← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق للتنبيه على خطئهم فيما فعلوا حذراً من قتلهم وبناءً على الإرجاف بقتلِه ﵊ ببيانِ أن موتَ كلِّ نفسٍ منوطٌ بمشيئةِ الله لايكاد يقع بدون تعلقها به وإن خاضت موارد الخوف واقتحمت مضايقَ كلِّ هولٍ مخوف وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقةً بموتهم في الوقت الذي حذِروه فيه ولذلك لم يُقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتالِ وكلمة كان ناقصةٌ اسمُها أن تموت وخبرُها الظرفُ على انه متعلق بمحذف وقوله تعالى ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأسباب أي وما كان الموتُ حاصلاً لنفس من النفوس بسببٍ من الأسبابِ إلا بمشيئه تعالى على أن الإذنَ مَجازٌ منها لكونها من لوازمه أو إلا بإذنه لملك الموتِ في قبض روحِها وسَوْقُ الكلامِ مَساقَ التمثيل بتصوير الموتِ بالنسبة إلى النفوس بصورةِ الأفعالِ الاختياريةِ التي لا يتسنى للفاعل إيقاعُها والإقدامُ عليها بدون إذنِه تعالى أو بتنزيل إقدامِها على مباديه أعني القتالَ منزلةَ الإقدام على نفسه للمبالغة في تحقيق المرامِ فإن موتَها حيث استحال وقوعُه عند إقدامِها عليه أو على مباديه وسعْيِها في إيقاعه فلأَنْ يستحيلَ عند عدمِ ذلك أولى وأظهر وفيه من التحريض على القتال مالا يخفى ﴿كتابا﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون ما قبله أي كتبه الله كتاباً ﴿مُّؤَجَّلاً﴾ موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخَّرُ ولو ساعةً وقرئ مُوَجّلاً بالواو بدلَ الهمزةِ على قياس التخفيفِ وبعد تحقيق أن مدار الموتِ والحياةِ محضُ مشيئةِ الله من غير أن يكون فيه مدخلٌ لأحد أصلاً أشير إلى أن توفيةَ ثمراتِ الأعمالِ دائرةٌ على إرادتهم ليصْرِفوها عن الأغراض الدنية إلى المطالب السنيةِ فقيل ﴿وَمَن يُرِدِ﴾ أي بعمله ﴿ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ﴾ بنون العظمةِ على طريق الالتفات ﴿منها﴾ أي من ثوابها ما نشاء أن نؤتيَه إياه كما في قوله مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ وهو تعريضٌ بمن شغلتهم الغنائمُ يومئذ وقد مر تفصيلُه ﴿وَمَن يُرِدِ﴾ أي بعمله ﴿ثَوَابَ الاخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف حسبما جريَ به الوعدُ الكريمُ ﴿وَسَنَجْزِى الشاكرين﴾ نعمةَ الإسلامِ الثابتين عليه الصارفين لما آتاهُم الله تعالى من القُوى والقدر إلى ما خُلقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يلويهم

стр. 807

١٤٦ - آل عمران عن ذلك صارفٌ أصلاً والمرادُ بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداءِ وغيرهم وإما جنسُ الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أولياً والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله ووعدٌ بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهامِ الجزاءِ من التأكيد والدَّلالة على فخامة شأنِ الجزاءِ وكونِه بحيث يقصُر عنه البيان مالا يخفى وقرئ الأفعالُ الثلاثةُ بالياء

стр. 808

﴿وَكَأَيّن﴾ كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ عليهم تقصيرَهم وسوءَ صنيعِهم في صدودهم عن سَنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسلِ الخاليةِ ﵈ وكأين لفظةٌ مركبةٌ من كاف التشبيهِ وأي حدث فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ كما حدث في كذا وكذا والنون تنوينٌ أُثبتت في الخط على غير قياسٍ وفيها خمسُ لغاتٍ هي إحداهن والثانيةُ كائِنْ مثلُ كاعن والثالثة كأْيِن مثل كعْيِن والرابعةُ كَيْئِن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلبُ ما قبلها والخامسةُ كأْن مثلُ كعن وقد قرئ بكل منها ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وقولُه تعالى ﴿مّن نَّبِىٍّ﴾ تمييزٌ لها لأنها مثلُ كم الخبرية وقد جاء تمييزُها منصوباً كما في قوله ... أطرُد اليأسَ بالرجاء فكأين ... أملاحم يسره بعد عسره ... وقوله تعالى ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ خبرٌ لها على أن الفعلَ مسندٌ إلى الظاهر والرابطُ هو الضمير المجرورُ في معه وقرئ قُتِل وقُتّل على صيغة المبني للمفعول مخففةً ومشددةً والرِّبِّيُّ منسوبٌ إلى الرب كالرَّباني وكسرُ الراء من تغييرات النسب وقرئ بضمها وبفتحها أيضاً على الأصل وقيل هو منسوبٌ إلى الرَّبة وهي الجماعة أي كثيرٌ من الأنبياء قاتلَ معه لإعلاء كلمةِ الله وإعزاز دينِه علماءُ أتقياءُ أو عابدون أو جماعاتٌ كثيرة فالظرفُ متعلقٌ بقاتل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمالَ فيهما لتعلقه بالفعل أي قُتلوا أو قُتّلوا كائنين معه في القتال لا في القتل قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ ما سمعنا بنبي قُتل في القتال وقال الحسنُ البصري وجماعةٌ من العظماء لم يقتَلْ نبي في حرب قطُّ وقيل الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبي والظرف متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً منه والرابطُ هو الضميرُ المجرورُ الراجعُ إليه وهذا واضحٌ على القراءة المشهورة بلا خلاف أي كم من نبي قاتلَ كائناً معه في القتال ربيون كثير وأما على القراءتين الأخيرتين فغيرُ ظاهرٍ لا سيما على قراءة التشديد وقد جوّزه بعضُهم وأيّده بأن مدارَ التوبيخ اتخذالهم للإرجاف بقتلِه ﵇ أي كم من نبي قُتل كائناً معه في القتل أو في القتال ربيون الخ وقوله تعالى ﴿فَمَا وهنوا﴾ عطف عل قاتل على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك وعظتُه فلم يتعظ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمراراً عليه بحسَب الظاهر لكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ نعم يُشعِرُ بعلّته قوله تعالى ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ فإن كونَ ذلك في سبيله مما يقوِّي قلوبَهم ويُزيلُ وهنَهم وما موصولةٌ أو موصوفةٌ فإن جُعِل الضميران لجميع الرِّبيِّين فهي عبارةٌ عما عدا القتلِ من الجراح وسائرِ المكارِه المعتريةِ

стр. 809

١٤٧ - آل عمران للكل وإن جعلاً للبعض الباقين بعد ما قُتل الآخرون كما هو الأنسبُ بمقام توبيخِ المنخذِلين بعد ما استُشهد الشهداءُ فهي عبارةٌ عما ذُكر مع ما اعتراهم من قتل إخوانِهم من الخوف والحُزْن وغيرِ ذلك هذا على القراءة المشهورةِ وأما على القراءتين الأخيرتين فإن أُسندَ الفعلُ إلى الرّبيّين فالضميران للباقين منهم حتماً وإن أُسند إلى ضمير النبي كما هو النسب بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجاف بقتلِه ﵊ فهما للباقين أيضاً إن اعتُبر كونُ الرّبيّين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتُبر كونُهم معه في القتال ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ عن العدو وقيل عن الجهاد وقيل في الدين ﴿وَمَا استكانوا﴾ أي وما خضَعوا للعدو وأصلُه استكنَ من السكون لأن الخاضعَ يسكُن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه والألفُ من إشباع الفتحةِ أو استكْوَن من الكون لأنه يُطلب أن يكون لمن يُخضَع له وهذا تعريضٌ بما أصابهم من الوهن والانكسارِ عند استيلاءِ الكفرةِ عليهم والإرجاف بقتل النبيِّ ﷺ وبضَعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتِهم لهم حين أرادوا أن يعتضِدوا بابن أُبيّ المنافق في طلب الأمانِ من أبي سفيان ﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ أي على مقاساة الشدائدِ ومعاناةِ المكاره في سبيل الله فينصرهم ويعظهم قدرَهم والمرادُ بالصابرين إما المعهودون والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للثناء عليهم بحسن الصبرِ والإشعارِ بعلة الحُكم وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أولياً والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها

стр. 810

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ كلامٌ مبينٌ لمحاسنهم القوليةِ معطوفٌ على ما قبله من الجُمل المبيِّنةِ لمحاسنهم الفعلية وقولهم بالنصب خبرٌ لكان واسمُها أن وما بعدها في قوله تعالى ﴿إلا أن قَالُواْ﴾ والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء ما كانَ قولاً لهم عند أي لقاء للعدو واقتحامِ مضايق الحربِ وإصابةِ ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال شئ من الأشياءِ إِلَاّ أَن قالوا ﴿ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي صغائرَنا ﴿وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ أي تجاوزْنا الحدَّ في ركوب الكبائرِ أضافوا الذنوبَ والإسرافَ إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين برءاء من التفريط في جنب الله تعالى هضما لها واستقصارا لهممهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم وقدّموا الدعاءَ بمغفرتها على ما هو الأهمُّ بحسب الحال من الدعاء بقولهم ﴿وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي في مواطن الحربِ بالتقوية والتأييدِ من عندك أو ثبتْنا على دينك الحقِّ ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ تقريباً له إلى حيز القَبول فإن الدعاءَ المقرونَ بالخضوع الصادرَ عن زكاء وطهارةٍ أقربُ إلى الاستجابة والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاءِ من غير أن يصدُرَ عنهم قولٌ يوهم شائبةَ الجزَعِ والخَوَرِ والتزلزُلِ في مواقف الحربِ ومراصدِ الدين وفيه من التعريض بالمهزمين مالا يخفى وقرأ ابنُ كثير وعاصمٌ في رواية عنهما برفع قَوْلُهُمْ على أنه الاسمُ والخبرُ أنَّ وَمَا في حيزِها أي ما كان قولُهم حينئذ شيئاً من الأشياءِ إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسنِ وهذا كما ترى أقعدُ بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبارَ بكون قولِهم المطلقِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما اكثر إفادة للسامع

стр. 811

١٤٨ - ١٤٩ آل عمران من الإخبار بكون خصوصيةِ قولِهم المذكورِ قولَهم لما أنَّ مصبَّ الفائدةِ وموقِعَ البيانِ في الجُملِ الخبرية هو الخبرُ فالأحقُّ بالخبريَّةِ ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دِلالةً على الحدث وأوفرُ اشتمالاً على نِسَب خاصةٍ بعيدةٍ من الوقُوع في الخارج وفي ذهن السامعِ ولا يخفى أن ذلك ههنا في أنْ مع ما في حيُّزها أتمَّ وأكملَ وأما ما تفيدُه الإضافةُ من لنسبة المطلقةِ الإجماليةِ فحيث كانتْ سهلةَ الحصولِ خارجاً وذِهناً كان حقُّها أنْ تلاحَظَ ملاحظة جمالية وتُجعلَ عنواناً للموضوع لا مقصوداً بالذات في باب البيانِ وإنما اختار الجمهورُ ما اختاره لقاعدة صناعيةٍ هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعراف منهما أحق بالاسمية ولاريب في أعرفية أَن قَالُواْ لدلالته على جهة النسبةِ وزمانِ الحدثِ ولأنه يشبه المضمرَ من حيث أنه لايوصف ولا يوصف به وقولَهم مضافٌ إلى مضمر فهو بمنزلة العَلَم فتأمل

стр. 812

﴿فاتاهم الله﴾ بسبب دعائِهم ذلك ﴿ثَوَابَ الدنيا﴾ أي النصرَ والغنيمةَ والعزَّ والذكرَ الجميلَ ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الاخرة﴾ أي وثواب الاخرة الحسنُ وهو الجنةُ والنعيمُ المخلّدُ وتخصيصُ وصفِ الحسن به للإيذان بفضله ومزيتِه وأنه المعتدُّ به عنده تعالى ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله فإن محبةَ الله تعالى للعبد عبارةٌ عن رضاه عنه وإرادةِ الخيرِ به فهي مبدأٌ لكل سعادة واللامُ إما للعهد وإنما وُضع المُظهرُ موضِعَ ضميرِ المعهودين للإشعار بأن ما حُكيَ عنهم من الأفعال والأقوالِ من باب الإحسانِ وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وهذا أنسبُ بمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيل ما حكي عنهم من المناقب الجليلة

стр. 813

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في زجرهم عن متابعة الكفارِ ببيان استتباعِها لخسران الدنيا والآخرة إثرَ ترغيبِهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء ﵈ ببيان إفضائه إلى فوزهم بسعادة الدارين وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيهِ لإظهار الاعتناءِ بما في حيِّزه ووصفُهم بالإيمان لتذكير حالِهم وتثبيتِهم عليها بإظهار مباينتِها لحال أعدائِهم كما أن وصفَ المنافقين بالكفر في قوله تعالى ﴿إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ﴾ لذلك قصداً إلى مزيد التنفيرِ عنهم والتحذيرِ عن طاعتهم قال علي ﵁ نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمةِ ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم فوقوعُ قوله تعالى ﴿يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم﴾ جواباً للشرط مع كونِه في قوَّةِ أنْ يقالَ إن تُطيعوهم في قولهم ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى ﴿فَتَنقَلِبُواْ خاسرين﴾ أي للدنيا والآخرة غير فائزين بشئ منهما واقعين في العذاب الخالدِ على أن الارتدادَ على العقب علم في انتكاس الأمرِ ومثَلٌ في الحور بعد الكور وقيل المراد بهم اليهودُ والنصارى حيث كانوا يستغوونهم ويُوقِعون لهم الشُّبَه في الدين ويقولون لو كان نبياً حقاً لما غُلب ولمَا أصابه وأصحابَه ما أصابهم وإنما هو رجلٌ حالُه كحال غيرِه من الناس يوماً عليه ويوماً له وقيل أبو سفيان وأصحابُه والمرادُ بطاعتهم استئمانُهم والاستكانةُ لهم وقيلَ الموصولُ على عمومِهِ والمعنى نهيُ المؤمنين عن طاعتهم في أمرٍ من الأمورِ حتى لا يستجرّوهم إلى الارتداد عن الدين

стр. 814

١٥٠ - ١٥١ ١٥٢ آل عمران فلا حاجةَ على هذه التقاديرِ إلى ما مرَّ من البيان

стр. 815

﴿بَلِ الله مولاكم﴾ إضرابٌ عَمَّا يُفهم منْ مضمون الشرطيةِ كأنه قيل فليسوا أنصارَكم حتى تطيعوهم بل الله ناصرُكم لا غيرُه فأطيعوه واستغنوا به عن موالاتهم وقرئ بالنصب كأنه قيل فلا تطيعوهم بل أطيعوا الله ومولاكم نُصب على أنه صفةٌ له ﴿وَهُوَ خَيْرُ الناصرين﴾ فخُصّوه بالطاعة والاستعانة

стр. 816

﴿سَنُلْقِى﴾ بنون العظمةِ على طريقة الالتفاتِ جرياً على سنن الكبرياء لتربية المهابة وقرئ بالياء والسين لتأكيد الإلقاءِ ﴿في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ بسكون العين وقرئ بضمها على الصل وهو ما قُذف في قلوبهم من الخوف يوم أحُد حتى تركوا القتالَ ورجعوا من غير سببٍ ولهم القوةُ والغلبة وقيل ذهبوا إلى مكةَ فلما كانوا ببعض الطريقِ قالوا ما صنعنا شيئاً قتلنا منهم ثم نركناهم ونحن قاهرون ارجِعوا فاستأصِلوهم فعند ذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم الرُّعْبَ فأمسكوا فلا بد من كون نزولِ الآيةِ في تضاعيف الحربِ أو عَقيب انقضائه وقيل هو ما أُلقيَ في قلوبهم من الرعب يومَ الأحزاب ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بالله﴾ متعلقٌ بنُلقي دون الرعب وما مصدريةٌ أي بسبب إشراكِهم به تعالى فإنه من موجبات خِذْلانِهم ونصرِ المؤمنين عليهم وكلاهما من دواعي الرعب ﴿مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ﴾ أبي إشراكه ﴿سلطانا﴾ أي حجةً سمِّيت به لوضوحها وإنارتها أو لقوّتها أو لحِدّتها ونفوذِها وذكرُ عدمِ تنزيلِها مع استحالة تحققِها في نفسها من قبيل قوله ... وَلَا تَرَى الضبَّ بها ينجر ... أي لاضب ولا انحجار وفيه إيذانٌ بأن المتَّبعَ في الباب هو البرهانُ السماويُّ دون الآراءِ والأهواءِ الباطلة ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ بيانٌ لأحوالهم في الآخرة إثر بيان أحوالِهم في الدنيا وهي الرعبُ أي ما يأوون إليه في الآخرة ﴿النار﴾ لا ملجأَ لهم غيرَها ﴿وَبِئْسَ مثوى الظالمين﴾ أي مثواهم وإنما وُضع موضعَه المظهرُ المذكورُ للتغليظ والتعليلِ والإشعارِ بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشئ في غير موضعِه والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي بئس مثوى الظالمين النارُ وفي جعلها مثواهم بعد جعلِها مأواهم نوعُ رمزٍ إلى خلودهم فيها فإن المثوى مكانُ الإقامةِ المنبئة عن المُكثْ وأما المأوى فهو المكانُ الذي يأوي إليه الإنسان

стр. 817

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ نصب على أنه مفعول ثانٍ لصَدَق صريحاً وقيل بنزعِ الجارِّ أي في وعده نزلت حين قال ناسٌ من المؤمنين عند رجوعِهم إلى المدينة من أين أصابنا وقد وعدنا الله تعالى بالنصر وهو ما وعدهم على لسان نبيه غليه السلامُ من النصر حيث قال للرماة لا تبرجوا مكانكم

стр. 818

فلن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانَكم وفي رواية أخرى لا تبرَحوا عن هذا المكانِ فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان وقد كان كذلك فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماةُ يرشُقونهم والباقون يضرِبونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمين على آثارهم يقتُلونهم قتلاً ذريعاً وذلكَ قولُه تعالى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي تقتُلونهم قتلاً كثيراً فاشياً من حسَّه إذا أبطل حِسَّه وهو ظرفٌ لصدقكم وقوله تعالى ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بتيسيره وتوفيقِه لتحقيق أنّ قتلَهم بما وعدهم الله تعالى من النصر وقيل هو ما وعدهم بقوله تعالى ﴿إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ الآية وقد مر تحقيقُ أن ذلك كان يومَ بدر كيف لا والموعودُ بما ذكر إمدادُه بإنزال الملائكةِ ﵈ وتقييدُ صدقِ وعدِه تعالى بوقت قتلِهم بإذنه تعالى صريحٌ في أن الموعودَ هو النصرُ المعنويُّ والتيسيرُ لا الإمدادُ بالملائكة وقيل هو ما وعده تعالى بقوله سَنُلْقِى الخ وأنت خبيرٌ بأن إلقاءَ الرعبِ كان عند تركِهم القتالَ ورجوعِهم من غير سبب أو بعد ذلك في الطريق على اختلاف الروايتين وأياً ما كانَ فلا سبيل إلى كونه مُغياً بقوله تعالى ﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي جبُنتم وضعُف رأيُكم أو مِلتم إلى الغنيمة فإن الحرصَ من ضعف القلب ﴿وتنازعتم فِى الامر﴾ فقال بعضُ الرماةِ حين انهزم المشركون وولَّوْا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلاً وضرباً فما موقفنا ههنا بعد هذا وقال أميرُهم عبد الله بن جبير ﵁ لا نخالف أمرَ الرسولِ ﷺ فثبت مكانه في نفر دون العشرةِ من أصحابه ونفَرَ الباقون للنهب وذلك قوله تعالى ﴿وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ أي من الظفر والغنيمةِ وانهزامِ العدوِّ فلما رأى المشركون ذلك حَملوا عليهم من قبل الشِّعْبِ وقتلوا أميرَ الرماةِ ومن معه من أصحابه حسبما فُصِّل في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم﴾ وجوابُ إذا محذوفٌ وهو منعكم نصره وقيل هو امتحنكم ويرده جعل الابتداء غايةً للصَّرْف المترتِّبِ على منع النصرِ وقيل هو انقسمتم إلى قسمين كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وهم الذين تركوا المركزَ وأقبلوا على النهب ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة﴾ وهم الذين ثبتوا مكانَهم حتى نالوا شرفَ الشهادة هذا على تقديرِ كونِ إذا شرطيةً وحتى ابتدائيةً داخلةً على الجملةِ الشرطيةِ وقيل إِذَا اسمٌ كما في قولهم إذا يقوم زيد يقوم عمرو وحتى حرفُ جرٍ بمعنى إلى متعلقة بقوله تعالى صَدَقَكُمُ باعتبار تضمُّنِه لمعنى النصرِ كأنه قيل لقد نصركم الله إلى وقت فشلِكم وتنازُعِكم الخ وعلى هذا فقولُه تعالى ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ عطف على ذلك وعلى الأول عطف على الجواب المحذوف كما أشير إليه والجملتان الظرفيتان اعتراض بين المتعاطفين أي كفكم عَنْهُمْ حتى حالت الحالُ ودالت الدولةُ وفيه من اللطف بالمسلمين مالا يخفى ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي يعاملَكم معاملةَ من يمتحنكم بالمصائب ليَظهرَ ثباتُكم على الإيمان عندها ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ تفضّلاً ولِمَا علم من ندمكم على المخالفة ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله ومؤْذِنٌ بأن ذلك العفوَ بطريق التفضّلِ والإحسانِ لا بطريق الوجوبِ عليه أي شأنُه أن يتفضلَ عليهم بالعفو أو هو متفضلٌ عليهم في جميع الأحوالِ أديل لهم أو أُديل عليهم إذ الابتلاءُ أيضاً رحمةٌ والتنكيرُ للتفخيم والمرادُ بالمؤمنين إما المخاطبون والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للتشريفِ والإشعارِ بعلة الحُكم وإما الجنسُ وهم داخلونَ في الحكم دخولاً أولياً

стр. 819

١٥٣ - ١٥٤ آل عمران

стр. 820

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ متعلق بصَرَفكم أو بقوله تعالى لِيَبْتَلِيَكُمْ أو بمقدّر كما ذكروا والإصعادُ الذهابُ والإبعادُ في الأرض وقرىء تصعدون من الثلاثى أي في الجبل وقرئ تَصَعَّدون من التفعل بطرح إحدى التاءين وقرئ يصعدون بالالتفات إلى الغيبة ﴿وَلَا تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ أي لا تلتفتون إلى ماوراءكم ولا يقف واحدٌ منكم لواحد وقرئ تلْوُنَ بواو واحدة بقلب الواوِ المضمومةِ همزةً وحذفِها تخفيفا وقرئ يلوون كيصعدون ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ كان ﵊ يدعوهم إليَّ عبادَ الله إليَّ عبادَ الله أنا رسولُ الله من يكُرُّ فله الجنةُ وإيرادُه ﵇ بعنوان الرسالة للإبذان بأن دعوتَه ﵇ كانت بطريق الرسالةِ من جهته سبحانه إشباعاً في توبيخ المنهزمين ﴿فِى أُخْرَاكُمْ﴾ في ساقتكم وجماعتِكم الأخرى ﴿فأثابكم﴾ عطفٌ على صرفَكم اى فجازا كم الله تعالى بما صنعتم ﴿غَمّاً﴾ موصولاً ﴿بِغَمّ﴾ من الاغتمام يالقتل والجرْحِ وظَفَرِ المشركين والإرجافِ بقتل الرسول ﷺ وفوْتِ الغنيمة فالتنكيرُ للتكثير أو غماً بمقابلة غمَ أذقتموه رسول الله ﷺ بعِصيانكم له ﴿لّكَيْلَا تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أصابكم﴾ أي لتتمرَّنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزَنوا على نفعٍ فاتَ أو ضُرَ آتٍ وقيل لا زائدة والمعنى لتتأسفوا على مَا فَاتَكُمْ من الظفَر والغنيمةِ وعلى ماأصابكم من الجراح والهزيمةِ عقوبةً لكم وقيل الضميرُ في أثابكم للرسول ﷺ أي واساكم في الاغتمام فاغتمّ بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يُثرِّبْكم على عِصيانكم تسليةً لكم وتنفيساً عنكم لئلا تحزنزا على مَا فَاتَكُمْ من النصر وما أصابكم من الجراح وغيرِ ذلك ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها

стр. 821

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى فأثابكم والخطابُ للمؤمنين حقاً ﴿مّن بَعْدِ الغم﴾ أي الغمِّ المذكور والتصريحُ بتأخُّر الإنزالِ عنه مع دَلالة ثُمَّ عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيانِ وتذكيرِ عِظَم النعمةِ كما في قوله تعالى ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ الآية ﴿أمنة﴾ أي أمناً نُصب على المفعولية وقوله تعالى ﴿نُّعَاساً﴾ بدلٌ منها أو عطفُ بيانٍ وقيل مفعولٌ له أو هو المفعول وأمنةً حالٌ منه متقدمةٌ عليه أو مفعولٌ له أو حالٌ من المخاطَبين على تقديرِ مضافٍ أي ذوى أمنةٍ أو على أنَّه جمعُ آمن كبارّ وبرَرَة وقرئ بسكون الميم كأنها مرّةٌ من الأمنِ وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريح لما مر

стр. 822

غيرَ مرةٍ من الاعتناء بشأن المقدمِ والتشويقِ إلى المؤخر وتخصيصُ الخوفِ من بين فنونِ الغمِّ بالإزالة لأنه المهمُّ عندهم حينئذ لما أن المشركين لما انصرفوا كانوا يتوّعدون المسلمين بالرجوع فلم يأمنوا اكرتهم وكانوا تحت الحَجَفِ متأهّبين للقتال فأنزل الله تعالى عليهم الأمنةَ فأخذهم النعاسُ قال ابن عباس ﵄ أمنَّهم يومئذ بنعاس تغشّاهم بعد خوفٍ وإنما ينعَسُ من أمِنَ والخائفُ لا ينام وقال الزبير ﵁ كنتُ مع النبيِّ ﷺ حين اشتد الخوفُ فأنزل الله علينا النومَ والله لأسمع قولَ مُعتبِ بنِ قشير والنعاسُ يغشاني ما أسمعه إلا كالحُلُم يقول لو كان لنا من ألمر شيء ما قلنا إنى ههنا وقال أبو طلحة رضى الله عنه رفعتُ رأسي يومَ أحُدٍ فجعلتُ لا أرى أحداً من القوم إلا وهو يَميدُ تحت حَجَفَتِه من النعاس قال وكنتُ ممن أُلقِيَ عليه النعاسُ يومئذ فكان السيفُ يسقُط من يدي فآخذُه ثم يسقُط السَّوْطُ من يدي فآخُذه وفيه دلالة على أن من المؤمنين من لم يُلْقَ عليه النعاسُ كما ينبئ عنه قولُه ﴿يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ﴾ قال ابن عباس هم المهاجرون وعامةُ الأنصار ولا يقدَح ذلك في عموم الإنزالِ للكل والجملةُ في محل النصب على أنها صفة لنعاسا وقرئ بالتاء على أنها صفة لأمَنةً وفيه أن الصفةَ حقُّها أن تتقدم على البدل وعطفِ البيان وأن لا يُفصل بينها وبين الموصوفِ بالمفعول له وأن المعهودَ أن يحدُث عن البدل دون المُبدلِ منه ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي أوقعتهم في الهموم والأحزانِ أو ما بهم إلا همُّ أنفسِهم وقصدُ خلاصِها من قولهم همّني الشئ أي كان من هِمّتي وقصدي والقصرُ مستفادٌ بمعونة المقامِ وَطَائِفَةٌ مبتدأٌ وما بعدها إما خبرُها وإنما جاز ذلك مع كونها نكرةً لاعتمادها على واو الحال كما في قوله ... سرينا ونجمٌ قد أضاء فمذ بدا ... محياكِ أخفى ضوءه كلَّ شارقِ ... أو لوقوعها في موضع التفصيل كما في قوله ... إذَا ما بكى من خلفها انصرفت له بشِقَ ... وشقٌ عنْدنا لم يُحَوَّلِ ... وإما صفتُها والخبرُ محذوفٌ أي ومعكم طائفة أو وهناك وقيل تقديره ومنكم طائفةٌ وفيه أنه يقتضي دخولَ المنافقين في الخطاب بإنزال الأمنة وأيا ما ما كان فالجملةُ إما حاليةٌ مبيِّنةٌ لفظاعة الهولِ مؤكِّدةٌ لعِظَم النعمةِ في الخلاص عنْهُ كما في قولِه تعالى ﴿أو لم يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمنا وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وإما مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان حال المنافقين وقوله ﴿يَظُنُّونَ بالله﴾ حال من ضمير أهمتْهم أو من طائفةٌ لتخصصها بالصفةِ أو صفةٌ أُخرى لها أو خبر بعد خبر أو استئنافٌ مبينٌ لما قبله وقوله تعالى ﴿غَيْرَ الحق﴾ في حُكم المصدرِ أي يظنون به تعالى غيرَ الظنِّ الحقِّ الذي يجب أن يُظنَّ به سبحانه وقوله تعالى ﴿ظَنَّ الجاهلية﴾ بدلٌ منه وهو الظنُّ المختصُّ بالملة الجاهليةِ والإضافة كما في حاتم الجودِ ورجلِ صِدْقٍ وقولُه تعالى ﴿يَقُولُونَ﴾ بدلٌ من يظنون لما ان مسئلتهم كانت صادرةً عن الظن أي يقولون لرسولِ الله ﷺ على صورة الاسترشاد ﴿هَل لَّنَا مِنَ الامر﴾ أي من أمرالله تعالى ووعدِه من النصر والظفَرِ ﴿مِن شَىْء﴾ أي من نصيب قط أو هل لنا من التدبير من شئ وقوله تعالى ﴿قل إن الامر كُلَّهُ للَّهِ﴾ أي الغلبةَ بالآخرة لله تعالى ولأوليائه فإن حزبَ الله هم الغالبون أو إن التدبيرَ كلَّه لله فإنه تعالى قد دبر الأمرَ كما جرى في سابق قضائِه فلا مردَّ له وقرئ كلُّه بالرفع على الابتداءِ وقولُه تعالَى ﴿يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم﴾ أي يُضمرون فيها أو يقولون فيما بينهم بطريق الخُفية ﴿مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ استئنافٌ أو حالٌ من ضميرِ يقولون وقوله تعالى إن الأمرالخ اعتراضٌ بين الحال وصاحبِها

стр. 823

١٥٥ - آل عمران أي يقولون ما يقولون مُظْهِرين أنهم مسترشِدون طالبون للنصر مُبْطنين الإنكارَ والتكذيبَ وقوله تعالى ﴿يَقُولُونَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل أي شئ يخفون فقيل يحدثون أنفسَهم أو يقول بعضُهم لبعض فيما بينهم خُفيةً ﴿لَوْ كان لنا من الأمر شَىْء﴾ كما وعد محمد ﵊ من أن الغلبةَ لله تعالى ولأوليائه وإن الأمرَ كلَّه لله أو لو كان لنا من التدبير والراى شئ ﴿ما قتلنا ها هنا﴾ أي ما غُلبنا أو ما قُتل مَنْ قُتل منا في هذه المعركةِ على أن النفيَ راجعٌ إلى نفس القتلِ لا إلى وقوعه فيها فقط ولما برحنا من منازلنا كما رآه ابنُ أُبي ويؤيده تعيينُ مكانِ القتلِ وكذا قوله تعالى ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ أي لو لم تخرُجوا إلى أُحُد وقعدتم بالمدينة كما يقولون ﴿لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل﴾ أي في اللوحِ المحفوظِ بسبب من الأسباب الداعيةِ إلى البروز ﴿إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾ إلى مصارعهم التي قدَّر الله تعالى قتلَهم فيها وقُتلوا هنالك البتةَ ولم تنفَعِ العزيمةُ على الإقامة بالمدينة قطعاً فإن قضاءَ الله تعالى لا يُرَدّ وحكمُه لا يُعقَّب وفيه مبالغةٌ في رد مقالتِهم الباطلةِ حيث لم يُقتَصرْ على تحقيق نفسِ القتلِ كما في قوله أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت بل عُيِّن مكانُه أيضاً ولا ريب في تعيُّن زمانِه أيضاً لقوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ رُوي أنَّ ملكَ الموتِ حضر مجلس سليمان ﵊ فنظر إلى رجل من أهل المجلسِ نَظرةً هائلة فلما قام قال الرجلُ من هذا فقال سليمانُ ﵇ ملكُ الموتِ قال أرسِلْني مع الريح إلى عالم آخَرَ فإني رأيتُ منه مرأىً هائلاً فأمرها ﵇ فألقتْه في قُطر سحيقٍ من أقطار العالم فما لبث أن عاد ملكُ الموتِ إلى سليمانَ ﵇ فقال كنت أُمِرْتُ بقبض روحِ ذلك الرجلِ في هذه الساعةِ في أرض كذا فلما وجدتُه في مجلسك قلت متى يصِلُ هذا إليها وقد أرسلتَه بالريح إلى ذلك المكانِ فوجدتُه هناك فقُضي أمرُ الله في زمانه ومكانِه من غير إخلال بشئ من ذلك وقرئ كتب على البناءِ للفاعلِ ونَصبِ القتل وقرئ كتب عليهم القتال وقرئ لبُرِّز بالتشديد على البناء للمعفول ﴿وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ﴾ أي ليعاملَكم معاملةَ مَنْ يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاقِ ويُظهرَ ما فيها من السرائر وهو علةٌ لفعل مقدرٍ قبلها معطوفةٌ على علل لها أخرى مطويةٍ للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعلَ ما فعل لمصالحَ جمةٍ وليبتليَ الخ وجعلُها عللا لبرز يا باه الذوقُ السليمُ فإن مقتضى المقامِ بيانُ حكمةِ ما وقع يومئذ من الشدة والهولِ لا بيانُ حِكمةِ البروزِ المفروضِ أو لفعلٍ مقدرٍ بعدها أي وللابتلاء المذكورِ فعلَ ما فعل لا لعدم العنايةِ بأمر المؤمنين ونحو ذلك وتقديرُ الفعل مقدماً خالٍ عن هذه المزية ﴿وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ من مخفيات الأمورِ ويكشِفَها أو يُخلِّصَها من الوساوس ﴿والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي السرائر والضمائرِ الخفيةِ التي لا تكاد تفارقُ الصدورَ بل تلازمها وتصاحبها والجمة إما اعتراضٌ للتنبيه على أن الله تعالى غنيٌ إن الابتلاء وإنما يُبرِز صورةَ الابتلاءِ لتمرين المؤمنين وإظهارِ حالِ المنافقين أو حالٌ من متعلَّق الفعلين أي فَعل ما فَعل للابتلاء والتمحيصِ والحال أنه تعالى غنى غنهما مُحيطٌ بخفيات الأمورِ وفيه وعد ووعيد

стр. 824

﴿إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان﴾

стр. 825

وهم الذين انهزموا يومَ أحُدٍ حسبما مرت حكايتُهم ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان﴾ أي إنما كان سببَ انهزامِهم أن الشيطانَ طلب منهم الزللَ ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ من الذنوب والمعاصي التي هي مخالفةُ أمرِ النبيِّ ﷺ وتركُ المركزِ والحِرصُ على الغنيمة أو الحياةِ فحُرِموا التأييدَ وقوةَ القلب وقيل استزلالُ الشيطانِ تولِّيهم وذلك بذنوب تقدمت لهم فإن المعاصيَ يجُرّ بعضُها إلى بعض كالطاعة وقيل استزلّهم بذنوب سبَقتْ منهم وكرِهوا القتلَ قبل إخلاصِ التوبةِ والخروجِ من المظلِمة ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ لتوبتهم واعتذارِهم ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بعقوبة المذنبِ ليتوب والجملةُ تعليلٌ لما قبلها على سبيل التحقيق وفي إظهار الجلالةِ تربيةٌ للمهابة وتأكيدٌ للتعليل

стр. 826

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ﴾ وهم المنافقون القائلون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا وإنما ذُكر في صدر الصلةِ كفرُهم تصريحاً بمباينة حالِهم لحال المؤمنين وتنفيراً عن مماثلتهم آثِرَ ذي أثيرٍ وقولُه تعالى ﴿وَقَالُواْ لإخوانهم﴾ تعيينٌ لوجه الشبهِ والمماثلةِ التي نُهوا عنها أي قالوا لأجلهم وفي حقهم ومعنى أُخوّتِهم اتفاقُهم نسباً أو مذهباً ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى الارض﴾ أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرِها وإيثارُ إذا المفيدةِ لمعنى الاستقبالِ على إذا المفيدة المعنى لحكاية الحالِ الماضيةِ إذِ المرادُ بها الزمانُ المستمرُّ المنتظمُ للحال الذي عليه يدورُ أمرُ استحضارِ الصورة قال الزجاج إذا ههنا تنوبُ عما مضى من الزمان وما يُستقبل يعني أنها لمجرد الوقتِ أو يُقصد بها الاستمرارُ وظرفيتُها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع فيها بل التحقيقُ أنها ظرفٌ له لا لقولهم كأنه قيل قالوا لأجل ما أصاب إخوانَهم حين ضربوا الخ ﴿أَوْ كَانُواْ﴾ أي إخوانُهم ﴿غزى﴾ جمعُ غازٍ كعُفّىً جمعُ عافٍ قال ... ومُغْبّرةِ الآفاقِ خاشعةِ الصُّوى ... لها قلب عفى الحياض أجون ... وقرئ بتخفيف الزاي على حذف التاء من غُزاة وإفرادُ كونِهم غُزاةً بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ الضربِ في الأرض لأنه المقصودُ بيانُه في المقام وذكرُ الضربِ في الأرض توطئةٌ له وتقديمُه لكثرة وقوعِه على أنه قد يوجد بدون الضربِ في الأرض إذ المرادُ به السفرُ البعيدُ وإنما لم يقل أو غَزَوْاً للإيذان باستمرار اتصافِهم بعنوان كونِهم غزاةً أو بانقضاء ذلك أي كانوا غزاة فيما مضى وقولُه تعالى ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا﴾ أي مقيمين ﴿مَا مَاتُواْ وَمَا قتلوا﴾ مفعول لقالوا ودليل على أن هناك مضمَراً قد حُذف ثقةً به أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزّاً فقُتلوا وليس المقصودُ بالنهي عدمَ مماثلتِهم في النطق بهذا القولِ بل في الاعتقاد بمضمونه والحُكمِ بموجبه كما أنه المنكرُ على قائليه ألا يُرى إلى قوله ﴿لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ فإنه الذي جُعل حسرةً فيها قطعاً وإليه أشير كما نقل عن الزجاج أنه إشارةٌ إلى ظنهم أنهم لو لم يحضُروا القتالَ لم يُقتلوا وتعلّقُه بقالوا ليس باعتبار نطقِهم بذلك القولِ بل باعتبار ما فيه من الحكم والاعتقاد واللام

стр. 827

١٥٧ - ١٥٨ آل عمران لامُ العاقبة كما في قولِه تعالى لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرةً في قلوبهم والمرادُ بالتعليل المذكورِ بيانُ عدمِ ترتُّبِ فائدةٍ ما على ذلك أصلاً وقيل هو تعليلٌ للنهي بمعنى لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القولِ واعتقادِه ليجعلَه الله تعالى حسرةً في قلوبهم خاصة ويصونَ منها قلوبَكم فذلك كما مر إشارةٌ إلى ما دل عليه قولُهم من الاعتقاد ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلَهم ليجعل الله انتفاءَ كونِكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم فإن مضادّتَكم لهم في القول والاعتقادِ مما يغُمُّهم ويَغيظهم ﴿والله يحيي ويميت﴾ رد لقولهم الباطل إثرَ بيانِ غائلتِه أي هُو المؤثِّرُ في الحياة والممات وحده من غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخلٌ في ذلك فإنه تعالى قد يُحيي المسافرَ والغازيَ مع اقتحامهما لموارد الحتوفِ ويُميتُ المقيمَ والقاعدَ مع حيازتهما لأسباب السلامة ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تهديدٌ للمؤمنين على أن يماثلوهم وقرئ بالياء على أنه وعيدٌ للذين كفروا وما يَعْمَلُونَ عامٌ متناولٌ لقولهم المذكورِ ولِمُنشئه الذي هو اعتقادُهم ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرَّض لعنوان البَصَر لا لعنوان السمعِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ وإلقاءِ الرَّوْعةِ والمبالغةِ في التهديد والتشديدِ في الوعيد

стр. 828

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ﴾ شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبيلِ الله تعالى ليسَ ممَّا ينبغِي أنْ يُحذر بل مما يجب أن يتنافس المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما واللامُ هي الموطئةُ للقسم وما في قوله تعالى ﴿لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ﴾ لامُ الابتداء والتنوينُ في الموضعين للتقليل ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً للمبتدأ وقد حُذفت صفةُ رحمةٌ لدِلالة المذكورِ عليها والجملةُ جوابٌ للقسم سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ والمعنى إنْ السفرَ والغزوَ ليس مما يجلُب الموتَ ويقدّم الأجلَ أصلاً ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحةٌ يسيرةٌ من مغفرة ورحمةً كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك ﴿خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي الكفرةُ من منافعِ الدنيا وطيّباتها مدةَ أعمارِهم وعن ابن عباس ﵄ خيرٌ من طِلاع الأرضِ ذهبة حمراء وقرئ بالتاء أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا والاقتصارُ على بيان خيريتِهما من ذلك بلا تعرّضٍ للإخبار بحصولهما لهم للإيذان بعدم الحاجة إليه بناء على استحالة التخييبِ منه تعالى بعد الإطماعِ وقد قيل لا بد من حذفٍ آخَرَ أي لمغفرةٌ لكم من الله الخ وحينئذ يكون أيضاً إخراجُ المقدَّرِ مُخرَجَ الصفةِ دون الخبر لنحو ما ذُكر من ادعاء الظهورِ والغِنى عن الإخبار به وتغييرُ الترتيب الواقعِ في قولهم ما ماتوا وما قتلوا المبنيِّ على كثرة الوقوعِ وقِلّته للمبالغة في الترغيب في الجهاد ببيان زيادةِ مزيةِ القتلِ في سبيل الله وإنافتِه في استجلاب المغفرةِ والرحمةِ وفيه دَلالةٌ واضحةٌ على ما مر من أن المقصودَ بالنهي إنما هو عدمُ مماثلتِهم في الاعتقاد بمضمون القولِ المذكورِ والعملِ بموجبه لا في النطق به وإضلالِ الناسِ به

стр. 829

﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ أي على أيِّ وجهٍ اتفق هلاكُكم حسب تعلُّقِ الإرادة الإلهية وقرئ مِتّم بكسر الميمِ من مات

стр. 830

١٥٩ - ١٦٠ آل عمران يمات ﴿لإِلَى الله﴾ أي إلى المعبود بالحق العظيمِ الشأنِ الواسعِ الرحمةِ الجزيلِ الإحسانِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غيره فيوفيكم أجوركم ويجزل لكم عطاءَكم والكلام في لامَي الجملة كما مر في أختها

стр. 831

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ والفاءُ لترتيب مضمونِ الكلامِ على ما ينبئ عنه السياقُ من استحقاقهم اللأئمة والتعنيفِ بموجب الجِبلَّةِ البشرية أو من سَعة ساحةِ مغفرتِه تعالى ورحمتِه والباءُ متعلِّقة بلنتَ قُدِّمت عليه للقصر وما مزيدةٌ للتوكيد أو نكرة ورحمة بدلٌ منها مُبينٌ لإبهامها والتنوينُ للتفخيمِ ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لرحمةٍ أي فبرحمةٍ عظيمة لهم كائنةٍ من الله تعالى وهي ربطُه على جأشه وتخصيصُه بمكارم الأخلاقِ كنتَ ليِّنَ الجانبِ لهم وعامَلْتَهم بالرفق والتلطّفِ بهم حيث اغتمَمْتَ لهم بعد ما كان منهم ما كان من مخالفة أمرِك وإسلامِك للعدو ﴿وَلَوْ﴾ لم تكن كذلك بل ﴿كُنْتَ فَظّاً﴾ جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً وقال الراغبُ الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخلُقِ وقال الواحديُّ هو الغليظُ الجانبِ السئ الخلُق ﴿غَلِيظَ القلب﴾ قاسِيَه وقال الكلبي فظَّاً في القول غليظَ القلبِ في الفعل ﴿لَانْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ لَتفرَّقوا من عندك ولم يسكُنوا إليك وتردَّوْا في مهاوي الردى والفاء في قولِه ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ لترتيب العفوِ أو الأمرِ به على ما قبله أي إذا كان الأمر كما ذكر فاعفُ عنهم فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم ﴿واستغفر لَهُمُ﴾ الله فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماماً للشفقة عليهم وإكمالاً للبِرّ بهم ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الامر﴾ أي في أمر الحربِ إذ هو المعهودُ أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورةُ عادةً استظهاراً بآرائهم وتطييباً لقلوبهم وتمهيداً لسُنّة المشاورةِ للأمة وقرئ وشاورهم في بعض الأمر ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي عَقيبَ المشاورة على شئ واطمأنتْ به نفسُك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ في إمضاء أمرِك على ما هو أرشد لك وأصلح فإنه عِلمَه مختصٌّ به وقرئ فإذا عزمتُ على صيغة التكلمِ أي عزمتُ لك على شئ وأرشدتُك إليه فتوكلْ عليَّ ولا تشاوِرْ بعد ذلك أحداً والالتفاتُ لتربية المهابةِ وتعليلِ التوكلِ أو الأمرِ به فإن عنوانَ الألوهيةِ الجامعة لجميع صفات الكمال مستدعٍ للتوكل عليه تعالى أو الأمرِ به ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ عليه تعالى فينصُرهم ويُرشِدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح والجملةُ تعليلٌ للتوكل عليه تعالى وقولُه تعالى

стр. 832

﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفاً للمؤمنين لإيجاب توكّلِهم عليه تعالى وحثَّهم على اللَّجَأ إليه وتحذيرِهم عما يُفضي إلى خِذلانه أي إن ينصُركم كما نصركم يومَ بدرٍ فلا أحدَ يغلِبُكم على طريق نفي الجنسِ المنتظِم لنفي جميعِ أفرادِ الغالبِ ذاتاً وصفةً ولو قيل فلا يغلبُكم أحدٌ لدل على نفي الصفة فقط ثم المفهومُ من ظاهر النظم

стр. 833

١٦١ - آل عمران الكريمِ وإن كان نفيَ مغلوبيّتِهم من غيرِ تعرضٍ لنفْي المساواةِ أيضاً وهو الذي يقتضيه المقامُ لكن المفهومَ منه فهماً قطعياً هو نفيُ المساواةِ وإثباتُ الغالبيةِ للمخاطبين فإذا قلتَ لا أكرمُ من فلان أولا أفضلُ منه فالمفهومُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضل من كل فاضلٍ وهذا أمرٌ مطردٌ في جميع اللغات ولا اختصاصَ له بالنفي لصريح بل هو مطردٌ فيما ورد على طريق الاستفهامِ الإنكاريِّ كما في قوله تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً في مواقعَ كثيرةٍ من التنزيل ومما هو نصٌ قاطعٌ فيما ذكرنا ما وقع في سورةِ هودٍ حيث قيل بعده في حقهم لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون فإن كونَهم أخسرَ من كل خاسرٍ يستدعي قطعاً كونَهم أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ كما فعل يوم أحد وقرئ يُخذِلْكم من أخذله إذا جعله مخذولاً ﴿فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لانتفاء الناصرِ ذاتاً وصفةً بطريق المبالغة ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد خِذلانه تعالى أو من بعدِ الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ تقديمُ الجار والمجرور على الفعل لإفادة قصرِه عليه تعالى والفاءُ لترتيبه أو ترتيبِ الأمرِ به على ما مر من غلبة المخاطَبين على تقدير نُصرتِه تعالى لهم ومغلوبيّتِهم على تقدير خِذلانِه تعالى إياهم فإن العِلمَ بذلك مما يقتضي قصرَ التوكلِ عليه تعالى لا محالة والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا وإما هم خاصةً بطريق الالتفاتِ وأيا ما كان ففيه تشريفٌ لهم بعنوان الإيمانِ اشتراكاً أو استقلالاً وتعليلٌ لتحتم التوكلِ عليه تعالى فإن وصفَ الإيمانِ مما يوجبه قطعاً

стр. 834

﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىّ﴾ أي وما صح لنبي من الأنبياء ولا استقام له ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ أي يخونَ في المغنم فإن النبوةَ تنافيه منافاةً بيِّنة يقال غَلَّ شيئاً من المغنم يغُل غلولاً وأَغل إغلالاً إذا أخذه خُفْيةً والمرادُ إما تنزيهُ ساحةِ رسولِ الله ﷺ عما ظن به الرماةُ يومَ أحُدٍ حين تركوا المركزَ وأفاضوا في الغنيمة وقالوا نخشى أن يقولَ رسول الله ﷺ من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسِمَ الغنائمَ كما لم يقسمْها يوم بدرٍ فقال لهم النبيُّ ﷺ ألم أعهَدْ إليكم أن لا تترُكوا المركزَ حتى يأتيَكم أمري فقالوا تركنا بقيةَ إخوانِنا وقوفاً فقال ﵇ بل ظننتم أنا نغُلّ ولا نقسِمُ بينكم وإما المبالغةُ في النهي لرسول الله ﷺ على ما رُوي أنه بعث طلائِعَ فغنِم النبيُّ ﷺ بعدهم غنائِمَ فقسمها بين الحاضر ولم يترك للطلائع شيئاً فنزلت والمعنى ما كان لنبي أن يعطيَ قوماً من العسكر ويمنَعَ آخَرين بل عليه أن يقسِمَ بين الكلِّ بالسوية وعُبّر عن حِرمان بعضِ الغزاةِ بالغُلول تغليظاً وأما ما قيل من أن المراد تنزيهُه ﵇ عما تفوَّه به بعضُ المنافقين إذ رُوي أن قَطيفةً حمراءَ فقدت يوم بدر فقال بعضُ المنافقين لعل رسول الله ﷺ أخذها فبعيد جدا وقرئ على البناءِ للمفعولِ والمعنى ما كان له أن يوجَدَ غالاًّ أو يُنسَبَ إلى الغُلول ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ يأتِ بالذي غله بعينه يحمِلُه على عنُقه كما ورد في الحديث الشريف وروي أنه ﵇ قال ألالا أعْرِفَنَّ أحدَكُم يأتي ببعير له رُغاءٌ وببقرةٍ لها خوار وبشارة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملِك لَكَ مِنَ الله شيئاً فقد بلّغتُك أو يأت

стр. 835

١٦٢ - ١٦٣ ١٦٤ آل عمران بما احتمل من إثمه ووبالِه ﴿ثُمَّ توفَّى كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي تعطى وافياً جزاءَ ما كسبت خيراً أو شراً كثيراً أو يسيراً ووضعُ المكسوبِ موضعَ جزائِه تحقيقاً للعدْل ببيان ما بينهما من تمام التناسُبِ كمّاً وكيفاً كأنهما شيءٌ واحد وفي إسناد التَوْفيةِ إلى كل كاسبٍ وتعليقِها بكل مكسوبٍ مع أن المقصودَ بيانُ حالِ الغالِّ عند إتيانِه بما غله يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأنِ اليومِ وهولِ مطلَعِه والمبالغةِ في بيان فظاعة حال الغال مالا يخفى فإنه حيث وُفيّ كلُّ كاسبٍ جزاءَ ما كسبه ولم يُنْقَصْ منه شيءٌ وإن كان جُرْمُه في غاية القِلّة والحقارةِ فلأَنْ لا يُنقَصَ من جزاء الغالِّ شيءٌ وجُرمُه من أعظم الجرائم وأظهر وأجلى ﴿وَهُمْ﴾ أي كلُّ الناس المدلول عليهم بكلِّ نفسٍ ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عقابٍ أو بنقص ثواب

стр. 836

﴿أَفَمَنِ اتبع رضوان الله﴾ أي سعى في تحصيله وانتحى نحوَه حيثما كان بفعل الطاعاتِ وتركِ المنكرات كالنبي ومن يسير بسيرته ﴿كَمَن بَاء﴾ أي رجع ﴿بِسَخْطٍ﴾ عظِيمٌ لا يقادَرُ قَدرُه كائن ﴿من الله﴾ تعالى بسبب معاصيه كالغالِّ ومن يَدين بدينه والمرادُ تأكيدُ نفي الغلولِ عن النبي ﵊ وتقريرُه بتحقيق المباينةِ الكليةِ بينه وبين الغالِّ حيث وصف كل منهما ما وُصف به الآخَرُ فقوبل رضوانُه تعالى بسَخَطه والاتِّباعُ بالبَوْء والجمع بين الهمزةِ والفاءِ لتوجيه الإنكارِ إلى ترتب توهُّمِ المماثلةِ بينهما والحُكمِ بها على ما ذُكر من حال الغالِّ كأنه قيل أبعدَ ظهورِ حالِهِ يكونُ مَنْ ترقّى إلى أعلى عِلِّيين كمَنْ ترَدَّى إلى أسفلِ سافلين وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لإدخال الرَّوْعةِ وتربيةِ المهابةِ ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ إما كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبيانِ مآلِ أمْرِ مَنْ باء بسَخَطه تعالى وإما معطوفٌ على قوله تعالى باء بسخط عطفَ الصِلةِ الاسميةِ على الفعلية وأياً ما كانَ فلا محل له من الإعراب ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي وبئس المصيرُ جهنمُ والفرقُ بينه وبين المرجع أن الأولَ يُعتبر فيه الرجوعُ على خلاف الحالةِ الأولى بخلاف الثاني

стр. 837

﴿هُمْ﴾ راجعٌ إلى الموصولَين باعتبار المعنى ﴿درجات عِندَ الله﴾ أي طبقاتٌ متفاوتةٌ في علمه تعالى وحُكمِه شُبِّهوا في تفاوت الأحوالِ وتبايُنِها بالدرجات مبالغةً وإيذاناً بأن بينهم تفاوتاً ذاتياً كالدرجات أو ذوو درجاتٍ ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال ودرجاتِها فيجازيهم بحسبها

стр. 838

﴿لَقَدْ مَنَّ الله﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله لقد من أي أنعم ﴿عَلَى المؤمنين﴾ أي من قومه ﵇ ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي من نسبَهم أو من جنسهم عربياً مثلَهم ليفقهوا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانةِ مفتخرين به وفي ذلك شرف لهم عظيم قال الله تعالَى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وقرئ من أنفسهم أي أشرفهم فإنه عليه السلام

стр. 839

١٦٥ - آل عمران كان من أشرف قبائلِ العرب وبطونها وقرئ لَمِنْ منِّ الله على المؤمنين إذ بعث الخ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي منُّه إذ بعث الخ أو على أن إذ في محلِ الرفعِ على الابتداء بمعنى لَمِنْ منِّ الله على المؤمنين من وقتُ بعثِه وتخصيصُهم بالامتنان مع عموم نعمةِ البعثةِ للأسود والأحمرِ لما مرّ من مزيد انتفاعِهم بها وقوله تعالى مّنْ أَنفُسِهِمْ متعلقٌ بمحذوف وقع صفة لرسولاً أي كائناً من أنفسهم وقوله تعالى ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياته﴾ صفةٌ أخرى أي يتلو عليهم القرآن بعدما كانوا أهلَ جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ عطفٌ على يتلو أي يطهرهم من دنس الطبائعِ وسوءِ العقائدِ وأوضارِ الأوزار ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ أي القرآنَ والسنةَ وهو صفةٌ أُخْرَى لرسولاً مترتبةٌ في الوجودِ عَلَى التِّلاوةِ وإنَّما وَسَّطَ بينَهُما التزكيةَ التي هي عبارةٌ عن تكميل النفس بحسب القوةِ العمليةِ وتهذيبِها المتفرِّعِ عَلَى تكميلِهَا بحسبِ القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليمِ المترتبِ على التلاوة للإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ من الأمورِ المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالِهَا مستوجبةٌ للشكرِ فَلَو رُوعِي ترتيبَ الوجودِ كما في قوله تعالى رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يتلو عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ لتبادر إلى الفهم عدُّ الجميعِ نعمةً واحدةً وهو السرُّ في التعبير عن القرآن بالآياتِ تارة وبالكتاب والحكمة أخرى رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حدة ولا يقدحُ في ذلك شمولُ الحكمةِ لِمَا في مطاوي الأحاديثِ الكريمةِ من الشرائع كما سلف في سورة البقرة ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ﴾ أي من قبلِ بعثتِه ﵇ وتزكيته وتعليمِه ﴿لَفِى ضلال مُّبِينٍ﴾ أي بيِّن لا ريبَ في كونه ضلالاً وإنْ هي المخففةُ من المثقلة وضميرُ الشأنِ محذوفٌ واللامُ فارقةٌ بينها وبين النَّافيةِ والظرفُ الأولُ لغوٌ متعلقٌ بكان والثاني خبرُها وهي مع خبرها خبرٌ لأن المخففة التي حُذف اسمُها أعني ضميرَ الشأن وقيل هي نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي وما كانوا من قبل إِلَاّ فِى ضلال مُّبِينٍ وأيا ما كان فالجملةُ إِمَّا حالٌ منَ الضميرِ المنصوب في يعلمهم أو مستأنفةٌ وعلى التقديرين فهي مبيِّنة لكمال النعمةِ وتمامِها

стр. 840

﴿أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا﴾ كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لإبطال بعضِ ما صدرَ عنهُم من الظنون الفاسدةِ والأقاويلِ الباطلةِ الناشئةِ منها إثرَ إبطالِ بعضٍ آخرَ منها والهمزةُ للتقريع والتقريرِ والواو عاطفةٌ لمدخولها على محذوف قبلها ولما ظرف لقلتم مضافٌ إلى ما بعده وقد أَصَبْتُمْ في محلِ الرفعِ على أنه صفةٌ لمصيبة والمرادُ بها ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتل سبعين منهم وبمِثْليها ما أصاب المشركين يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين منهم وأسر سبعين وأنى هذا مقولُ قلتم وتوسيطُ الظرفِ وما يتعلق به بينه وبين الهمزةِ مع أنه المقصودَ إنكارُه والمعطوفُ بالواو حقيقةً لتأكيد النكيرِ وتشديد التقريعِ فإن فعلَ القبيحِ في غيره وقتِه أقبحُ والإنكارَ على فاعله أدخلُ والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصفُ ما قد أصابهم منكم قبل ذلك جزِعتم وقلتم من أين أصابنا هذا وقد تقدم الوعدُ بالنصر على توجيه الإنكارِ والتقريعِ إلى صدور ذلك القولِ عنهم في

стр. 841

١٦٦ - ١٦٧ آل عمران ذلك الوقتِ خاصة بناءً على عدم كونِه مَظِنةً له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه فإن كونَ مصيبةِ عدوِّهم ضعفَ مصيبتِهم مما يُهوِّن الخطْبَ ويورث السَّلْوةَ أو أفعلتم ما فعلتم ولما أصابتكم غائلته أنى هذا على توجيه الإنكارِ إلى استبعادهم الحادثةَ مع مباشرتهم لسببها وتذكيرُ اسمِ الإشارةِ في أنى هذا مع كونه إشارةً إلى المصيبة ليس لكونها عبارةً عن القتل ونحوِه بل لما أن إشارتَهم ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غيرِ أنْ يخطُر ببالِهم تسميتُه باسمٍ ما فضلاً عن تسميته باسم المصيبةِ وإنما هي عند الحكاية وقوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أمرٌ لرسول الله ﷺ بأن يُجيب عن سؤالهم الفاسد إثر تحقيق فساد بالإنكار والتقريع ويبكتهم أن ما نالهم إنما نالهم من جهتهم بتركهم المركزَ وحِرصِهم على الغنيمة وقيل باختيارهم الخروجَ من المدينة ويأباه أن الوعدَ بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند قوله تعالى وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ الآية وأن عملَ النبيِّ ﷺ بموجبه قد رَفَع الخطرَ عنه وخفف جنايتَهم فيه على أن اختيارَ الخروجِ والإصرارَ عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من التفوّه بمثل هذه الكلمة وقيل بأخذهم الفداءَ يوم بدر قبل أن يُؤذَن لهم والأولُ هو الأظهرُ الأقوى وإنما يعضُده توسيطُ خطابِ الرسول ﷺ بين الخِطابين المتوجهَيْن إلى المؤمنين وتفويضُ التبكيتِ إليه ﵇ فإن توبيخَ الفاعل على الفعل إذا كان ممن نهاه عنه كان أشدَّ تأثيراً ﴿إِنَّ الله على كُلّ شىء قَدِيرٌ﴾ ومن جملته النصرُ عند الطاعةِ والخِذلانُ عند المخالفةِ وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم والجملةُ تذييلٌ والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها داخلٌ تحت الأمرِ

стр. 842

﴿وَمَا أصابكم﴾ رجوعٌ إلى خطاب المؤمنين إثرَ خطابِه ﵇ بسر يقتضيه وإرشادٌ لهم إلى طريق الحق فيما سألوا عنه وبيانٌ لبعض ما فيه من الحكم والمصالحِ ودفعٌ لما عسى أن يُتوهمَ من قولِه تعالى هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ من استقلالهم في وقوع الحادثةِ والعدولُ عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادةِ التقريرِ ببيان وقتِه بقوله تعالى ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أي جمعُكم وجمعُ المشركين ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ أي فهو كائن بقضائه وتخليتِه الكفارَ سُمّيَ ذلك إذناً لكونها من لوازمه ﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين﴾ عطفٌ على قوله تعالى فَبِإِذْنِ الله عطفَ المسبَّب على السَّببِ والمرادُ بالعلم التمييزُ والإظهارُ فيما بين الناسِ

стр. 843

﴿وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ﴾ عطف على ما قبله من مثله وإعادةُ الفعل لتشريف المؤمنين وتنزيهِهم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حالِ العلم بحسب التعلقِ بالفريقين فإنه متعلقٌ بالمؤمنين على نهج تعلقِه السابقِ وبالمنافقين على وجه جديدٍ وهو السرُّ في إيراد الأولِين بصيغة اسمِ الفاعلِ المنبئةِ عن الاستمرار والآخِرين بموصول صِلتُه فعلٌ دالٌ على الحدث والمعنى وما

стр. 844

أصابكم يومئذ فهو كائن لتمييز الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاقَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عطفٌ على نافقوا داخلٌ معه في حيزِ الصلةِ أو كلامٌ مبتدأ قال ابن عباس ﵄ هم عبد الله بن أُبي وأصحابُه حيث انصرفوا يوم أحُدٍ عن رسول الله ﷺ فقال لهم عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ حرامٍ أذكركم الله أن لاتخذلوا نبيَّكم وقومَكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى ﴿تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ قال السدي ادفعوا عنا العدوَّ بتكثير سوادِنا إن لم تقاتلوا معنا وقيل أو ادفعوا عن أهلكم وبلدِكم وحريمِكم إن لم تقاتلوا في سبيلِ الله تعالى وتركُ العطفِ بين تعالَوْا وقاتِلوا لما أن المقصودَ بهما واحد وهو الثاني وذِكْرُ الأولِ توطئةٌ له وترغيبٌ فيه لما فيهِ منَ الدَلالة على التظاهر والتعاون ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال ينسحبُ عليه الكلام كأنه قيل فماذا صنعوا حين خُيِّروا بين الخَصْلتين المذكورتين فقيل قالوا ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم﴾ أي لو نُحسِن قتالاً ونقدِر عليه وإنما قالوه دغَلاً واستهزاءً وإنما عبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العِلم به لما أن القدرةَ على الأفعال الاختياريةِ مستلزِمةٌ للعلم بها أو لو نعلم ما يصِحُّ أن يسمَّى قِتالاً لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلاً وإنما هو إلقاءُ النفسِ إلى التهلُكة وفي جعلهم التالي مجردَ الاتباعِ دون القتالِ الذي هو المقصودُ بالدعوة دليلٌ على كمال تثبيطهم عن القتال حيث لا ترضى نفوسُهم بجعله تالياً لمقدَّم مستحيلِ الوقوعِ ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان﴾ الضميرُ مبتدأٌ وأقربُ خبرُه واللامُ في للكفر وللإيمان متعلقة به وكذا يومئذٍ ومنهم وعدمُ جوازِ تعلقِ حرفين متّحدين لفظاً ومعنى بعامل واحدٍ بلا عطفٍ أو بدليةٍ إنَّما هو فيما عدا أفعلِ التفضيلِ من العوامل لاتحاد حيثيةِ عملِها وأما أفعلُ التفضيلُ فحيث دل على أصل الفعلِ وزيادتِه جرى مَجرى عاملين كأنه قيل قربهم للكفر زائدة على قربهم للإيمان وقيل تعلقُ الجارَّيْن به لشَبَهِهما بالظرفين أي هم للكفر يوم إذْ قالوا ما قالوا أقربُ منهم للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أَمارةٌ مُؤذِنةٌ بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنونُ بهم واقتربوا من الكفر وقيل هم لأهل الكفرِ أقربُ نُصرةً منهم لأهل الإيمانِ لأن تقليلَ سوادِ المسلمين بالانخذال تقويةٌ للمشركين وقوله تعالى يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ جملةٌ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها وذِكرُ الأفواهِ والقلوبِ تصويرٌ لنفاقهم وتوضيحٌ لمخالفة ظاهرِهم لباطنهم وما عبارةٌ عن القول والمرادُ به إما نفسُ الكلامِ الظاهر في اللسان وتارة وفي القلب أخرى فالمثبَتُ والمنفيُّ متحدان ذاتاً وإن اختلفا مظهراً وإما القولُ الملفوظُ فقط فالمنفيُّ حينئذٍ منشؤُه الذي لا ينفك عنه القولُ أصلاً وإنَّما عبَّر عنه به إبانةً لما بينهما من شدة الاتصالِ أي يتفوّهون بقول لا وجودَ له أو لِمَنشَئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيلِ التي من جملتها ما حكي عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شئ منهما أحدُهما عدمُ العلمِ بالقتال والآخَرُ الاتباعُ على تقدير العِلمِ به وقد كذَبوا فيهما كذِباً بيّناً حيث كانوا عالمين به غيرَ ناوين للاتّباع بل كانوا مُصِرِّين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد وقوله ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ زيادةُ تحقيقٍ لكفرهم ونفاقِهم ببيان اشتغالِ قلوبِهم بما يخالف أقوالَهم من فُنون الشرِّ والفسادِ إثرَ بيانِ خُلوِّها عما يوافقها وصيغةُ التفضيلِ لِما أنَّ بعضَ ما يكتُمونه من أحكام النفاقِ وذمِّ المؤمنين وتخطئةِ آرائِهم والشماتةِ بهم وغيرِ ذلك يعلمه المؤمنون على وجه الإجمال وأن تفاصيلَ ذلك

стр. 845

١٦٨ - ١٦٩ آل عمران وكيفياتِه مختصةٌ بالعلم الإلهي
следующие страницы →