← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

يوم يتذكر الإنسان ما سعى قيلَ هو بدلٌ من إذَا جاءتْ والأظهرُ أنه منصوبٌ بأَعْنِي كما قيلَ تفسيراً للطامةِ الكُبرى فإن الإبدالَ منها بالظرف المحضِ مما يُوهن تعلقَها بالجوابِ ويجوزُ أن يكونَ بدلاً من الطامةِ الكُبرى مفتوحاً لإضافتِه إلى الفعلِ على رأي الكوفيينَ أي يتذكر فيه كل

стр. 8052

٧٩ سورة النازعات (٣٦ ٤١) أحدٍ ما عملَهُ من خيرٍ أو شرَ بأنْ يشاهدَهُ مدوناً في صحيفةِ أعمالِه وقد كانَ نسيَهُ من فرطِ الغفلةِ وطولِ الأمدِ كقولِه تعالى أحصاه الله وَنَسُوهُ ويجوزُ أنْ تكونَ ما مصدريةً

стр. 8053

وَبُرّزَتِ الجحيم عطفٌ على جاءتْ أي أظهرتْ إظهاراً بيناً لا يَخْفى على أحدٍ لِمَن يرى كائناً من كانَ يُروى أنه يكشف عنها فتتلظى فيرها كلُّ ذي بصرٍ وقرىء وبُرِزَتْ بالتخفيفِ ولمن رَأَى ولمن ترى على فيهِ ضميرَ الجحيمِ كما في قوله تعالى إذا رأتهم من مكان بعيد وعلى أنه خطابٌ لرسولِ الله ﷺ أي لم تراهُ من الكفارِ وقولُه تعالى

стр. 8054

فَأَمَّا مَن طغى الخ جوابُ فإذَا جاءتْ على طريقةِ قولِه تعالَى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى الآيةَ وقيلَ هُو تفصيلٌ للجوابِ المحذوفِ تقديرُه انقسمِ الراؤونَ قسمين فأما فأمَّا من الخ والذي تستدعيهِ فخامةُ التنزيلِ ويقتضيه مقامُ التهويلِ أنَّ الجوابَ المحذوفَ كانَ من عظائمِ الشؤن ما لَم تُشاهِدْهُ العيونُ كما مر في قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل أي فأما من عَتا وتمردَ عن الطاعةِ وجاوزَ الحدَّ في العصيانِ

стр. 8055

آثر الحياة الدنيا الفانيةَ التي هي على جناحِ الفواتِ فانهمكَ فيما متعَ به فيهَا ولم يستعدَّ للحياةِ الأخرويةِ الأبديةِ بالإيمانِ والطاعةِ

стр. 8056

فَإِنَّ الجحيم التي ذُكِرَ شأنُها هِىَ المأوى أي هيَ مأواهُ واللامُ سادَّةٌ مسدَّ الإضافةِ للعلمِ بأن صاحبَ المَأْوى هو الطاغِي كما في قولِكَ غُضَّ الطَّرْفَ ودخولُ اللامِ في المَأوى والطرفِ للتعريفِ لأنهما معروفانِ وهيَ إما ضميرُ فصلٍ أو مبتدأٌ قيلَ نزلتِ الآيةُ في النضرِ وأبيه الحرث المشهورينِ بالغُلوِّ في الكُفرِ والطغيانِ

стр. 8057

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ أيْ مقامَهُ بين يَدَيْ مالكِ أمرِه يومَ الطامةِ الكُبرَى يومَ يتذكرُ الإنسانُ ما سعَى وَنَهَى النفس عَنِ الهوى عن الميلِ إليهِ بحكمِ الجبلةِ البشريةِ ولم يعتدَّ بمتاعِ الحياةِ الدُّنيا وزهرتِها ولم يغترَّ بزخارفِها وزينتِها علماً منه بوخامة عاقبتِها

стр. 8058

فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى لهُ لا غيرُهَا وقيلَ نزلت الآياتان في أبِي عزيزِ بنِ عميرٍ ومصعب بنِ عميرٍ وقد قتلَ مصعبٌ أخاهُ أبا عزيزٍ يومَ أحدٍ ووقي رسول الله ﷺ حتى استُشهدَ ﵁ هذا وقد قيلَ جوابُ إذَا مَا يدلُّ عليهِ قولُه تعالَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الخ أيْ فإذَا جاءتِ الطامةُ الكُبْرى يتذكرُ الإنسانُ ما سَعَى على طريقة

стр. 8059

٧٩ سورة النازعات (٤٢ ٤٥) قولِه تعالَى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ وقوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ فيكونُ قولُه تعالَى وَبُرّزَتِ الجحيم عطفاً عليهِ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحققِ أو حالاً من الإنسانِ بإضمارِ قدْ أو بدونِه على اختلافِ الرأيينِ ولمنْ يَرَى مغنٍ عن العائدِ وقولُه تعالى فَأَمَّا مَن طغى الخ تفصيلاً لحالَيْ الإنسانِ الذي يتذكرُ ما سَعَى وتقسيماً لهُ بحسبِ أعمالِه إلى القسمينِ المذكورين

стр. 8060

يسألونك عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها مَتَى إرساؤُها أي إقامتُها يردون متى يقيمُها الله تعالَى ويثبتها ويكونها وقيل أيام مُنتهاهَا ومُستقرهَا كما أنَّ مَرسى السفينةِ حيثُ تنتهي إليهِ وتستقرُّ فيهِ وقولُه تعالى

стр. 8061

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إنكارٌ وردٌّ لسؤالِ المشركينَ عنْهَا أيْ في أيِّ شيءٍ أنت من تذكرَ لهُم وقتَها وتعلمهم بهِ حَتَّى يسألُونكَ بيانَها كقوله تعالى يسألونك كأنك خفي عَنْهَا أي ما أنتَ من ذكرها لهُم وتبيينِ وقتِها في شيءٍ لأنَّ ذلكَ فرعُ علمكَ به وأنَّى لكَ ذلكَ وهو مما استأثرَ بعلمه علامُ الغيوبِ ومن قال بصدد التعليل فإنَّ ذكرها لا زيدهم إلا غياً فقد نَأَى عن الحقِّ وقيلَ فيمَ إنكارٌ لسؤالهم وما بعدَهُ من الاستئنافِ تعليلٌ للإنكار وبيانٌ لبطلان السؤالِ أيْ فيمَ هذا السؤالُ ثمَّ ابتُدِىءَ فقيلَ أنتَ من ذكراه أي إرسالُك وأنتَ خاتمُ الأنبياءِ المبعوثُ في نسيم الساعةِ علامةٌ من علاماتِها ودليلٌ يدُلُّهم على العلمِ بوقُوعِها عن قريبٍ فحسبُهم هذه المرتبةُ من العلمِ فمَعْنى قولِه تعالى

стр. 8062

إلى رَبّكَ منتهاها على هذا الوجهِ إليهِ تعالَى يرجع متهى علمِها أيْ علمُها بكُنهِها وتفاصيل أمرها ووقت وقوعِها لا إلى أحدٍ غيرِه وإنما وظيفتُهم أنْ يعلموا باقترابها ومشارفتا وقدْ حصلَ لهم ذلكَ بمبعثكَ فما مَعْنى سؤالِهم عنها بعدَ ذلك وأمَّا على الوجهِ الأولِ فمعناهُ إليهِ تعالَى انتهاءُ علمِها ليسَ لأحدٍ منه شيءٌ ما كائناً من كانَ فلأيِّ شيءٍ يسألونَكَ عنها وقولُه تعالى

стр. 8063

إنما أنت منذر من يخشاها على الوجه الأولِ تقريرٌ لما قبلَهُ من قوله تعالى فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا وتحقيقٌ لما هُو المرادُ منه وبيانٌ لوظيفتِه ﵊ في ذلكَ الشأنِ فإنَّ إنكارَ كونهِ ﵊ في شيءٍ من ذِكراهَا مما يُوهمُ بظاهرِه أنْ ليسَ له ﵊ أنْ يذكرَها بوجهٍ من الوجوهِ فأُزيحَ ذلكَ ببيانِ أنَّ المنفَى عنه ﵊ ذكرُهَا لهم بتعيينِ وقتِها حسبَما كانُوا يسألونَهُ ﵊ عنهَا فالمَعْنى إنما أنت منذر من يخشاهَا وظيفتُكَ الامتثالُ بما أمرت به من بيانِ اقترابِها وتفصيلِ ما فيها من فنُون الأهوالِ كما تحيطُ به خبراً لا تعيينِ وقتِها الذي لم يُفوضْ إليكَ فما لهم يسألونَكَ عمَّا ليسَ من وظائِفكَ بيانُه وعلى

стр. 8064

٧٩ سورة النازعات (٤٦) الوجهِ الثانِي هو تقريرٌ لقولِه تعالى أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ببيانِ أنَّ إرسالِه ﵊ وهو خاتمُ الأنبياءِ ﵈ منذرٌ بمجيءِ الساعةِ كما ينطقُ به قولُه ﵊ بعثتُ أنَا والساعة كهاتي إنْ كادتْ لتسبقُني وقُرِىءَ منذرٌ بالتنوينِ وهو الأصلُ والإضافةُ تخفيفٌ صالحٌ للحالِ والاستقبالِ فإذا أُريدَ الماضِي تعينتِ الإضافةُ وتخصيصُ الإنذارِ بمن يخشَى مع عمومِ الدعوةِ لأنَّه المنتفعُ بهِ وقولُه تعالى

стр. 8065

كأنهم يوم يرونها لم يَلْبَثُواْ إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها إما تقريرٌ وتأكيدٌ لما ينبىءُ عنه الإنذارُ من سرعة مجيءِ المُنذَر بهِ لا سيَّما على الوجهِ الثَّانِي أيْ كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار بها إلا عشيةَ يومٍ واحدٍ أو ضحاهُ فلما تُركَ اليومُ أضيفَ ضُحاه إلى عشيتِه وإمَّا ردٌّ لمَا أدمجُوه في سؤالِهم فإنَّهم كانُوا يسألونَ عنها بطريق الاستبطاءِ مستعجلينَ بها وإنْ كانَ على نهجِ الاستهزاءِ بهَا وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين فالمَعْنى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعدَ الوعيدِ تحقيقاً للإنذارِ وردًّا لاستبطائِهم والجملةُ على الأولِ حالٌ من الموصولِ فإنَّه على تقديرَيْ الإضافةِ وعدمِها مفعولٌ لمنذرُ كما أنَّ قولَه تعالى كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَاّ سَاعَةً مّنَ النهار حالٌ من ضميرِ المفعولِ في يحشرُهم أي يحشرهم مشبيهن بمن لم يلبثْ في الدُّنيا إلا ساعةً خلا أن الشبهَ هناكَ في الأحوالِ الظاهرةِ من الزيِّ والهيئةِ وفيمَا نحنُ فيه في الاعتقاد كأنَّه قيلَ تنذرُهم مشبهينَ يومَ يَرَونها في الاعتقادِ بمن لم يلبثْ بعد الإنذارِ بها إلا تلك المدةَ اليسيرةَ وعلى الثانِي مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة النازعات كانَ ممن حبسَهُ الله في القبرِ والقيامةِ حتى يدخلَ الجنةَ قدرَ صلاةٍ مكتوبةٍ والله أعلم

стр. 8066

٨٠ سورة عبس (١ ٣) سورة عبس مكية وآياتها اثنان وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8067

عَبَسَ وتولى أَن جَاءهُ الأعمى رُويَ أنَّ ابنَ أمِّ مكتومٍ واسمُه عبدُ اللَّه بنُ شُريحِ بنِ مالكِ بنِ أبي ربيعةَ الفهريُّ وأمُّ مكتومٍ اسمُ أم أبيهِ أتَى رسولَ الله ﷺ وعندَهُ صناديدُ قريشٍ عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ وأبُو جهل بنُ هشامٍ والعباسُ بنُ عبدِ المطلبِ وأميةُ بنُ خلفٍ والوليدُ بنُ المغيرةِ يدعُوهم إلى الإسلامِ رجاءَ أنْ يسلمَ بإسلامِهم غيرُهم فقالَ له يا رسولَ الله أقرئْنِي وعلمنِي مما علمكَ الله تعالَى وكررَ ذلكَ وهو لا يعلمُ تشاغلَهُ ﵊ بالقوم فكرِه رسولُ الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس اعرض عنه فنزلتْ فكانَ رسولُ الله ﷺ يكرمُه ويقولُ إذا رآه مرحباً بمن عاتبَني فيه ربِّي ويقولُ لهُ هل لكَ من حاجةٍ واستخلفَهُ على المدينة مرتينِ وقرىء عبَّس بالتشديدِ للمبالغةِ وأنْ جاءَهُ علةٌ لتولَّى أو عَبَس على اختلافِ الرأيينِ أيْ لأَنْ جاءَهُ الأعمى والتعرضُ لعنوانِ عماهُ إمَّا لتمهيدِ عُذرِه في الإقدامِ على قطعِ كلامِه ﵊ بالقومِ والإيذانِ باستحقاقه بالرفق والرأفة وما لزيادةِ الإنكارِ كأنَّه قيلَ تولَّى لكونِه أَعْمى كما أنَّ الالتفاتَ في قولِه تعالى

стр. 8068

وَمَا يُدْرِيكَ لذلكَ فإنَّ المشافهةَ أدخلُ في تشديدِ العتابِ أيْ وأيُّ شيءٍ يجعلُكَ دارياً بحالِه حتى تُعرضَ عنْهُ وقولُه تعالى لَعَلَّهُ يزكى استئنافٌ واردٌ لبيانِ ما يلوحُ به ما قبلَه فإنه معَ إشعارِه بأنَّ له شأناً منافياً للإعراضِ عنه خارجاً عن درايةِ الغيرِ وادرائِه مؤذنٌ بأنه تعالَى يُدريه ذلكَ أي لعلَّه يتطهرُ بما يقتبسُ منكَ من أوضارِ الأوزارِ بالكليةِ وكلمةُ لعلَّ مع تحققِ التزكِّي واردةٌ على سَننِ الكِبْرِياء أو على اعتبارِ مَعْنى الترجِّي بالنسبةِ إليه ﵊ للتنبيه على أن الإعراضَ عنه عند كونِه مرجوَّ التزكِّي مما لا يجوزُ فكيفَ إذا كان مقطوعاً بالتزكِّي كما في قولِك لعلَّك ستندمُ على ما فعلتَ وفيه إشارةٌ إلى أنَّ من تصدَّى لتزكيتهم من الكفرة لا يُرجى منهم التزكِّي والتذكر أصلا

стр. 8069

٨٠ سورة عبس (٤ ١١) وقولُه تعالى

стр. 8070

(أَوْ يَذَّكَّرُ عطفٌ على يزكَّى داخلٌ معه في حكم الترجِّي وقولُه تعالَى فَتَنفَعَهُ الذكرى بالنصب على جواب لعلَّ وقرىء بالرفع عطفا على يذكَّرُ أي أو يتذكرُ فتنفعُه موعظتُك إنْ لم يبلغْ درجةَ التزكِّي التامِّ وقيلَ الضميرُ في لعلَّه للكافر فالمَعْنى أنك طمعتَ في أنْ يتزكَّى أو يذكرَ فتقربُه الذكرَى إلى قبولِ الحقِّ ولذلكَ توليتَ عن الأَعْمى وما يُدريكَ أن ذلكَ مرجُّوُ الوقوعِ

стр. 8071

أَمَّا مَنِ استغنى أي عن الإيمان وعما عندك من العلومِ والمعارفِ التي ينطوي عليها القرآنُ

стр. 8072

فَأَنتَ لَهُ تصدى أي تتصدَّى وتتعرضُ بالإقبالِ عليهِ والاهتمامِ بإرشادِه واستصلاحِه وفيه مزيدُ تنفيرٍ له ﵊ عن مصاحبتِهم فإن الإقبالَ على المُدبرِ ليسَ من شيمِ الكبارِ وقُرِىءَ تصَّدَّى بإدغامِ التَّاءِ في الصَّادِ وقُرِىءَ تُصدى بضمِّ التاءِ أيْ تُعرضُ ومعناهُ يدعوكَ إلى التصدِّي له داعٍ من الحرص والتهالكُ على إسلامِه

стр. 8073

وما عليك ان لا يزكى وليسَ عليكَ بأسٌ في أن لا يتزكى بالإسلام حتَّى تهتمَّ بأمره وتعرضَ عمَّن أسلمَ والجملةُ حالٌ من ضمير تصدى وقيل ما استفهامية للإنكار أيْ أيُّ شيء عليك في أن لا يتزكى ومآله النفيُ أيضاً

стр. 8074

وَأَمَّا مَن جَاءكَ يسعى أيْ حالَ كونِه مسرعاً طالباً لما عندكَ من أحكام الرشدِ وخصالِ الخيرِ

стр. 8075

وَهُوَ يخشى أي الله تعالَى وقيلَ يخشَى أذيةَ الكفارِ في إتيانِك وقيلَ يخشى الكبوةَ إذ لم يكن معهُ قائدٌ والجملةُ حال من فاعل يعسى كما أنه حالٌ من فاعل جاءك

стр. 8076

فَأَنتَ عَنْهُ تلهى تتشاغلُ يقالُ لَهَى عنه والتهِى وتَلهَّى وقُرِىءَ تتلهى وتلهى أي يُلهيك شأنُ الصناديدِ في تقديم ضميرِه ﵊ على الفعلين تبيه على أنَّ مناطَ الإنكارِ خصوصيتُه ﵊ أي مثلُك خصوصاً لا ينبغِي أن يتصدَّى للمستغنِي ويتلهَّى الفقيرَ الطالبَ للخيرِ وتقديمُ لَه وعنْهُ للتعريض باهتمامه ﵊ بمضمونهما رُويَ أنه ﵊ ما عبسَ بعذ ذلكَ في وجهِ فقيرٍ قط ولا تصدَّى لغنى

стр. 8077

كلا

стр. 8078

٨٠ سورة عبس (١٢ ١٥) ردع له ﵊ عمَّا عُوتبَ عليهِ من التصدِّي لمن استغنَى عمادعاه إليهِ من الإيمانِ والطاعةِ وما يوجبهُما من القرآنِ الكريمِ مبالغاً في الاهتمامِ بأمره متهالكا على إسلامِه معرضاً بسببِ ذلكَ عن إرشادِ من يسترشدُه وقولُه تعالى إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ أي موعظةٌ يجبُ أن يتعظَ بها ويعملَ بموجبِها تعليلٌ للردعِ عما ذُكِرَ ببيانِ علوِّ رتبةِ القرآنِ العظيمِ الذي استغنى عنه من تصدَّى ﵊ لهُ وتحقيقُ أن شأنه أن يكونُ موعظةً حقيقةً بالاتعاظِ بها فمن رغبَ فيها اتَّعظَ بها كما نطقَ به قولُه تعالى

стр. 8079

فَمَن شَاء ذَكَرَهُ أي حفظَهُ واتَّعظَ بهِ ومن رغبَ عنهَا كما فعلَ المستغنيُّ فلا حاجةَ إلى الاهتمامِ بأمرِه فالضميرانِ للقرآنِ تأنيث الأولُ لتأنيثِ خبرِه وقيلَ الأولُ للسورةِ أو للآياتِ السابقةِ والثانِي للتذكرةِ والتذكيرِ لأنها في مَعْنى الذكرِ والوعظ وليس بذاك فإن السورةَ والآياتِ وإن كانتْ متصفةً بما سيأتِي من الصفاتِ الشريفةِ لكنها ليستْ مما أُلقي على من استغنى عنه واستحقَ بسببِ ذلكَ ما سيأتِي من الدعاءِ عليهِ والتعجبِ من كفرِه المفرطِ لنزولِها بعد الحادثةِ وأما من جوَّز رجوعَهما إلى العتابِ المذكورِ فقد أخطأَ وأساءَ الأدبَ وخبطَ خبطاً يقضي منه العجبُ فتأمَّل وكُن على الحقِّ المبينِ وقولُه وتعالى

стр. 8080

فَى صُحُفٍ متعلقٌ بمضمرٍ هُو صفةٌ لتذكرةٌ وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به للترغيبِ فيها والحثِّ على حفظِها أي كائنةٌ في صحفٍ منتسخةٍ من اللوحِ أو خبرٌ ثانٍ لأنَّ مُّكَرَّمَةٍ عندَ الله عزَّ وجلَّ

стр. 8081

مَّرْفُوعَةٍ أي في السماءِ السابعةِ أو مرفوعةِ المقدارِ والذكرِ مُّطَهَّرَةٍ منزهةٍ عن مساسِ أيدِي الشياطينِ

стр. 8082

بِأَيْدِى سَفَرَةٍ أي كتبةٍ من الملائكةِ ينتسخونَ الكتبَ من اللوحِ على أنه جمعُ سافرٍ من السفرِ وهو الكتبِ وقيل بأيدِي رسلٍ من الملائكةِ يسفرونَ بالوحْي بينَهُ تعالَى وبين الأنبياءِ على أنه جمعُ سفيرٍ من السفارةِ وحملُهم على الأنبياءِ ﵈ بعيدٌ فإن وظيفتَهم التلقِّي من الوَحْي لا الكتبُ منه وإرشادُ الأمةِ بالأمرِ والنَّهي وتعليمُ الشرائعِ والأحكامِ لا مجردُ السفارةِ إليهم وكذَا حملُهم على القراءِ لقراءتِهم الأسفارَ أو على أصحابِه ﵊ وقد قالُوا هذه اللفظةُ مختصةٌ بالملائكةِ لا تكادُ تطلقُ على غيرِهم وإن جازَ الإطلاقُ بحسبِ اللغةِ والباءُ متعلقةٌ بمطهرةٍ قال القَفَّالُ لما لم يمسَّها إلا الملائكةُ المطهرونَ أضيفَ التطهيرُ إليها لطهارة من يمسُّها وقال القرطبيُّ إن المرادَ بما في قوله تعالى لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون هؤلاء السفرةُ الكرامُ البررة

стр. 8083

سورة عبس (١٦ ٢٣)

стр. 8084

كِرَامٍ عند الله أو متعطفينَ على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرونَ لهم بَرَرَةٍ أتقياءَ وقيل مطيعينَ لله تعالى من قولهم فلانٌ يبرُّ خالقه أي يطيعه وقيل صادقينَ من برَّ في يمينه

стр. 8085

قُتِلَ الإنسان دعاءٌ عليه بأشنعِ الدعواتِ وقوله تعالى مَا أَكْفَرَهُ تعجبٌ من إفراطه في الكفران وبيانٌ لاستحقاقِه للدعاءِ عليه والمرادُ به إمَّا من استغنَى عن القُرآن الكريمِ الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة للإقبال عليه والإيمان به وإما الجنسُ باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده لا باعتبار جميعِ أفرادِه وفيه مع قصرِ متنه وتقاربِ قُطريه من الإنباءِ عن سخطٍ عظيمٍ ومذمةٍ بالغة مالا غايةَ وراءَهُ وقولُه تعالَى

стр. 8086

مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ شروعٌ في بيانِ إفراطِه في الكفرانِ بتفصيلِ ما أفاضَ عليه من مبدأ فطرتِه إلى مُنْتهَى عمرِه من فُنونِ النعمِ الموجبةِ بالشكرِ والطاعةِ مع إخلالِه بذلكَ وفي الاستفهامِ عن مبدأ خلقِه ثم بيانِه بقولِه تعالى

стр. 8087

مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ تحقيرٌ له أيِّ شيءٍ حَقيرٍ مهينٍ خلقه من نطفة قدرة خلقَهُ فَقَدَّرَهُ فهيَّأهُ لما يصلحُ لهُ ويليقُ به من الأعضاءِ والأشكالِ أو فقدَّرَهُ أطْواراً إلى أنْ تمَّ خلقُه وقولُه تعالَى

стр. 8088

ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ منصوبٌ بمُضمرٍ يفسرُهُ الظاهرُ أيْ ثم سهَّلَ مخرجَهُ من البطن بأن فتح فتحَ فمَ الرحمِ وألهمَهُ أنْ ينتكسَ أو يسرَ له سبيلَ الخيرِ والشرِّ ومكنه من السلوك وتعريفُ السبيلِ باللامِ دونَ الإضافةِ للإشعارِ بعمومِه

стр. 8089

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعلَهُ ذَا قبرٍ يُوارَى فيه تكرمةً لهُ ولم يدعْهُ مطروحاً على وجهِ الأرض جرزا للسباعِ والطير كسائرِ الحيوانِ يقالُ قبرَ الميتَ إذَا دفنَهُ وأقبرَهُ إذا أمرَ بدفنِه أو مكنَ منْهُ وعَدُّ الإماتةِ من النعمِ لأنَّها وصلةٌ في الجُملةِ إلى الحياةِ الأبديةِ والنعيمِ المقيمِ

стр. 8090

ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ أي إذا شاء أنشره وأنشر على القاعدةُ المستمرةُ في حذفِ مفعولِ المشيئةِ وفي تعليقِ الإنشارِ بمشيئتِه تعالى إيان بأنَّ وقتَهُ غيرُ متعينٍ بلْ هُو تابعٌ لهَا وقُرِىءَ نَشَرهُ
следующие страницы →