← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

١٦٦ - ١٦٧ آل عمران ذلك الوقتِ خاصة بناءً على عدم كونِه مَظِنةً له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه فإن كونَ مصيبةِ عدوِّهم ضعفَ مصيبتِهم مما يُهوِّن الخطْبَ ويورث السَّلْوةَ أو أفعلتم ما فعلتم ولما أصابتكم غائلته أنى هذا على توجيه الإنكارِ إلى استبعادهم الحادثةَ مع مباشرتهم لسببها وتذكيرُ اسمِ الإشارةِ في أنى هذا مع كونه إشارةً إلى المصيبة ليس لكونها عبارةً عن القتل ونحوِه بل لما أن إشارتَهم ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غيرِ أنْ يخطُر ببالِهم تسميتُه باسمٍ ما فضلاً عن تسميته باسم المصيبةِ وإنما هي عند الحكاية وقوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أمرٌ لرسول الله ﷺ بأن يُجيب عن سؤالهم الفاسد إثر تحقيق فساد بالإنكار والتقريع ويبكتهم أن ما نالهم إنما نالهم من جهتهم بتركهم المركزَ وحِرصِهم على الغنيمة وقيل باختيارهم الخروجَ من المدينة ويأباه أن الوعدَ بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند قوله تعالى وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ الآية وأن عملَ النبيِّ ﷺ بموجبه قد رَفَع الخطرَ عنه وخفف جنايتَهم فيه على أن اختيارَ الخروجِ والإصرارَ عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من التفوّه بمثل هذه الكلمة وقيل بأخذهم الفداءَ يوم بدر قبل أن يُؤذَن لهم والأولُ هو الأظهرُ الأقوى وإنما يعضُده توسيطُ خطابِ الرسول ﷺ بين الخِطابين المتوجهَيْن إلى المؤمنين وتفويضُ التبكيتِ إليه ﵇ فإن توبيخَ الفاعل على الفعل إذا كان ممن نهاه عنه كان أشدَّ تأثيراً ﴿إِنَّ الله على كُلّ شىء قَدِيرٌ﴾ ومن جملته النصرُ عند الطاعةِ والخِذلانُ عند المخالفةِ وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم والجملةُ تذييلٌ والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها داخلٌ تحت الأمرِ

стр. 842

﴿وَمَا أصابكم﴾ رجوعٌ إلى خطاب المؤمنين إثرَ خطابِه ﵇ بسر يقتضيه وإرشادٌ لهم إلى طريق الحق فيما سألوا عنه وبيانٌ لبعض ما فيه من الحكم والمصالحِ ودفعٌ لما عسى أن يُتوهمَ من قولِه تعالى هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ من استقلالهم في وقوع الحادثةِ والعدولُ عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادةِ التقريرِ ببيان وقتِه بقوله تعالى ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أي جمعُكم وجمعُ المشركين ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ أي فهو كائن بقضائه وتخليتِه الكفارَ سُمّيَ ذلك إذناً لكونها من لوازمه ﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين﴾ عطفٌ على قوله تعالى فَبِإِذْنِ الله عطفَ المسبَّب على السَّببِ والمرادُ بالعلم التمييزُ والإظهارُ فيما بين الناسِ

стр. 843

﴿وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ﴾ عطف على ما قبله من مثله وإعادةُ الفعل لتشريف المؤمنين وتنزيهِهم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حالِ العلم بحسب التعلقِ بالفريقين فإنه متعلقٌ بالمؤمنين على نهج تعلقِه السابقِ وبالمنافقين على وجه جديدٍ وهو السرُّ في إيراد الأولِين بصيغة اسمِ الفاعلِ المنبئةِ عن الاستمرار والآخِرين بموصول صِلتُه فعلٌ دالٌ على الحدث والمعنى وما

стр. 844

أصابكم يومئذ فهو كائن لتمييز الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاقَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عطفٌ على نافقوا داخلٌ معه في حيزِ الصلةِ أو كلامٌ مبتدأ قال ابن عباس ﵄ هم عبد الله بن أُبي وأصحابُه حيث انصرفوا يوم أحُدٍ عن رسول الله ﷺ فقال لهم عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ حرامٍ أذكركم الله أن لاتخذلوا نبيَّكم وقومَكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى ﴿تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ قال السدي ادفعوا عنا العدوَّ بتكثير سوادِنا إن لم تقاتلوا معنا وقيل أو ادفعوا عن أهلكم وبلدِكم وحريمِكم إن لم تقاتلوا في سبيلِ الله تعالى وتركُ العطفِ بين تعالَوْا وقاتِلوا لما أن المقصودَ بهما واحد وهو الثاني وذِكْرُ الأولِ توطئةٌ له وترغيبٌ فيه لما فيهِ منَ الدَلالة على التظاهر والتعاون ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال ينسحبُ عليه الكلام كأنه قيل فماذا صنعوا حين خُيِّروا بين الخَصْلتين المذكورتين فقيل قالوا ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم﴾ أي لو نُحسِن قتالاً ونقدِر عليه وإنما قالوه دغَلاً واستهزاءً وإنما عبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العِلم به لما أن القدرةَ على الأفعال الاختياريةِ مستلزِمةٌ للعلم بها أو لو نعلم ما يصِحُّ أن يسمَّى قِتالاً لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلاً وإنما هو إلقاءُ النفسِ إلى التهلُكة وفي جعلهم التالي مجردَ الاتباعِ دون القتالِ الذي هو المقصودُ بالدعوة دليلٌ على كمال تثبيطهم عن القتال حيث لا ترضى نفوسُهم بجعله تالياً لمقدَّم مستحيلِ الوقوعِ ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان﴾ الضميرُ مبتدأٌ وأقربُ خبرُه واللامُ في للكفر وللإيمان متعلقة به وكذا يومئذٍ ومنهم وعدمُ جوازِ تعلقِ حرفين متّحدين لفظاً ومعنى بعامل واحدٍ بلا عطفٍ أو بدليةٍ إنَّما هو فيما عدا أفعلِ التفضيلِ من العوامل لاتحاد حيثيةِ عملِها وأما أفعلُ التفضيلُ فحيث دل على أصل الفعلِ وزيادتِه جرى مَجرى عاملين كأنه قيل قربهم للكفر زائدة على قربهم للإيمان وقيل تعلقُ الجارَّيْن به لشَبَهِهما بالظرفين أي هم للكفر يوم إذْ قالوا ما قالوا أقربُ منهم للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أَمارةٌ مُؤذِنةٌ بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنونُ بهم واقتربوا من الكفر وقيل هم لأهل الكفرِ أقربُ نُصرةً منهم لأهل الإيمانِ لأن تقليلَ سوادِ المسلمين بالانخذال تقويةٌ للمشركين وقوله تعالى يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ جملةٌ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها وذِكرُ الأفواهِ والقلوبِ تصويرٌ لنفاقهم وتوضيحٌ لمخالفة ظاهرِهم لباطنهم وما عبارةٌ عن القول والمرادُ به إما نفسُ الكلامِ الظاهر في اللسان وتارة وفي القلب أخرى فالمثبَتُ والمنفيُّ متحدان ذاتاً وإن اختلفا مظهراً وإما القولُ الملفوظُ فقط فالمنفيُّ حينئذٍ منشؤُه الذي لا ينفك عنه القولُ أصلاً وإنَّما عبَّر عنه به إبانةً لما بينهما من شدة الاتصالِ أي يتفوّهون بقول لا وجودَ له أو لِمَنشَئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيلِ التي من جملتها ما حكي عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شئ منهما أحدُهما عدمُ العلمِ بالقتال والآخَرُ الاتباعُ على تقدير العِلمِ به وقد كذَبوا فيهما كذِباً بيّناً حيث كانوا عالمين به غيرَ ناوين للاتّباع بل كانوا مُصِرِّين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد وقوله ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ زيادةُ تحقيقٍ لكفرهم ونفاقِهم ببيان اشتغالِ قلوبِهم بما يخالف أقوالَهم من فُنون الشرِّ والفسادِ إثرَ بيانِ خُلوِّها عما يوافقها وصيغةُ التفضيلِ لِما أنَّ بعضَ ما يكتُمونه من أحكام النفاقِ وذمِّ المؤمنين وتخطئةِ آرائِهم والشماتةِ بهم وغيرِ ذلك يعلمه المؤمنون على وجه الإجمال وأن تفاصيلَ ذلك

стр. 845

١٦٨ - ١٦٩ آل عمران وكيفياتِه مختصةٌ بالعلم الإلهي

стр. 846

﴿الَّذِينَ قَالُواْ﴾ مرفوعٌ على أنه بدلٌ من واو يكتُمون أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وقيل مبتدأ خبرُه قل فادرؤا بحذف العائدِ تقديرُه قُلْ لَهُمْ الخ أو منصوبٌ على الذمِّ أو على أنه نعتٌ للذين نافقوا أو بدلٌ منه وقيل مجرورٌ على أنه بدلٌ من ضمير أفواهم أو قلوبِهم كما في قولِه ... على جودِه لَضَنَّ بالماء حاتمُ ... والمرادُ بهم عبدُ اللَّهِ بنُ أبي وأصحابُه ﴿لإخوانهم﴾ أي لأجلهم وهم من قُتل يومَ أحدٍ من جنسهم أو من أقاربهم فيندرج فيهم بعضُ الشهداءِ ﴿وَقَعَدُواْ﴾ حالٌ من ضمير قالوا بتقدير قد أي قالوا وقد قعدوا عن القتال بالانخذال ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك ﴿مَا قُتِلُوا﴾ كما لم نُقتلْ وفيه إيذانٌ بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا وأغْوَوْهم كما غَوَوْا وحملُ القعودِ على ما استصوبه ابنُ أُبيّ عند المشاورةِ من الإقامة بالمدينة ابتداءً وجعلُ الإطاعةِ عبارةً عن قبول رأيِه والعملِ به يرُده كونُ الجملةِ حاليةً فإنها لتعيين ما فيه العصيانُ والمخالفةُ مع أن ابنَ أبيَ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى على أن تخصيصَ عدمِ الطاعةِ بإخوانهم ينادي باختصاص الأمرِ أيضاً بهم فيستحيل أن يُحمَلَ على ما خوطب به النبيُّ ﷺ عند المشاورة ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم وإظهار لكذبهم ﴿فادرؤوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ جوابٌ لشرط قد حُذف تعويلاً على ما بعدَهُ منْ قولِه تعالى ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ كما أنه شرطٌ حُذف جوابُه لدِلالة الجوابِ المذكورِ عليهِ أيْ إنْ كنتُم صادقين فيما ينبئ عنه قولُكم من أنكم قادرون على دفع القتلِ عمن كُتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموتَ الذي كُتب عليكم مُعلَّقاً بسبب خاصَ موقتاً بوقت معيّنٍ بدفع سببِه فإن أسبابَ الموتِ في إمكان المدافعةِ بالحيل وامتناعِها سواءٌ وأنفسُكم أعزُّ عليكم من إخوانكم وأمرُها أهمُّ لديكم من أمرهم والمعنى أن عدمَ قتلِكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوباً عليكم لا بسبب أنكم دفعتموه بالقُعود ودمع كتابته عليكم فإن ذلك مما لا سبيل إليه بل قد يكون القتالُ سبباً للنجاة والقعود مؤدياً إلى الموت رُوي أنه مات يوم قالوا ما قالوا سبعون منافقاً وقيل أريد إِن كُنتُمْ صادقين في مضمون الشرطية والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدين كما قُتلوا مقاتِلين فقوله تعالى فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ حينئذ استهزاءٌ بهم أي إن كنتم رجالاً دفّاعين لأسباب الموت فادرءوا جميعَ أسبابِه حتى لا تموتوا كما درأتم في زعمكم هذا السببَ الخاصَّ

стр. 847

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أمواتا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أن القتلَ الذي يَحذَرونه ويُحذّرون الناسَ منه ليس مما يُحذر بل هو من أجل المطالبِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ إثرَ بيانِ أن الحذرَ لا يجدى ولا يغني وقرئ ولا تحسِبن بكسر السين والمرادُ بهم شهداءُ أحدٍ وكانوا سبعين رجلاً أربعةٌ من المهاجرين حمزةُ بنُ عبد المطالب ومُصعبُ بنُ عميرٍ وعثمانُ بنُ شهابٍ وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ وباقيهم من الأنصار رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين والخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن له حظٌّ من الخطاب وقرئ بالياء على

стр. 848

١٧٠ - آل عمران الإسناد إلى ضميرِه ﵇ أو ضمير مَنْ يحسَب وقيل إلى الذين قُتلوا والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لأنه في الأصل مبتدأٌ جائز الحذف عندالقرينة والتقديرُ ولا يحسَبنّهم الذين قُتلوا أمواتاً أي لا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتاً على أن المرادَ من توجيه النهي إليهم تنبيهُ السامعين على أنهم أحِقاءُ بأن يَسْلُوا بذلك ويَبْشُروا بالحياة الأبديةِ والكرامةِ السنية والنعيمِ المقيمِ لكن لا في جميعِ أوقاتِهم بل عند ابتداءِ القتلِ إذ بعد تبيُّن حالِهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتِهم وتبشيرِهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه وقرئ قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين ﴿بَلْ أَحْيَاء﴾ أي بل هم احياء وقرئ منصوباً أي بلِ احسَبْهم أحياءً على أن الحُسبانَ بمعنى اليقينِ كما في قوله ... حسِبتُ التقي والمجدَ خيرَ تجارة ... رَباحاً إذا ما المرءُ أصبح ثاقلاً ... أو على أنه واردٌ على طريق المشاكلةِ ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ في محلِ الرفعِ على أنه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدرِ أو صفةٌ لأحياءٌ أو في محلِّ النَّصبِ على أنه حال من الضمير في أحياءٌ وقيل هو ظرفٌ لأحياء أو للفعل بعده والمرادُ بالعندية التقربُ والزلفى وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التَّربيةِ والتبليغِ إلى الكمال مع الإضافةِ إلى ضميرِهم مزيدُ تكرمةٍ لهم ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي من الجنة وفيه تأكيدٌ لكونهم أحياءً وتحقيقٌ لمعنى حياتِهم قال الإمام الواحدي الأصحُ في حياة الشهداءِ ما رُوي عنِ النبيِّ ﷺ من أنَّ أرواحَهم في أجوافٍ طيورٍ خُضْرٍ وأنهم يُرزقون ويأكْلون ويتنعمون ورُوي عنه ﵇ أنه قال لما أصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيور خضر تدور في أنهار الجنة وروي ترِدُ أنهارَ الجنةِ وتأكُل من ثمارها وتسرَح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ في ظل العرشِ وفيه دَلالةٌ على أن روحَ الإنسانِ جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخراب البَدَن ولا يتوقف عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه ومن قال بتجريد النفوسِ البشريةِ يقول المرادُ أن نفوسَ الشهداءِ تتمثل طيوراً خُضْراً أو تتعلق بها فتلتذّ بما ذكر وقيل المرادُ أنها تتعلق بالأفلاك والكواكبِ فتلتذ بذلك وتكتسب زيادةَ كمال

стр. 849

﴿فرحين بما آتاهم الله من فَضْلِهِ﴾ وهو شرفُ الشهادةِ والفوزُ بالحياة الأبديةِ والزُلفى من الله والتمتُّع بالنعيم المخلِّد عاجلاً ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسِرّون بالبشارة ﴿بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ أي بإخوانهم الذين لم يُقتلوا بعدُ في سبيل الله فيلحقوا بهم ﴿مّنْ خَلْفِهِمْ﴾ متعلقٌ بيلحقوا والمعنى أنهم بقُوا بعدهم وهم قد تقدموهم أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل يلحقوا أيْ لمْ يلحقُوا بهمْ حالَ كونِهم متخلِّفين عنهم باقين في الدنيا ﴿أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من الذين بدلَ اشتمالٍ مبينٍ لكون استبشارِهم بحال إخوانِهم لا بذواتهم وإنْ هي المخففةُ من أنّ واسمُها ضميرُ الشأنِ المحذوفِ وخبرُها الجملةُ المنفية أي ويستبشرون بما تبين لهم من حسن حالِ إخوانِهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلِهم يفوزون بحياة أبديةٍ لا يكدرها خوف وقوعُ محذور ولا حزنٌ فوات مطلوبٍ أو لَا خوفٌ عَلَيْهِمْ في الدنيا من القتل فإنه عينُ الحياةِ التي يجب أن يرغب فيها فضلا

стр. 850

١٧١ - ١٧٢ ١٧٣ آل عمران عن أن تُخافَ وتحذَر أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والمرادُ بيانُ دوامِ انتفاءِ الخوفِ والحزنِ لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يُوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارعا فإن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يُفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام

стр. 851

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ﴾ كُرِّر لبيان أن الاستبشارَ المذكورَ ليس بمجرد عدمِ الخوفِ والحزنِ بل به وبما يقارِنُه من نعمةٍ عظيمةٍ لا يقادَرُ قَدْرُها وهي ثوابُ أعمالِهم وقد جُوِّز أن يكون الأولُ متعلقاً بحال إخوانِهم وهذا بحال أنفسِهم بياناً لبعض ما أُجمل في قولِه تعالَى فَرِحِينَ بما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴿مِنَ الله﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفة لنعمة مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنةٍ منه تعالى ﴿وَفَضَّلَ﴾ أي زيادةٍ عظيمةٍ كما في قوله تعالى لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴿وَأَنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين﴾ بفتح أن عطفٌ على فضلٍ منتظمٌ معه في سلك المستبشَرِ به والمرادُ بالمؤمنين إما الشهداءُ والتعبيرُ عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رُتبة الإيمانِ وكونِه مناطاً لما نالوه من السعادة وإما كافةُ أهلِ الإيمانِ من الشهداء وغيرِهم ذُكرت توفيةُ أجورِهم على إيمانهم وعُدَّت من جملة ما يستبشَرُ به الشهداء بحكم الأخُوَة في الدين وقرئ بكسرها على أنه استئنافٌ معترضٌ دالٌّ على أن ذلك أجرٌ لهم على إيمانهم مُشعِرٌ بأن من لا إيمانَ له أعمالُه محبطة لا أجر لها وفيه من الحث على الجهاد والترغيبِ في الشهادة والبعثِ على ازدياد الطاعةِ وبشرى المؤمنين بالفلاح ما لا يخفى

стр. 852

﴿الَّذِينَ استجابوا لِلَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح﴾ صفةٌ مادحةٌ للمؤمنين لا مخصِّصة أو نُصب على المدحِ أو رفع على الابتداءِ والخبرُ قولُه تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بجملته ومن للبيان والمقصودُ من الجمع بين الوصفين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ لأن المستجيبين كلَّهم محسنون ومتقون رُوي أنَّ أبا سفيانَ وأصحابَه لما انصرفوا من أحُد فبلغوا الرّوحاءَ ندِموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهبهم من نفسه وأصحابِه قوةً فندَب أصحابَه للخروج في طلب أبي سفيان وقال لا يخرُجنَّ معنا إلا من حضر يومَنا بالأمس فخرج ﷺ مع جماعة حتى بلغوا حمراءَ الأسدِ وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ وكان بأصحابه القرْحُ فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتَهم الأجرُ وألقى الله تعالى الرعبَ في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت

стр. 853

﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ يعني الركب الذين

стр. 854

١٧٤ - آل عمران استقبلوهم من عبد قيسٍ أو نُعيم بنِ مسعودٍ الأشجعي وإطلاقُ الناس عليه لما أنه من جنسهم وكلامُه كلامُهم يقال فلانٌ يركبُ الخيلَ ويلبَس الثياب وماله سوى فرسٍ فردٍ وغيرُ ثوبٍ واحد أو لأنه انضم إليه ناسٌ من المدينة وأذاعوا كلامَه ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم﴾ رُوي أنَّ أبا سفيانَ نادى عند انصرافِه من أحُد يا محمدُ موعدُنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئت فقال ﵇ إنَّ شاء الله تعالى فلما كان القابلُ خرج أبو سفيان في أهل مكةَ حتى نزل مرَّ الظهرانِ فألقى الله تعالى في قلبه الرعبَ وبدا له أن يرجِع فمر به ركبٌ من بني عبدِ قيسٍ يُريدون المدينةَ للمِيرَة فشرَط لهم حِملَ بعيرٍ من زبيب إن ثبّطوا المسلمين وقيل لقيَ نُعيمُ بنَ مسعودٍ وقد قدِم معتمِراً فسأله ذلك والتزم له عشراً من الإبل وضمِنها منه سهيلُ بنُ عمرو فخرج نُعيمٌ ووجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم أتَوْكم في دياركم فلم يُفلت منكم أحدٌ إلا شريدٌ أفترَوْن أن تخرُجوا وقد جمعوا لكم ففِرُّوا فقال ﵇ والذي نفسي بيده لأخرُجَنَّ ولو لم يخرُجْ معي أحدٌ فخرج في سبعين راكباً كلُّهم يقولون حسبُنا الله ونعم الوكيل قيل هي الكلمة التى قالها إبراهيمَ ﵊ حين ألقي في النار ﴿فَزَادَهُمْ إيمانا﴾ الضميرُ المستكنّ للمقول أو لمصدرِ قال أو لفاعله إن أُريد به نُعيمٌ وحدَه والمعنى أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبَت به يقينُهم بالله تعالى وازداد اطمئنانُهم وأظهروا حميةَ الإسلامِ وأخلصوا النيةَ عنده وهو دليلٌ على أن الإيمانَ يتفاوت زيادةً ونقصاناً فإن ازديادَ اليقينِ بالإلْفِ وكثرةِ التأملِ وتناصُرِ الحجج مما لا ريبَ فيه ويعضُده قولُ ابنِ عمرَ ﵄ قلنا يا رسولَ الله الإيمانُ يزيدُ وينقص قال نعم يزيد حتى يُدخِلَ صاحبَه الجنةَ وينقُص حتى يدخِلَ صاحبَه النار ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾ أي محسبنا الله وكافيا من أحسبه إذا كفاه والدليلُ على أنه بمعنى المُحسب أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفاً في قولك هذا رجلٌ حسبُك ﴿وَنِعْمَ الوكيل﴾ أي نعم الموكولُ إليه والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي الله عزَّ وجلَّ

стр. 855

﴿فانقلبوا﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي فخرجوا إليهم ووافَوا الموعِد روي أنه ﵊ وافى بجيشه بدراً وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً والباء في قوله تعالى ﴿بِنِعْمةٍ﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الضمير في فانقلبوا والتنوينُ للتفخيم أي فرَجَعوا من مقصِدهم ملتبسين بنعمة عظيمةٍ لا يقادَر قدرُها وقوله ﴿من الله﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لنعمة مؤكدة لفخامتها الذاتيةِ التي يفيدها التنكيرُ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنةٍ من الله تعالى وهي العافيةُ والثباتُ على الإيمان والزيادةُ فيه وحذَرُ العدوِّ منهم ﴿وَفَضْلٍ﴾ أي ربحٍ في التجارة وتنكيره أيضاً للتفخيم ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ حالٌ أخرى من الضمير في فانقلبوا أومن المستكنِّ في الحال كأنه قيل منعّمين حالَ كونِهم سالمين عن السوء والحالُ إذا كان مضارعاً منفياً بلم وفيه ضميرُ ذي الحالِ جاز فيه دخولُ الواوِ كما في قوله تعالى أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شئ وعدمُه كما في هذه الآية الكريمةِ وفي قولِه تعالى وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴿واتبعوا﴾ في كل ما أتَوا من قول وفعل ﴿رضوان الله﴾ الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارين ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ حيث تفضَّل عليهم

стр. 856

١٧٥ - ١٧٦ آل عمران بالتثبيت وزيادةِ الإيمانِ والتوفيقِ للمبادرة إلى الجهاد والتصلبِ في الدين وإظهارِ الجراءةِ على العدو وحفِظَهم عن كل ما يسوءهم مع إصابة النفعِ الجليلِ وفيه تحسيرٌ لمن تخلّف عنهم وإظهارٌ لخطأ رأيِهم حيث حرَموا أنفسَهم ما فاز به هؤلاء وروى أنهم قالوا هل يكون هذا غزواً فأعطاهم الله تعالى ثوابَ الغزوِ ورضي عنهم

стр. 857

﴿إِنَّمَا ذلكم﴾ إشارةٌ إلى المثبَّط أو إلى مَنْ حمله على التثبيط والخطابُ للمؤمنين وهو مبتدأُ وقولُه تعالى ﴿الشيطان﴾ إما خبرُه وقوله تعالى ﴿يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنة لشيطنته أو حالٌ كما في قوله تعالى فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً الخ وإما صفتُه والجملةُ خبرُه ويجوز أن تكون الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مضافٍ أي إنما ذلكم قولُ الشيطانِ أي إبليسَ والمستكنُّ في يخوف إما المقدار وإما الشيطان بحذف الراجعِ إلى المقدر أي يخوِّف به والمرادُ بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابُه فالمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي يخوفكم أولياءَه كما هو قراءةُ ابنِ عباس وابنِ مسعودٍ ويؤيِّده قولُه تعالى ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أي أولياءَه ﴿وَخَافُونِ﴾ في مخالفة أمري وإما القاعدون فالمفعولُ الثاني محذوفٌ أي يخوفهم الخروجَ مع رسول الله ﷺ والضميرُ البارزُ في فَلَا تَخَافُوهُمْ للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعُدوا عن لاقتال وتجنبوا وخافوني فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمُركم به والخطابُ لفريقَي الخارجين والقاعدين والفاءُ لترتيب النهي أو الانتهاء على ماقبلها فغن كونَ المَخوفِ شيطاناً مما يوجب عدمَ الخوفِ والنهي عنه ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ يقتضي إيثارَ خوفِ الله تعالى على خوف غيرِه ويستدعي الأمنَ من شر الشيطانِ وأوليائِه

стр. 858

﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذانِ بأصالته في تدبير أمورِ الدين والاهتمام بشئونه ﴿الذين يسارعون فى الكفر﴾ أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه وشدةِ رَغبتِهم فيه وإيثارُ كلمةِ فِى على ما وقع في قولِه تعالى وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ الآية للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى أُوْلَئِكَ يسارعون فِى الخيرات فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات وتقلّبِهم في فنونها في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها وأما إيثار كلمة إلى في قوله تعالى وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ الخ فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهى المسارعةِ وغايتُها والمرادُ بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفةٌ من اليهود حسبما عُيِّن في قوله تعالى ﴿يا أيها الرسول لَا يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر مِنَ الذين قالوا آمنا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذين هِادُواْ﴾ وقيل قوم ارتدوا عن الإسلام والتعبيرُ عنهم بذلك للإشارة بما في حيِّزِ الصلة إلى مَظِنة وجودِ المنهيِّ عنه واعترائِه لرسول الله ﷺ أي لا يَحْزُنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتِهم إلى تمشية أحكامِه ومُظاهرتِهم لأهله وتوجيهُ النهي إلى جهتهم مع ان المقصود نهيهِ ﵊ عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن

стр. 859

١٧٧ - آل عمران النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة وقد يُوجِّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم كما في قولك لا أُرَينّك ههنا وقرأ لا يُحزِنْك من أحزَن المنقولِ من حزِن بكسرِ الزَّاي والمعنى واحدٌ وقيل معنى حزَنه جعل فيه حُزْناً كما في دهَنه أي جعل فيه دُهْناً ومعنى أحزنه جعله حزيناً وقيل معنى حزَنه أحدث له الحزَن ومعنى أحزنه عرَّضه للحُزْن ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله﴾ تعليلٌ للنهي وتكميلٌ للتسلية بتحقيق نفيِ ضررِهم أبداً أي لن يضروا بذلك أولياءَ الله البتةَ وتعليقُ نفي الضررِ به تعالى لتشريفهم والإيذانِ بأن مُضارَّتَهم بمنزلة مضارَّتِه سبحانه وفيه مزيدُ مبالغةٍ في التسلية وقوله تعالى ﴿شَيْئاً﴾ في حيز النصبِ على المصدرية أي شيئاً من الضرر والتنكيرُ لتأكيد ما فيه من القلة والحقارةِ وقيل على نزعِ الجارِّ أي بشئ ما أصلاً وقيل المعنى لن يَنقصُوا بذلك من مُلكه تعالى وسلطانِه شيئاً كما روى أبو ذر عن رسول الله ﷺ أنه قال يقول الله تعالى لو أنَّ أولَكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجُلٍ منكم ما زادَ ذلكَ في مُلكي شيئاً ولو أنَّ أولَكم وآخرَكم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم ما نَقَصَ ذلكَ من مُلكي شيئاً والأولُ هو الأنسبُ بمقام التسليةَ والتعليل ﴿يُرِيدُ الله ألا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الاخرة﴾ استئنافٌ مبينٌ لسرّ ابتلائهم بما هُم فيه من الانهماك في الكفر وفي ذكر الإرادةِ من الإيذان بكمال خلوصِ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبِهم حيث تعلّقت بهما إرادة أرحم الراحمين مالا يخفى وصيغةُ الاستقبالِ للدِلالة على دوام الإرادةِ واستمرارِها أي يريد الله بذلك أن لا يجعل لهم في الاخرة حظأ من الثواب ولذلك تركهم في طغيانهم يعمهون إلى أن يهلِكوا على الكفر ﴿وَلَهُمْ﴾ مع ذلك الحِرمانِ الكى ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ لا يقادَرُ قَدرُه قيل ما دلت المسارعة في الشئ على عِظَم شأنِه وجلالةِ قدرِه عند المسارِعِ وُصف عذابُه بالعِظَم رعايةً للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساستِه في نفسه والجملةُ إما مبتدَأةٌ مبيِّنةٌ لحظهم من العقاب إثر بيان أن لاشئ لهم من الثواب وإما حالٌ من الضمير في لهم أي يريد الله حِرمانَهم من الثواب مُعدّاً لهم عذابٌ عظيم

стр. 860

﴿إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾ أي أخذوه بدلاً منه رعبة فيما أخذوه وإعراضاً عما تركوه وقد مرَّ تحقيقُ القولِ في هذه الاستعارةِ في تفسير قولِه ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ مستوفى ﴿لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ تفسيرُه كما مر غيرَ أن فيه تعريضاً ظاهراً باقتصار الضررِ عليهم كأنه قيل وإنما يضُرون أنفسَهم فإن جُعل الموصولُ عبارةً عن المسارعين المعهودين بأن يُرادَ باشتراء الكفرِ بالإيمان إيثارُه عليه إما بأخذه بدلاً من الإيمان الحاصلِ بالفعل كما هو حالُ المرتدين أو بالقوة القريبةِ منه الحاصلةِ بمشاهدة دلائلِه في التوراة كما هو شأنُ اليهودِ ومنافقيهم فالتكريرُ لتقرير الحُكم وتأكيدِه ببيان علتِه بتغيير عنوانِ الموضوعِ فإن ما ذكر في حيز الصلة من الاشتراء المذكورِ صريحٌ في لُحوق ضررِه بأنفسِهم وعدم تعدّيه إلى غيرهم أصلاً كيف لا وهو عَلَمٌ في الخسران الكليِّ والحِرمانِ الأبدي دالٌّ على كمال سخافةِ عقولِهم وركاكةِ آرائِهم فكيف يتأتى منهم ما يتوقفُ على قوة الحزمِ ورزانةِ الرأيِ ورصانةِ التدبيرِ من مُضارّة حزبِ الله تعالى وهي أعزُّ من الأبلقِ الفردِ وأمنعُ من عُقاب الجوِّ وإن أجرى الموصول على

стр. 861

١٧٨ - آل عمران عمومه بأن يراد بالاشتراء المذكورِ القدرُ المشتركُ الشاملُ للمعنيين المذكورين ولأخذ الكفرِ بدلاً مما نُزل منزلةَ نفسِ الإيمانِ من الاستعداد القريبِ له الحاصلِ بمشاهدة الوحيِ الناطقِ وملاحظةِ الدلائلِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ كما هو دأبُ جميعِ الكفرةِ فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها تقريرَ القواعدِ الكليةِ لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكامِ هذا وقد جوِّز كونُ الموصولِ الأولِ عاماً للكفار والثاني خاصاً بالمعهودين وأنت خبيرٌ بأنه مع خلوّه عن النكَتِ المذكورةِ مما لا يليق بفخامة شأنِ التنزيلِ لما أن صدورَ المسارعةِ في الكفر بالمعنى المذكورِ وكونَها مظِنةً لإيراث الحَزَنِ لرسول الله ﷺ كما يفهم من النهي عنه إنما يتصور ممن عُلم اتصافُه بها وأما من لا يُعرف حالُه من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدةِ فإسنادُ المسارعةِ المذكورةِ إليهم باعتبار كونِها من مبادى حزنه ﵇ ومما لا وجه له وقوله تعالى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جملةٌ مبتدأة مبينةٌ لكمال فظاعةِ عذابِهم بذكر غايةِ إيلامِه بعد ذكرِ نهايةِ عِظَمِه قيل لما جرت العادةُ باغتباط المشتري بما اشتراه وسرورِه بتحصيله عند كونِ الصفقةِ رابحةً وبتألمه عند كونِها خاسرةً وُصف عذابُهم بالإيلام مراعاةً لذلك

стр. 862

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى وَلَا يَحْزُنكَ الذين الآية والفعلُ مسندٌ إلى الموصول وأن بما في حيزها سادةٌ مسدَّ مفعوليه عند سيبويهِ لتمام المقصودِ بها وهو تعلقُ الفعلِ القلبيِّ بالنسبة بين المبتدأ والخبرِ أو مسدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش وما مصدريةٌ أو موصولةٌ حذف عائدها ووصلُها في الكتابة لاتّباع الإمام أي لايحسبن الكافرون إن إملاءنا لهم أو أن ما نمليه لهم خيرلأنفسهم أولا يحسبن الكافرون خيريةَ إملائِنا لهم أو خيريةَ ما نُمليه لهم ثابتةٌ أو واقعةٌ ومآلُه نهيُهم عن السرور بظاهر إملائِه تعالى لهم بناءً على حُسبان خيريّتِه لهم وتحسيرِهم ببيان أنه شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ كما أن مآلَ المعطوفِ عليه نهيُ الرسولِ ﷺ عن الحزن بظاهر حالِ الكفرةِ بناءً على توهم الضررِ من قِبَلهم وتسليتِه ﵇ ببيان عجزِهم عن ذلك بالكلية والمرادُ بالموصول إما جنسُ الكفرةِ فيندرج تحت حكمِه الكليِّ أحكامُ المعهودين اندراجاً أولياً وإما المعهود دون خاصة فإيثار الإظهار على الإضمار لرعاية المقارنةِ الدائمة بين الصلةِ وبين الإملاءِ الذي هو عبارةٌ عن إمهالهم وتخليتِهم وشأنَهم دهراً طويلاً فإن المقارنَ له دائماً إنما هو الكفرُ المستمرُّ لا المسارعةُ المذكورةُ ولا الاشتراءُ المذكورُ فإنهما من الأحوال المتجددةِ المنْقضيةِ في تضاعيف الكفرِ المستمر وقرئ لا تحسبن بالتاء والخطابُ لرسول الله ﷺ وهو الأنسبُ بمقام التسليةِ أو لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الحُسبانُ قصداً إلى إشاعة فظاعةِ حالِهم والموصولُ مفعول وإنما نُمْلِى لَهُمْ إما بدلٌ منه وحيث كان التعويلُ على البدل وهو سادٌّ مسدَّ المفعولين كما في قوله تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ اقتُصر على مفعولٍ واحدٍ كما في قولك جعلتُ المتاعَ بعضَه فوق بعضٍ وإما مفعولٌ ثانٍ بتقدير مضافٍ إما فيه أي لاتحسبن

стр. 863

١٧٩ - آل عمران الذين كفروا أصحابَ أن الإملاءِ خيرٌ لأنفسهم أو في المفعول الأولِ أي لاتحسبن حالَ الذين كفروا أن الإملاء خيرٌ لأنفسهم ومعنى التفضيلِ باعتبارِ زعمِهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ استئنافٌ مبينٌ لحكمةِ الإملاءِ وما كافة واللامُ لامُ الإرادة وعند المعتزلةِ لامُ العاقبة وقرئ بفتح الهمزة ههنا على إيقاع الفعلِ عليه وكسرُها فيما سبق على أنه اعتراضٌ بين ٨ الفعل ومعمولِه مفيدٌ لمزيد الاعتناءِ بإبطال الحسبانِ وردِّه على معنى لايحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ حسبما هو شأنُهم بل إنما هو لتلافي ما فَرَط منهم بالتوبة والدخولِ في الإيمان ﴿وَلَهُمْ﴾ فى الأخرة ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لمّا تضمّنَ الإملاءُ التمتيعَ بطيبات الدنيا وزينتِها وذلك مما يستدعي التعزّزَ والتجبّر وُصف عذابُهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاءً وفاقاً والجملةُ إما مبتدأةٌ مبينة لحالهم إِثرَ بيانِ حالِهم في الدُّنيا وإما حالٌ من الواو ليزيدادوا إثماً مُعداً لهم عذابٌ مهين وهذا متعيِّن على القراءة الأخيرة

стр. 864

﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لوعده المؤمنين ووعيده المنافقين بالعقوبة الدنيويةِ التي هي الفضيحةُ والخِزْيُ إثرَ بيانِ عقوبتِهم الأخرويةِ والمرادُ بالمؤمنين المخلصون وأما الخطابُ فقد قيل إنه لجمهور المصدِّقين من أهل الإخلاصِ وأهلِ النفاقِ ففيه التفاتٌ في ضمن التلوينِ والمرادُ بما هم عليه اختلاطُ بعضِهم بعضاً واستواؤهم في إجراء أحكامِ الإسلامِ عليهم إذ هو القدرُ المشترك بين الفريقين وقيل إنه للكفار والمنافقين وهو قولُ ابنِ عباسٍ والضحاكِ ومقاتلٍ والكلبيِّ وأكثرِ المفسرين ففيه تلوين فقط ولعل المنافقين عطفٌ تفسيريٌ للكفار وإلا فلا شركةَ بين المؤمنين والمنافقين في أمرٍ من الأمورِ والمرادُ بما هم عليه ما مر من القدر المشتركِ فإنه كما يجوز نسبتُه إلى الفريقين معاً يجوز نسبتُه إلى كل منهما لا الكفرُ والنفاقُ كما قيل فإن المؤمنين ما كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا يُتركوا عليه وقيل إنه للمؤمنين خاصة وهو قولُ أكثرِ أهلِ المعاني ففيه تلوينٌ والتفاتٌ كما مر والتعرضُ لإيمانهم قبل الخطابِ للإشعار بعلة الحُكم والمرادُ بما هم عليه ما مر غيره مرةٍ والأولُ هو الأقربُ وإليه جنَح المحقِّقون من أهل التفسير لكونه صريحاً في كون المرادِ بما هم عليهِ ما ذُكر من القدر المشتركِ بين الفريقين من حيث هو مشترَكٌ بينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل من ذلك كيف لا والمفهومُ مما عليه المنافقين هو الكفرُ والنفاقُ ومما عليه المؤمنون هو الإيمانُ والإخلاصُ لا القدرُ المشتركُ بينهما ولئن فُهم ذلك فإنما يفهم من حيث الانتسابُ إلى أحدهما لا من حيث الانتسابُ إليهما معاً وعليه يدور أمرُ الاختلاطِ المُحوِجِ إلى الإفراز واللام في ليذر إما متعلقة بالخبر المقدر لكان كما هو رأي البصرية وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يذَرَ المؤمنين الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل تأكيدٌ ومبالغةٌ ليست في توجيهه إلى نفسه

стр. 865

وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية ولا يقدحُ في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجر في عملها وقوله ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ غايةٌ لما يفيده النفيُ المذكورُ كأنَّه قيلَ ما يتركهم الله تعالى على ذلك الاختلاطِ بل يقدِّر الأمورَ ويرتب الأسبابَ حتى يعزِلَ المنافقَ من المؤمن وفي التعبير عنهما بما ورد به النظمُ الكريمُ تسجيلٌ على كلَ منهما بما يليق به وإشعارٌ بعلة الحُكمِ وإفرادُ الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل منهما وتكثره لا سيما بعد ذكرِ ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمعِ للإيذان بأن مدارَ إفرازِ أحدِ الفريقين من الآخر هو اتصافُهما بوصفهما لا خصوصيةُ ذاتِهما وتعددُ آحادِهما كما في مثلِ قولِه تعالى ﴿ذلك أدنى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ ونضيره قولُه تعالى ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ حيث قصد الدَلالةَ على الاتصاف بالوصف من غير تعرضٍ لكون الموصوفِ من العقلاء أو غيرِهم وتعليقُ المَيْزِ بالخبيث المعبَّرِ به عن المنافق مع أن المتبادرَ مما سبق من عدم تركِ المؤمنين على الاختلاطِ تعليقه بهم وإفرازُهم عن المنافقين لما أن المَيْزَ الواقع بين الفريقين إنما بالتصرف في المنافقين وتغييرِهم من حال إلى حال مغايرةٍ للأولى مع بقاء المؤمنين على ما كانُوا عليهِ من أصل الإيمانِ وإن ظهر مزيدُ إخلاصِهم لا بالتصرف فيهم وتغييرِهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار ولأن فيه مزيدَ تأكيدٍ للوعيد كما أشير إليه في قولَه تعالى ﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ وإنما لم يُنسَبْ عدمُ التركِ إليهم لما أنه مشعر بالأعتناء بشأنِ من نُسب إليه فإن المتبادرَ منه عدمُ الترك على حالة غيرِ ملائمةٍ كما يشهد به الذوقُ السليم وقرئ حتى يمسز من التمييز وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ تمهيدٌ لبيان المَيزِ الموعودِ على طريق تجريدِ الخطابِ للمخلِصين تشريفاً لهم وقوله ﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء﴾ إشارةٌ إلى كيفية وقوعِه على سبيل الإجمالِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموضعين لتربية المهابةِ فالمعنى ما كان الله ليترُك المخلِصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتبُ المبادئ حتى يُخرِجَ المنافقين من بينهم وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبِهِم منَ الكفر والنفاقِ ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله ﵇ فيخبرُه بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حُكي عنهم بعضُه فيما سلف فيفضحهم على رءوس الأشهادِ ويخلّصكم من خسة الشركاءِ وسوءِ جوارِهم والتعرضُ للاجتباء للإيذان بأن الوقوفَ على أمثال تلك الأسرار الغيبية لا يتأتي إلى ممن رشحه الله تعالى لمنصِب جليلٍ تقاصرت عنه هممُ الأممِ واصطفاه على الجماهير لإرشادهم وتعميمُ الاجتباء لسائر الرسل ﵈ للدِلالة على أن شأنَه ﵇ في هذا البابِ أمرٌ متينٌ له أصلٌ أصيلٌ جارٍ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين الرسلِ الخاليةِ ﵈ وتعميمُ الأمر في قوله تعالى ﴿فَآمِنُوا بالله ورسله﴾ مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبى ﷺ لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعارِ بأن ذلك مستلزِمٌ للإيمان بالكل لأنه مصدِّقٌ لما بين يديهِ من الرسل وهم شهداء بصحة نبوتِه ﵊ والمأمورُ به الإيمانُ بكل ما جاءَ به ﵊ فيدخُل فيه تصديقُه ﵇ فيما أخبَر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً هذا هو الذي يقتضيهِ جزالةُ النظمِ الكريمِ وقد جوز أن يكون المعنى لا يتركُكم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلّفَكم التكاليفَ الصعبةَ التي لا يصبِر عليها إلا الخُلّصُ الذين امتحن الله تعالى قلوبَهم كبذل الأرواحِ في الجهاد وإنفاقِ الأموالِ في سبيلِ الله تعالى

стр. 866

١٨٠ - آل عمران فيُجعل ذلك عِياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلمَ بعضُكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلالِ لا من جهة الوقوفِ على ذات الصدورِ فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به وأنت خبيرٌ بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبئ عن مزيد مزيتِهم وفضلِ معرفتِهم على الخلق إثرَ بيانِ قصورِ رتبتِهم عن الوقوف على خفايا السرائرِ صريحٌ في أنَّ المرادَ إظهارُ تلك السرائرِ بطريق الوحيِ لا بطريق التكليفِ بما يؤدي إلى خروج أسرارِهم عن رتبة الخفاءِ وأقربُ من ذلك حملُ الآيةِ الكريمةِ على أنَّ تكون مسوقةً لبيان الحِكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم فالمعنى ما كان الله ليذر المخلِصين على الاختلاط أبداً كما تركهم كذلك إلى الآن لسرَ يقتضيه بل يفرُز عنهم المنافقين ولذلك فعله يومئذ حيث خلّى الكفرةَ وشأنَهم فأبرز لهم صورةَ الغَلَبةِ فأظهر مَنْ في قلوبهم مرضٌ ما فيها من الخبائث وافتضحوا على رءوس الأشهادِ وقيل قال الكافرون إن كان محمدٌ صادقاً فليُخبِرْنا مَنْ يؤمن منا ومن يكفرُ فنزلت ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ﴾ أي بما ذكر حقَّ الإيمان ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أي عدمَ مراعاةِ حقوقِه أو النفاقَ ﴿فَلَكُمْ﴾ بمقابلة ذلك الإيمانِ والتقوى أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يبلغ كنهه

стр. 867

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم﴾ بيانٌ لحال البخلِ ووخامةِ عاقبتِه وتخطئةٌ لأهله في توهم خيريته حسَبَ بيانِ حالِ الإملاءِ وإيرادُ ما بخِلوا به بعنوان إيتاءِ الله تعالى إياه من فضله للمبالغة في بيان سوءِ صنيعِهم فإن ذلك من موجبات بَذلِه في سبيله كما في قوله تعالى وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ والفعلُ مسندٌ إلى الموصولُ والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه وضميرُ الفصل راجعٌ إليه أي لا يحسَبن الباخلون بما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ من غير أن يكون لهم مَدخلٌ فيه أو استحقاقٌ له هو خيراً لهم من إنفاقه وقيل الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبيِّ ﷺ أو إلى ضمير من يحسَبُ والمفعولُ الأولُ هو الموصولُ بتقدير مضافٍ والثاني ما ذُكر كما هو كذلك على قراءة الخِطاب أي ولايحسبن بخلَ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ التنصيصُ على شرِّيته لهم مع انفهامها من نفي خيريّتِه للمبالغة في ذلك والتنوينُ للتفخيم وقولُه تعالى ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾ بيانٌ لكيفية شرِّيته أي سيلزَمون وبالَ ما بخِلوا به إلزام الطوق على أنه حذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليهِ مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما وروى عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل الله له شجاعا في عنقه يوم القيامة وقيل يجعل ما بخل به من الزكاة حيةً في عنقه تنهشُه من قَرنه إلى قدمه وتنقُر رأسَه وتقول أنا مالُك ﴿وَللَّهِ﴾ وحده لا لأحد غيرِه استقلالا أو اشتراكا ﴿ميراث السماوات والارض﴾ أي ما يتوارثه أهلُهما من مال وغيرِه من الرسالات التي يتوارثها أهلُ السمواتِ والأرض فما لهم يبخلون عليه بمُلكه ولا ينفقونه في سبيله أو أنه يرث منهم ما يُمسِكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكهم وتبقى عليهم الحسرةُ والندامة ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المنع والبخلِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم على ذلك وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمار

стр. 868

١٨١ - ١٨٢ آل عمران لتربية المهابةِ والالتفاتُ للمبالغة في الوعيد والإشعارِ باشتداد غضب الرحمن الناشئ من ذكر قبائحهم وقرئ بالياء على الظاهر

стр. 869

﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ قالته اليهودُ لمَّا سمعُوا قولَه تعالَى ﴿مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ وروي أنه ﵇ كتب مع أبي بكرٍ ﵁ إلى يهودِ بني قَينُقاعَ يدعوهم إلى الإسلام وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وأن يُقرضوا الله قرضاً حسناً فقال فنحاصُ إن الله فقيرٌ حتى سألنا القَرْضَ فلطمه أبُو بكرٍ ﵁ في وجهه وقال لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عُنقَك فشكاه إلى رسول الله ﷺ وجحد ما قاله فنزلت والجمعُ حينئذ مع كون القائلِ واحداً لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخْفَ عليه تعالى وأعد له من العذاب كفأه والتعبيرُ عنه بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماحة بحيث لا يرضى قائلُه بأن يسمَعَه سامعٌ والتوكيدُ القَسَميُّ للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي سنكتب ما قالوه من العظيمة الشنعاءِ في صحائف الحفَظةِ أو سنحفظه ونُثبته في علمنا لاننساه ولا نَهمله كما يثبت المكتوب والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينُه وإثباتُه لكونه في غاية العِظم والهولِ كيف لا وهو كفرٌ بالله تعالى واستهزاءٌ بالقرآن العظيم والرسولِ الكريمِ ولذلك عُطف عليه قولُه تعالى ﴿وَقَتْلِهِمُ الانبياء﴾ إيذاناً بأنهما في العِظم إخوانٌ وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمةٍ ارتكبوها بل لهم فيه سوابقُ وأن من اجترأ على قتل الأنبياءِ لم يُستبعَدْ منه أمثالُ هذه العظائمِ والمرادُ بقتلهم الأنبياءَ رضاهم بفعل أسلافِهم وقوله تعالى ﴿بِغَيْرِ حَقّ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من قتلهم أي كائناً بغير حقَ في اعتقادهم أيضاً كما هو في نفس الأمرِ وقرئ سيَكتُب على البناء للفاعل وسيُكتَبُ على البناء للمفعول وقتلُهم بالرفع ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ أي وننتقم منهم بعد الكَتْبةِ بأن نقول لهم ذوقوا العذابَ المُحرِقَ كما أذقتم المسلمين الغُصَصَ وفيه من المبالغات مالا يخفى وقرئ ويقول بالياء ويُقال على البناء للمفعول

стр. 870

﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى العذاب المذكورِ وما فيه من معنى البعد للدلالة على عِظَم شأنِه وبُعدِ منزلتِه في الهَولِ والفظاعةِ وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي بسبب ما اقترفتموه من قتل الأنبياءِ والتفوُّه بمثل تلك العظيمةِ وغيرِها من المعاصي والتعبيرُ عن الأنفس بالأيدي لما أن عامة أفاعيلِها تزاوَلُ بهن ومحلُّ أنْ في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ﴾ الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها أي والأمرُ أنَّه تعالى ليس بمعذِّب لعبيدِه بغيرِ ذنبٍ منْ قِبلهم والتعبيرُ عن ذلك بنفيِ الظلمِ معَ أنَّ تعذيبَهم بغيرِ ذنبٍ ليس بظلم مَا تقررَ منْ قاعدةِ أهلِ السنَّةِ فضلاً عن كونِه ظُلماً بالغاً لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنْهُ سبحانه من الظلم كما يعبّر عن ترك الإثابةِ على الأعمال على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها صياغها وصيغة

стр. 871

١٨٣ - ١٨٤ آل عمران المبالغةِ لتأكيدِ هَذا المَعْنى بإبرازِ ما ذُكر من التعذيبِ بغيرِ ذنبٍ في صورة المبالغةِ في الظلمِ وقيلَ هيَ لرعايةِ جمعيةِ العبيدِ من قولِهم فلانٌ ظالمٌ لعبدهِ وظلَاّم لعبيدِه عَلى أنها للمبالغة كماً لا كيفاً هذا وقد قيل محل أن الجرُّ بالعطفِ على ما قدَّمت وسببيتُه للعذاب من حيث أن نفيَ الظلمِ مستلزِمٌ للعدل المقتضي لإثابة المحسن ومعاقبة المسئ وفسادُه ظاهرٌ فإن تركَ التعذيبِ من مستحِقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهضَ نفيُ الظلم سبباً للتعذيب حسبما ذكره القائلُ في سورة الأنفالِ وقيل سببيةُ ذنوبهم لعذابهم مقيّدةٌ بانضمام انتفاءِ ظلمِه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبهم وأنت خبير بأن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبيده بغير ذنبٍ بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاءِ الكفرةِ بسبب ذنوبِهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه وإنما يحتاج إلى ذلك أنْ لو كان المدعى أن جميعَ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوبِ المعذبين

стр. 872

﴿الَّذِينَ قَالُواْ﴾ نُصِب أو رُفع على الذم وهم كعب بن الأشرف ومالك بن صيفي وحُيَيُّ بنُ أخطبَ وفنحاصُ بنُ عازوراءَ ووهْبُ بنُ يهوذا ﴿إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي أمرنا في التوراة وأوصانا ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ كما كان عليه أمرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ حيث كان يُقرَّب بالقربان فيقوم النبيُّ فيدعو فتنزل نارٌ من السماء فتأكُله أي تُحيله إلى طبعها بالإحراق وهذا من مُفترَياتهم وأباطيلِهم فإن أكلَ النارِ القربانَ لم يوجب الإيمانَ إلا لكونه معجزةً فهو وسائرُ المعجزاتِ سواء ولماكان مُحصّلُ كلامِهم الباطلِ أن عدمَ إيمانِهم برسولِ الله ﷺ لعدم إتيانه بما قالوا ولو تحقق الإتيانُ به لتحقق الإيمانُ رُدّ عليهم بقوله تعالى ﴿قُلْ﴾ أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم ﴿قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ﴾ كثيرةُ العددِ كبيرةُ المقدار ﴿مِّن قَبْلِى بالبينات﴾ أي المعجزات الواضحةِ ﴿وبالذى قُلْتُمْ﴾ بعينه من القُربان الذي تأكله النارُ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كنتم صادقين﴾ فيما يدل عليه كلامُكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتِيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم مع معجزات أُخَرَ فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم

стр. 873

﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ شروعٌ في تسليةِ رسولِ الله ﷺ إثرَ ما أوحي إليه ما يحزنه ﵊ من مقالات الكفرةِ من المشركين واليهود وقوله تعالى ﴿فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ﴾ تعليلٌ لجواب الشرطِ أي فتَسَلَّ فقد كُذب الخ ومِنْ متعلقةٌ بكُذب أو بمحذوف صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من قبلك ﴿جاؤوا بالبينات﴾ أي المعجزات الواضحات صفةٌ لرسلٌ ﴿والزبر﴾ هو جمعُ زَبورٍ وهو الكتابُ المقصود على الحِكَم من زَبَرْتُه إذا حسنته وقيل زبر المواعظُ والزواجرُ من زبَرتُه إذاز جرته والكتاب قيل أي التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والكتابُ في عرف القرآنِ ما يتضمن الشرائعَ والأحكامَ ولذلك جاء الكتابُ والحكمةُ متعاطِفَيْن في عامة وقرئ وبالزُبُر بإعادة الجارِّ دَلالةً على أنها مغايِرةٌ بالذات

стр. 874

١٨٥ - ١٨٦ آل عمران للبينات

стр. 875

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّق والمكذب وقرئ ذائقةٌ الموتَ بالتنوين وعدمِه كما في قوله ... ولا ذاكرُ اللَّهَ إلا قليلاً ... ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أي تُعطَوْن أجزية أعمالِكم على التمام والكمالِ ﴿يَوْمُ القيامة﴾ أي يوم قيامِكم من القبور وفي لفظ التوفيةِ إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ أجورِهم يصل إليهم قبله كما ينبئ عنه قولُه ﵊ القبرُ روضةٌ من رياض الجنةِ أو حُفرةٌ من حُفَر النيرانِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار﴾ أي بعُد عنها يومئذ ونجى والزحزحةُ في الأصل تكريرُ الزحِّ وهو الجذبُ بعجلة ﴿وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ بالنجاة ونيلِ المرادِ والفوزِ الظفر بالبُغية وعن النبيِّ ﷺ من أحب أن يُزَحْزحَ عن النار ويدْخَلَ الجنةَ فلتُدْرِكْه منيّتُه وهو يؤمن بالله واليومِ الآخِر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ﴿وَمَا الحياة الدنيا﴾ أي لذاتها وزخارفُها ﴿إِلَاّ متاع الغرور﴾ شبِّهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويُغَرّ حتى يشتريَه وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخِرةَ فهي له متاعٌ بلاغٌ والغُرور إما مصدرٌ أو جمعُ غَارٍ

стр. 876

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ شروعٌ في تسليةِ رسولِ الله ﷺ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ عما سيلقَوْنه من جهة الكفرةِ من المكاره إثرَ تسليتِهم عما قد وقع منهم ليوطِّنوا أنفسَهم على احتماله عند وقوعِه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبرِ والثباتِ فإن هجومَ الأوجالِ مما يزلزل أقدامَ الرجالِ والاستعداد للكروب مما يهوِّن الخطوبَ وأصل الابتلاء الاختبار أي تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً ملابستُه ومقارفته وذلك إنما يتصور حقيقة مما لا وقوفَ له على عواقب الأمور وأما من جهة العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحدِ الأمرين أو الأمورِ قبل أن يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العاديةِ كما مر والجملةُ جوابُ قسمِ محذوفٍ أيْ والله لتُبلونَّ أي لتعاملن معاملة معملة المُختبَرِ ليَظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمالِ الحسنة وفائدةُ التوكيدِ إما تحقيقُ معنى الابتلاءِ تهويناً للخطب وإما تحقيقُ وقوعِ المبتلى به مبالغةً في الحث على مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن التهيئو والاستعدادِ ﴿فِى أموالكم﴾ بما يقع فيها من ضروب الآفاتِ المؤديةِ إلى هلاكها وأما إنفاقُها في سبيل الخيرِ مطلقاً فلا يليق نظما في سلك الابتلاءِ لما أنه من باب الإضعافِ لا من قبيل الإتلافِ ﴿وأَنفُسَكُمْ﴾ بالقتل والأسرِ والجراحِ وما يرِدُ عليها من أصناف المتاعبِ والمخاوفِ والشدائدِ ونحوِ ذلك وتقديمُ الأموالِ لكثرة وقوعِ الهلكةِ فيها وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ أي من قبل إيتائِكم القرآنَ وهم اليهودُ والنصارى عبّر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاقِ والإيذان بأن بعضَ ما يسمعونه منهم مستنِدٌ على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾

стр. 877

الخ والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ من الطعن في الدين الحنيف والقدحِ في أحكام الشرعِ الشريفِ وصدِّ من أراد أن يؤمِنَ وتخطئةِ من آمن وما كان من كعب بنِ الأشرفِ وأضرابِه من هجاء المؤمنين وتحريضِ المشركين على مضادة رسول الله ﷺ ونحو ذلكَ مما لا خيرَ فيه ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودِها وتقابلوها بحسن التجمُّل ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أي تتبتلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه ﴿فَإِنَّ ذلك﴾ إشارةٌ إلى الصبر والتقوى وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المُخاطبينَ وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبين ﴿مِنْ عَزْمِ الامور﴾ من معزوماتها التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ أى مما يحب أن يعزِمَ عليه كلُّ أحدٍ لما فيه من كمال المزيَّةِ والشرفِ أو مما عزَم الله تعالى عليه وأمر به وبالغَ فيه يعني أن ذلك عزمةٌ من عَزَمات الله تعالى لا بد أن تصبِروا وتتقوا والجملةُ تعليلٌ لجواب الشرط واقع موقعه كأنه قيل وإن تصبرواوتتقوا فهو خيرٌ لكم أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ إشارةً إلى صبر المخاطَبين وتقواهم فالجملةُ حينئذٍ جوابُ الشرط وفي إبراز الأمرِ بالصبر والتقوى في صورة الشرطيةِ من إظهار كمال اللطف بالعبادة ما لا يَخفْى

стр. 878

﴿وَإِذْ أَخَذَ الله﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ أذِيّاتِهم وهو كِتمانُهم ما في كتابهم من شواهدِ نبوتِه ﵊ وغيرِها وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمر أُمر به النبيُّ ﷺ خاصة بطريق تجريدِ الخطابِ إثرَ الخطابِ الشامل له ﵊ وللمؤمنين لكون مضمونِه من الوظائف الخاصةِ به ﵊ وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها على ما مر بيانُه في تفسيرِ قولِه تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إنى جَاعِلٌ الخ أي اذكر وقت أخذِه تعالى ﴿ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وهم علماءُ اليهودِ والنصارى ذُكروا بعنوان إيتاءِ الكتابِ مبالغةً في تقبيح حالِهم ﴿لَتُبَيّنُنَّهُ﴾ حكايةٌ لما خوطبوا به والضميرُ للكتاب وهو جوابٌ لقسم ينبئ عنه أخذُ الميثاقِ كأنه قيل لهم بالله لتُبيِّنُنه ﴿للناس﴾ تظرن جميعَ ما فيه من الأحكامِ والأخبارِ التي من جُملتها أمرُ نبوتِه ﵊ وهو المقصود بالحكاية وقرئ بالياء لأنهم غُيَّب ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ عطفٌ على الجواب وإنما لم يؤكدْ بالنون لكونه منفياً كما في قولك والله لا يقوم زيد وقيل اكتُفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيدٌ له وقيلَ هُو حالٌ من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدإٍ بعد الواوِ أي وأنتم لا تكتمونه وأما على رأي مَنْ جوز دخولَ الواوِ على المضارع المنفيِّ عند وقوعِه حالاً أي لتبينُنّه غيرَ كاتمين والنهيُ عن الكتمان بعد الأمرِ بالبيان

стр. 879

١٨٨ - آل عمران وإما للمبالغة في إيجاب المأمورِ به وإما المرادَ بالبيان المأمورِ به ذكرُ الآياتِ الناطقةِ بنبوتِه ﵊ وبالكتمان المنهيِّ عنه إلقاءُ التأويلاتِ الزائغةِ والشبهاتِ الباطلة وقرئ بالياء كما قبله ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ النبذُ الرميُ والإبعادُ أي طرحوا ما أُخذ منهم من الميثاق الموثقِ بفنون التأكيدِ وألقَوْه ﴿وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن نبذَ الشئ وراءَ الظهرِ مَثَلٌ في الاستهانة به والإعراضِ عنه بالكلية كما أن جعلَه نُصبَ العينِ علمٌ في كمال العنايةِ به وفيهِ من الدَلالة على تحتّم بيانِ الحقِّ على علماء الدين وإظهارِ ما مُنحوه من العلم للناس أجمعين وحُرمةِ كتمانِه لغرض من الأغراض الفاسدة أو لطمع في عرض من الأعراض الفانية الكاسدة مالا يخفى وعن النبيِّ ﷺ من كتم علماً عن أهله ألحجم بلجامٍ من نار وعن طاوس أنه قال لوهْب بن منبّه إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتُب وقال والله لو كنتَ نبياً فكتمتَ العلم كما تكتُمه لرأيت أن الله سيعذبك وعن محمد بن كعب لا يحِلُّ لأحد من العماء أن يسكُت على علمه ولا يحِلُّ لجاهل أن يسكُت على جهله حتى يسأل وعَنْ عليَ ﵁ ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا ﴿واشتروا بِهِ﴾ أي بالكتاب الذي أُمروا ببيانه ونُهوا عن كِتمانه فإن ذكرَ نبذِ الميثاقِ يدل على ذلك دَلالةً واضحةً وإيقاعُ الفعل على الكل مع أن المرادَ به كتمُ بعضِه كدلائل نبوتِه ﵊ ونحوِها لما أن ذلك كتمٌ للكل إذْ به يتم الكتابُ كما أن رفضَ بعضِ أركانِ الصلاة رفضٌ لكلها أو بمنزلة كتمِ الكلِّ من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله تعالى ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ والاشتراءُ مستعارٌ لاستبدال متاعِ الدنيا بما كتَموه أي تركوا ما أُمروا به وأخذوا بدله ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي شيئاً تافهاً حقيراً من حُطام الدنيا وأعراضِها وفي تصوير هذه المعاملةِ بعقد المعاوضةِ لاسيما بالاشتراء المُؤْذِنِ بالرغبة في المأخوذ والإعراض عن المعطى والتعبيرِ عن المشترى الذي هو العُمدةُ في العقد والمقصودُ بالمعاملة بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلة إليه وجعلِ الكتابِ الذي حقُّه أن يتنافسَ فيه المتنافسون مصحوباً بالباء الداخلةِ على الآلات والوسائلِ من نهاية الجزالةِ والدلالةِ على كمالِ فظاعةِ حالِهم وغايةِ قبحها بإيثارهم الدنئ الحقير على الشريف الخطيرِ وتعكيسِهم بجعلهم المقصِدَ الأصليَّ وسيلةً والوسيلةَ مقصِداً ما لا يخفى جلالة شأنه ورفعةُ مكانِه ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ مَا نكرةٌ منصوبةٌ مفسرة لفاعل بئس ويشترون صفتُه والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي بئس يشترونه ذلك الثمن

стр. 880

﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن يصلُح له ﴿الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ﴾ أي بما فعلوا كما في قوله تعالى إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ويدل عليه قراءة أُبيّ يفرحون بما فعلوا وقرئ بما آتَوا بمعنى أعطَوا وبما أوتوا أى أي بما أوتوه من علم التوراة قال ابن عباس ﵄ هُم اليهودُ حرفوا التوراةَ وفرِحوا بذلك وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ سأل اليهود عن شئ مما في التوراة فكتموا
следующие страницы →