ومن نظر في ترجمة (صالح بن كيسان) وكون كثير من شيوخه أصغر سناً منه، بسبب تأخره في طلب الحديث، واشتغاله بالشعر واللغة رأى عجباً (١).
وقال عبد الله بن أحمد: "سألته (يعني أباه) عن أيوب سمع من أبي عثمان النهدي وقلت له: إن خلفاً البزار يقول: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، فقال: روى عنه حديثين، وقال: حدثنا مؤمل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: كان أبو عثمان لي صديقاً، فما حفظت عنه إلا حديثين" (٢).
وحال الرواية في العصور الأولى يلخصه هشام بن يوسف قاضي صنعاء - مع تأخر عصره نسبياً - بقوله: " كان معمر هاهنا عندنا عشرين سنة، حي صحيح، وما كتبنا عنه إلا اليسير، ولو علمنا أنه يكتب عنا، ويرحل إلينا لكنا أشد طلباً، وأحرص عليه " (٣).
ومما يؤكد ما تقدم أن هذا الأمر ظل موجوداً حتى في عصر ازدهار الرواية، والحرص على السماع، والرحلة إلى البلدان.
فمن ذلك قول أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب بن سريج: "كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئاً " (٤).
وقال أحمد: "رأيت الأشجعي - ونحن عند أبي بدر - ولم أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت بشر بن عمر - يعني الزهراني - وكان إنساناً غلقاً سيئ الخلق، فلم يقدر أن أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت زافر بن سليمان، ولم أكتب عنه شيئاً ... ،
стр. 142
ورأيت عبد الله بن معاذ الصنعاني ولم أكتب عنه شيئاً، ورأيت مبارك بن سعيد ابن مسروق أخا الثوري - من ذاك الجانب - فلم أكتب عنه شيئاً، ورأيت عمران ابن عيينة، ولم أكتب عنه شيئاً، ورأيت نهشل بن حريث العدوي، ولم أكتب عنه شيئاً، قلت: كيف هو؟ قال: ليس به بأس" (١).
وقال عبد الله: "سألت أبي عن أبي زيد الهروي، فقال: شيخ ثقة، ليس به بأس، لم أكتب عنه شيئاً، وجعل يتلهف عليه" (٢).
وقال عبد الله أيضاً: "سألت يحيى عن إبراهيم بن خالد الصنعاني، فقال: كان صديقاً لي، وكان ثقة، وما كتبت عنه حديثاً " (٣).
وقال ابن معين في محمد بن إبراهيم والد أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة: "رأيته ببغداد، وكان رجلاً جميلاً، ثقة، كيساً، أكيس من يزيد بن هارون، وكان على قضاء فارس، مات قديماً، ولم أكتب عنه شيئاً" (٤).
وسأل البرذعي أبا زرعة إن كان قد لقي إسماعيل بن أبي أويس، فقال: "دخلت المدينة ثلاث مرات، وهو حي، ولم يقدر لي أن أكتب عنه شيئاً، كان مرة
стр. 143
عليلاً، ومرة متوارياً، وكان مرة غائباً " (١).
وروى الآجري قال: " سمعت سليمان بن الأشعث أبا داود يقول: ولدت سنة اثنتين ومئتين، وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين ... ، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئاً، ورأيت خالد بن خداش ولم أسمع منه شيئاً ... ، قلت: سمعت من يوسف الصفار؟ قال: لا، قلت: سمعت من ابن الأصبهاني؟ قال: لا، قلت: سمعت من عمرو بن حماد بن طلحة؟ قال: لا، ولا سمعت من مخول بن إبراهيم، ثم قال: هؤلاء كانوا بعد العشرين، - والحديث رزق - ولم أسمع منهم" (٢).
ومراد أبي داود بقوله: والحديث رزق - أن سماع الحديث من راو كالرزق، قد يرزقه الشخص، وقد يحرمه، مع قربه منه، وقد سبقه إلى ذلك عمرو بن علي الفلاس، حيث قال: " السماع من الرجال أرزاق" (٣).
ومما يزيد القضية وضوحاً في ذهن القارئ وقوفه على آراء الأئمة في سماع الصغار من آبائهم، وآل بيتهم (٤).
المسألة الثالثة: كان مسلم ﵀ دقيقاً جداً حين حرر محل النزاع، وأنه في رواية راوٍ توافر فيها عدة شروط، كونه ثقة، غير مدلس، عاصر من
стр. 144
روى عنه، وأمكن له لقاؤه والسماع منه، ولم يثبت ذلك صريحاً، ولم يكن هناك دلالة بينة على أنه لم يلقه، أو لم يسمع منه.
وهذه شروط محكمة جداً، تضيق دائرة الخلاف بين مسلم ومخالفه، فإذا لم تتوافر الشروط أو بعضها فإن مسلماً لا يثبت السماع، ولا يحكم بالاتصال.
ومن ذلك قوله في رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس: " ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه " (١).
ومحمد بن علي كان له من العمر عشر سنوات حين وفاة جده (٢)، فالإمكان الحديثي للسماع غير متوافر، وانضم إلى ذلك أنه يروي عنه بواسطة والده (٣).
وقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ممن اختار مذهب مسلم، أو اختار مذهب الجمهور، أو ذهب إلى أنه لا خلاف أصلاً، والإجماع على ما ذكره مسلم، ربما أغفل بعض هذه الشروط، فلم يتحرر عنده محل النزاع، سواء في ذلك حين عرض القولين وأدلتهما، أو حين التطبيق، فربما لم يراع ثقة الراوي، أو تدليسه، أو إمكان سماعه ممن روى عنه، أو معاصرته له، أو وجود التصريح بالتحديث من عدمه.
وقد ذكرت في رسالة " اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن " أمثلة
стр. 145
كثيرة لهذا.
ومن ذلك أيضاً أن أحد الباحثين وهو ممن يذهب إلى أن الجمهور على اشتراط العلم بالسماع ذكر قول أبي زرعة: "عكرمة، عن علي - مرسل" (١)، في معرض سرده لنصوص الأئمة الدالة على الاشتراط، وهذا النص لا يصلح لذلك، فإن عكرمة كان سنه نحو ١٥ عاماً حين قتل علي، وكان علي بالكوفة، وعكرمة بالبصرة، ثم بالمدينة (٢)، فمثل هذا خارج محل النزاع، وروايته مرسلة على جميع الآراء، إذ الإمكان الحديثي الذي ذكره مسلم غير موجود فيها.
ومن ذلك - في دراسة أسانيد معينة - أن عبدالحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام" قد اختار مذهب مسلم - فيما حرره عنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" -، لكنه يضعف أحاديث بعدم معرفة سماع بعض الرواة من بعض، فيتعقبه ابن القطان بأن هذا لا يتمشى مع المذهب الذي اختاره، وإنما يتمشى مع مذهب ابن المديني والبخاري، والملاحظ أن ابن القطان لا يراعي في تعقبه شروط مسلم، كما في حديث ركانة بن عبد يزيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)) (٣)، قال ابن القطان متعقباً عبدالحق حين أعله بذلك بعد أن بيّن ابن القطان أن إعلاله بعدم السماع من كلام البخاري: "البخاري إذا قال ذلك في هؤلاء فعلى
стр. 146
أصله، وأما أنت إذا قلته فقد تركت أصلك، إذ الزمان محتمل للقاء" (١).
وبالنظر في إسناد الحديث - وهو من رواية أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه، عن ركانة - يتضح أن فيه مجاهيل، مع اضطراب في تسمية شيخ أبي جعفر، وفي ذكر أبي جعفر وحذفه، ولذا قال الترمذي: "حديث حسن غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أباالحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة" (٢).
فقد تخلف شرطان مهمان لمذهب مسلم، وهما ثقة الرواة، والعلم بالمعاصرة.
وقال عبدالحق في حديث للمطلب بن عبدالله، عن جابر: "لا يعرف للمطلب سماع من جابر"، فتعقبه ابن القطان بقوله: "وهذا لم تجر به عادته، أن يضعف أحاديث المتعاصرين اللذين لم يعرف سماع أحدهما من الآخر، وإنما يجيء ذلك على رأي البخاري وابن المديني" (٣).
والناظر في المطلب بن عبدالله يدرك أنه لا يحكم لروايته هنا بالاتصال على جميع الآراء، فإنه كثير الإرسال عمن أدركه، ومن لم يدركه (٤).
ومن ذلك قول ابن تيمية بعد أن نقل عن البخاري تضعيفه لإسناد حديث فيه رواية يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بقوله: "لا يعرف لسلمة
стр. 147
سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه" (١)، - قال ابن تيمية: "وهذا غير واجب في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي يدلس .... " (٢).
ويعقوب بن سلمة ووالده كلاهما غير معروف (٣)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة.
ولما ذكر المزي قول البخاري في إسناد حديث من رواية سالم بن أبي الجعد، عن نبيط، عن جابان، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، - وقد روي أيضاً بإسقاط نبيط -: "لا يعرف لجابان سماع من عبدالله بن عمرو، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط" (٤) - عقبه بقوله: "وهذه طريقة قد سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيراً من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق" (٥).
كذا قال المزي، مع أن هذا الإسناد منقطع على رأي الجميع، فجابان،
стр. 148
ونبيط غير معروفين (١)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة.
وذكر العلائي قول أبي زرعة في حميد بن عبد الرحمن بن عوف: "حديثه عن أبي بكر، وعلي - مرسل " (٢)، ثم قال العلائي: "قد سمع من أبيه، وعثمان ﵄، فكيف يكون عن علي مرسلاً وهو معه بالمدينة؟ " (٣).
وسماع حميد من أبيه، ومن خاله عثمان فيه خلاف كبير، ومن يثبته لا ينكر أنه كان صغيراً حين وفاتهما (٤)، وقد جاء تصريحه بالسماع منهما، فلا ينقل هذا إلى سماعه من علي، وليس بينه وبينه قرابة، فالإمكان الحديثي غير موجود هنا، فلابد من التصريح بالتحديث على جميع الآراء.
ومثل ما تقدم صنيع ابن التركماني في بعض تعقباته على البيهقي، فعند قول البيهقي: "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود" (٥) - قال ابن التركماني: "قدمنا أن مسلماً أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع، وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلي هذا ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكره أبوسعيد بن يونس، فسماعه من ابن مسعود ممكن بلا شك، لأن ابن
стр. 149
مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين" (١).
كذا قال، ورواية علي بن رباح عن ابن مسعود منقطعة حتى على مذهب مسلم، فاللقاء بعيد جداً، لأن علياً مصري، وابن مسعود مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة (٢)، وكان عمر علي سبع عشرة سنة، أو ثماني عشرة سنة، وقد روى عنه ابنه موسى أنه قال: "كنت خلف معلمي (وفي رواية: مع عمي مسلم بالشام) فبكى، فقلت له: ما لك؟ فقال: قتل عثمان" (٣)، فمثل هذا لا يحتمل لقاؤه لابن مسعود.
ومثله تعقب ابن التركماني للبيهقي لما قال عن إسناد حديث من طريق عمرو بن دينار، عن أبي هريرة: "هو منقطع بين عمرو بن دينار، وأبي هريرة" (٤).
قال ابن التركماني: "ولد عمرو سنة ست وأربعين، فسماعه منه ممكن" (٥).
وأبوهريرة مدني، وعمرو مكي، كان له من العمر حين وفاة أبي هريرة نحو اثنتي عشرة سنة، لأن أباهريرة مات سنة سبع، أو ثمان، أو تسع
стр. 150
وخمسين (١)، فالإمكان الحديثي الذي يعنيه مسلم غير موجود هنا.
ومن التساهل أيضاً ما رجحه ابن حجر في رواية التابعي عن الصحابي الذي لم يُسَمَّ بالعنعنة، كأن يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أو عمن سمع النبي ﷺ ، أو عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فإنه اختار الحكم بالاتصال (٢).
وكذا أشار الشيخ عبدالرحمن المعلمي إلى إمكانية ترجيح هذا القول، لكنه عاد فذكر أن عنده فيه توقفاً (٣).
وغير خافٍ أن شرط العلم بالمعاصرة هنا مفقود، ويلزم منه أيضاً فقد إمكان اللقاء، فهو منقطع على جميع الآراء (٤).
ومن ذلك قول أحمد شاكر في رده لقول أبي زرعة: " عكرمة، عن علي - مرسل" (٥)، قال أحمد شاكر: "وهذا قول هو دعوى، والعبرة في صحة الرواية - بعد الثقة والضبط - بالمعاصرة، وعكرمة أهداه سيده حصين بن أبي الحر العنبري لابن عباس حين ولاه علي البصرة، وعلي أمَّر ابن عباس على البصرة سنة ٣٦ ... ، فقد عاصر عكرمة علياً أربع سنين أو أكثر مملوكاً لابن عباس ابن عم علي، ثم قد كان يافعاً إذ ذاك، فإنه مات على الراجح سنة ١٠٥، عن ثمانين
стр. 151
سنة، كما قالت ابنته، فكان عمره حين مقتل علي ١٥ سنة" (١).
كذا قال أحمد شاكر، ورواية عكرمة - على ما حرره أحمد شاكر - منقطعة على جميع الآراء، فإن لقاءه لعلي ﵁ غير ممكن، والدلالة البينة قد قامت على أنه لم يسمع منه لو كانا في بلد واحد، وذلك لصغر سنه، فكيف وهذا بالبصرة ثم بالمدينة، وعلي بالكوفة؟ (٢).
ومنه أيضاً قول أحد المشايخ المعاصرين في كلام له على حديث من رواية بسر بن سعيد، عن عثمان، وقد نقل قول أبي حاتم: "بسر بن سعيد عن عثمان: مرسل" (٣)، فقال بعد علامة التعجب: "مع أن بسر بن سعيد كان له من العمر عند ما قتل عثمان شهيداً ثلاث عشرة سنة".
ومثل هذا يوجد كثيراً في نقد الباحثين المعاصرين، بل وفي كلام الأئمة المتأخرين، وهو تساهل غير مرضي، وهو أحد الأبواب التي ضعف جداً عن طريقها نقد السنة النبوية.
المسألة الرابعة: اختيار رأي من الآراء، وترجيح مذهب على آخر - يقتضي من فاعله التزام هذا المذهب وتطبيقه، وهو أمر لا جدال فيه، لكني أنبّه هنا إلى دقة هذه المسألة، وضرورة تحاشي الباحث - ما أمكنه - تجنب الاضطراب فيها، من جهة التنظير أو التطبيق، أو كليهما.
стр. 152
وقد دعاني إلى هذا التنبيه ما رأيته من بعض الأئمة المتأخرين، وبعض الباحثين من التذبذب في ترجيح أو تطبيق أحد المذهبين، وسأذكر هنا بعض النماذج على سبيل التمثيل.
فمن ذلك أن ابن الصلاح قد رد قول مسلم فقال في كتابه "صيانة صحيح مسلم": "والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم ... " (١).
لكنه عند كلامه على حديث عائشة: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم))، الذي ذكره مسلم في المقدمة معلقاً عنها بلفظ: وقد ذكر عن عائشة ﵂، عند هذا الحديث ذكر ابن الصلاح أن أباداود أخرجه من طريق ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة، وأنه ذكر بعد تخريجه له أن ميموناً لم يدرك عائشة (٢)، ثم تعقبه ابن الصلاح بقوله: "وفيما قاله أبوداود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كافٍ في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك" (٣).
كذا صنع ابن الصلاح، وأبوداود إنما جزم بذلك تمشياً مع مذهبه في ضرورة ثبوت اللقاء والسماع، ولا سيما مع قرينة اختلاف البلدان، وهو القول
стр. 153
الذي رجحه ابن الصلاح أولاً.
ولم ينفرد أبو داود بذلك، بل نفى سماعه أيضاً أبو حاتم (١)، وقال عمرو بن علي الفلاس في ميمون: "كان يحدث عن أصحاب النَّبِيّ ﷺ .... ، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من أصحاب
النَّبِيّ ﷺ " (٢).
ومن ذلك أن العلائي وهو ممن رد على مسلم قوله وناقشه فيه (٣)، لكنه رجح سماع حميد بن عبدالرحمن بن عوف من علي على رأي مسلم، كما تقدم آنفاً في المسألة الثالثة.
وذكر قول ابن المديني في قيس بن أبي حازم: " لم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان، وروى عن بلال ولم يلقه، وروى عن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه أم لا " (٤)، ثم قال: "في هذا القول نظر، فإن قيساً لم يكن مدلساً، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي ﷺ ، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحد الظاهر سماعه منه" (٥).
ولا شك أن هذا تطبيق لرأي مسلم، فإن قيساً وإن كانت هذه صفته فإنما يثبت الأئمة سماعه من صحابي إذا ورد ذلك صريحاً، كما تقدم نقل ذلك عن ابن
стр. 154
المديني في أول هذا المبحث.
وممن رجح مذهب جمهور الأئمة أيضاً من المتأخرين: ابن حجر، لكنه في مسألة رواية التابعي عن صحابي غير مسمى بالعنعنة اختار ترجيح الحكم بالاتصال، كما تقدم ذكره آنفاً، وقد علق على ذلك المعلمي بقوله: "والعجب من الحافظ ﵀ كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، مع أنها قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها - بل احتج لقبولها - في حق من لم يعلم معاصرته أصلاً، وكان العكس أقرب كما هو واضح" (١).
وهذا التردد من بعض الأئمة يجعل الباحث ينسب القول إلى الإمام مع خوفه من أن يكون مال إلى القول الآخر أو طبقه في مكان آخر، وهذا وإن كان غير مستنكر في مسائل كثيرة، لكنه في هذه المسألة ظاهر جداً، لاسيما في وجود فرق بين التنظير والتطبيق، فقد قال ابن رجب عن قول مسلم: "وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀ من أن إمكان اللقي كافٍ في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره" (٢).
وما ذكره ابن رجب يحتمل أن يكون أخذه استقراء من صنيع ابن حبان في "صحيحه"، لكن لابن حبان كلام قوي جداً في اشتراط العلم بالسماع، كرره في كتابه " الثقات " (٣).
стр. 155
وأوسع ما يكون التناقض في هذه المسألة - مع خفاء فيه - أن يلفق الباحث بين القولين عند التطبيق، وذلك بأن يبحث عن كلام الأئمة في سماع راوٍ من آخر، فإذا وجد قولاً لإمام بنفي السماع أعمله، وإن لم يجد لجأ إلى قول مسلم فطبقه، مع أن نفي الإمام للسماع قد يكون بناه على عدم وجود السماع، فهو متصل على رأي مسلم، وتطبيقه لرأي مسلم فيما إذا لم يجد نفياً للسماع يناقض أخذه بقول ذلك الإمام الذي نفى السماع لكونه لم يرد، مع أنه ممكن.
ومع أن هذا الصنيع أسلم في النهاية، إذ هو تطبيق للرأي الراجح - رأي الجمهور - على عدد غير قليل من الروايات، وفيه أيضاً احترام لأقوال أئمة النقد، وتسليم لهم، وبعد عن معارضتهم - إلا أنه من الناحية العلمية البحتة تناقض، لا ينفك عنه الباحث إلا بطرد الرأي الذي يختاره، فإن طبق مذهب الجمهور، وبحث عن كلامهم، وسلم لهم إذا وجده، فعليه أن يلتزمه فيما إذا لم يجد لهم كلاماً، وذلك بحمل الرواية على عدم الاتصال حتى يثبت السماع، وإن اختار رأي مسلم ومن وافقه فعليه دراسة كل حالة على حدة، بعيداً عن أقوال الأئمة فيها، فإن تبيّن له أنها متصلة على هذا الرأي فعليه التزام ذلك.
وقد فعل مسلم ذلك حين أخرج أسانيد لم يرد فيها السماع، وقد نفاها إمام أو أكثر ممن سبقه (١)، ويفعله أيضاً بعض من تابعه على رأيه، كابن دقيق العيد حين ذكر قول أحمد، وموسى بن هارون في عدم سماع عراك من عائشة، ثم قال: "وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة
стр. 156
في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلدة واحدة" (١).
وعلق على قول الدارقطني: "أبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود" (٢) بقوله: "لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبارافع جاهلي إسلامي ... ، ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة، اللهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب" (٣).
ومثله صنيع ابن التركماني في تعقباته على البيهقي، فإنه يحتج على نفي السماع أو عدم ثبوته بإمكان اللقاء، ويصرح بأنه مذهب مسلم (٤).
ولما ذكر الشيخ أحمد شاكر قول أبي زرعة: "عمرو بن شرحبيل أبوميسرة، عن عمر: مرسل" (٥) - تعقبه بقوله: "وقول أبي زرعة إن أباميسرة لم يسمع من عمر لا أجد له وجهاً، فإن أباميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة ٦٣ هـ-" (٦).
وذكر أحمد شاكر أيضاً قول ابن المديني في عطاء بن فروخ: "لم يلق عثمان
стр. 157
- ﵁" (١)، فتعقبه بقوله: "ولم أجد ما يؤيد هذا" (٢).
وخصص الباحث الأخ مبارك بن سيف الهاجري رسالتيه في الماجستير، والدكتوراه، للثقات من التابعين الذين تكلم في سماعهم من الصحابة، ولهم رواية في الكتب الستة، لكنه لطول الموضوع وقف عنه، وقد مشى في الرسالتين على مذهب مسلم في الجملة، في عدم اشتراط العلم بالسماع، والتزمه.
وهكذا فإن من يرجح رأياً أو يقول بقول فعليه أن يكون مدركاً لما يترتب عليه من تبعات، وما ينبغي عليه أن يلتزمه من أجله.
ومن جهة ثانية فإن وقوف الباحث على ما يظنه تناقضاً ينبغي أن يتأمله كثيراً قبل إطلاق هذا الحكم عليه، فقد لا يكون كذلك بعد التأمل والنظر.
ومن أمثلة ذلك أنني كدت أرمي الإمام النووي بالتناقض في هذه المسألة، تقليداً لأحد الباحثين، فقد ذكر الباحث النووي فيمن اختار رأي ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ونقل عنه قوله في "شرح صحيح مسلم": "وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما" (٣)، وأحال أيضاً إلى كتاب آخر للنووي وهو "التقريب"، وذكر أن النووي عزاه للمحققين.
стр. 158
وهذا كله لا إشكال فيه، لكن الباحث عاد مرة أخرى في ذكره للعلماء الذي تابعوا مسلماً على رأيه فنقل عن النووي قوله في "التقريب": "والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل، بشرط أن لا يكون المعنعن مدلساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً".
ولا شك أن كلام النووي في هذا النص يوهم تناقضه مع ما قاله في "شرح مسلم"، ولكن بعد التأمل تبين لي أن رأيه في الكتابين واحد لا اختلاف فيه، وهو ترجيحه القول بعدم الاتصال، وأما ما نقله الباحث من "التقريب" فهو ناقص، وغرض النووي منه الرد على من ذهب إلى عدم قبول العنعنة مطلقاً، واشترط التصريح بالتحديث دائماً، فبين النووي أن جماهير العلماء على قبول العنعنة، وأنهم اتفقوا على اشتراط بعض الشروط، وهما الشرطان اللذان في النص السابق، ثم ذكر بعد ذلك من اكتفى بهما، ومن زاد عليهما، ونسب اشتراط ثبوت اللقاء إلى البخاري، وابن المديني، والمحققين.
وهذا نص النووي تاماً ليتضح منه عدم التناقض بين كلاميه: "الإسناد المعنعن - وهو فلان عن فلان - قيل: إنه مرسل، والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل، بشرط أن لا يكون المعنعن مدلساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً، وفي اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه - خلاف، منهم من لم يشترط شيئاً من ذلك، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه، ومنهم من شرط اللقاء وحده، وهو قول البخاري، وابن المديني، والمحققين ... " (١).
стр. 159
وذكر الباحث أيضاً عن ابن جماعة في "المنهل الروي" (١)، والطيبي في "الخلاصة" (٢) أنهما رجحا مذهب مسلم، ونقل عنهما نحو عبارة النووي التي نقلها من "التقريب"، ويقال فيهما ما تقدم عن النووي، بأن الأمر ليس كذلك، وإنما غرضهما حكاية مذهب الجماهير في قبول الإسناد المعنعن بشروط، رداً على من عده مرسلاً بإطلاق، وإن كان الثاني لم يذكر من زاد على الشرطين المجمع عليهما.
ثم إنهم نصوا جميعاً على أنه قد أودعه البخاري ومسلم وغيرهما ممن ألف في الصحيح كتبهم، مع أن الذي يكتفي بإمكان اللقاء هو مسلم وحده، وقد نسبه إليه في نفس الموضع النووي وابن جماعة، فدل هذا على أن حديثهم في الرد على من حكم على كل معنعن بأنه غير متصل.
وأصل الكلام لابن الصلاح، فالثلاثة اختصروا كتابه، إلا أن عبارته كما في المطبوع: "وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً، مع براءتهم من وصمة التدليس" (٣).
فإما أن يكون الثلاثة ينقلون من نسخة أخرى لابن الصلاح، فيها التعبير بالإمكان بدل الثبوت، ويكون غرضه حينئذٍ النص على ما هو مجمع عليه من الشروط، ثم ذكر الاختلاف فيما زاد عليه، وإما أن يكون التغيير في العبارة من المختصرين، وذلك لأنهم ذكروا الاختلاف فيما زاد على الإمكان في نفس
стр. 160
الموضع، وكان ابن الصلاح قد فصله عن الكلام في أصل الإسناد المعنعن (١).
والباحث حين وقع في هذا لا شك أنه معذور، فإن المسألة برمتها من دقائق العلم، ويزداد الأمر دقة في جمع الأئمة بين الكلام في أصل قبول العنعنة، وبين الكلام في الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما.
стр. 161
الفصل الثالث
التدليس
وفيه: تمهيد، ومباحث:
المبحث الأول: التدليس والإرسال.
المبحث الثاني: التدليس وصورة التدليس.
المبحث الثالث: التدليس والنص على السماع أو نفيه.
المبحث الرابع: التدليس والتصريح بالتحديث.
المبحث الخامس: رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع.
المبحث السادس: تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس.
стр. 162
تمهيد:
بعد فراغ الباحث من دراسة سماع الراوي ممن فوقه فإنه سيحكم بالانقطاع إن لم يثبت السماع، فإن ثبت السماع فيبقى عليه البحث في أمر آخر قبل أن يحكم بالاتصال، وهو سماعه لذلك الحديث بعينه، فإن بعض الرواة وإن كان قد سمع من شيخه إلا أنه يروي عنه شيئاً لم يسمعه منه، ويسقط الواسطة بينه وبين شيخه، يفعل ذلك - في الغالب - على سبيل التدليس.
وقد بذل أئمة الحديث ونقاده جهوداً مضنية في مكافحة التدليس بأنواعه والكشف عنه، تمثلت مكافحته في الغارة العنيفة التي شنها عليه أئمة فضلاء، كشعبة بن الحجاج، وله في ذلك كلمات مأثورة، مثل قوله: "التدليس أخو الكذب " (١).
وقوله: "هو أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء أحب إليّ من أن أدلس" (٢).
وقوله: " لأن أقع من فوق هذا القصر - لدار حياله - على رأسي، أحب إلي من أن أقول لكم: قال فلان - لرجل ترون أنه قد سمعت ذاك منه - ولم أسمعه " (٣).
стр. 163
وذكر الذهبي عنه نحو الجملة الأخيرة، ثم علق عليها بقوله: "هذا والله الورع" (١).
وتبع شعبة على ذلك جماعة من الأئمة، فأثر عن ابن المبارك نحو الجملة الأخيرة عن شعبة (٢)، وقال أيضاً: "إن الله لا يقبل التدليس" (٣).
وقال يزيد بن زريع: " لأن آخرَّ من السماء أحب إلي من أن أدلس " (٤).
وقال خالد بن خداش: "سمعت حماد بن زيد يقول: التدليس كذب، ثم ذكر حديث النبي ﷺ : ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور))، قال حماد: ولا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يعط" (٥).
وقال وكيع: "لا يحل تدليس الثوب، فكيف يحل تدليس الحديث" (٦).
والمدلس نفسه يشعر بالغضاضة من ارتكابه للتدليس، قال ابن المبارك: "حدثت سفيان بحديث، فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحيا وقال: نرويه
стр. 164
عنك" (١).
وهذه الحملة على التدليس آتت ثمارها في الحد من وقوعه، لكنها لم تقض عليه، فقد ارتكبه جماعة كثيرون من الرواة، وفيهم أئمة فضلاء، كقتادة، والأعمش، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، قال ابن المبارك: "قلت لهشيم: ما لك تدلس وقد سمعت كثيراً؟ قال: كان كبيراك يدلسان، وذكر الأعمش، والثوري" (٢).
وكتب وكيع إلى هشيم: "بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها"، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم: كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش، وسفيان" (٣).
ولذلك كان الجانب الأهم الذي بذله أئمة النقد تجاه التدليس هو في الكشف عنه، وقد قاموا في سبيل ذلك بجهود عظيمة جداً، تأتي على رأس ما بذلوه من جهد في عموم نقد السنة، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وذلك لما يحتاجه الكشف عن التدليس من دقة وشدة تتبع، ولتعلقه في كثير من الأحيان بالرواة الثقات.
وجهودهم هذه نلاحظها بسهولة في تراجم الرواة، إذ ينصون في كلامهم
стр. 165
في الراوي على ارتكابه للتدليس، فيقولون مثلاً: كان يدلس، أو: ثقة إلا أنه يدلس، أو: صدوق لكنه يدلس، أو ضعيف مدلس، ونحو ذلك.
كما نلاحظ هذه الجهود بصورة أدق في الكشف عن الأحاديث المدلسة، تارة بصورة مجملة، وتارة بالنص على حديث معين، بل وصل الأمر إلى الكشف عن تدليس الكلمة الواحدة في الإسناد أو المتن.
ولم يحابوا في سبيل ذلك أحداً كائناً من كان.
والذي يهمنا كثيراً من موضوع (التدليس) حكم رواية المدلس، ولا سيما إذا روى الحديث بصيغة محتملة للسماع وعدمه، ولما كانت أحكام هذا الفن بصورة عامة إنما ينظر فيها إلى صنيع أئمة النقد وعملهم ـ فإن الوصول إلى حكم رواية المدلس بالنسبة لنا يقتضي النظر فيما نقل عن أئمة النقد من نصوص عن حكمها، وهذا قليل، كما يقتضي ـ وهو الأهم ـ سبر تطبيقاتهم وأحكامهم على الأسانيد التي يوجد فيها مدلسون.
ونظراً لكثرة المدلسين، وكثرة أحاديثهم، وضخامة المنقول عن أئمة النقد في تطبيقاتهم، وكثرة ما طرح في هذه المسألة من آراء تنسب إلى أئمة النقد ـ فإن الوصول إلى حكم نهائي قاطع في المسألة كالمتعذر، والممكن إذاً هو التسديد والمقاربة.
ثم إن البحث في هذه المسألة يستلزم تقديم دراسة بعض القضايا المرتبطة بها، فلزم أولاً تحرير العلاقة بين الإرسال والتدليس، وأثرها في حكم رواية
стр. 166
المدلس، وتحرير كيفية ثبوت التدليس على الراوي، وأيضاً التدقيق في رواية المدلس التي يقوم الباحث بدراستها، وما احتف بها من قرائن، والتدليس من حيث هو علة في الإسناد، بغض النظر عمن وقع منه.
فانتظم موضوع التدليس مباحث ستة، بذلت فيها جهدي في تصوير المسألة أولاً، ثم في عرض ما فيها من آراء، وما توصلت إليه، بحسب اجتهادي وطاقتي، فإن البضاعة مزجاة، والموضوع عويص شائك.
стр. 167
المبحث الأول
التدليس والإرسال
تدليس الإسقاط نوع من الإرسال، إذ الإرسال في اصطلاح المتقدمين يشمل كل انقطاع في الإسناد أياً كان موضعه، فكل تدليس إرسال (١)، لكن هل كل إرسال يعدّ تدليساً؟
للإجابة على هذا لابدّ من ذكر أنواع الإرسال، ثم النظر فيما يشمله اسم التدليس منها ـ باختصار ـ، ثم الغرض من بحث هذا هنا.
فإذا أرسل الراوي عن شخص وروى عنه ما لم يسمعه منه فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون لم يدرك زمانه.
الثانية: أن يكون أدرك زمانه وعاصره، لكنه لم يسمع منه.
الثالثة: أن يكون لقيه وسمع منه، لكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، أو تلك الأحاديث بعينها لم يسمعها منه.
فأما النوع الأول فذكر ابن عبدالبر أن قوماً ـ ولم يسمهم ـ ذهبوا إلى أنه تدليس، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه إرسال فقط، قال: "وعلى القول الأول فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره، سوى شعبة ويحيى القطان" (٢).
стр. 168
وممن وقفت على كلام له يسمي فيه رواية الراوي عمن لم يدركه تدليساً ابن حبان، فقد قال في عبدالجبار بن وائل بن حجر: "مات أبوه وائل وأمه حامل به، كل ما روى عن أبيه مدلَّس، وإن كان لا يصغر عن صحبة الصحابة" (١).
وعلى هذا مشى الذهبي في تعريف التدليس فقال: "ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه" (٢)، وقال في ترجمة أبي قلابة: "ثقة في نفسه، إلا أنه يدلس عمن لحقهم ومن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس" (٣).
ويحتمل ـ على بُعد ـ أن يفسر الإدراك واللحاق في كلام الذهبي باللقي والسماع.
ومن نصوص الجمهور في هذا وأن رواية الراوي عمن لم يدركه لا تعد تدليساً قول أبي حاتم في أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي: "لا يعرف له تدليس" (٤)، مع أن أبا قلابة قد روى عن أناس لم يدركهم (٥)، فتفسير ذلك أن يكون
стр. 169
حيث عرف واشتهر أنه لم يلقهم، فحينئذٍ لا إيهام في روايته، وعليه فلا تدليس.
ويحتمل أن يكون أبوحاتم أراد أنه لا يتعمد الإسقاط، لكنه يحفظ شيئاً عن بعض الصحابة فيرويه عنهم غير مستحضر لمن حدثه، قال الذهبي معلقاً على كلمة أبي حاتم: "معنى هذا أنه إذا روى شيئاً عن عمر أو أبي هريرة ـ مثلاً ـ مرسلاً لا يدري من الذي حدثه به، بخلاف تدليس الحسن البصري فإنه يأخذ عن كل ضرب، ثم يسقطهم، كعلي بن زيد تلميذه" (١).
فهذا النوع لا إشكال إذاً في عدم دخوله في التدليس إلا على سبيل التوسع كما نقله ابن عبدالبر عمن لم يسمهم، ومشى عليه ابن حبان، وكذا الذهبي في ظاهر كلامه.
وأما النوع الثالث - وهو الإرسال عمن سمع منه - فلا إشكال في دخوله في التدليس، فكل من عرَّف التدليس أدخله فيه، وهو أيضاً موجود بكثرة في استعمال أئمة النقد، فمن ذلك قول أحمد: "كان أبوحُرَّة صاحب تدليس عن الحسن، إلا أن يحيى القطان روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام، وحديث عائشة في الركعتين" (٢).
стр. 170
وقال عباس الدوري: "سمعت يحيى يقول في حديث: "من وسع على عياله ... "ـ قال: حدثنا أبوأسامة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قلت ليحيى: قد رواه سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن محمد، قال يحيى: إنما دلسه سفيان عن أبي أسامة، فقلت ليحيى: فلم يسمع سفيان من إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فقال: بلى، قد سمع منه، ولكن لم يسمع هذا منه" (١).
وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي في هشيم: "كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين" (٢).
وأبوبشر هو جعفر بن إياس، وحصين هو ابن عبدالرحمن، وقد سمع منهما هشيم.
وسيأتي في ثنايا هذا البحث نصوص كثيرة في هذا المعنى.
وأما النوع الثاني - وهو الإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه - فهل يدخل في التدليس؟
عرف ابن الصلاح التدليس بقوله: "هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه" (٣)،
стр. 171
فأدخل ابن الصلاح هذا النوع في التدليس، وهو يحكي بذلك اصطلاح أهل الحديث.
وذكر العراقي أن غير واحد من الحفاظ ـ وسمى منهم البزار، وابن القطان ـ أخرجوا هذا النوع من التدليس، فخصوه بالنوع الثالث فقط، وهو رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه، ثم قال العراقي: "وما ذكره المصنف ـ يعني ابن الصلاح ـ في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرتُ قول البزار وابن القطان لئلا يغترّ بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك، والله أعلم" (١).
وقد تعقب ابن حجر كلام شيخه العراقي، ونسب قول البزار وابن القطان أيضاً إلى الشافعي، وأن كلام الخطيب يقتضيه أيضاً، وذكر أن الصواب أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ليس بتدليس، وإنما هو إرسال خفي، ثم قال: "ويدل على أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها لابد منه إطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، عن النبي ﷺ من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعاً، ولكن لم يعرف هل لقوه أو لا" (٢).
стр. 172
وسبق ابن حجر إلى تخصيص التدليس برواية الراوي عن شيخه حديثاً لم يسمعه منه ـ ابن رشيد، فإنه قال في معرض كلام له: "وأما المعاصر غير الملاقي إذا أطلق: (عن) فالظاهر أنه لا يعدّ مدلساً، بل هو أبعد عن التدليس؛ لأنه لم يعرف له لقاء ولا سماع، بخلاف من علم له لقاء أو سماع" (١).
وكذا العلائي في "جامع التحصيل" عند تعريفه للتدليس (٢)، لكنه في تراجم الرواة في الكتاب ربما رجع عنه، من ذلك قوله معقباً على كلمة البخاري في ابن جريج وأنه لم يسمع من عمرو بن شعيب شيئاً: "قد روى عنه عدة أحاديث، وهي عن جماعة ممن تقدم ذكرهم، ولكنه مدلس كما سبق ذكره فيهم" (٣).
والدليل الذي ذكره ابن حجر لتخصيص التدليس بهذه الصورة غير ناهض، فإنها موجودة أيضاً في بعض روايات الصحابة عن النبي ﷺ كابن عباس وأبي هريرة وغيرهما، فإنهم يروون عنه ما لم يسمعوه منه، ولم يسم العلماء ذلك تدليساً، وإن سماه بعضهم بذلك (٤)، وقد ذكر هذا ابن حجر (٥)، وذكر أن مسلك العلماء هذا يفسر بأنه تأدب مع الصحابة، وإذا كان
стр. 173
ذلك كذلك فلم لا يفسر بهذا عدم إطلاقهم التدليس على رواية المخضرمين وأنه تأدب معهم؟ .
ثم هناك جواب آخر في عدم إطلاق التدليس على صنيع الصحابة وعلى صنيع المخضرمين، وهو أن من شرط التدليس أن يكون بغرض إخفاء عيب في الإسناد، ولم يكن غرض أولئك هذا، وإنما كان غرضهم التخفيف، كما قال الحاكم: "ففي هؤلاء الأئمة المذكورين بالتدليس من التابعين جماعة وأتباعهم، غير أني لم أذكرهم، فإن غرضهم من ذكر الرواية أن يدعوا إلى الله عزوجل، فكانوا يقولون: قال فلان ـ لبعض الصحابة ـ، فأما غير التابعين فأغراضهم مختلفة" (١)، وسيأتي شرح هذا مطولاً في المبحث التالي.
فلما انتشر قصد إخفاء عيب في الإسناد عند من بعدهم سمي عملهم كله تدليساً، وإن لم يتحقق وجود هذا الغرض أحياناً.
ثم إن جزم ابن حجر بأن الصواب أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ليس بتدليس ـ إن كان يعني تصويب ذلك من جهة النظر والاجتهاد فهذا شأن، لكن القضية الآن في حكاية اصطلاح الأئمة، فإن كانوا يطلقون على هذا تدليساً لم يكن للتصويب هنا كبير فائدة، إذ هو لا يغير من الواقع شيئاً، فهو اصطلاح قد مضى وانتهى فلا يمكن تغييره، وهذه قاعدة عامة في قضايا مصطلح الحديث ينبغي أن تستقر في أذهان الدارسين، وهي (أن اختيار المتأخر
стр. 174
لرأي ما في قضية ما لا يلغي ما تقدم مادام موجوداً في اصطلاحهم) (١).
والمتأمل في كلام أئمة النقد في موضوع التدليس يدرك بسهولة أن ما ذكره العراقي من أن حد ابن الصلاح للتدليس هو المشهور بين أهل الحديث ـ هو الأقرب للواقع، فمن ذلك قول ابن أبي حاتم: " قلت لأبي: أبو وائل سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه ولا يحكي سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام، وأبو وائل بالكوفة، قلت: كان يدلس؟ قال: لا، هو كما قال أحمد بن حنبل (٢) "، فقوله: "كان يدلس؟ " - يدل على أنه قد تقرر عندهم اعتبار رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه تدليساً، وقد نفى والده عنه التدليس، ولعل ذلك لكونه لا يمكن سماعه منه، فقد ذكر أبوحاتم أن أبا الدرداء بالشام وأبا وائل بالكوفة، فهو بحكم من لم يدركه، أو لكونه لم يكن غرضه التدليس، أو لكون الذي أسقط الواسطة هو من دون أبي وائل، وقد يكون فعل ذلك خطأً.
وسئل أحمد وابن معين، عن حديث يرويه عبدالمجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فقالا: "ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبدالمجيد بن أبي رواد من عبيدالله شيئاً، ينبغي أن يكون عبدالمجيد دلسه، سمعه من إنسان فحدث به" (٣).
стр. 175
ومن ذلك أيضاً قول ابن معين: "دلس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه" (١).
وقال أيضاً: " لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه، فدلسه عنه" (٢).
وقال البخاري: "لا أعرف لابن أبي عروبة سماعاً من الأعمش، وهو يدلّس ويروي عنه" (٣).
وقال العجلي في الحجاج بن أرطاة: "كان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ولم يسمع منه شيئاً، ويرسل عن مجاهد ولم يسمع منه شيئاً، ويرسل عن مكحول ولم يسمع منه شيئاً، ويرسل عن الزهري ولم يسمع منه شيئاً، فإنما يعيب الناس منه التدليس" (٤).
وقال الفسوي: "وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيدالله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر، ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير" (٥).
стр. 176
وقال أيضاً: "لم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس" (١).
وقال ابن حبان في ترجمة يحيى بن أبي كثير: "فكل ما روى عن أنس فقد دلس عنه، ولم يسمع من أنس ولا من صحابي شيئاً" (٢).
وقال أيضاً وهو يذكر أنواع جرح الضعفاء: "المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطاة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم" (٣).
وقال ابن عدي في سعيد بن أبي عروبة: "ثَبْت عن كل من روى عنه، إلا من دلس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم" (٤).
وقال الدارقطني: "لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبدالله بن حنطب شيئاً، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء" (٥).
وقال الحاكم ـ وهو يعد أجناس المدلسين ـ: "الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم إنما قالوا: قال
стр. 177
فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازل" (١).
ولما ذكر الذهبي قول أحمد في سعيد بن أبي عروبة: "لم يسمع من الحكم بن عتيبة ... " وعد أحمد أناساً عاصرهم سعيد، وحدث عنهم ولم يسمع منهم، قال الذهبي: "وقد حدث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم" (٢)، وقال مرة: "يعني: يقول: عن، ويدلس" (٣).
وقال الذهبي أيضاً: "ومن أمثلة التدليس: الحسن، عن أبي هريرة، وجمهورهم على أنه منقطع" (٤).
بل عَدَّ الإمام يعقوب بن شيبة رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه أشد تدليساً من روايته عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، فقال: "التدليس ـ جماعة من المحدثين لا يرون به بأساً، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوّزه عن الرجل الذي قد سمع منه، ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه، فيدلسه، يري أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضاً عندهم
стр. 178
إلا عن ثقة، فأما من دلَّس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء" (١).
وكذا قال ابن عبدالبر: "إن حدث عمن لم يسمع منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه" (٢)، وقال أيضاً: "وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه فهو أقبح وأسمج" (٣).
ولما ذكر ابن رجب كلمة يعقوب بن شيبة عقب عليها بقوله ـ موافقاً له على تسميته تدليساً ـ: "وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضاً، فلا يصح ما قال يعقوب" (٤)، يعني لا يصح قوله: إن هذا لم يرخص فيه العلماء.
في أشياء كثيرة جداً عن المتقدمين والمتأخرين فيها إطلاق ذلك.
وأما ما نسب إلى الشافعي، والبزار، وابن القطان مما يخالف ذلك فنعم، إذ كلامهم يحتمل ما رجحه ابن حجر، على أنه يمكن للناظر المتأمل بنوع تأويل أن يرد قولهم إلى قول الجمهور فيدخل صورة تحديث المعاصر عمن لم يلقه.
стр. 179
وأما قول ابن حجر: إن كلام الخطيب يقتضيه ـ يعني يقتضي ما رجحه ـ فليس الأمر كذلك، فإن للخطيب كلاماً آخر لم يذكره ابن حجر يجلي رأيه بوضوح، قال: "والمدلَّس: رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد" (١).
وقد عقد الخطيب فصلاً في أخبار المدلسين ذكر فيه من دلس عمن لم يسمع منه، وعمن سمع منه، ثم كلامه عن التدليس يدل على إدخال هذه الصورة ـ وهي رواية المعاصر عمن لم يسمع منه ـ فيه (٢).
وابن حجر معترف بأن من الأئمة من يسمي هذا تدليساً، ولكنه اختار أن يخرجه من التدليس، ويسميه باسم خاص به، وهو الإرسال الخفي، تمييزاً للأنواع، كما قال (٣)، مع أنه هو ربما سماه تدليساً (٤).
وغرضي من بحث هذه المسألة هنا عدد من الأمور:
الأمر الأول: رأي ابن حجر ـ باعتبار تأخر عصره وتحريره لمصطلحات أهل الحديث على طريقة التعاريف ـ هو المشهور في كتب المصطلح المتأخرة بعده
стр. 180
أنه الراجح، فإذا رجحه الباحث فلابد أن يستحضر القاعدة السابقة المتضمنة أن هذا الترجيح لا يلغي استخدام الأئمة بحال، فإذا وقف الباحث على كلمة لأحد الأئمة يصف فيها شخصاً بالتدليس عن شخص لم يسمع منه فلا يعد هذا تناقضاً؛ لأنه اختار أن التدليس من شرطه أن يكون عمن سمع منه، فهم سائرون على اصطلاحهم، فلا تناقض.
وأهم من ذلك أنه لا يجوز أن نجعل وصف إمام لراوٍ بالتدليس عن شخص إثباتاً لسماعه منه، بناءً على ترجيح ابن حجر لمعنى التدليس، وهو رواية الراوي عمن سمع منه حديثاً لم يسمعه منه، فقد اتضح بجلاء أن الأئمة يطلقون التدليس أيضاً على رواية المعاصر الذي لم يسمع ممن روى عنه.
مثال ذلك أن أباحاتم قال في نقده لحديث رواه زياد بن الربيع، عن هشام ابن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر "، قال: "هذا حديث منكر، لم يروه عن محمد إلا الضعفاء: إسماعيل بن مسلم، ونحوه، ولعل هشام بن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، فإنه كان يدلس" (١).
فقد سألتني إحدى الباحثات الفاضلات عن قول أبي حاتم: "فإنه كان يدلس"، ما معنى تدليسه عن محمد بن المنكدر وهو لم يذكر في الرواة عنه؟