ونفى أحمد أن يكون عمار الدهني قد سمع من سعيد بن جبير شيئاً (١)، وقد جاء النفي عن عمار نفسه، قال أبو بكر بن عياش: " مَرَّ بي عمار الدهني فدعوته، فقلت: سمعت من سعيد بن جبير؟ قال: لا، قلت: فاذهب " (٢).
فمثل هذا يدل على أنهم إنما ينفون السماع حين يرد النفي، ولا كلام في ذلك، فإن محل النزاع فيما إذا لم يرد ذلك.
والجواب أن ما ذكره المعترض قد يتهيأ في بعض النصوص، لكنه لا يتهيأ فيها كلها، كما في النص السابق عن ابن معين في عبيدالله بن أبي يزيد مع أبي لبابة، فلم يثبت السماع لكونه لم يرد، لا لوجود نفيه، وقد تقدم مثله عن الأئمة مع عدم وجود الرؤية، فقد نفوا السماع لكونه لم يرد، وأثبتوه لوروده.
الوجه الثاني: نرى الأئمة - وقد تقدم هذا في المبحث الأول من هذا الفصل - حين يسألون عن سماع راوٍ من آخر يقيمون الدليل على أنه لم يسمع منه، فيذكرون مثلاً أنه يدخل بينه وبينه رجلاً، أو أكثر، أو يقولون: إن هذا كان في بلد، والمروي عنه في بلد آخر، أو يذكرون أنه يقول في بعض رواياته عنه: نبئت، أو بلغني عنه، وحينئذٍ فلو كانوا يتطلبون ثبوت السماع للحكم بالاتصال لاكتفوا بالقول: إنه لم يثبت السماع، ولا حاجة لإقامة دليل آخر على ذلك.
والجواب عن هذا سهل جداً، ذلك أنهم يفعلون هذا لسببين:
стр. 107
الأول: أن وجود قرينة على عدم السماع أقوى في نفي السماع من عدم وجودها، وكلما كثرت القرائن ازداد النفي قوة، لا يجادل في ذلك أحد، فعدم وجود قرينة على النفي مع إمكان السماع لا يكفي لإثبات السماع، وحينئذٍ فعملهم هذا من باب تأكيد حكم ثابت، ويجلي هذا بوضوح نصوص عن النقاد في هذا.
فمن ذلك ما تقدم عن أبي حاتم في إدخال واسطة بين سعيد بن يزيد، والنَّبِيّ ﷺ ، فقد تأكد بها أن لا صحبة له، لكن قبل الوقوف عليها لم تثبت له صحبة بمجرد ذلك، ولهذا قال أبو حاتم: "كنا لا ندري له صحبة أم لا " (١).
وقال ابن الجنيد: "قلت ليحيى بن معين: تعلم محمد بن سيرين يدخل بينه وبين عقبة بن أوس أحداً، أو عقبة بن أوس يدخل بينه وبين عبدالله بن عمرو أحداً؟ فقال: لا أعلمه، وعقبة بن أوس يقال له أيضاً: يعقوب بن أوس، قال ابن الغلابي: يزعمون أن عقبة بن أوس السدوسي لم يسمع من عبدالله بن عمرو، إنما يقول: قال عبدالله بن عمرو" (٢).
فنلاحظ في هذا النص البحث عن قرينة تدل على عدم السماع، فكان السؤال عن أشهر قرينة في ذلك، وهي إدخال راو بين راويين، وعدم الوقوف عليها لم يغير من الحكم شيئاً، وهو عدم السماع.
ومثل هذا النص قول أحمد حين سئل: هل سمع حميد بن هلال من هشام
стр. 108
ابن عامر؟ فقال: "ما أراه سمع منه، وذاك أنه يُدخل بينهما رجل، وبعضهم يقول: أبوالدهماء" (١).
وأما أبوحاتم فقال: "حميد بن هلال لم يلق هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام: أبوقتادة العدوي، وبعضهم يقول: عن أبي الدهماء، والحفاظ لا يدخلون بينهم أحداً: حميد، عن هشام"، قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: "ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد، عن هشام" (٢).
فنلاحظ أن أباحاتم يرجح رواية من لم يدخل بينهما أحداً، ومع ذلك وافق أحمد على أنه لم يسمع منه ولم يلقه، فاتضح أن القرينة التي ذكرها أحمد قصد بها تأكيد عدم السماع وعدم اللقي، والحكم بذلك باقٍ حتى مع انتفائها.
السبب الثاني: وجود أخطاء كثيرة في التصريح بالتحديث، فيحرص الأئمة على ذكر القرائن على أنه لم يسمع خشية وقوع خطأ في التصريح بالتحديث، وقد وقع ذلك كثيراً فعالجوه بهذه الطريقة.
فمن ذلك قول علي بن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد القطان: الفزاري روى عن ابن أبي خالد، عن هلال بن يساف قال: سمعت أبامسعود، قال يحيى: أنكر أن يكون هلال سمع من أبي مسعود، قال يحيى: مات أبومسعود أيام علي" (٣).
стр. 109
وروى الأثرم قال: "قال أبوعبدالله أحمد بن حنبل: عبدالله البهي سمع من عائشة! ! ما أرى في هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة، وقال (يعني أحمد):
في حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة - في حديث الخمرة -، وكان عبدالرحمن (يعني ابن مهدي) قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره" (١).
وقال عبد الله بن أحمد: "حدثني أبي، قال: حدثنا حجاج، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب، قال: سمعت علي بن أبي طالب، قال أبي: هذا وهم، محمد بن كعب يحدث عن عبدالله بن شداد، عن علي، وعن شبث بن ربعي، عن علي، ولم أر أبي يصحح أن محمد بن كعب سمع من علي" (٢).
وروى الأثرم قال: "سمعت أباعبدالله وذكر حديث خالد بن الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: ((حولي مقعدي إلى القبلة))، فقال: مرسل، فقلت له: عراك ابن مالك قال: سمعت عائشة ﵂، فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع من عائشة؟ ماله ولعائشة، إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضاً عن حماد
стр. 110
ابن سلمة، ليس فيه سمعت" (١).
وقال الأثرم أيضاً: "قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل -: الزهري سمع من عبدالرحمن بن أزهر؟ قال: ما أراه سمع من عبدالرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبدالرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبدالرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئاً، ما أراه حُفظ، وقد أدخل بينه وبينه: طلحة بن عبدالله بن عوف" (٢).
وقال محمد بن البراء: "سئل (يعني ابن المديني) عن حديث الأسود - وهو ابن سريع -: ((بعث رسول الله ﷺ سرية فأكثروا القتل ... )) - فقال: إسناده منقطع، رواية الحسن عن الأسود بن سريع، والحسن عندنا لم يسمع من الأسود، لأن الأسود خرج من البصرة أيام علي، وكان الحسن بالمدينة، فقلت له: فإن المبارك يقول في حديث الحسن، عن الأسود: ((أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني حمدت ربي بمحامد ... )) -: أخبرني الأسود، فلم يعتمد على المبارك في ذلك" (٣).
стр. 111
وقضية الأخطاء في التصريح بالتحديث قضية ضخمة جداً في باب الاتصال والانقطاع، شغلت الأئمة كثيراً، فالراوي المتأخر كما يخطئ في رفع الحديث، وفي وصله، وفي زيادة رجل أو نقصه وغير ذلك - يخطئ في إبدال صيغة الرواية، فيضع الأعلى بدل الأدنى، أي يضع التصريح بالتحديث أو اللقي مكان الصيغة المحتملة للسماع وعدمه، أو التي فيها الانقطاع صراحة، أو يسقط رجلاً، فتكون الرواية عمن فوقه لمن دونه، وقد سخَّر الأئمة لكشف هذه الأخطاء في كثير من الأحيان علم مقارنة المرويات، فانتظمت هذه الأخطاء وبيانها في سلك علم (علل الحديث) (١).
وربما وقع التصريح بالتحديث خطأ من الراوي نفسه، كأن يكون تغير، أو لم يضبط اسم شيخه فسماه بآخر لم يسمع منه، كما ذكر أحمد عن وهيب قال:
стр. 112
"أتيت عطاء بن السائب فقلت له: كم سمعت من عبيدة؟ قال: ثلاثين حديثاً، قال: ولم يسمع من عبيدة شيئاً، قال: ويدل ذلك على أنه قد تغير" (١).
وذكر أحمد، وابن معين، وأبوحاتم أن زهير بن معاوية سمع من صالح ابن حيان، فقلب اسمه إلى واصل بن حيان (٢).
وكذلك اعتنى الأئمة بالنص على الراوي الذي يخطئ على شيخه في صيغ الأداء، فيذكر عنه التصريح بالتحديث، وهو لم يسمع ممن روى عنه، مثل المبارك ابن فضالة مع الحسن البصري (٣).
وكثيراً ما يشير الأئمة في عباراتهم إلى أخطاء التصريح بالتحديث، فيقولون في الراوي مثلاً: لم يصح له سماع من فلان، أو لا يثبت له سماع من فلان، أو إنما صح له السماع من فلان وفلان، ونحو هذه العبارات، أو يسأل عن سماع شخص من آخر فيقول: أما عن ثقة فلا، أو يسأل عن صحبته فيقول: أما صحيحة فلا، أو ينقل الإمام عن إمام آخر أنه كان ينكر سماع راوٍ من آخر، ونحو ذلك (٤).
стр. 113
ويشبه أخطاء التصريح بالسماع واللقي ما يأتي عن الرواة من ألفاظ موهمة للسماع أو اللقي، ولا يقصد بها ذلك، مثل أن يقول الراوي: قدم علينا فلان، أو خطبنا فلان، وهو يقصد قومه، أو أن فلاناً حدثهم، وهو يقصد الناس.
مثال ذلك: قول أحمد: "الأسود بن سريع ما أرى سمع منه الحسن، وذاك أن يونس يقول: حدثهم" (١).
وقال إسحاق بن منصور: "وسألته - يعني ابن معين - قلت: خليد العصري لقي سلمان؟ قال: لا، قلت: إنه يقول: لما ورد علينا، قال: يعني البصرة" (٢).
وقال محمد بن البراء: "قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة استعمله عليها علي ﵄ وخرج إلى صفين، وقال لي عن حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة - إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع بن مسعود" (٣).
ويؤكد ما تقدم أن النقاد استخدموا القرائن لنفي السماع مع المدلسين
стр. 114
أيضاً، كما في ترجمة الحسن البصري، وقتادة، وغيرهما، مع أنهم - بالاتفاق - لا يثبت لهم السماع إلا بالعلم به، ولم يكتف النقاد بأن يقولوا في حقهم: لم يرد التصريح بالتحديث.
ثم إن الوجه الثاني هذا يمكن دفعه من أصله، وذلك بقلب السؤال، فيقال: نرى الأئمة حين يريدون إثبات السماع ينصون أحياناً على العلم به، فيقولون مثلاً: يقول في حديثه: سمعت، أو يقول: حدثنا، فلو كان مجرد إمكان اللقي كافياً لكان الناقد يكتفي به، فيثبت سماعه معتمداً عليه، مع عدم وجود ما ينفيه.
فإن قيل في الجواب: إنما ينص الناقد على العلم بالسماع حين يحتاج إلى ذلك، مثل وجود قرينة على عدم السماع، ثم له أن يفعله وإن لم يوجد ذلك، إذ بالاتفاق أن العلم بالسماع أقوى من مجرد الحكم به اعتماداً على إمكان اللقي، وعدم المعارض، وهذا الجواب هو ما نجيب به على الوجه الثاني هذا، وهو أنه يستخدم القرينة للنفي - وإن لم يحكم بالسماع إذا عدمت - لأن النفي مع وجودها أقوى وآكد، ثم قد يحتاج إليها لدفع دليل على السماع لم يره صحيحاً، كالتصريح خطأ بالتحديث.
الوجه الثالث: جاء عن النقاد نصوص كثيرة فيها إثبات السماع بالقرائن، لا ذكر للتصريح بالتحديث فيها، وهذا يدل على أن التصريح بالتحديث دليل من الأدلة، وليس الاعتماد عليه وحده، وذلك كأن يسأل الإمام عن سماع شخص من آخر، فيجيب بأنه قد أدركه، أو بأنه قديم يمكنه السماع منه، أو يذكر أن من هو أصغر منه قد سمع منه، أو يذكر أن المسؤول عنه قد سمع من شخص مات قبل من روى عنه في السؤال، ونحو ذلك.
стр. 115
ولاشك أن هذه النصوص أهم ما يمكن أن يتمسك به من يقول: إن الأئمة يكتفون بالقرائن، وقد رأيتها مشكلة على كثير من الباحثين، مع أن المتمعن فيها وفي سياقها، مقارناً لها بالنصوص الأخرى للنقاد التي تدل على اشتراطهم العلم بالسماع لا يجد فيها إشكالاً، فمنهجهم واحد منضبط لا ينخرم، فهذه النصوص تؤول إلى اشتراط العلم بالسماع، إذ القرائن على إثبات السماع أو نفيه بمثابة التمحيص لورود السماع إذا ورد، قبولاً أو رداً.
وأما شرح ذلك فإن ابن رجب أجاب عن هذه النصوص وأمثالها (١) بما ملخصه أنه ليس فيها إثبات السماع بمجرد ما ذكر في أجوبتهم، وإنما يستخدمونها لأمرين:
الأول: تقريب إمكان السماع، فقد يستفاد منه عند الوقوف على تصريح بالتحديث، وأيضاً للتفريق بينه وبين ما لا يحتمل فيه الاتصال، فإذا قالوا: ينبغي أن يكون سمع منه، لأنه قديم، أو قالوا: قد أدركه، ونحو ذلك، فهذا تقريب لإمكان السماع بهذه القرينة.
وعلى هذا حمل ابن رجب قول الترمذي بعد أن أخرج حديثاً لسعيد بن المسيب، عن أنس: " لا نعرف لسعيد بن المسيب رواية عن أنس إلا هذا الحديث، ومات أنس بن مالك سنة ٩٣، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة ٩٥ " (٢).
стр. 116
وحمل عليه أيضاً قول أحمد حين سئل عن أبي ريحانة هل سمع من سفينة؟ فقال: " ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر ".
قال ابن رجب: " لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا" (١).
ومن النصوص التي تؤيد ما أشار إليه ابن رجب، من أن ذكرهم للقرائن قد يكون الغرض منه تقريب السماع قول أحمد في رواية خلاس بن عمرو، عن علي، قال أبو داود: "قلت لأحمد: خلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمار، وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك علياً" (٢).
ومراد أحمد هنا تقريب سماعه من علي، فإنه يروي عنه، وكان في شرطته، وقد سمع من عمار، وعمار مات قبل علي، لكن ليس في كلامه هذا إثبات السماع، فقد قال في رواية: "خلاس، عن علي: كتاب" (٣)، وفي رواية: "كان من شرطة علي، وروايته عن علي يقال: كتاب" (٤).
ومن ذلك أيضاً قول أبي حاتم حين سئل عن سماع الحسن من محمد بن
стр. 117
سلمة: "قد أدركه " (١).
وقوله في أبي إدريس الخولاني: "ويحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع من عوف، والمغيرة أيضاً، فإنه من قدماء تابعي أهل الشام، وله إدراك حسن" (٢).
وقوله حين سئل عن سماع مقسم من عائشة: "قد أدركها" (٣).
ومن ذلك قول البخاري بعد أن أورد قصة ليوسف بن عبد الله بن الحارث مع الأحنف بن قيس: " عبد الله (يعني ابن الحارث) أبو الوليد، روى عن عائشة، وأبي هريرة، ولا ننكر أن يكون سمع منهما، لأن بين موت عائشة، والأحنف بن قيس قريباً من اثنتي عشرة سنة " (٤).
وهناك قصة أخرى تدل على إدراك عبد الله بن الحارث لعائشة فيها دخول عبد الله بن الحارث على زيد بن ثابت بالمدينة (٥)، وموت زيد بن ثابت كان قبل موت عائشة.
ونص البخاري السابق لو استدل به مستدل على أن البخاري لا يثبت السماع بمجرد المعاصرة لم يكن ذلك بعيداً، ذلك أنه لم يخرج لعبد الله بن الحارث عنهما شيئاً، وقد أخرج مسلم له عنهما حديثين (٦)، وحديث عائشة رجاله على
стр. 118
شرط البخاري، وهو أصل في بابه، لم يخرج ما يقوم مقامه، وكذلك حديث أبي هريرة أصل في بابه، إلا أنه من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، ويوسف لم يخرج له البخاري شيئاً، وأخرج البخاري حديث عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، وقد صرح بالسماع منه (١)، فمراد البخاري إذاً تقريب سماع عبد الله بن الحارث منهما لا إثباته.
ومما يدل على أن ذكرهم للإدراك إنما هو تقريب للسماع استخدامهم له مع من هو كثير الإرسال، كما في قول أبي حاتم في المطلب بن عبد الله وروايته عن جابر، بعد أن عد جماعة من الصحابة غير جابر يرسل عنهم: " يشبه أن يكون أدركه " (٢)، وفي موضع آخر قال: " لم يسمع من جابر " (٣).
فأبو حاتم يقرب سماعه منه من جهة السن، وأنه يشبه أن يكون أدركه، ثم ينفي سماعه منه لعدم ثبوته.
الثاني: استخدام هذه القرائن لتأكيد صحة تصريح بالتحديث قد ورد، فليس الحكم مبنياً عليها وحدها.
وأشار ابن رجب إلى أن القرائن كما تستخدم في الدلالة على خطأ تصريح بالتحديث - وقد تقدم شرح هذا - فكذلك تستخدم في تأكيد صحة تصريح بالتحديث.
قال ابن رجب: "قال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من
стр. 119
سعيد بن جبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء، كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح بسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيراً ما يرد التصريح بالسماع ويكون خطأ، وقد روى ابن مهدي عن شعبة: سمعت أبا بكر بن محمد بن حزم، فأنكره أحمد، وقال: لم يسمع شعبة من أحد من أهل المدينة من القدماء ما يستدل به على أنه سمع من أبي بكر إلا سعيداً المقبري، فإنه روى عنه حديثاً، فقيل له: إن المقبري قديم، فسكت أحمد " (١).
وما استظهره ابن رجب من كون أحمد ذكر القرينة للاستدلال بها على صحة تصريح بالتحديث وقف عليه قوي جداً، يدل عليه جزمه بالسماع منه، ولم يكتف بذكر القرينة، وقد قال أحمد في محمد بن سوقة أيضاً: "قد سمع من نافع ابن جبير، حدثناه ابن عيينة" (٢).
وقد جاء تصريحه بالتحديث من نافع بن جبير، وسئل عن مكان لقيه له فأخبر بذلك (٣).
وما ذكره ابن رجب من استخدام القرائن لتأكيد صحة تصريح بالتحديث تدل عليه نصوص عن النقاد، فمن ذلك قول أبي داود: " سمعت أحمد قال: أبو الأشهب ثقة قديم، حدثنا يحيى، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء،
стр. 120
ذكرت له قول من قال: أبو الأشهب لم يلق أبا الجوزاء" (١).
ومعنى كلام أبي داود أنه سأل أحمد عن قول من قال: إن أبا الأشهب لم يلق أبا الجوزاء، فرده أحمد بأن أبا الأشهب قديم، وقد جاء تصريحه بالسماع من أبي الجوزاء بإسناد صحيح، وهو ما رواه يحيى القطان عنه.
وكذا جاء تصريح أبي الأشهب بالتحديث من رواية مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عنه، وذلك في " صحيح البخاري " (٢).
ومن ذلك أن الدارقطني سئل عن سماع ابن لهيعة، عن الأعرج، فقال: "صحيح، قدم الأعرج مصر وابن لهيعة كبير" (٣).
فالقرينة التي ذكرها الدارقطني ليس المراد بها إثبات السماع بمجردها، ولا يصح أن يستدل بها على أنهم يثبتون السماع بمجردها، ولابد من النظر في كيفية رواية ابن لهيعة، عن الأعرج، فإذا تبين أنه يصرح بالتحديث عنه، فالاعتماد حينئذ على هذا التصريح، وهذه القرينة تؤكده، وتدل على صحته، ليس فيها أكثر من ذلك، وإن كان الناظر فيها لأول وهلة قد يظن أن الاعتماد في إثبات السماع على هذه القرينة، ولقيا ابن لهيعة للأعرج وسماعه منه معروف (٤)، وتتبع روايات
стр. 121
ابن لهيعة، عن الأعرج، أفاد أنه يصرح بالتحديث عنه في أحاديث كثيرة (١).
ومثله ما رواه أبو داود، قال: " قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه، قال أحمد: وقتادة يدخل - يعني الحسن وعمران - بينهما هياج " (٢).
فذكر أحمد أولاً قرينة تدل على أنه سمع منه، وهي أن ابن سيرين قد سمع منه في رأي أحمد، وهو أصغر من الحسن بعشر سنين، ولم يرد أحمد إثبات السماع بمجرد ذلك، وإنما أراد بها أن ما ورد من التصريح بسماع الحسن من عمران بن حصين غير مستبعد، ولهذا قال أحمد: " ما أنكره "، وورود لقائه له وتصريحه بالسماع منه مشهور عند الأئمة، إلا أن أكثرهم على تخطئة هذا (٣)، ولعل أحمد عاد إلى تخطئته في نهاية الجواب، فإنه ذكر قرينة على عدم السماع، وهي إدخال واسطة بينه وبين عمران، وقد جاء عن أحمد روايات أخرى فيها إنكاره لتصريحه بالتحديث عن عمران (٤).
стр. 122
ويشبه ذلك في تعارض القرائن عند الناقد لترجيح صواب تصريح بالتحديث أو ترجيح خطأ ذلك - ما رواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك الغفاري، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ في التيمم (١)، ورواه جماعة منهم شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري، عن عمار في التيمم، غير مرفوع في أكثر الروايات (٢)، هكذا بدون واسطة بين أبي مالك، وعمار، وصرح أبو مالك بسماعه من عمار في رواية شعبة، فسأل ابن أبي حاتم والده عن سماع أبي مالك من عمار، قال ابن أبي حاتم: " قلت: فأبو مالك سمع من عمار شيئاً؟ فقال: ما أدري ما أقول لك! ، قد روى شعبة، عن حصين: سمعت عماراً، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه، وسلمة أحفظ من حصين، قلت: ما تنكر أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة" (٣).
فاستخدم أبو حاتم أولاً قرينة لتصحيح التصريح بالسماع، وهي حرص
стр. 123
شعبة على تفقد السماع والتحقق من ثبوته، ثم عاد فذكر قرينتين على تخطئة هذا التصريح، وهما أن سلمة بن كهيل أحفظ من حصين بن عبد الرحمن، وأن عمار ابن ياسر قديم الوفاة.
وكذا رجح الدارقطني عدم ثبوت السماع، فقال: " وأبو مالك في سماعه من عمار نظر، فإن سلمة بن كهيل قال فيه: عن أبي مالك، عن ابن أبزى، عن عمار، قاله الثوري عنه " (١).
ويؤيد ذلك أيضاً أن جماعة - غير شعبة - رووه عن حصين ليس فيه التصريح بالسماع، فيحتمل أن يكون الخطأ ممن دون حصين، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعاً (٢).
وقد يقول قائل: إذا رأينا الإمام قد استخدم قرينة للدلالة على السماع فمتى نعد هذا تقريباً للسماع، ومتى نعده تصحيحاً للتصريح بالتحديث قد ورد؟
والجواب أن هذا الأمر لا يختلف عن غيره من مسائل هذا الفن، فهو بحاجة إلى النظر في كلام الناقد بمجموعه، فقد يكون في كلامه ما يوضح مراده، وقد يوجد ذلك في كلام النقاد الآخرين، وربما أمكن ترجيح مراد الناقد بالنظر في مرويات الراوي، هل فيها تصريح بالتحديث؟ وهل الأقرب أن يكون الناقد وقف عليه؟
стр. 124
مثال ذلك ما تقدم ذكره عن ابن رجب في تعليقه على جواب أحمد حين سئل عن سماع أبي ريحانة من سفينة، وقوله: "ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر"، علق عليه ابن رجب بقوله: "لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، ليس في كلامه أكثر من هذا".
وهذا التعليق صحيح لا إشكال فيه، فليس في كلام أحمد هنا أكثر مما ذكره ابن رجب، فإذا وقفنا على كلام آخر لأحمد في إثبات السماع أو في نفيه فهذا قدر زائد على هذا النص، يفسر به، وكذلك لو وقفنا على تصريح بالتحديث من أبي ريحانة، والظن الغالب أن أحمد قد وقف عليه واستحضره في الجواب - فهذا يفسر به كلام أحمد أيضاً، وأن مراده إثبات السماع بالأمرين.
وتصريح أبي ريحانة بالتحديث عن سفينة موجود عند أحمد في "مسنده" (١).
وقد نظرت في النصوص التي استدل بها جمع من الإخوة الباحثين على أن النقاد يكتفون بالقرائن لإثبات السماع، فرأيتها لا تخرج عما تقدم، فهي إما لتقريب السماع، أو لتأييد تصريح بالتحديث قد ورد، وسقت فيما مضى آنفاً بعض هذه النصوص التي يستدلون بها، وسأذكر الآن مجموعة أخرى من هذه النصوص وأتكلم عليها، ولولا خشية الإطالة لسقت كافة ما وقفت عليه، ولكني أكتفي ببعضها ليستدل بها على ما وراءها.
فمن ذلك قول علي بن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي
стр. 125
زيد بن ثابت؟ قال: وما ينكر أن يكون قد لقيه؟ قلت: روى عن أبي صالح، عن زيد بن ثابت، قال: قد روى شقيق عن رجل، عن عبد الله" (١).
علق عليه أحد الباحثين بقوله: "طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه".
كذا علق عليه الباحث، وقد ذكر قبل ذلك أن إدخال الراوي بينه وبين من يروي عنه رجلاً قرينة على عدم السماع، يراعيها الأئمة، وعلى هذا فلابد من شيء يدفع هذه القرينة، وظاهر جداً هنا أنه ورود السماع، وذلك لأن المثال الذي ضربه القطان لعلي بن المديني هو كذلك، فهو يقول: شقيق قد سمع من عبدالله، وروى عنه شيئاً كثيراً، وقد روى عن رجل عنه، وأراد بذلك أن يدفع ما وقع في نفس ابن المديني من الاستدلال بإدخال الواسطة على تخطئة السماع الوارد.
ويدل عليه أيضاً أنه قد جاء عن بسر بن سعيد رؤيته لزيد بن ثابت (٢)، فلا يبعد أبداً أن يكون قد جاء عنه التصريح بالسماع، وهو موضع الحوار.
ومما يؤكد هذا أيضاً حال راو آخر مع زيد بن ثابت، وهو عروة بن الزبير، فقد روى عنه، وروى عن رجل عنه، ولكن لكون السماع لم يرد فلم يتردد القطان في الجزم بكونه لم يسمع منه، مع قوة القرائن الأخرى على السماع، نقل
стр. 126
عنه ابن المديني قوله وهو يعدد من روى عن زيد بن ثابت من أهل المدينة ولم يسمع منه: "وعروة بن الزبير، روى عن زيد بن ثابت، وروى عمن روى عنه، وقد روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سمع أبا حميد بحديث الصدقة، فقال أبو حميد: سمع إذنيه، وبصر عينيه، وسلوا زيد بن ثابت فقد سمعه معي، فهذا يدل أن عروة سمع هذا من أبي حميد وزيد حي" (١).
ومن ذلك أيضاً أن أحمد في "المسند" حدث بحديث قال فيه: حدثنا محمد ابن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة ... ، فقال عبدالله بن أحمد: "قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: كان أصله شامياً، سمع منه بالشام" (٢).
علق عليه أحد الباحثين بقوله: "لعل الشبهة دخلت على عبدالله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهاناً كافياً على إثبات الاتصال".
كذا قال الباحث، وهو قد ذكر قبل هذا أن اختلاف البلدان ولا رحلة لأحدهما دليل على أنه لا سماع بينهما، وكلامه في المكانين ينقض بعضه بعضاً، وبيانه أن عبدالله بن أحمد قبل أن يعرف أن محمد بن يزيد أصله شامي، فهو عنده واسطي قد قام الدليل عنده على أن الرواية بينهما غير متصلة، وأنه لا سماع،
стр. 127
فلابد أن يكون عنده دليل يرفع هذه القرينة، وهو ثبوت السماع، لأنه يقول: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ فهذه صيغة سؤاله، ولو كان كما يريد الباحث لقال: هل سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ فالسؤال إذاً عن سماع معروف ثابت.
وأيضاً محمد بن يزيد في طبقة متأخرة، شيخ لأحمد، فمن المستبعد جداً أن لا يكون أحمد يعرف أنه سمع من عثمان، وليس يروي عنه فقط، هذا أمر ظاهر، فالحوار كله إذاً عن سماع ثابت معروف.
ومن ذلك أيضاً ما تقدم عن أحمد في ترجيح سماع عمرو بن دينار، من سليمان اليشكري، فقد أوهم أحد الباحثين وهو يستدل به أن الاعتماد على مجرد المعاصرة، وليس كذلك، فإن أحمد إنما اعتمد على كون الراوي عن عمرو هو شعبة، ولهذا ذكره في الجواب، والأئمة يستدلون بهذا على أن شعبة قد علم السماع، كما تقدم آنفاً في كلام أبي حاتم على سماع أبي مالك الغفاري من عمار.
ويؤكد هذا أن أبا بشر جعفر بن إياس قد روى عن سليمان بن قيس، وهو معاصر له، بل قيل إنه في كُتَّاب سليمان بن قيس (١)، ومع هذا فلم يثبت أحمد سماعه منه، قال أبو داود: " سمعت أحمد يقول: بعضهم يقول: سليمان - يعني اليشكري - لم يسمع منه أحد، قال: روى عنه أبو بشر، فلا أدري أسمع منه أم لا؟ ، وروى عنه عمرو بن دينار حديثاً، فإن كان سمع أحد - يعني من سليمان - فهو، قال أحمد: قتل سليمان في فتنة ابن الزبير " (٢).
стр. 128
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: عباس بن سهل أدرك أبا حميد؟ قال: عباس قديم" (١).
استدل بهذا النص أحد الباحثين كذلك على أن الأئمة يكتفون بالقرائن لإثبات السماع، ولا يصح الاستدلال به أبداً، فإن السؤال عن الإدراك، فالجواب موافق للسؤال، ولو افترضنا أن الإدراك هنا مراد به السماع - وهو أحد معانيه الواردة في كلام النقاد - فلا دلالة فيه أيضاً، فسماع عباس بن سهل من أبي حميد مشهور (٢)، فالقرينة إذاً تقريب للسماع الوارد وتأييد له.
وقال الدوري: " سمعت يحيى يقول: قد سمع ابن سيرين بالكوفة الحديث، سمع من عبيدة ونحوه، وسمع من شريح، قلت ليحيى: إن ابن شبرمة يروي عن ابن سيرين، قال: دخل الكوفة في وقت لم يكن ابن شبرمة، ولكن لعله سمع منه في الموسم، قال هذا أو نحوه " (٣).
علق على هذا النص أحد الباحثين بعد أن ذكر الجزء الأخير منه مستدلاً به على الاكتفاء بالقرائن بقوله: " يقول ابن معين ذلك، لأن ابن سيرين لم يكن مكثراً من الرواية عمن عاصره ولم يلقه ".
كذا قال الباحث، وصوابه: " لأن ابن شبرمة لم يكن مكثراً ... "، فالرواية لابن شبرمة وليست لابن سيرين، وليس هذا موضع المناقشة، فجلَّ
стр. 129
من لا يسهو، وإنما المناقشة في دعوى الاكتفاء بالمعاصرة في هذا النص، ذلك أن الباحث نفسه معترف بأن من القرائن على عدم السماع اختلاف البلدين، ولا رحلة لأحدهما إلى بلد الآخر، أو له رحلة في وقت لم يكن فيه الآخر، فالعنعنة مع وجود هذه القرينة محمولة على الإرسال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون إثبات السماع بناء على وروده، لا على القرائن.
وقد يجيب بأنه يحتمل أن يكون ابن معين اعتمد على قرينة أخرى أقوى من هذه، وتعارض القرائن أمر وارد، وهذا الجواب غير نافع، إذ للمخالف أن يقول: ابن معين لم يذكر قرينة أخرى، والاحتمال الأقرب أن يكون اعتمد على التصريح بالتحديث، لأنه لو كان الاعتماد على قرينة لذكرها، ليدفع بها قرينة عدم السماع، فالأظهر أنه وقف على تصريح ابن شبرمة بالتحديث، وهذا هو الذي يفهم بداءة من قوله: " لعله سمع منه في الموسم".
على أن النص غير محتاج إلى هذا كله، بعد أن أمكن الوقوف على نصوص في دخول ابن شبرمة على ابن سيرين، وتصريحه بالسماع منه (١)، فالسؤال بلا تردد كان عن سماع معروف عندهم.
ومثل هذا النص عن ابن معين نص آخر عنه، استدل به أيضاً هذا الباحث، قال ابن الجنيد: " قلت ليحيى: حماد بن سلمة دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة، قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟ قال: قدم عليهم عاصم،
стр. 130
وحماد بن أبي سليمان، والحجاج بن أرطاة، قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع، لو كان دخل الكوفة لأجاد عنهم " (١).
ولم يعلق الباحث على النص بشيء، والاعتماد على هذا النص وأمثاله يدل على أنه يتخبط فيما يستدل به، ولا زلت في حيرة من استدلاله بهذا النص، إذ ظاهر جداً أن السؤال عن لقي معلوم ثابت، فالسؤال عن مكانه، وهؤلاء المذكورون من شيوخ حماد المعروفين، تصريحه بالتحديث عنهم قد ملأ السهل والجبل، ويكفي من ذلك ما في " مسند أحمد " (٢)، وحماد بن سلمة بصري، وهؤلاء كوفيون فهذه قرينة على عدم السماع، لا يرفعها إلا وروده.
وروى الترمذي حديثاً من رواية عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، ثم قال الترمذي: " سألت محمداً عن هذا فقلت له: أترى هذا الحديث محفوظاً؟ قال: نعم، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم " (٣).
استدل به أكثر من باحث على إثبات السماع بمجرد القرائن، وكأنهم فهموا من الحفظ هنا تصحيح الحديث، وبنوا عليه تصحيح السماع، وليس الأمر كذلك، إذ هذا الحديث قد اختلف فيه على زيد بن أسلم راويه عن عطاء بن
стр. 131
يسار، وجعله عن أبي واقد الليثي أحد الأوجه فيه (١)، فسأل الترمذي البخاري: هل هذا الوجه محفوظ؟ أي عن زيد بن أسلم، ثم أنشأ الترمذي يسأله عن إدراك عطاء بن يسار لأبي واقد.
ثم إنه ليس فيه إثبات السماع بالإدراك والمعاصرة، وليس هو بمحتاج إلى تأويل، فظاهره يدل على أن البخاري يقرب السماع بالإدراك، ليس فيه أكثر من هذا، وقد ورد تصريحه بالسماع منه (٢)، فيحتمل أن البخاري يشير بهذه القرينة إلى هذا التصريح الوارد، وأنه يقويه، ويحتمل أنه لم يقف عليه، فكلامه في الحالين ليس فيه إلا تقريب السماع.
ثم إن الاستدلال بنصوص النقاد التي قد يبدو منها اكتفاؤهم بالقرائن مدفوع من أساسه، وذلك إذا لاحظنا أن النقاد استخدموا هذه القرائن في سماع المدلسين من بعض شيوخهم، دون النص على التصريح بالتحديث، وقد جرى الاتفاق على أن المدلس المعروف بالرواية عمن عاصرهم ولم يلقهم خارج محل النزاع، فلابد من مطالبته بالتصريح بالتحديث، فإذا كان النقاد استخدموا هذه القرائن مع المدلس، ولم يكن هذا كافياً لإثبات السماع بالاتفاق، فلا يصح حينئذ الاستدلال ببعض النصوص التي قد يبدو من ظاهرها اكتفاؤهم بالقرائن مع غير المدلس.
стр. 132
وهؤلاء الإخوة الباحثون الذين ذهبوا إلى أن الأئمة يكتفون بالقرائن ووقفت على كلامهم كلهم - بلا استثناء - يحشدون نصوصاً قالها النقاد في المدلسين، مع إقرار هؤلاء الباحثين أن المدلس لابد من مطالبته بالتصريح بالتحديث.
فمن هذه النصوص التي أوردوها كلام أحمد المتقدم في سماع الحسن البصري من عمران بن حصين.
وقول أبي حاتم في الحسن أيضاً حين سئل هل سمع من محمد بن مسلمة؟ : "قد أدركه" (١).
وكذا قال البزار: " روى الحسن عن محمد بن مسلمة ولا أبعد سماعه منه". (٢).
والحسن البصري من أشهر من عرف عنه الإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه.
ومن النصوص كذلك قول أحمد حين سأله ابنه عبد الله عن سماع قتادة من عبد الله بن سرجس: " ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول" (٣)، وقال عبد الله مرة أخرى: " قيل: (يعني لأبيه): سمع قتادة من عبد الله بن سرجس؟ قال: نعم، قد حدث عنه هشام - يعني قتادة عن عبد الله بن سرجس - حديثاً
стр. 133
واحداً، وقد حدث عنه عاصم الأحول " (١).
وقتادة كذلك مشهور جداً بالإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه.
وقول أحمد أيضاً حين سئل عن سماع ابن إسحاق من عطاء بن أبي رباح: "نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح" (٢)، وابن إسحاق مشهور بالتدليس، بل قد جاء عن أحمد نصوص كثيرة فيها أن ابن إسحاق إذا قال: قال فلان، وذكر فلان - فلم يسمعه (٣) - فكيف يثبت سماعه بمجرد القرينة؟
ويلتحق بالنصوص عن المدلسين ما جاء فيمن هو كثير الإرسال، مثل قول أبي زرعة حين سئل عن سماع المطلب بن عبد الله بن حنطب من عائشة: " نرجو أن يكون سمع منها " (٤).
علق عليه أحد الباحثين بقوله: " فلو كان أبو زرعة يقوي احتمال السماع بناء على نص يدل عليه لما أجاب بهذا الجواب، ولقال: نعم، قد سمع منها".
стр. 134
كذا قال، ولمخالفه أن يقول: ولو كان أبو زرعة يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي لما تردد أيضاً، ولقال: نعم سمع منها، فليس في كلام أبي زرعة سوى تقريب السماع وهذا هو موضع المناقشة هنا، فإن المطلب بن عبد الله من أشهر الرواة رواية عمن لم يدركه، وعمن عاصره ولم يلقه، فلو قال قائل: إنه بالنظر إلى ما رواه منقطعاً وما رواه متصلاً هو أشهر من يروي المراسيل، ويحدث عمن لم يلقهم، لما كان قوله بعيداً، ولولا خوف الإطالة لنقلت نصوص النقاد فيه، فإذا كان مثل هذا الراوي يكتفى فيه بالمعاصرة، وإمكان اللقي، وبالقرائن، ولا يشترط أن يصرح بالتحديث انفلتت المسألة، ولم يعد لها زمام، فلابد من حمل كلام أبي زرعة على أنه تقريب للسماع لا إثبات له، ويحتمل على بعد أن يكون وقف على تصريح بالتحديث تردد فيه.
وإنما قلت: على بعد، لأن جمهور النقاد على أنه لا يثبت له سماع من أحد من الصحابة، سوى قوله: حدثني من شهد النبي ﷺ ، نص عليه البخاري، والدارمي، بل نص أبو حاتم على أنه لم يدرك عائشة (١).
وفي ختام الكلام على هذه المسألة العويصة أنبه على مسائل:
المسألة الأولى: قال ابن القطان في كلام له على حديث من رواية مسروق، عن معاذ، ضعفه عبدالحق بأن مسروقاً لم يلق معاذاً، ولا ذكر من حدثه به - ما نصه: "فهما - أعني البخاري وابن المديني - إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر إنه منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع
стр. 135
فلان من فلان، فإذاً ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان، أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يعلم اتصال ما بينهما، وأما الثالث -وهو أنه منقطع- فلا، فاعلم ذلك، والله أعلم" (١).
وإلى مثل هذا مال الباحث الأخ خالد الدريس، وأيده بشيئين، الأول: بقول مسلم في حكاية مذهب مخالفه: "فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئاً - لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك - والأمر كما وصفنا - حجة، وكان الخبر عنده موقوفاً حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر" (٢)، وقول مسلم أيضاً حكاية عن مخالفه: "فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء - ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد، فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة، لإمكان الإرسال فيه" (٣).
والثاني: أن عبارة البخاري فيما ثبت عنده الانقطاع جازمة، كأن يقول: لم يسمع منه، وأما ما لم يثبت فيه الاتصال مع إمكانه فليست كذلك، كأن يقول: لا يعرف سماع فلان من فلان، أو لم يذكر سماعاً، ونحو ذلك.
ثم عقب على ذلك بقوله: "ومن تأمل هذا الموضع يتضح له الفرق بين المنقطع المعلوم الانقطاع، وبين ما لم يثبت فيه السماع فلا يسمى منقطعاً، كما قال ابن القطان، لأن من لم يثبت له سماع ممن روى عنه ففي ذلك شبهة عدم اتصال
стр. 136
السند، أما المنقطع فعدم الاتصال يكون محل يقين وجزم" (١).
وأما الذهبي فإنه تعقب عبارة ابن القطان السابقة بقوله: "قلت: بل رأيهما دال على الانقطاع" (٢).
وما قاله الذهبي هو المترجح، بل هو القول الذي لا يصح غيره، والقول بأن هناك أسانيد ليست متصلة ولا منقطعة بعيد جداً، فالإسناد في واقع الأمر إما متصل أو منقطع، وهو كذلك في نقد الناقد، فالأصل أن الراوي لم يلتق بمن روى عنه ولم يسمع منه، حتى يقف الناقد على ناقل عن هذا الأصل، والناقل هو ثبوت السماع، أو إمكانه عند من يقول به، فإذا لم يكن شيء من ذلك بقي على الأصل وهو الانقطاع.
وما نقله الباحث خالد الدريس عن مسلم إنما يتعلق بالاحتجاج بالحديث، وأنه يتوقف فيه ولا يحتج به، ولو قيل إن المقصود به درجة الحديث فهذا لا يؤثر شيئاً أيضاً، فالتوقف فيه حتى يوقف على السماع، فإذا لم يوقف بعد بحث رجع الأمر إلى الانقطاع.
ومن تأمل ما ينص الأئمة فيه على التوقف في هذه القضية وغيرها تبين له أن مآل التوقف إما إلى القبول إن انزاحت العلة، أو إلى الرد إن بقيت، لا ثالث لهما.
وأما ما استدل به من اختلاف عبارة البخاري، وكذا ما عقب به فمقتضاه
стр. 137
أن ما حكم الأئمة عليه بعبارة جازمة كقولهم: لم يلق فلاناً، أو لم يسمع منه، أو هو مرسل، أو منقطع فإنه خارج عن موضع الخلاف، وأنه مما لا يمكن فيه سماع الراوي ممن روى عنه، ولذا عبروا بالعبارات التي تفيد الجزم واليقين، وعكسه كذلك، ما عبروا فيه بالعبارات غير الجازمة فالسماع فيه ممكن، وغير خافٍ أن طرد هذا بعيد جداً، يدل عليه أنهم يقولون العبارات غير الجازمة مع المدلسين، ومع المجاهيل الذين لم تعلم معاصرتهم لمن رووا عنه أصلاً، فهل يقال إن أحكامهم هذه أيضاً لا تفيد الانقطاع؟
ولو سلم بهذا الفرق - ولا يسلم به - فغاية ما فيه أنهم أرادوا أن تحمل عباراتهم دليل الانقطاع، إذ قد يكون الدليل هو ثبوت عدم السماع، وقد يكون عدم ثبوت السماع، وكله انقطاع.
المسألة الثانية: رأيت كثيراً من الباحثين في كلامهم النظري، وفي أحكامهم التطبيقية حين النظر في إسناد ما، يأسرهم في تعاملهم مع قضية الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما - استبعاد أن يكون الراوي قد أدرك من حياة من روى عنه قدراً كافياً للسماع منه، وهما جميعاً في بلد واحد، ثم لا يسمع منه، ولا يأخذ عنه، مع حرصهم المعروف على الرواية، وطلب العلم، ومع كون مدنهم في ذلك الوقت غير متسعة، وسكانها ليسوا بالكثرة التي يتصور معها عدم اللقاء بينهما.
فإذا قيل إن فلاناً أدرك من حياة من روى عنه ثلاثين سنة، ثم نفى بعض الأئمة سماعه منه، أو قال: لم يصح له سماع منه، كبر ذلك في عين الباحث، واستغربه، فتجد الباحث مقتنعاً بضرورة اشتراط العلم بالسماع، لكنه يتوقف كثيراً حين تمر به مثل هذه الحالة.
стр. 138
والخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو توحيد نمط الرواية والبحث عنها في جميع العصور، ففي أذهان كثير من الباحثين أن الرواة في العصور الأولى للرواية كان شأنهم كشأن الرواة في العصور اللاحقة، بعد اتساع الرواية، وانتشارها، وتميزها عن غيرها من الفنون، واعتناء الرواة بالرحلة، وبالعلو، والتبكير بالسماع، وغير ذلك، وليس الأمر كذلك قطعاً، وإنما كان الرواة ينقلون المرويات في العصور الأولى بصورة عفوية في الغالب، فالتلميذ هو المنشئ لنفسه، لا يبكر به أحد للسماع، كما صارت الحال فيما بعد، وعليه فلا يستغرب أن يكون طلبه للعلم أصلاً في وقت متأخر.
ثم قد يكون في طلبه للعلم قد اتجه أولاً إلى علوم أخرى، كاللغة، والأدب، وغيرهما.
وقد يلازم الراوي شيخاً له، ومن عداه فإنما يأخذ عنهم دون تقصد، مع كونهم في بلده، فربما أخذ عن بعضهم، ولم يأخذ عن البعض الآخر، فكيف بمن هم في البلدان الأخرى؟ .
ولترسيخ هذه النظرة المهمة جداً في التعامل مع هذه القضية يحسن بالقارئ أن يعود إلى ما تقدم نقله عن الأئمة في إثبات إدراك الراوي لمن روى عنه، لكنه لم يلقه، بل ربما يثبتون رؤيته له، أو دخوله عليه، وينفون أخذه عنه، ومن هذه النصوص ما هو عن الرواة أنفسهم.
وأذكر الآن شيئاً من هذه النصوص مما لم يتقدم ذكره، فقد روى أحمد بإسناده عن ابن عون قوله: "قد رأيت عطاء، وطاوساً" (١)، قال أحمد: "ولم
стр. 139
يحمل عنهما" (١).
وقال ابن المديني في مسروق بن الأجدع: " صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعلياً - ولم يرو عنهم شيئاً - وزيد بن ثابت، وعبد الله بن المغيرة" (٢).
وروى محمد بن عبد الرحمن، عن ابن المديني أنه أثبت سماع ابن سرين من أبي هريرة، وابن عمر، وجندب، وأنس، قال محمد: "فقلت له: رافع، فقال: لا، ولا من زيد بن ثابت سماع شيء - إلا أنه قد رآه حين دخلوا عليه، فقال: هذا وهذا لأم - قط- ولم يحفظ عنه شيئاً " (٣).
وقال أبو حاتم: " كان عمر بن عبدالعزيز والياً على المدينة، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد حيين، فلو كان حضرهما لكتب عنهما" (٤).
وقال الذهبي: "ولقد كان (يعني هشام بن عروة) يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية" (٥).
وقال أيضاً في أيوب السختياني: "وقد رأى أنس بن مالك، وما وجدنا له عنه رواية، مع كونه معه في بلده، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة" (٦).
وروى وكيع، عن الأعمش قوله: "رأيت أنس بن مالك، وما منعني أن
стр. 140
أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي" (١).
وروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة قوله: "لولا الشعر لجئتكم بالشعبي" (٢).
ومراده أنه أولاً كان يطلب الشعر ويتتبعه، ثم بعد ذلك طلب الحديث، فلو كان ابتدأ بطلب الحديث لأخذ عن الشعبي، لأنه يمكنه ذلك (٣).
وروى ابن معين، عن عباد بن عباد قوله: " لم يمنع هشيماً من أن يسمع من سعيد بن أبي عروبة إلا الكبر والأنفة" (٤).
وروى صالح بن أحمد، عن علي بن المديني قوله: " قلت لسفيان: كنت جالست عمارة بن غزية؟ قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئاً" (٥).
وقال عمرو بن علي: " سألت أبا الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب ابن سريج، فقال: كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئاً" (٦).
стр. 141
ومن نظر في ترجمة (صالح بن كيسان) وكون كثير من شيوخه أصغر سناً منه، بسبب تأخره في طلب الحديث، واشتغاله بالشعر واللغة رأى عجباً (١).
وقال عبد الله بن أحمد: "سألته (يعني أباه) عن أيوب سمع من أبي عثمان النهدي وقلت له: إن خلفاً البزار يقول: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، فقال: روى عنه حديثين، وقال: حدثنا مؤمل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: كان أبو عثمان لي صديقاً، فما حفظت عنه إلا حديثين" (٢).
وحال الرواية في العصور الأولى يلخصه هشام بن يوسف قاضي صنعاء - مع تأخر عصره نسبياً - بقوله: " كان معمر هاهنا عندنا عشرين سنة، حي صحيح، وما كتبنا عنه إلا اليسير، ولو علمنا أنه يكتب عنا، ويرحل إلينا لكنا أشد طلباً، وأحرص عليه " (٣).
ومما يؤكد ما تقدم أن هذا الأمر ظل موجوداً حتى في عصر ازدهار الرواية، والحرص على السماع، والرحلة إلى البلدان.
فمن ذلك قول أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب بن سريج: "كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئاً " (٤).
وقال أحمد: "رأيت الأشجعي - ونحن عند أبي بدر - ولم أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت بشر بن عمر - يعني الزهراني - وكان إنساناً غلقاً سيئ الخلق، فلم يقدر أن أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت زافر بن سليمان، ولم أكتب عنه شيئاً ... ،
стр. 142
ورأيت عبد الله بن معاذ الصنعاني ولم أكتب عنه شيئاً، ورأيت مبارك بن سعيد ابن مسروق أخا الثوري - من ذاك الجانب - فلم أكتب عنه شيئاً، ورأيت عمران ابن عيينة، ولم أكتب عنه شيئاً، ورأيت نهشل بن حريث العدوي، ولم أكتب عنه شيئاً، قلت: كيف هو؟ قال: ليس به بأس" (١).
وقال عبد الله: "سألت أبي عن أبي زيد الهروي، فقال: شيخ ثقة، ليس به بأس، لم أكتب عنه شيئاً، وجعل يتلهف عليه" (٢).
وقال عبد الله أيضاً: "سألت يحيى عن إبراهيم بن خالد الصنعاني، فقال: كان صديقاً لي، وكان ثقة، وما كتبت عنه حديثاً " (٣).
وقال ابن معين في محمد بن إبراهيم والد أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة: "رأيته ببغداد، وكان رجلاً جميلاً، ثقة، كيساً، أكيس من يزيد بن هارون، وكان على قضاء فارس، مات قديماً، ولم أكتب عنه شيئاً" (٤).
وسأل البرذعي أبا زرعة إن كان قد لقي إسماعيل بن أبي أويس، فقال: "دخلت المدينة ثلاث مرات، وهو حي، ولم يقدر لي أن أكتب عنه شيئاً، كان مرة
стр. 143
عليلاً، ومرة متوارياً، وكان مرة غائباً " (١).
وروى الآجري قال: " سمعت سليمان بن الأشعث أبا داود يقول: ولدت سنة اثنتين ومئتين، وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين ... ، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئاً، ورأيت خالد بن خداش ولم أسمع منه شيئاً ... ، قلت: سمعت من يوسف الصفار؟ قال: لا، قلت: سمعت من ابن الأصبهاني؟ قال: لا، قلت: سمعت من عمرو بن حماد بن طلحة؟ قال: لا، ولا سمعت من مخول بن إبراهيم، ثم قال: هؤلاء كانوا بعد العشرين، - والحديث رزق - ولم أسمع منهم" (٢).
ومراد أبي داود بقوله: والحديث رزق - أن سماع الحديث من راو كالرزق، قد يرزقه الشخص، وقد يحرمه، مع قربه منه، وقد سبقه إلى ذلك عمرو بن علي الفلاس، حيث قال: " السماع من الرجال أرزاق" (٣).
ومما يزيد القضية وضوحاً في ذهن القارئ وقوفه على آراء الأئمة في سماع الصغار من آبائهم، وآل بيتهم (٤).
المسألة الثالثة: كان مسلم ﵀ دقيقاً جداً حين حرر محل النزاع، وأنه في رواية راوٍ توافر فيها عدة شروط، كونه ثقة، غير مدلس، عاصر من
стр. 144
روى عنه، وأمكن له لقاؤه والسماع منه، ولم يثبت ذلك صريحاً، ولم يكن هناك دلالة بينة على أنه لم يلقه، أو لم يسمع منه.
وهذه شروط محكمة جداً، تضيق دائرة الخلاف بين مسلم ومخالفه، فإذا لم تتوافر الشروط أو بعضها فإن مسلماً لا يثبت السماع، ولا يحكم بالاتصال.
ومن ذلك قوله في رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس: " ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه " (١).
ومحمد بن علي كان له من العمر عشر سنوات حين وفاة جده (٢)، فالإمكان الحديثي للسماع غير متوافر، وانضم إلى ذلك أنه يروي عنه بواسطة والده (٣).
وقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ممن اختار مذهب مسلم، أو اختار مذهب الجمهور، أو ذهب إلى أنه لا خلاف أصلاً، والإجماع على ما ذكره مسلم، ربما أغفل بعض هذه الشروط، فلم يتحرر عنده محل النزاع، سواء في ذلك حين عرض القولين وأدلتهما، أو حين التطبيق، فربما لم يراع ثقة الراوي، أو تدليسه، أو إمكان سماعه ممن روى عنه، أو معاصرته له، أو وجود التصريح بالتحديث من عدمه.
وقد ذكرت في رسالة " اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن " أمثلة
стр. 145
كثيرة لهذا.
ومن ذلك أيضاً أن أحد الباحثين وهو ممن يذهب إلى أن الجمهور على اشتراط العلم بالسماع ذكر قول أبي زرعة: "عكرمة، عن علي - مرسل" (١)، في معرض سرده لنصوص الأئمة الدالة على الاشتراط، وهذا النص لا يصلح لذلك، فإن عكرمة كان سنه نحو ١٥ عاماً حين قتل علي، وكان علي بالكوفة، وعكرمة بالبصرة، ثم بالمدينة (٢)، فمثل هذا خارج محل النزاع، وروايته مرسلة على جميع الآراء، إذ الإمكان الحديثي الذي ذكره مسلم غير موجود فيها.
ومن ذلك - في دراسة أسانيد معينة - أن عبدالحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام" قد اختار مذهب مسلم - فيما حرره عنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" -، لكنه يضعف أحاديث بعدم معرفة سماع بعض الرواة من بعض، فيتعقبه ابن القطان بأن هذا لا يتمشى مع المذهب الذي اختاره، وإنما يتمشى مع مذهب ابن المديني والبخاري، والملاحظ أن ابن القطان لا يراعي في تعقبه شروط مسلم، كما في حديث ركانة بن عبد يزيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)) (٣)، قال ابن القطان متعقباً عبدالحق حين أعله بذلك بعد أن بيّن ابن القطان أن إعلاله بعدم السماع من كلام البخاري: "البخاري إذا قال ذلك في هؤلاء فعلى