← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142

الاتصال والانقطاع

إبراهيم اللاحم

Полный текст (466 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هذا ما وقفت عليه مما يمكن الاحتجاج به لقول من يقول بوجوب الوقوف عند من وصفهم الأئمة بالتدليس، وعدم رمي من عداهم بذلك، وإن جاءتنا عنه رواية فيها صورة التدليس. ولا شك أنه قول قوي جداً، به يتبين مدى خطورة المبالغة في جمع أسماء المدلسين التي سلكها بعض من ألف في هذا الموضوع، حتى وصل عددهم عند بعض الباحثين إلى ما يزيد على مائتين وثلاثين راوياً، كما تقدم آنفاً، وكثير منهم لم يصفه أحد من الأئمة بالتدليس، وإنما أُخذ ذلك من روايات جاءت عنهم فيها صورة ذلك، حتى أن بعض الباحثين ذكر أئمة أعلاماً مشهورين، لو عرفوا بالتدليس لاشتهر ذلك، ولنوه به الأئمة، فذكر مثل سعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي. مع ذلك فلابد من تأكيد أمر مهم هنا، وهو أنه لا ينبغي حين البحث عن وصف الأئمة لراوٍ بالتدليس الجمود على هذه الكلمة وما اشتق منها، فإذا كان في كلام الأئمة ما يفيد ارتكابه للتدليس كفى لوصفه به، فهنا يقال: ليست العبرة بالألفاظ، وإنما العبرة بالمعاني. مثال ذلك قول أحمد في مغيرة بن مقسم: "كان صاحب سنة، ذكياً حافظاً، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وغيره، وجعل يضعف حديث مغيرة عن إبراهيم وحده" (١).

стр. 212

وقال العجلي: "كان يرسل الحديث عن إبراهيم، فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم" (١). فهذا هو التدليس وإن لم يصرحا به، فهو وقول من وصفه بالتدليس شيء واحد، فقد قال فضيل بن غزوان فيه: "كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم" (٢)، وكذا وصفه النسائي، وابن حبان بالتدليس (٣). ومثله عبدالوهاب بن عطاء الخفاف قال فيه أبوزرعة: "روى عن ثور حديثين ليسا من حديث ثور، وذُكر ليحيى بن معين هذان الحديثان فقال: لم يذكر فيهما الخبر" (٤). فهذا وصف بالتدليس، وهو مرادف لقول صالح جزرة بعد أن ذكر أحد الحديثين: "عبدالوهاب لم يقل فيه: حدثنا، ولعله دلس فيه، وهو ثقة" (٥)، وقول البخاري: "كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير" (٦).

стр. 213

وقد اعتبر ابن حجر قول أحمد في عطاء بن أبي رباح: "رواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول: سمعت"، وصفاً لعطاء بالتدليس (١)، وهو استدلال صحيح، ومع هذا فلم يدخله ابن حجر في أي من كتبه. وقد أكثر ابن حبان في تراجم الرواة من عبارة: "يعتبر حديثه إذا بين السماع في خبره"، أو نحوها (٢)، وهي مفيدة للوصف بالتدليس بلا إشكال، ولهذا فإنه ربما زاد عليها: "فإنه كان مدلساً" (٣). وقال في حق محمد بن صدقة الفدكي: "يعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته، فإنه كان يسمع من قوم ضعفاء عن مالك، ثم يدلس عنهم" (٤). فالمهم هنا هو أن تأكيد الوقوف عند كلام الأئمة في وصف الراوي بالتدليس يضم إليه تأكيد عدم التنطع في قبول كلامهم أو في تفسيره، وعدم الجمود عند كلمة (التدليس)، واشتراط ورودها في كلام الأئمة. وقد رأيت من بعض المشايخ والباحثين بوادر ذلك، فذكر أحد المشايخ حديثاً رواه زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعاً: "عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر" (٥)،

стр. 214

ثم قال بعد أن صححه: "وقد أعل بما لا يقدح، فقد ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" ٢: ٢٦٠ من هذه الطريق، وأنه سأل عنه أباه، فأجابه بقوله: حديث منكر، لم يروه عن محمد إلا الضعفاء: إسماعيل بن مسلم ونحوه، ولعل هشام ابن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، فإنه كان يدلس"، ثم قال الشيخ: "لم أر من رماه بالتدليس مطلقاً، وإنما تكلموا في روايته عن الحسن وعطاء خاصة، لأنه كان يرسل عنهما كما قال أبوداود ... ، وهذا الحديث من روايته عن محمد بن المنكدر، فلا مجال لإعلاله". كذا قال الشيخ، وعلى كلامه مناقشات من وجوه عدة، لكن الشاهد هنا رفضه لوصف أبي حاتم له بالتدليس، فإذا رفض كلام مثل هذا الإمام فمن الذي يقبل كلامه؟ ، ثم إن هشاماً قد سمع من الحسن، وعطاء، فإرساله عنهما هو من التدليس المتفق على تسميته تدليساً، وإن لم يصرحوا بذلك (١).

стр. 215

وذكر أحد الباحثين وصف النسائي ليونس بن عبيد بالتدليس (١)، ثم قال: "لا نعلم أن أحداً قبله وصفه بهذا"، كذا قال الباحث، ووصف النسائي له بالتدليس كافٍ في اعتماد ذلك، على أن في كلام من تقدم النسائي بل من الرواة عن يونس وصفه بذلك وإن لم يصرحوا به، كما سيأتي في آخر المبحث الرابع، بل قد قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر عن شعبة أن يونس بن عبيد يروي أشياء عن الحسن لم يسمعها منه، وإنما أخذها عن أشعث بن عبدالملك: "يعني أن يونس أخذها من أشعث، عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر فيه الخبر" (٢). ومما يوصى به الباحث هنا أن يكون شديد التنقيب والبحث عن كلام النقاد، وألا يكتفي بما جمعه غيره، فلهم كلام كثير لا يزال مفرقاً، مثال ذلك أن ابن حجر قال في ترجمة عمرو بن دينار: "أشار الحاكم في "علوم الحديث" إلى أنه كان يدلس" (٣). وقد أشار إلى تدليس عمرو بن دينار جمع من النقاد المتقدمين، قال عبد الله ابن أحمد: "سئل - يعني أباه - عما روى عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن الزبير، في القراءات: سماع؟ قال: قال ابن عيينة: كان عمرو لا يقول فيها:

стр. 216

سمعت ابن عباس" (١). وقال المروذي: "سألته - يعني أحمد - عن عمرو بن دينار في ابن عباس، وابن عمر، فقال: من الثقات، يحكى عن شعبة أنه قال: ما رأيت أثبت من عمرو ابن دينار، قلت: له أشياء يرسلها، قال: إذا قال: سمعت أو حدثنا، وقد كان يحدث بأشياء عن رجل، عن ابن عباس" (٢)، وعد أحمد ما سمع عمرو من ابن عباس (٣). وكما يوصى الباحث بالعناية بكلام الأئمة في الرواة يوصى أيضاً بالتثبت فيما ينقل عنهم من وصف راو بالتدليس، فقد يكون الخطأ في فهم كلام الناقد، ومما مرَّ بي في هذا الصدد، أن أحد الباحثين في كتاب له في الجرح والتعديل نقل قول ابن عدي في ثابت البناني: "له حديث كثير، وهو من ثقات المسلمين، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه، لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث، ثقة" (٤). علق عليه الباحث بقوله: "هل هذا اللفظ إذا قيل في أحد الرواة يدل على

стр. 217

أن الراوي يدلس؟ ليس ذلك ببعيد، لقوله: "إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه ... "، فإن هذا يدل على أنه يسقط شيخه القريب، ويعنعن عن شيخ بعيد، وإن كان من جملة شيوخه، لكنه ليس بشيخه في هذا الحديث، فمن هنا تكثر المناكير في روايته، أو تقع في روايته، ولو أنه بين شيخه وسماه لكان مستقيم الحديث". كذا قال هذا الباحث، ولا أظنني بحاجة إلى الإطالة في رد كلامه، فليس في كلام ابن عدي رمي بالتدليس، والعبارة - رغم ما فيها من اضطراب، وهو معروف عن ابن عدي - لا تفيد ذلك، فمراده بيان أن ثابتاً إذا صحت الرواية عنه عن مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة، والخلل يأتي من الرواة الضعفاء الذين يروون عنه. ونقل أحد الباحثين عن ابن حجر قوله في إسماعيل بن عياش الحمصي: "أشار ابن معين، ثم ابن حبان في "الثقات" إلى أنه كان يدلس" (١). وأراد الباحث تفسير إشارة ابن معين، وابن حبان، فنقل عن الأول ما رواه عنه محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم" (٢). ونقل عن ابن حبان ما ملخصه أن إسماعيل تغير حفظه لما كبر، فما سمع في

стр. 218

صباه حفظه، وما سمعه في كبره عن الغرباء خلط فيه (١). ثم قال الباحث معلقاً على كلامهما: "ومراد الحافظ بإشارة ابن معين - والله أعلم - أنه يروي عن غير أهل الشام ما لم يسمعه منهم على سبيل التخليط، ولما كان قد سمع من أهل الحجاز وأهل العراق في آخر حياته، وضاعت كتبه أو تغير حفظه، فإنه ربما روى عنهم ما ليس من حديثهم، وهذا هو التدليس، وعلى هذا يمكن أن نصف كل من اختلط من الرواة بالتدليس، لأنه ربما روى عمن سمع منه أو لقيه ما لم يسمعه منه ... ، وإذاً فيمكن أن يروي عن العراقيين حديثاً كاملاً ليس عندهم، وهذا من التدليس الذي تقدم تعريفه ... ". كذا قال هذا الباحث - عفا الله عنه -، بكل سهولة يقرر أن كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله هو مراد ابن حجر بإشارتهما إلى تدليسه، ثم يبني على هذا أنه يمكن أن يوصف كل مختلط بالتدليس، وهذا شيء لم يسبق إليه، وهو من الخطورة بمكان لا يخفى. وكلام الباحث في القضيتين غير دقيق أبداً، فليس في كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله رمي لإسماعيل بن عياش بالتدليس، وفهم ذلك منه بعيد جداً، فما بني عليه من تقعيد لا يصح كذلك، ومراد ابن حجر بإشارتهما ليس هو ما نقله الباحث عنهما.

стр. 219

والذي دفع الباحث إلى هذا هو أنه لم يقف على كلام الإمامين في رميه بالتدليس، فترجمة إسماعيل من "ثقات ابن حبان" ساقطة من المطبوع، ويحتمل أنه لم يترجم له أصلاً، وكلامه فيه ورد عرضاً في ترجمة غيره. وأما كلام ابن معين فهو موجود في " التهذيبين " بعد النص الذي نقله الباحث مباشرة، ولعل الباحث لم يتبين له معناه، لكون ابن معين استخدم مصطلحاً غير مصطلح التدليس. وكلام ابن معين في رميه بالتدليس، ليس في روايته عن أهل الحجاز، بل عمن هو قوي فيهم، وهم أهل الشام، فنقل عنه مضر بن محمد الأسدي قوله: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت" (١). وقد يكون التدليس غير ثابت عمن رمي به، فقد ذكر ابن حجر عمر بن عبيد الطنافسي فيمن وصفهم الأئمة بالتدليس (٢)، وقال أيضاً: "روينا في "الكامل" لابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت ـ ينوي القطع ـ ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂" (٣).

стр. 220

وعمر بن عبيد ليس له في "الكامل" ترجمة أصلاً، وليس في ترجمته في الكتب الأخرى شيء مما ذكره ابن حجر، بل لم يرمه أحد بالتدليس مطلقاً، وهشام بن عروة لم يذكر في شيوخه، والصنيع الذي نسبه إليه ابن حجر معروف عن عمر بن علي بن عطاء المقدمي، فلعله اشتبه عليه، فهما بصريان من طبقة واحدة (١)، مع أنه قد ذكر المقدمي أيضاً فيمن رماه الأئمة بالتدليس، والخلط بين الترجمتين وارد جداً، فقد وقع ذلك أيضاً للحافظ عبدالغني المقدسي في كتابه "الكمال" حيث ذكر كلمة لأبي حاتم في تدليس المقدمي في ترجمة الطنافسي (٢). وممن رمي بالتدليس ولم يثبت عنه محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع الدمشقي، فقد قال فيه ابن حبان: "مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان ـ لم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله التيمي، عن ابن أبي ذئب، فدلس عنه، وإسماعيل واهٍ" (٣). وكذا أشار جماعة من الأئمة إلى أنه أسقط إسماعيل (٤).

стр. 221

وقد ذكر الحافظ صالح جزرة حكاية ظهر منها أن إسقاط إسماعيل ليس من محمد، وإنما هو ممن بعده (١). وقد يكون رميه بالتدليس ظاهراً، لكن ارتكابه له نادر جداً بحيث لا يمكن اعتباره وصفاً للراوي، كقول الترمذي المتقدم آنفاً في تدليس جرير بن عبدالحميد لحديث رواه عن هشام بن عروة، فهو حديث واحد، مع أن جريراً إنما ذكره في المناظرة لا على سبيل الرواية، فقد قال البخاري: "قال محمد بن حميد: إن جريراً روى هذا في المناظرة ولا يدرون له فيه سماعاً" (٢)، والمناظرة نوع من المذاكرة، يتسامح فيها، إذ ليس المقصود فيها الرواية. وقد سئل أبو خيثمة زهير بن حرب عن جرير بن عبدالحميد هل كان يدلس لكونه لا يصرح بالتحديث كثيراً، فأجاب بأنه لا يدلس، وأوضح ذلك (٣)، وذكر ابن معين أن جريراً لا يحسن أن يدلس أصلاً، فالتدليس يحتاج إلى مهارة وخبرة (٤). وقد وقع لأبي زرعة الرازي في حديث مثل ما وقع لجرير بن عبدالحميد (٥)،

стр. 222

وتقدمت الإشارة إلى عذرهم في ذلك (١). وقد يكون نص الناقد فيه احتمال، فيحتاج إلى النظر في كلام غيره، كما في قول أبي الوليد الطيالسي في الربيع بن صبيح: "كان لا يدلس، وكان المبارك بن فضالة أكثر تدليساً منه" (٢). فهذا يحتمل أن يكون أراد به أنه لا يدلس كثيراً كما يفعل المبارك، وإن كان يقع منه التدليس، ويحتمل أنه لا يدلس أبداً، وأفعل التفضيل على غير بابه، ويترجح الثاني بأن أحداً لم يصف الربيع بن صبيح بالتدليس. وكذلك إذا اختار الباحث أن وصف الراوي بالتدليس يكفي في ثبوته أن يصفه إمام متأخر، أو توجد صورة التدليس في شيء من رواياته، فعليه أيضاً أن يتحقق من ثبوت ذلك عنه، والأمثلة على وقوع الخلل في هذا الجانب كثيرة، تركتها خشية الإطالة (٣). ويتلخص من هذا المبحث أمور: ١ - لا يصح وصف الراوي بالتدليس وإن جاءت صورته عنه ما لم يصفه

стр. 223

بذلك أحد من أئمة النقد، وعليه فإن كثيراً ممن جمعهم المتأخرون الذين صنفوا في المدلسين ليسوا بمدلسين. ٢ - كلام أئمة النقد في وصفهم الرواة بالتدليس لا ينبغي قصره على لفظ التدليس، بل كل كلام لهم يفهم منه ارتكاب الراوي للتدليس فهو مفيد لذلك. ٣ - بعض الرواة الذين وصفهم أئمة النقد بالتدليس لم يذكرهم المتأخرون الذين جمعوا أسماء المدلسين، ولا شك أننا بحاجة لتضافر الجهود للوقوف على كلام النقاد. ٤ - رمي الناقد للراوي بأنه دلَّس حديثاً ليس معناه وصفه بالتدليس، فقد يقع ذلك من الرواة على سبيل الندرة، أو عند الضرورة، وسيأتي للأمر الرابع هذا زيادة إيضاح في المبحث السادس بعونه تعالى.

стр. 224

المبحث الثالث التدليس والنص على السماع أو نفيه تقدم في المبحث الأول أن الباحث حين نظره في رواية معينة لمدلِّس إنما يفعل هذا بعد ثبوت سماع ذلك الراوي ممن روى عنه، فإذا لم يثبت فالمسألة حينئذٍ تحولت إلى إثبات أصل السماع، فلا فائدة حينئذ من البحث في التدليس في الرواية المعينة، إذ السماع لم يثبت أصلاً. وهذا أمر ظاهر، والغرض من التذكير به هنا هو أن البحث في السماع بابه واحد، فمتى وقفنا على نص من المدلِّس أنه سمع ذلك الحديث المعين من شيخه، أو تلك الأحاديث، أو نص على عدم السماع - خرج الأمر عن موضوع التدليس، فيجزم هنا بأن الراوي قد سمع، إن كان النص على السماع، أو أنه لم يسمع، إن كان النص على عدم السماع. ومثل ذلك يقال فيما لو جاء النص على السماع أو عدمه من النقاد، فالواجب الوقوف مع كلامهم، وكذلك إذا جاء من واحد منهم ولم نقف على معارض له. والأئمة النقاد كما اشتغلوا بالبحث في أصل سماع الراوي ممن يروي عنه، اشتغلوا كذلك في الأحاديث نفسها، وتمييز ما سمعه الراوي مما لم يسمعه، وبذلوا في سبيل ذلك جهداً كبيراً، لا يقل عما بذلوه في البحث عن أصل سماع الراوي ممن روى عنه. وقد رأيت من الباحثين تقصيراً واضحاً في هذا الجانب، ولذا أفردت الموضوع بمبحث خاص به، وسأذكر الآن بعض نصوص الرواة فيما سمعوه أو

стр. 225

فيما لم يسمعوه، ثم أردفها ببعض النصوص عن النقاد. فأما النوع الأول فمن النص على السماع ما رواه ابن المبارك قال: "قلت لإسماعيل بن أبي خالد: سمعت من زر بن حبيش غير هذا الحديث - حديث ليلة القدر -؟ قال: لا " (١). وقول أشعث بن عبدالملك الحمراني: " كل شيء حدثتكم عن الحسن فقد سمعته منه إلا ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: " أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف "، وحديث عثمان البتِّي، عن الحسن، عن علي في (الخلاص)، وحديث حمزة الضبي، عن الحسن: " أن رجلاً قال: يا رسول الله! متى تحرم علينا الميتة؟ قال: إذا رويت من اللبن، وحانت ميرة أهلك " " (٢). ولعل مراد الأشعث ما رواه عن الحسن مما يرويه الحسن من أحاديث عن غيره، ذلك أن يونس بن عبيد - وهو من أصحاب الحسن أيضاً - أخذ من الأشعث أشياء من كلام الحسن، وقد قيل إن الأشعث لم يسمعها من الحسن، فبينهما واسطة (٣). وقول يحيى القطان: "كان سفيان (يعني الثوري) يُصَحِّح: عن واصل،

стр. 226

عن أبي وائل: " أن كعب المسلم رأى مع جرير قضيباً .... "، وأردته على الآخر: " لا يشفع في حدٍ ... " فلم يحدثني به" (١). وقول سفيان بن عيينة: "لم أسمع من زياد بن علاقة إلا هذه الأربعة أحاديث، ثم حدث بحديث جرير: " بايعت النبي ﷺ على النصح ... "، وحديث المغيرة: " قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه ... "، وحديث زياد بن علاقة، عن عمه قطبة بن مالك قال: " صليت خلف النبي ﷺ الفجر ... "، وحديث أسامة بن شريك: " حضرت الأعراب رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه، فقال: وضع الله الحرج ... "، " (٢). وقوله أيضاً: "حديث الأعراب عن ابن بحينة سمعته من الزهري" (٣). وأما النص على عدم السماع فهو كثير جداً، تقدم شيء منه آنفاً، ومنه أيضاً

стр. 227

ما رواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ يعني العزل - ". قال شعبة: " فقلت: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا " (١). وروى الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: " فلان في النار ينادي: ياحنان، يا منان "، قال أبوعوانة: "قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير عنه" (٢). وروى أبونعيم أيضاً، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، عن سعيد بن المسيب قال: " إذا أدخل بطنه فهو يحرِّم، ولا أقول كما قال ابن عباس "، قال عبدالرحمن بن مهدي: "سألت سفيان عن حديث إبراهيم ـ يعني ابن عقبة ـ في الرضاع ـ يعني هذا الحديث ـ فقال: لم أسمعه، حدثني معمر عنه" (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضاً: " سألت سفيان عن حديث عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة (في الوتر لأهل القرآن) قال: لم أسمعه، قال: وسئل عن حديث عمرو بن مرة: "كان يعز على عبد الله أن يتكلم بعد طلوع الفجر"، قال:

стр. 228

حدثني رجل عن عمرو بن مرة" (١). وقال يحيى القطان: "سألت سفيان عن حديث أبي إسحاق، عن أبي عمرو الشيباني: " رأيت عبدالله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة " ـ فلم يصححه لي، وقال: كتبته عن شعبة قال: حدثني أبوإسحاق ... " (٢). وقال يحيى أيضاً: "كان سفيان بن سعيد لا يصحح حديث علي بن الأقمر: " أتي أبوالدرداء بجارية ... "، كأنه لم يسمعه" (٣). وقال القطان أيضاً: "سمعت سفيان سئل عن حديث أبي إسحاق في (القارن)، فقال: لم أسمعه" (٤). وذكر الدارقطني حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عبدالله ابن عتبة بن مسعود، عن عمر: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين ... "، وقال: "رواه الثوري، عن محمد بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، حدث به (يعني الثوري) بصنعاء، وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان عن هذا الحديث فقال: لم أسمعه من محمد، وقال علي بن المديني: حدثنا ابن عيينة قال: أنا حدثت به سفيان بن سعيد، فدل هذا على أن الثوري دلسه عن ابن عيينة، والله

стр. 229

أعلم" (١). وروى أبو حاتم، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، أن النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي ... "، ثم قال أبو حاتم (والظاهرأنه ينقله عن الحميدي): "كان (يعني سفيان) يحدث به أيام الموسم عن عبد الملك بن عمير، ولم يذكر زائدة، ثم قال: لم آخذه من عبد الملك، إنما حدثناه زائدة، عن عبد الملك، وقال سفيان: إذا ذكرت لهم زائدة لم يسألوني عنه، وهذا حديث فيه فضيلة للشيخين" (٢). ومراد سفيان أنه إذا ذكر زائدة نزل بالحديث درجة، فلم يسأل عن الحديث، وإذا دلسه عن عبد الملك بن عمير رغب التلاميذ فيه لكون عبد الملك من كبار شيوخه، وهو يحب أن ينشر الحديث لأن فيه فضيلة للشيخين، فلذلك يدلسه، وزائدة ثقة، فلا يضر إسقاطه. وروى عمرو بن محمد الناقد قال: "حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: " أن ابن الزبير كان لا يدع شيئاً إلا خالفهم فيه ـ يعني بني أمية ـ"، قال:

стр. 230

فقلت: يا أبا محمد سمعته من عمرو؟ ... "، فذكر سفيان أنه سمعه من العلاء ابن عبدالرحمن، عن سلم بن قتيبة، عن عمرو بن دينار (١). وروى شعيب بن حرب، قال: "حدثنا سفيان بن عيينة بحديث عن ابن أبي نجيح، عن عطاء في الهدي قال: " ركوب يومين، ومشي يومين "، قال: فقلت لسفيان: سمعته من ابن أبي نجيح؟ فقال: أنت ممن سمعته؟ قال: فقلت له: سمعته من إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، فقال سفيان: وأنا سمعته من إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح " (٢). وقال أحمد: "قال سفيان: لم أسمع منه ـ حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ في (الحمام والمقبرة) "، قال أحمد: "قد حدثنا به سفيان، دلسه" (٣). وقال أحمد أيضاً: "حدثنا سفيان، عن الزهري قال: "إذا " أتاها قبل أن يكفر كفر مرتين "، قيل له: سمعته من الزهري؟ قال: لا " (٤).

стр. 231

وربما أتى عن المدلس بيان أنه لم يسمع جملة من الحديث ممن رواه عنه، وأنه سمع تلك الجملة بواسطة. مثال ذلك أن يحيى بن سعيد القطان روى عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن أيمن بن خريم حديثاً، وفيه شعر، ثم قال: "قال لي إسماعيل: لم أسمع هذا الشعر من عامر " (١). وروى جماعة من أصحاب سفيان الثوري منهم الفريابي، ووكيع، وإسحاق الأزرق وغيرهم، عنه، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قصة أذان بلال بالأبطح، وفيها: " فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان" (٢). ورواه عبدالرزاق، عن الثوري بلفظ: " رأيت بلالاً يؤذن ويدور، ويتبع فاه ههنا وههنا، وإصبعاه في إذنيه " (٣)، وبنحوه رواه مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، إلا أنه ليس فيه الدوران (٤). ثم تبين أن سفيان إنما روى النص على دوران بلال، عن حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، وذكر سفيان أنه لقي بعد ذلك عون بن أبي جحيفة فلم

стр. 232

يذكر الاستدارة، هكذا رواه عنه يحيى بن آدم (١)، ورواه عبدالله بن الوليد العدني في روايته لـ"جامع سفيان الثوري"، عن سفيان، عن رجل لم يسم، عن عون (٢). وهكذا يقال في وضع الإصبع في الإذنين، فهو كالاستدارة معروف من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون (٣). وأما النوع الثاني - وهو نصوص النقاد فيما سمعه المدلسون، وفيما لم يسمعوه - فمن النص على السماع قول أحمد: " سمع عمرو بن دينار من ابن عباس ستة أشياء ... - وذكرها " (٤). وتوارد جمع من النقاد منهم شعبة وغيره على أن أبا إسحاق السبيعي سمع من الحارث بن عبد الله الأعور أحاديث قليلة، منهم من قال: إنها ثلاثة، ومنهم من قال: إنها أربعة، والباقي من كتاب وجده، وذلك أنه خلفه على امرأته، ونص أبو داود على أن الأحاديث التي سمعها ليس منها شيء مسند (٥).

стр. 233

وروى علي بن المديني، عن يحيى القطان قال: " قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، قلت ليحيى: عُدَّها، قال: قول علي ﵁: "القضاة ثلاثة "، وحديث: " لا صلاة بعد العصر "، وحديث يونس بن متى" (١). ونقل أبوداود معلقاً عن شعبة أنها أربعة، وزاد فيها: "وحديث ابن عمر في الصلاة" (٢). وذكر شعبة أيضاً أن الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم مولى ابن عباس إلا أربعة أحاديث، وعدها شعبة: حديث الوتر، وحديث قنوت عمر، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل من النعم، وهناك حديث واحد سمعه من عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، وهو حديث الرجل يأتي امرأته وهي حائض، والباقي أخذه عن مقسم من كتاب، وربما أجمل ذلك في بعض الروايات، فجاء فيها أنه سمع منه خمسة أحاديث (٣).

стр. 234

وقد جاء عن شعبة أيضاً أنها ستة أحاديث، لكن دون عدّ لها (١). وقال يحيى القطان: "عَدَّ عَلَيَّ سفيان (يعني الثوري) عن حبيب بن أبي ثابت: سمعت ابن عمر ـ ثلاثة ـ، يعني (حديث الضالة)، و (تأتونا بالمعضلات)، و" سئل ابن عمر وأنا أسمع عن رجل وهب لابنه ناقة ... "، ثم قال: ليس غير هذه عن ابن عمر" (٢). وقال يحيى أيضاً: "عَدَّ عَلَيَّ سفيان، عن حبيب، عن ابن عباس، اثنتين سمعها، في (الصرف)، وآخر" (٣). وقال علي بن المديني: "إنما سمع الأعمش من سعيد بن جبير أربعة أحاديث، قال: " صلى بنا ابن عباس على طنفسة "، وحديث أبي موسى: " ما أحد أصبر على أذى من الله "، وقول ابن عباس: " الوتر بسبع أو خمس "، وقول سعيد بن جبير: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [قال: الذكر: الذي في السماء] " (٤). وقال يحيى بن معين: "سمع ابن جريج من حبيب بن أبي ثابت حديثين، وما روى عنه سوى ذلك يظنه بلغه عنه ولم يسمعها، سمع حديث أم سلمة (ما أكذب الغرائب)، والحديث الآخر حديث (الرقبى)، حدث به ابن جريج،

стр. 235

قال: حدثني عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، فلقيت حبيباً فحدثني" (١). وقال يحيى القطان: "لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثاً واحداً: " فطلقوهن في قبل عدتهن "، ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثاً " في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام"، ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثاً: " لا تجوز صدقة حتى تقبض "، " (٢). كذا قال القطان في سماع ابن جريج من مجاهد، وقال ابن معين: "لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حرفاً أو حرفين" (٣). وقال مرة أخرى: " سمع ابن جريج من مجاهد حرفاً واحداً في القراءة: (فإن الله لا يهدي من يضل) - قال ابن الجنيد: لا أدري كيف قرأه يحيى بن معين -، لم يسمع منه غيره، كان أتاه ليسمع منه فأتاه فوجده قد مات " (٤).

стр. 236

وقال أبو داود في ميمون المرئي: " ليس به بأس ... ، روى عن الحسن ثلاثة أشياء - يعني سماعاً -" (١). وقال أحمد: "ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مست النار - والباقي يرسلها عنه " (٢). وقال أحمد: "لم يسمع هشيم من محمد بن جحادة إلا هذا الحديث الواحد: حدثنا هشيم، عن محمد بن جحادة ـ قال أحمد: سمعه منه ـ عن الحارث، عن إبراهيم: أنه كان لا يرى بأساً للمريض والشيخ الكبير أن يعتمدا في الصلاة، ويكرهه لغيرهما" (٣). وذكر أحمد أيضاً أن هشيماً سمع من جابر الجعفي حديثين، والباقي مدلس، وذكر أحمد الحديثين (٤). وقال أحمد بعد أن روى عن سفيان بن عيينة، عن خالد بن سلمة، عن الشعبي، عن مسروق كلاماً في حب أبي بكر وعمر وأنه من السنة ـ قال: "ولم يسمع سفيان من خالد بن سلمة إلا هذا الحديث" (٥). وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي: "لم يسمع هشيم من علي بن زيد إلا

стр. 237

حديث المداراة" (١). ويلاحظ هنا أنه قد يقع اختلاف بين الأئمة في عدد الأحاديث التي سمعها المدلس من شيخه، وفي تعيينها، فمثلاً ما تقدم آنفاً عن شعبة أن قتادة سمع من أبي العالية ثلاثة أحاديث أو أربعة، ذكر البيهقي أنه سمع منه أيضاً حديثين آخرين، وفي كلامه ما يدل على أنه قد سمع غيرهما أيضاً (٢). وفيما سمعه الأعمش من سعيد بن جبير تقدم عن ابن المديني أنها أربعة، وذكر ابن معين أنها خمسة، لكنه لم يعدّها (٣)، بل جاء عن ابن معين أنه سمع من سعيد حديثاً واحداً (٤). وذكر لأحمد أنه روي عن أيوب قوله: " لم يسمع قتادة من عكرمة إلا حديثين"، فقال أحمد: "باطل، قد روى عنه أحاديث " (٥). وقال المروذي: "قلت لأحمد: يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة، قال: هذا لا يدري الذي قال، وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث: سمعت عكرمة، وقال: قد ذهب من يحسن هذا، وعجب من قوم يتكلمون بغير علم، وعجب من قول من قال: لم يسمع، وقال:

стр. 238

سبحان الله، فهو قدم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلق، وقال يزيد بن حازم - هذا رواه حماد بن زيد -: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة " (١). وهذا الاختلاف قد يكون سببه وقوف إمام على ما لم يقف عليه غيره، أو تصحيح الإمام لتصريح بالتحديث، وتوقف غيره فيه، أو عدّ بعض الأئمة الحديث الواحد حديثين لاشتماله عليهما، أو يكون بعضهم قصد بالحديث أي من المرفوع، وغيره عدّ ماهو موقوف أيضاً. بل ربما جاء الاختلاف عن الإمام الواحد، كما تقدم آنفاً عن شعبة فيما سمعه الحكم من مقسم، وفيما سمعه قتادة من أبي العالية، وعن ابن معين فيما سمعه الأعمش من سعيد بن جبير. وقد يكون نص الناقد على السماع ليس في حديث أو أحاديث بعينها، وإنما هو في جملة أحاديث، كما في قول عمرو بن علي: "سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها ويقول: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل: حدثني، قال: كلها صحاح" (٢). وقال يحيى القطان أيضاً في الأعمش: " أحاديثه عن عمارة - يعني ابن عمير -، ومالك بن الحارث، وخيثمة - يعني ابن عبد الرحمن - كلها صحاح" (٣)، يعني أنها سماع.

стр. 239

وعلى الباحث أن يدقق جيداً في الروايات المنقولة عن الأئمة فيما سمعه راو من آخر، قبل أن يعتمد إثبات السماع، فقد روى الحكم بن عتيبة عن مقسم، عن ابن عباس حديث (إتيان الحائض)، وأعله بعض الأئمة بأنه لم يسمعه من مقسم، وإنما سمعه من عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، ورد ذلك أحمد شاكر معتمداً على أنه جاء عن يحيى القطان وأحمد أنه سمع منه خمسة أحاديث، وهذا منها، واستظهر أنه سمعه من عبدالحميد، عن مقسم، وسمعه من مقسم (١). وقد دلت الروايات المفصلة أن هذين الإمامين يذكران ذلك عن شعبة، وأن مراد شعبة بسماعه لحديث إتيان الحائض أي بواسطة عبدالحميد، والغرض من ذلك استثناء ما سمعه الحكم من أحاديث مقسم، سواء منه مباشرة أو بواسطة، فإن باقي أحاديثه عنه من كتاب كما تقدم، وقد ذكر أحمد أن حجاجاً روى عن الحكم، عن مقسم نحواً من خمسين حديثاً (٢). وأما نص الناقد على أن الراوي لم يسمع فقد يكون جاء بصفة مجملة، فينص الناقد على عدد الأحاديث التي سمعها المدلس، فباقي رواياته عنه إذاً غير مسموعة، وبما صرح الناقد بذلك، وقد تقدمت هذه النصوص آنفاً. وقد يكون ذلك بالنص على الحديث المعين وأن المدلس لم يسمعه، وهذا

стр. 240

أيضاً كثير، فمن ذلك أن الأعمش روى عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: " من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة " (١) ـ وقد قال سفيان الثوري، وشعبة: "لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي" (٢). وكذا قال عبدالرحمن بن مهدي: إنه لم يسمعه (٣). وذكر شعبة أن الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم مولى ابن عباس حديث احتجامه ﷺ وهو صائم (٤). ولما روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب حديث: " أن النبي ﷺ مرَّ بناس من الأنصار وهم جلوس في الطريق، فقال: إن كنتم لابدَّ فاعلين، فردوا السلام، وأعينوا المظلوم، واهدوا السبيل "- ذكر أن أبا إسحاق لم يسمعه من البراء (٥).

стр. 241

وكذا قال ابن المديني: إنه لم يسمعه منه (١). وسئل يحيى القطان عن حديث سليمان التيمي، عن أنس (في القبلة للصائم)، فقال: " لا شيء، لم يسمعه " (٢). وقال سفيان الثوري: "لم يسمع الأعمش حديث إبراهيم في (الضحك) " (٣)، يعني حديث الوضوء من الضحك في الصلاة. وقال يزيد بن هارون: "لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي ﵇ في الظهر من أبي مجلز" (٤). ولما روى أحمد حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: " أنه قال في دية الخطأ: أخماساً، ما دون النفس " ـ عقبه بقوله: "قال يحيى بن سعيد في حديث إسماعيل هذا: لم يسمعه إسماعيل من الشعبي" (٥). وروى أحمد حديث هشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود: " كنا لا نتوضأ من الموطئ " ـ ثم قال: "لم يسمعه هشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل" (٦)، وذكر أحمد مرة أخرى أن الأعمش يرويه

стр. 242

عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي وائل (١). وقال أحمد أيضاً: "لم يسمع هشيم من الزهري حديث علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : " لا يتوارث أهل ملتين شتى "، وقد حدثنا به هشيم" (٢). وقال أيضاً بعد أن روى عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: " أن عمر ابن الخطاب أوصى في عماله ألا يعزلوا سنة، قال: وأقروا الأشعري أربع سنين " ـ قال أحمد: "أراه سمعه هشيم من الهيثم بن عدي" (٣). وقال أيضاً بعد أن روى عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبدالله بن سفيان الثقفي، عن أبيه: " أن رجلاً قال: يا رسول الله ـ وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله ـ مرني بأمر في الإسلام، أمراً لا أسأل عنه أحداً بعدك " ـ قال: "لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء" (٤). وسئل يحيى بن معين عن حديث هشيم، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبدالله اللخمي، عن ابن عمر قال: " وقع في سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة، فما ملكت نفسي أن قبلتها والناس ينظرون " ـ قال يحيى: "لم يسمعه من علي بن زيد" (٥).

стр. 243

وروى الدارمي عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً حتى دعاهم"، ثم قال: "سفيان لم يسمع من ابن أبي نجيح - يعني هذا الحديث - " (١). وسئل البخاري عن حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد "، فقال: "عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث " (٢). وسيأتي في المبحث الخامس مزيد أمثلة للأحاديث التي نص الأئمة على وقوع التدليس فيها. وأدق من ذلك أن يبينوا وقوع التدليس في الكلمة الواحدة، في متن الحديث أو إسناده، فقد اتفقت كلمة أحمد وابن معين على أن شيخهما هشيماً لم يسمع كلمة " فانحرف " في حديثه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه: " أن النبي ﷺ صلى بهم الغداة فانحرف ... " الحديث (٣).

стр. 244

وقال عبدالله بن أحمد: "حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: " كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : ارجع فقد بايعناك " ـ سمعت أبي يقول: قد سمعه هشيم من يعلى، عن رجل من آل الشريد، وإذا لم يقل خبراً قال: عن عمرو بن الشريد" (١). ومراد أحمد أن هشيماً إذا لم يصرح بالتحديث سمى ابن الشريد، وأنه عمرو بن الشريد، وقد سمعه هكذا بواسطة عن يعلى بن عطاء، وحذفها، وإذا صرح بالتحديث عن يعلى لم يسم الرجل، لأنه هكذا سمعه من يعلى مبهماً. في أشياء كثيرة جداً من هذا القبيل، يبين فيها الأئمة أن المدلس لم يسمع الحديث أو الكلمة فيه ممن روى عنه. وقد كان للإمام أحمد تتبع دقيق لما دلسه شيخه هشيم، فجاء عنه النص على كثير من أحاديثه التي دلسها (٢)، وكذلك يحيى بن معين (٣). واشتهر بذلك أيضاً سعيد بن منصور، بالنسبة لهشيم، قال الطحاوي: "هو

стр. 245

أضبط الناس لألفاظ هشيم، وهو الذي ميز للناس ما كان هشيم يدلس به من غيره " (١). وكذلك محمد بن عيسى المعروف بابن الطباع، قال البخاري: "قال لي علي: سمعت عبدالرحمن ويحيى يسألانه عن حديث هشيم، وما أعلم أحداً أعلم به منه" (٢). وأعود إلى تأكيد ما ذكرته في أول هذا المبحث من أن وقوفنا على نص على السماع أو عدمه، من المدلس، أو من غيره من النقاد - مخرج للحديث عن موضوع التدليس، بالنسبة لنا، فقد كفيناه، وأن الباب واحد في متابعتنا للرواة وللنقاد في إثبات أصل السماع أو نفيه، وفي إثبات سماع الحديث المعين أو نفيه. وهذه القاعدة مأثورة عن النقاد أنفسهم في نقد الأحاديث، فروى أبو إسحاق، عن الحارث بن عبد الله، عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي، إني أحب لك ما أحب لنفسي .... "الحديث، قال أبو داود في نقده له: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها " (٣). وقال الترمذي بعد أن روى حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: " بعث النبي ﷺ عبدالله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة .... "، فإنه روى قول شعبة فيما سمعه الحكم من مقسم، ثم قال

стр. 246

الترمذي: "وليس هذا الحديث فيما عَدَّ شعبة، فكأن هذ الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم" (١). وبهذا أيضاً نقد الترمذي حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلى بمنى الظهر والفجر، ثم غدا إلى عرفات " (٢). وأين هذا من صنيع أحد الباحثين، فقد مر به هذا الحديث من طريق عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن الحجاج، عن الحكم به، ثم قال: "حسن، عبدالرحمن بن محمد المحاربي، والحجاج ـ هو ابن أرطاة ـ مدلسان، وقد عنعنا، إلا أنهما قد توبعا"، ولم يتعرض لانقطاعه بين الحكم ومقسم. ومن تطبيقات ذلك أن سفيان الثوري نص ـ كما تقدم ـ على ثلاثة أحاديث سمعها حبيب بن أبي ثابت من ابن عمر، وقد روى عن ابن عمر أحاديث غير هذه (٣)، فهي مما لم يسمعه. ومثله نص ابن المديني على أن الأعمش سمع من سعيد بن جبير أربعة أحاديث ذكرها، وقد جاء عنه من روايته عن سعيد غير هذه الأربعة (٤)، فلم يسمعها إذاً. وكذلك ما ذكره ابن معين من أن ابن جريج سمع من حبيب بن أبي ثابت

стр. 247

حديثين، وقد جاء عنه غيرهما (١). وظاهر جداً أن الاستفادة من كلامهم هو في حال النص على الأحاديث، لا ذكر عددها فقط، ذلك أن كثيراً مما ورد عنهم فيه عددها دون النص عليها، فالفائدة منه حينئذٍ محدودة، إذ كل حديث ورد بصيغة محتملة يحتمل أن يكون من العدد الذي سمعه، ويحتمل ضد ذلك، اللهم إلا في حالات معينة، يمكن الاستفادة من كلامهم فيها وإن لم ينصوا على الأحاديث المسموعة أو غير المسموعة، كأن يذكروا صفة للأحاديث التي سمعها، فيكون ما عداها غير مسموع، ومثاله أحاديث أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث بن عبد الله، فقد نص أبو داود - كما تقدم آنفاً - أنه ليس من مسموعه ما هو مسند، وعلى هذا فكل ما جاء بهذا الطريق من المرفوع فهو منقطع. وكأن يذكر الإمام أن المدلس سمع من شيخه حديثاً، ثم يوقف له على تصريح بالسماع في حديث مما روي عنه، فيغلب على الظن أن ذلك الحديث هو الذي عناه الإمام، وأن ما عداه ليس من مسموعه عنه. مثال ذلك أن جمهور العلماء على سماع الحسن البصري من ابن عمر، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم (٢)، ونفاه ابن حبان،

стр. 248

والحاكم (١)، وذكر بهز بن أسد شيخ أحمد أن الحسن سمع من ابن عمر حديثاً واحداً (٢). ويظهر أن إثبات السماع من قبل الأئمة الذين أثبتوه مبني على هذا الحديث، فقد أشار إليه أحمد، وابن المديني، وابن معين في كلامهم. والحديث هو ما أخرجه أحمد، عن إسحاق بن يوسف، والطحاوي من طريق يزيد بن زريع، كلاهما عن عبدالله بن عون، عن الحسن قال: " دخلنا على عبد الله بن عمر بالبطحاء فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن ثيابنا هذه يخالطها الحرير وهو قليل، قال: دعوا الحرير قليله وكثيره " (٣)، ولا يثبت من تصريح الحسن بالسماع من ابن عمر غير هذا الحديث. وللحسن عن ابن عمر عدة أحاديث غير هذا (٤)، فلم يسمعها منه إذاً. وليس الأمر مختصاً بالحديث الواحد، كما في حال الحسن البصري مع ابن عمر، بل كل ما جاءنا عن النقاد فيه عدٌّ لما سمعه المدلس من شيخه، دون النص عليه، وأمكن بالتتبع معرفة تلك الأحاديث المسموعة، فيكون الباقي أيضاً خارج موضوع التدليس، وهي منقطعة جزماً. مثال ذلك سماع الأعمش من مجاهد، فهو قليل السماع منه، سمع منه

стр. 249

أحاديث معدودة - كما سيأتي في المبحث الخامس -، فلو تصدى باحث لاستقراء مرويات الأعمش عن مجاهد، لتحديد المسموع وغير المسموع - أمكن تطبيق هذه القاعدة عليه. ولابد من الإشارة أيضاً إلى أن حكم الناقد على حديث معين بأن المدلس لم يسمعه، قد يكون اجتهاداً من الناقد يخالفه فيه غيره من النقاد، وقد يقوم عند الباحث نفسه، ما يدل على أنه قد سمعه، كتصريح بتحديث، كما يقع ذلك في إثبات أصل السماع، فيحتاج الباحث حينئذٍ إلى النظر والموازنة. مثال ذلك حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس في القضاء بالشاهد واليمين، فقد تقدم في أول هذا المبحث عن أحمد ما يدل على أنه لم يسمعه، فإن أحمد نص على الأحاديث التي سمعها، وليس هذا منها، وتقدم قريباً نص البخاري على أنه لم يسمعه، والحديث أخرجه مسلم من هذا الطريق أصلاً في بابه (١)، وقواه جماعة من الأئمة (٢). وذكر العلائي عن أبي نعيم قوله في: "حديث سفيان، عن عمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: "قنت النبي ﷺ في الصبح " - لم يسمعه سفيان من عمرو، دلسه ". واستظهر العلائي أن المقصود سفيان الثوري (٣). والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه"، من رواية الثوري، وشعبة، عن

стр. 250

عمرو بن مرة (١)، وجاء تصريح الثوري بسماعه من عمرو في غير "صحيح مسلم" من غير طريق (٢). وقال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي في (الذي يصوم في كفارة ثم يوسر)، فقال: لا أراه سمعه من ابن شبرمة، قيل لأبي عبدالله عن أبي جعفر محمد بن عيسى: إنه يقول فيه: قال: أخبرنا ابن شبرمة، فكأنه تعجب، ثم قال: هذا قال لي إنسان: إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل، عن ابن شبرمة، قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه، ويقولون في كثير من حديثه، وقلت له: ألا إن أبا جعفر عالم بهذا، فقال: نعم، أبو جعفر كيِّس فهم " (٣). ومراد الأثرم - فيما يظهر - أن هشيماً لما كان مشهوراً بالتدليس مكثراً منه صاروا يتهمونه به في أحاديث قد سمعها، يغلطون عليه، ثم عقبه بأن أبا جعفر محمد بن عيسى - وهو المعروف بابن الطباع - عالم بما سمعه هشيم وما دلسه.
следующие страницы →