِ للقلوبِ وثبوتُ الخشوعِ لأبصارِ أصحابِها سواءً في المعرفةِ والجهالةِ كانَ جعلُ الأولِ عُنواناً للموضوعِ مسلمَ الثبوتِ مفروغاً عنْهُ وجعل الثاني مخبرا به مقصودَ الإفادةِ تحكماً بحتاً على أنَّ الوجيفَ الذي هُو عبارةٌ عنْ شدةِ اضطرابِ القلبِ وقلقِه من الخوفِ والوجلِ أشدُّ من خشوعِ البصرِ وأهولُ فجعلُ أهونَ الشرَّيْن عُمدةً وأشدِّهما فضلةً مما لا عهدَ له في الكلامِ وأيضاً فتخصيصُ الخشوعِ بقلوبٍ موصوفةٍ بصفةٍ معينةٍ غيرُ مشعرةٍ بالعمومِ والشمولِ تهوينٌ للخطب في موقع التهويلِ فالوجْهُ أنْ يُقالَ تنكيرُ قلوبٌ يقومُ مقامَ الوصفِ المختصِّ سواء على حمل التنويعِ كما قيلَ وإنْ لم يذكر النوع المقابل فإنَّ المَعْنى منسحبٌ عليهِ أو على التكثيرِ كما في شرٌّ أَهَرَّ ذَا نابٍ فإنَّ التفخيمَ كما يكونُ بالكيفيةِ يكونُ بالكميةِ أيضاً كأنَّه قيلَ قلوبٌ كثيرةٌ يومَ إذْ يقعُ النفختانِ واجفةٌ أيْ شديدةُ الاضطرابِ قال ابن عباس ﵄ خائفةٌ وَجِلةٌ وقال السدى رائلة عنْ أماكنِها كما في قولِه تعالى إِذِ القلوب لَدَى الحناجر وقولُه تعالى
стр. 8020
يقولون أننا لمردودن فِى الحافرة حكايةٌ لما يقولُه المنكرونَ للبعث المكذبونَ بالآيات الناطقةِ به إثرَ بيان وقوعِه بطريق التوكيدِ القَسَمي وذكر مقدماتِه الهائلةِ وما يعرضُ عندَ وقوعِها للقلوب والأبصارِ أي يقولونَ إذا قيلَ لهم إنكُم تبعثونَ منكرينَ له متعجبينَ منهُ أئنا لمردودونَ بعدَ موتِنا في الحافرة أي في الحالة الأُولى يعنونَ الحياةَ من قولهم رجعَ فلانٌ في حافرته أي في طريقتِه التي جاءَ فيها فحفرَها أي أثَّر فيها بمشيه وتسميتُها حافرةً مع أنها محفورةٌ كقولِه تعالَى فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ أي منسوبةٌ إلى الحفرِ والرِّضا أو كقولِهم نهارُه صائمٌ على تشبيهِ القابلِ بالفاعلِ وقُرِىءَ في الحُفْرةِ وهي بمعنى المحفورة
стр. 8021
٧٩ سورة النازعات (١١ ١٥)
وقوله تعالى
стр. 8022
ائذا كُنَّا عظاما نَّخِرَةً
تأكيدٌ لإنكار الردِّ ونفيِه بنسبتِه إلى حالةٍ منافيةٍ له والعاملُ في إذَا مضمرٌ يدلُّ عليهِ مردودونَ أي أَئِذا كُنَّا عظاماً باليةً نُردُّ ونبعثُ مع كونِها أبعدَ شيءٍ من الحياةِ وقُرِىءَ إذَا كُنَّا على الخبرِ أو إسقاطِ حرفِ الإنكارِ وناخرةٌ منْ نَخَر العظمُ فهو نَخِرٌ ونَاخِرٌ وهُو البَالِي الأَجْوفُ الذي يمرُّ به الريحُ فيُسمعُ له نخيرٌ
стр. 8023
قالوا
حكاية لكفر آخرهم متفرعٍ على كُفْرِهم السابقِ ولعلَّ توسيطَ قالُوا بينهُمَا للإيذانِ بأنَّ صدورَ هذا الكفرِ عنهُم ليسَ بطريقِ الاطرادِ والاستمرارِ مثلَ كفرِهم السابقِ المستمرِّ صدورُه عنهُم في كافةِ أوقاتِهم حسبَما ينبىءُ عنْهُ حكايتُه بصيغةِ المضارعِ أيْ قالُوا بطريق الاستهزاءِ مشيرينَ إلى ما أنكرُوه من الردة في الحافرةِ مشعرينَ بغايةِ بُعدِها من الوقوعِ
تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسرة
أي ذاتُ خسرانٍ أو خاسرةٌ أصحابُها أيْ إنْ صحَّتْ فنحنُ اذن خاسرون لتكذبينا بهَا وقولُه تعالَى
стр. 8024
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة
تعليلٌ لمقدَّرٍ يقتضيهِ إنكارُهم لإحياءِ العظامِ النخرةِ التي عبرُوا عنهَا بالكرَّةِ فإنَّ مدارَهُ لما كانَ استصعابُهم إيَّاها ردَّ عليهم ذلكَ فقيلَ لا تستصعبُوهَا فإنَّما هيَ صيحةٌ واحدةٌ أي حاصلةٌ بصيحةٍ واحدةٍ وهي النفخةُ الثانيةُ عبِّر عنهَا بها تنبيها على كمال اتصالِها بها كأنَّها عينُها وقيلَ هيَ راجعٌ الى الرادفة فقوله تعلى
стр. 8025
فَإِذَا هُم بالساهرة
حينئذٍ بيانٌ لترتب الكرّةِ على الزجرة مفاجأة اي فاذا هُم أحياءٌ على وجه الأرضِ بعدَ ما كانُوا أمواتاً في جَوفِها وعلى الأول بيانٌ لحضورِهم الموقفَ عقيبَ الكرةِ التي عبرَ عنها بالزجرةِ والساهرةُ الأرضُ البيضاءُ المستويةُ سُميتْ بذلكَ لأنَّ السرابَ يَجْري فيهَا من قولِهم عينٌ ساهرةٌ جاريةُ الماءِ وفي ضِدِّهَا نائمةٌ وقيلَ لأنَّ سالِكَها لا ينامُ خوفَ الهلكةِ وقيل اسمٌ لجهنمَ وقالَ الراغبُ هي وجهُ الأرضِ وقيلَ هيَ أرضُ القيامةِ ورَوَى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباس ﵄ أنَّ الساهرةَ أرضٌ من فضةٍ لم يعصَ الله تعالَى عليهَا قطْ خلقَها حينئذٍ وقيلَ هيَ أرضٌ يجددها الله يومَ القيامةِ وقيلَ هيَ اسمُ الأرضِ السابعةِ يأتِي بها الله تعالَى فيحاسبُ الخلائقَ عليها وذلك حين تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض وقال الثوريُّ الساهرةُ أرضُ الشامِ وقال وهبُ بنُ منبهٍ جبلُ بيتِ المقدسِ وقيل الساهرةُ بمَعْنى الصحراء على شفيرِ جهنمَ وقولُه تعالى
стр. 8026
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى
كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتسلية رسولة الله ﷺ من تكذيبِ قومِه بأنَّه يصبهم مثل ما أصاب
стр. 8027
٧٩ سورة النازعات (١٦ ٢٠)
من كانَ أَقْوى منهُم وأعظمَ ومَعْنى هلْ أتاكَ إنِ اعتُبرَ هذا أولَ ما أتاهُ ﵊ من حديثِه ﵇ ترغيبٌ له ﵊ في استماعِ حديثِه كأنَّه قيلَ هل أتاكَ حديثُه أنَا أُخبرَك بهِ وإنِ اعتُبرَ إتيانُه قبل هذا وهُو المتبادرُ من الإيجازِ في الاقتصاصِ حملَهُ ﵊ على أنْ يقرَّ بأمرٍ يعرفُه قبلَ ذلكَ كأنَّه قيلَ أليس قد أتاكَ حديثُه وقولُه تعالَى
стр. 8028
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد المقدس
ظرفٌ للحديثِ لا للإتيانِ لاختلافِ وَقْتَيهِما
طُوًى
بضمِّ الطاءِ غيرُ منونٍ وقُرِىءَ منوناً وقُرِىءَ بالكسرِ منوناً وغيرَ منونٍ فمَنْ نونَّهُ أوَّلهُ بالمكانِ دونَ البقعة وقيل هو كشنى مصدرٌ لنَادَى أو المقدسِ أيْ ناداهُ ندائينِ أو المقدسِ مرةً بعدَ أُخْرى
стр. 8029
اذهب إلى فِرْعَوْنَ
على إرادةِ القولِ وقيلَ هو تفسيرٌ للنداءِ أي ناداهُ إذهبْ وقيلَ هُو على حذفِ أَنِ المفسرةِ ويدلُّ عليه قراءةُ عبدِ اللَّهِ أنِ اذهبْ لأنَّ في النداءِ مَعْنى القولِ
إِنَّهُ طغى
تعليلٌ للأمرِ أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ
стр. 8030
فقل
بعدما أتيتَهُ
هَل لَّكَ
رغبةٌ وتوجهٌ
إلى أَن تزكى
بحذف إحدى التاءين من تتزكَّى أيْ تتطهرُ من دنسِ الكُفرِ والطغيانِ وقُرِىءَ تزَّكَّى بالتشديدِ
стр. 8031
وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ
وأُرشدكَ إلى معرفتِه فتعرِفَهُ
فتخشى
إذِ الخشيةُ لا تكونُ إلا بعدَ معرفتِه تعالَى قالَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء وجَعلُ الخشيةِ غايةً للهدايةِ لأنَّها مِلاكُ الأمرِ مَنْ خشَى الله تعالى أتَى منْهُ كلَّ خيرٍ ومَنْ أَمِنَ اجتر على كلِّ شرَ أُمرَ ﵊ بأن يخاطبَهُ بالاستفهامِ الذي معناهُ العرضُ ليستدعيَهُ بالتلطفِ في القولِ ويستنزلَهُ بالمُداراةِ من عُتوِّهِ وهذا ضربُ تفصيلٍ لقولِه تعالى فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى والفاءُ في قولِه تعالَى
стр. 8032
فَأَرَاهُ الأية الكبرى
فصيحةٌ تُفصحُ عن جملٍ قد طُويتْ تعويلاً على تفصيلِها في السورِ الأُخرى فإنه ﵊ ما أراه اياها عيب هذا الأمرِ بل بعدَ ما جَرى بينَهُ وبين الله تعالَى ما جَرى من الاستدعاءِ والإجابةِ وغيرِهما من المراجعاتِ وبعد ما جَرَى بينَهُ وبينَ فرعونٍ ما جَرَى من المحاوراتِ الى أن قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بآية فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين والإراءةُ إما بمَعْنى التبصيرِ أو التعريفِ فإن اللعينَ حينَ أبصرَها عرفَها وادعاءُ سحريتها إنَّما كانَ إراءةً منهُ وإظهاراً للتجلدِ ونسبتُهَا إليه ﵊ بالنظرِ إلى الظاهرِ كما أنَّ نسبتَها إلى نونِ العظمةِ في قولِه تعالى وَلَقَدْ أريناه آياتنا بالنظر
стр. 8033
٧٩ سورة النازعات (٢١ ٢٥)
إلى الحقيقةِ والمرادُ بالآية الكُبْرى قلبُ العصَا حيةً وهو قولُ ابن عبَّاسٍ ﵄ فإنَّها كانتِ المقدمةَ والأصلَ والأُخْرَى كالتبع لها أوهما جَميعاً وهو قَولُ مجاهدٍ فإنَّهما كالآيةِ الواحدةِ وقدْ عبرَ عنهُمَا بصيغةِ الجمعِ حيثُ قالَ اذهب أَنتَ وأخوك بآياتي باعتبر ما في تضاعيفهما من بدائع الأمورِ التي كلٌّ منهَا آيةٌ بينةٌ لقومٍ يعقلون كما في سورة طه ولا مساغَ لحملها على مجموع معجزاتِه فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسعِ إنما ظهرتْ على يدِه ﵊ بعدَ مَا غلبَ السحرةَ على مهلٍ في نحوٍ من عشرينَ سنةً كما مرَّ في سورةِ الأعرافِ ولا ريب في أن هذا مطلعُ القصةِ وأمرُ السحرةِ مترقبٌ بعدُ
стр. 8034
فَكَذَّبَ
بمُوسَى ﵇ وسمي معجزاته سِحْراً
وعصى
الله بالتمردِ بعدَ ما علَم صحةَ الأمرِ ووجوبَ الطاعةِ أشدَّ عصيانٍ وأقبحَهُ حيثُ اجترأَ على إنكارِ وجودِ ربِّ العالمينَ رَأْساً وكان اللعينُ وقومُه مأمورينَ بعبادتِه وتركِ العظيمةِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فئتُه الباغيةُ لا بإرسالِ بني إسرائيلَ من الأسرِ والقَسْرِ فقطْ
стр. 8035
ثُمَّ أَدْبَرَ
أي تولَّى عن الطاعةِ أو انصرفَ عنِ المجلسِ
يسعى
أي يجتهدُ في معارضةِ الآيةِ أو أُريدَ ثم أقبلَ أي أنشأَ يسعَى فوضَع موضعَهُ أدبرَ تحاشياً عن وصفِه بالإقبالِ وقيلَ أدبرَ هارباً من الثعبانِ فإنَّه روي أنَّه ﵊ لَمَّا ألقَى العَصَا انقلبتْ ثُعباناً أشعَرَ فاغراً فاهُ بين لَحْيَيهِ ثمانونَ ذراعاً وَضع لَحيَه الأسفلَ عَلى الأرضِ والأَعْلى على سُورِ القصرِ فتوجَّهَ نحوَ فرعونَ فهربَ وأحدثَ وانهزم الناس مردحمون فماتَ منهُم خمسةٌ وعشرونَ ألفاً من قومِه وقيلَ إنها حينَ انقلبتْ حيةً ارتفعتْ في السماءِ قدرَ ميلٍ ثمَّ انحطتْ مُقبلةً نحوَ فرعونٍ وجعلتْ تقولُ يا مُوسَى مُرْني بما شئتَ ويقولُ فرعونُ أنشدكَ بالذي أرسلكَ إلا أخذتَه فأخذَهُ فعادَ عصا ويأباهُ أنَّ ذلكَ كانَ قبلَ الإصرار على التكذيبِ والعصيانِ والتصدِّي للمعارضة كما يعربُ عنه قولُه تعالَى
стр. 8036
فَحَشَرَ
أي فجمعَ السحرةَ لقولِه فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى المدائن حاشرين وقوله تعالى فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي ما يُكادُ به من السحرة وآلاتِهم وقيلَ جنودُه ويجوزُ أنْ يرادَ جميعُ الناسِ
فنادى
في المجمع بنفسه أو بواسطة المُنادِي
стр. 8037
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى
قيلَ قامَ فيهم خطيباً فقال تلكَ العظيمةَ
стр. 8038
فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الأخرة والأولى
النكالُ بمَعْنى التنكيلِ كالسلامِ بمعنى التسليمِ وهو التعذيبُ الذي ينكلُ منْ
стр. 8039
٧٩ سورة النازعات (٢٦ ٢٩)
رآهُ أو سمعَهُ ويمنعُه من تعاطِي ما يُفضِي اله ومحلُّه النصبُ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ كوعدَ الله وصبغةَ الله كأنَّه قيلَ نكَّلَ الله به نكالَ الآخرةِ والأُولى وهو الإحراقُ في الآخرة والإغراقُ في الدُّنيا وقيلَ مصدرٌ لأخذَ أي أخذَهُ الله أخذَ نكالِ الآخرةِ الخ وقيلَ مفعولٌ له أي أخذَهُ لأجل نكالِ الخ وقيلَ نُصب على نزعِ الخافضِ أي أخذَهُ بنكال الآخرةِ والأولى واضافته الى الداين باعتبار وقوعِ نفسِ الأخذِ فيهمَا لا باعتبارِ أنَّ ما فيه من معنى المنعِ يكونُ فيهمَا فإن ذلكَ لا يتصورُ في الآخرةِ بل في الدُّنيا فإن العقوبةَ الأخرويةَ تنكلُ من سمعَها وتمنعُه من تعاطِي ما يُؤدي إليها لا محالةَ وقيلَ المرادُ بالآخرةِ والأُولى قولُه أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى وقولُه مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى قيل كان بينَ الكلمتينِ أربعونَ سنةً فالإضافةُ إضافةُ المسبِّبِ إلى السببِ
стр. 8040
إِنَّ فِى ذَلِكَ
أي فيمَا ذُكِرَ من قصة فرعونَ وما فَعَل وما فُعلِ به
لَعِبْرَةً
عظيمةً
لّمَن يخشى
أي لمَنْ مِنْ شأنِه أنْ يخشَى وهو مَنْ مِنْ شأنِه المعرفة وقوله تعالى
стр. 8041
أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً
خطابٌ لأهل مكةَ المنكرين للبعث بناءً على صعوبتِه في زَعْمِهم بطريقِ التوبيخِ والتبكيتِ بعدَ ما بيّنَ كمالُ سهولتِه بالنسبةِ إلى قُدرةِ الله تعالى بقولِه تعالى فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة أي أخلقُكُم بعد موتِكم أشدُّ أي أشقُّ وأصعبُ في تقديرِكم
أَمِ السماء
أي أمْ خلقُ السماءِ على عِظَمِها وانطوائِها على تعاجيبِ البدائعِ التي تحارُ العقولُ عن ملاحظةِ أدناهَا كقولِه تعالى لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس وقولِه تعالى أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وقولِه تعالى
بناها
الخ بيانٌ وتفصيلٌ لكيفيةِ خلقِها المستفادِ من قولِه أمِ السماءُ وفي عدمِ ذكرِ الفاعلِ فيه وفيما عُطف عليهِ من الأفعالِ من التنبيهِ على تعينِه وتفخيمِ شأنِه ما لا يخفى وقوله تعالى
стр. 8042
رَفَعَ سَمْكَهَا
بيانٌ للبناء أي جعلَ مقدارَ ارتفاعِها من الأرضِ وذهابِها إلى سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً مسيرةً خمسمائةِ عامٍ
فَسَوَّاهَا
فعلدها مستويةً ملساءَ ليسَ فيها تفاوتٌ ولا فطورٌ أو فتممَها بما عَلم أنها تتمُّ بهِ من الكواكبِ والتداويرِ وغيرِها مما لا يعلمُه إلا الخلَاّقُ العليمُ من قولِهم سَوَّى أمرَ فلان إذا صلحه
стр. 8043
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي جعلَه مظلماً يقال غطشَ الليلُ وأغطشَهُ الله تعالَى كما يقالُ ظلَم وأظلَمَهُ وقد مَرَّ هذا في قولِه تعالى وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ويقال أيضاً أغطشَ الليلُ كما يقالُ أظلمَ ﴿وَأَخْرَجَ ضحاها﴾ أي أبرزَ نهارَهَا عبرَ عنْهُ بالضُّحىَ لأنه أشرفُ أوقاتهِ وأطيبُها فكانَ أحقَّ بالذكرِ في مقامِ الامتنانِ وهو السرُّ في تأخير ذكره عن ذكرِ الليلِ وفي التعبيرِ عن إحداثهِ بالاخراجِ فإنَّ إضافة النورِ بعد الظلمةِ أتمُّ في الإنعام
стр. 8044
٧٩ سورة النازعات (٣٠ ٣٢)
وأكملُ في الإحسانِ وإضافةُ الليلِ والضُّحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتهما ويجوز أن تكون إضافة الضحى إليها بواسطةِ الشمسِ أي أبرزَ ضوءَ شمسِها والتعبيرُ عنه بالضُّحى لأنَّه وقت قيام سلطانها وكما إشراقِها
стр. 8045
والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها
أي بسطَها ومهَّدها لسكْنى أهلِها وتقلبِهم في أقطارِها وانتصابُ الأرضَ بمضمرٍ يفسرُه دحاهَا
стр. 8046
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا﴾ بأنْ فجرَ منها عيوناً وأجْرَى أنهاراً
ومرعاها
أي رعيَها وهو في الأصلِ موضعُ الرَّعِي وقيلَ هو مصدرٌ ميمي بمعنى مفعول وتجريدُ الجملةِ عن العاطفِ إما لأنَّها بيانٌ وتفسيرٌ لدحاهَا وتكملةٌ له فإنَّ السكْنى لا تتأتَّى بمجرد البسطِ والتمهيدِ بلْ لا بدَّ من تسوية أمرِ المعاشِ من المأكلِ والمشربِ حتماً وإما لأنها حالٌ من فاعلِه بإضمارِ قدْ عندَ الجمهورِ أو بدونِه عن الكوفيينَ والأخفشِ كما في قولِه تعالى أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
стр. 8047
والجبال
منصوبٌ بمضمرٍ يفسرُهُ
أرساها
أي أثبتَها وأثبتَ بها الأرضَ أن تميدَ بأهلِها وهذا تحقيقٌ للحقِّ وتنبيهٌ على أنَّ الرسوَّ المنسوبَ إليهَا في مواضعَ كثيرةٍ من التنزيلِ بالتعبيرِ عنها بالرَّوَاسِي ليسَ من مقتضياتِ ذواتِها بلْ هو بإرسائِه ولولاهُ لما ثبتتْ في أنفسِها فضلاً عنْ إثباتِها للأرضِ وقُرِىءَ والأرضُ والجبالُ بالرفعِ على الابتداءِ ولعلَّ تقديمَ إخراجِ الماءِ والمَرْعى ذكراً مع تقدمِ الإرساءِ عليهِ وجُوداً وشدةِ تعلقِه بالدَّحْوِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ المأكلِ والمشربِ معَ ما فيهِ من دفعِ توهمِ رجوعِ ضميرَيْ الماءِ والمَرْعَى إلى الجبالِ وهذا كما ترى يدل يظاهره على تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ وما فيهَا كمَا يُروى عن الحسنِ مِنْ أنَّه تعالَى خَلَقَ الأرضَ فِى موضعِ بيتِ المقدسِ كهيئةِ الفِهْرِ عليه دخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما الآيةَ وقد مرَّ في سورةِ حم السجدةِ أنَّ قولَه تعالَى قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ إلى قولِه تعالى ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ الآيةَ إنْ حُملَ ما فيهِ من الخلقِ وما عُطف عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ لا على تقديرِها فهُو وما في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات يدلانِ على تقدم خلقِ الأرضِ وما فيها على خلق السماءِ وما فيها وعليه إطباقُ أكثرِ أهلِ التفسيرِ وقد رُويَ أنَّ العرشَ كانَ قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ على الماء ثم إنه تعالَى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفعَ منه دخانٌ فأما الزبدُ فبقيَ على وجه الماءِ فخلق منه اليُبوسةَ فجعلَه أرضاً واحدةً ثم فتقَها فجعلَها أرَضينَ وأما الدخانُ فارتفعَ وعلَا فخلقَ منه السمواتِ ورُويَ أنَّه تعالَى خلقَ جِرْمَ الأرضِ يومَ الأحدِ ويومَ
стр. 8048
٧٩ سورة النازعات (٣٣ ٣٥)
الاثنينِ ودحاهَا وخلقَ ما فيها يومَ الثلاثاءِ ويومَ الأربعاءِ وخلقَ السمواتِ وما فيهن يومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ وخلقَ آدمَ ﵇ في آخرِ ساعةٍ منه وهيَ الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ فالأقربُ كما قيل تأمويل هذه الآيةِ بأن يُجعلَ ذلكَ إشارةً إلى ذكِر ما ذُكِرَ من بناءِ السماءِ ورفعِ سَمِكها وتسويتِها وغيرَها لا إلى أنفسِها ويحمل بعدية في الذكرِ كما هُو المعهودُ في ألسنة العربِ والعجمِ لا في الوجود لما عرفتَ من أنَّ انتصابَ الأرضِ بمضمرٍ مقدمٍ قد حُذِفَ على شريطةِ التفسيرِ لا بما ذُكِرَ بعدَهُ ليفيدَ القصرَ وتتعينَ البعديةُ في الوجودِ وفائدةُ تأخيرِه في الذكرِ إما التنبيهُ على أنَّه قاصرٌ في الدلالةِ على القدرة القاهرةِ بالنسبةِ إلى أحوالِ السماءِ وإما الإشعارُ بأنَّه أدخلُ في الإلزامِ لما أنَّ المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهرُ وإحاطتَهم بتفاصيلِ أحوالِه أكملُ وليسَ ما رُويَ عن الحسنِ نصاً في تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلق السماءِ فإن بسطَ الأرضِ معطوفٌ على إصعادِ الدخانِ وخلقِ السماء بالواو هي بمعزلٍ من الدلالةِ على الترتيبِ هذا على تقديرِ حملِ ما ذكرَ في آياتِ سورةِ السجدةِ من الخلقِ وما عُطف عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرةِ وأما إذا حُملتْ على تقديرِها فلا دلالةَ فيها إلا على تقدمِ تقدير الأرضِ وما فيهَا على إيجاد السماءِ كما لا دلالةَ على الترتيب أصلاً إذا حُملتْ كلمةُ ثُمَّ فيها وفيمَا في سورةِ البقرةِ على التراخِي في الرتبةِ وقد سلفَ تفصيلُ الكلامِ في السورةِ المذكورةِ وقوله تعالى
стр. 8049
متاعا لَّكُمْ ولأنعامكم
إمَّا مفعول له أي فعل ذلكَ تمتيعاً لكُم ولأنعامِكم لأنَّ فائدةَ ما ذُكرَ من البسط والتميهد وإخراجِ الماءِ والمَرْعى واصلةٌ إليهم وإلى أنعامِهم فإن المراد المرعى ما يعمُّ ما يأكلُه الإنسانُ وغيرُه بناءً على استعارةِ الرَّعي لتناولِ المأكولِ على الإطلاقِ كاستعارةِ المرسنِ للأنفِ وقيلَ مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلِه المضمرِ أي متَّعكُم بذلكَ متاعاً أو مصدرٌ من غير لفظه فإن قولَه تعالَى أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها في معنى متَّع بذلكَ وقوله تعالى
стр. 8050
فإذا جاءت الطامة الكبرى
أي الداهيةُ العُظمى التي تطمُّ على سائرِ الطاماتِ أي تعلُوها وتغلبُها وهي القيامةُ أو النفخةُ الثانيةُ وقيلَ هي الساعةُ التي يساق الخَلائقُ إلى محشرِهم وقيلَ التي يساق أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ وأهلُ النارِ إلى النارِ شروعٌ في بيان أحوالِ معادِهم إثرَ بيانِ أحوالِ معاشِهم بقولِه تعالى متاعا لَّكُمْ الخ والفاءُ للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلَها عما قليل كما يبنى منه لفظُ المتاعِ
стр. 8051
يوم يتذكر الإنسان ما سعى
قيلَ هو بدلٌ من إذَا جاءتْ والأظهرُ أنه منصوبٌ بأَعْنِي كما قيلَ تفسيراً للطامةِ الكُبرى فإن الإبدالَ منها بالظرف المحضِ مما يُوهن تعلقَها بالجوابِ ويجوزُ أن يكونَ بدلاً من الطامةِ الكُبرى مفتوحاً لإضافتِه إلى الفعلِ على رأي الكوفيينَ أي يتذكر فيه كل
стр. 8052
٧٩ سورة النازعات (٣٦ ٤١)
أحدٍ ما عملَهُ من خيرٍ أو شرَ بأنْ يشاهدَهُ مدوناً في صحيفةِ أعمالِه وقد كانَ نسيَهُ من فرطِ الغفلةِ وطولِ الأمدِ كقولِه تعالى أحصاه الله وَنَسُوهُ ويجوزُ أنْ تكونَ ما مصدريةً
стр. 8053
وَبُرّزَتِ الجحيم
عطفٌ على جاءتْ أي أظهرتْ إظهاراً بيناً لا يَخْفى على أحدٍ
لِمَن يرى
كائناً من كانَ يُروى أنه يكشف عنها فتتلظى فيرها كلُّ ذي بصرٍ وقرىء وبُرِزَتْ بالتخفيفِ ولمن رَأَى ولمن ترى على فيهِ ضميرَ الجحيمِ كما في قوله تعالى إذا رأتهم من مكان بعيد وعلى أنه خطابٌ لرسولِ الله ﷺ أي لم تراهُ من الكفارِ وقولُه تعالى
стр. 8054
فَأَمَّا مَن طغى
الخ جوابُ فإذَا جاءتْ على طريقةِ قولِه تعالَى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى الآيةَ وقيلَ هُو تفصيلٌ للجوابِ المحذوفِ تقديرُه انقسمِ الراؤونَ قسمين فأما فأمَّا من الخ والذي تستدعيهِ فخامةُ التنزيلِ ويقتضيه مقامُ التهويلِ أنَّ الجوابَ المحذوفَ كانَ من عظائمِ الشؤن ما لَم تُشاهِدْهُ العيونُ كما مر في قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل أي فأما من عَتا وتمردَ عن الطاعةِ وجاوزَ الحدَّ في العصيانِ
стр. 8055
آثر الحياة الدنيا
الفانيةَ التي هي على جناحِ الفواتِ فانهمكَ فيما متعَ به فيهَا ولم يستعدَّ للحياةِ الأخرويةِ الأبديةِ بالإيمانِ والطاعةِ
следующие страницы →