← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142

الاتصال والانقطاع

إبراهيم اللاحم

Полный текст (466 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروى همام قال: "كان شعبة يوقف قتادة، قال: فحدث شعبة ذات يوم بحديث، فقال قتادة: من حدثك؟ - أو من ذكر ذلك؟ - فقال: نسألك فتغضب وتسألنا؟ " (١). وروى علي بن المديني عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال: "سأل رجل شعبة عن حديث إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، فقال له: سمعته من إسماعيل بن رجاء؟ قال: سمعته يا غلام من إسماعيل بن رجاء ثمانين مرة، ولا والله لا أحدثك به أبداً " (٢). وقال زهير بن معاوية: "قدمت البصرة، فأتيت حميداً الطويل، وعنده أبو بكر بن عياش، فقلت له: حدثني، فقال: سل، فقلت: ما معي شيء أسأل عنه، قلت: حدثني، فحدثني بثلاثين حديثاً، قلت: حدثني، فحدثني بتسعة وأربعين حديثاً، فقلت له: ما أراك إلا قد قاربت، قال: فجعل يقول: سمعت أنساً، والأحيان يقول: قال أنس، فلما فرغ قلت له: أرأيت ما حدثتني به عن أنس أنت سمعته منه؟ فقال أبو بكر بن عياش: هيهات، فاتك ما فاتك - يقول: كان ينبغي لك أن تقفه عند كل حديث وتسأله -، فكأن حميداً وجد في نفسه فقال: ما حدثتك بشيء عن أحد فعنه أحدثك، فلم يشف قلبي - أو لم يشفني - " (٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "بلغني أن أبا جزي كان عند الحجاج بن أرطاة، فقال الحجاج: مكحول، فقال له أبو جزي: يا أبا أرطاة قل: سمعت

стр. 317

مكحولاً، فقال: مه، من هذا؟ ثم أشرف إليه فقال: متى اجترأت علي يا قصاب، يا قصاب ما هذا، حدثني مكحول، لا تعد إلى مثلها " (١). ونقل الدارقطني عن أبي معاوية الضرير قوله: "قال لي حجاج (يعني ابن أرطاة): لا يسألني أحد عن الخبر - يعني إذا حدثتكم بشيء فلا تسألوني: من أخبرك به؟ -" (٢). وقال ابن الهيثم الدقاق: "سمعت يحيى يقول: شهدت ابن أبي الليث وقال لهشيم: إن قلت: أخبرنا، وإلا لاكتبنا عنك حرفاً، فقلت له أنا بعض هذا الكلام، فقال يحيى: أنا شاهد ذلك المجلس، فقال له هشيم: غير مستوحشة منك الدار، فتركه وقام" (٣). وروى شجاع بن مخالد قال: "سمعت رجلاً يسأل هشيماً فقال: يا أبا معاوية، أخبركم أبو حرة، عن الحسن؟ فضحك هشيم، ثم قال: أخبرنا أبوحرة، عن الحسن" (٤). ومما يشير إلى اهتمام النقاد بتدليس المدلسين أنهم كانوا يتذاكرون أحاديث المدلسين، للكشف عنه، كما روى محمد بن عيسى بن الطباع، قال: "اختلف عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود، في حديث هشيم، فقال أحدهما: كان يدلسه،

стр. 318

وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي، فاقتصرا عليه" (١). فاستفدنا من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة، واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث، واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط، والبقاء على الأصل، وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، فهذا وجه الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها. ثم إن وجه الاستدلال هذا عليه دليل من عمل النقاد أنفسهم، وذلك في أسانيد متقدمة عن الناقد، قد بلغته بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء. فمن ذلك قول أحمد: "كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج، سمعت أبا الزبير" (٢). ومراد أحمد أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، يرويان عن ابن جريج ما لم يسمعه من شيوخه، بالعنعنة بينه وبينهم، وأما القطان فيروي عن ابن جريج ما سمعه من شيوخه، ويذكر تصريحه بالتحديث.

стр. 319

وقد تقدم في المبحث الرابع أن رواية حفص بن غياث، عن الأعمش عامتها على السماع، وقد نقل ابن حجر عن أبي الفضل بن طاهر - ووافقه - أن حفص بن غياث يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، وأن البخاري اعتمد عليه في ذلك (١). وقال ابن حجر في هشيم: "ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرح به في نفس الإسناد، أو صرح به من وجه آخر" (٢). ومن تأمل طريقة البخاري في أحاديث قتادة لم يتخالجه شك في اعتنائه بتدليس قتادة، وأنه يخرج له ما صرح فيه بالتحديث، أو توبع عليه، وربما ساق أسانيد ليس الغرض منها إلا بيان تصريحه بالتحديث (٣). وكذلك الحال بالنسبة لأبي إسحاق السبيعي، وعمر بن علي المقدمي، وأمثالهما. وأخرج النسائي حديثاً لأبي الزبير، عن جابر، معنعناً، ثم قال: "كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابراً فهو صحيح، وكان يدلس ... " (٤).

стр. 320

وأما تعليلهم الأحاديث بتدليس المدلسين إذا لاحت قرينة في الإسناد أو المتن فأشهر من أن يذكر، وسيأتي شرح ذلك قريباً. وهذا المنهج لهؤلاء الأئمة منهج وسط، يراعي الاحتياط للسنة بالنسبة للمكثرين والمقلين، أما المكثرون فمن جهة أن لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا سيما أن أصل الرواية بصيغة محتملة ـ وإن لم يكن الراوي مدلساً ـ فيه كلام قديم لبعض الأئمة، فمنهم من كان يشترط في بادئ الأمر تصريح الجميع بالتحديث، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول. وأما المقلون فمن الجهة الأخرى، أي درء مفسدة ردّ أحاديثهم الصحيحة التي سمعوها بسبب تدليس نادر منهم، فهذه ـ بلا شك ـ مفسدة كبرى، لاحظها الأئمة حين فرقوا هذا التفريق. وإذا ترجح هذا القول فإني أنبّه على عدد من الأمور، الغرض منها شرحه، ووضع ضوابط لكيفية تطبيقه بالنسبة للباحث، ذلك أن كثيراً من الخلل يأتي من طرد القول في حالات يعارضه فيها ما هو أخص منه، وهي خمسة أمور: الأمر الأول: يشكل على هذا القول قضية التمييز بين المقلّ والمكثر من التدليس، وصعوبة وضع حد إذا بلغه المدلس ألحق بالمكثرين، إذ ليست المسألة مسألة عدد، وإنما يلاحظ فيها ما عند المدلس أصلاً من الحديث، وما ثبت عليه التدليس فيه، ولا شك أن هذا بالنسبة للباحث المتأخر عسر جداً، فالسبيل إذاً هو الرجوع إلى كلام أئمة الجرح والتعديل، فمتى توارد عدد منهم على وصف راوٍ بالتدليس عرفنا أنهم قصدوا شهرته بذلك لتطبق عليه أحكام المدلسين. وللعلائي تصنيف للمدلسين باعتبار القلة والكثرة، وباعتبارات أخرى أيضاً، يحسن النظر فيه، فقد وضع خمس مراتب للمدلسين:

стр. 321

١ - من لم يوصف بذلك إلا نادراً. ٢ - من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وذلك إما لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة. ٣ - من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقاً كالطبقة التي قبلها، لأحد الأسباب المتقدمة. ٤ - من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين. ٥ - من قد ضعف بأمر آخر غير التدليس. وذكر العلائي أمثلة على كل مرتبة من هذه المراتب. ثم جاء ابن حجر فوافق العلائي على هذا التصنيف، ورام استقصاء أسماء المدلسين، وإلحاق كل واحد منهم بالمرتبة اللائقة به، وذلك في كتاب خصصه لهذا الغرض، وهو "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس". وقد اشتهر كتاب ابن حجر، واعتمده كثير من الباحثين، فصاروا يردون أو يقبلون ما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث على ضوء هذه المراتب، قال أحد الباحثين في رسالة له وهو يعرض منهجه لدراسة الرواة: "إذا كان الراوي مختلطاً أو مدلساً بينت حكم روايته من حيث القبول والرد، بالرجوع إلى الكتب المصنفة في هذا الفن، مع الاعتماد على تقسيم الحافظ ابن حجر في كتابه "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" في الغالب ... ". وفي الآونة الأخيرة تعرض هذا التصنيف للمدلسين لانتقادات كثيرة،

стр. 322

سبق منها في المبحث الثاني ما يتعلق بالطريقة التي سلكوها لجمعهم. ومن الانتقادات إلحاق بعض المدلسين بمرتبته اللائقة به، فقد يذكرون شخصاً في مرتبة، وحقه أن يكون في غيرها، مثال ذلك أن العلائي ذكر الزهري في المرتبة الثانية، وذكره ابن حجر في الثالثة، وحقه أن يكون في الأولى، إذ هو نادر التدليس كما قال الذهبي (١). وقد وقع بين العلائي وابن حجر بعض الاختلاف في هذا الجانب، بل إن ابن حجر صَنَّفهم ضمن كتاب آخر له، وهو "النكت على كتاب ابن الصلاح" بنحو تصنيفه لهم في الكتاب المفرد (٢)، وبين الكتابين شيء من الاختلاف أيضاً، وللأخ مسفر الدميني في كتابه "التدليس في الحديث" جهد مشكور في مناقشة ابن حجر. والذي يهمنا هنا من الانتقادات ما يتعلق بالمراتب نفسها، إذ هي محل انتقاد، حتى قال بعض الباحثين عنها: "ذكر المراتب هذه في الأصل ـ ظاهر فيه التحكم وعدم المنهجية". والمتأمل في المراتب الخمس يجد ثلاثاً منها لا اعتراض عليها، وهي الأولى والرابعة، والخامسة، وأما الثانية والثالثة ففي النفس منهما شيء، والتفريق بينهما غير واضح، وهما يضمان من اشتهر بالتدليس وعرف به، وهو يدلس عن الثقات، أو عنهم وعن غيرهم، وهؤلاء هم موضع الإشكال الحقيقي في باب

стр. 323

التدليس كله، والذي يظهر أن حال أصحابهما واحد في الجملة، وهو البحث والتفتيش عن سماعهم من قبل الأئمة، وضرورة تصريحهم بالتحديث. الأمر الثاني: تقدم في (الجرح والتعديل) ما يعرف بالتوثيق المقيد، والتضعيف المقيد، أي أن يكون الراوي قوياً في بعض شيوخه، ضعيفاً فيمن عداهم، أو عكس ذلك بأن يكون ضعيفاً في بعض شيوخه، قوياً فيمن عداهم، ومثله أن يكون في بعض شيوخه أقوى منه في بعضهم الآخر، وإن كان في الجميع قوياً، أو أضعف في بعض شيوخه وإن كان في الجميع ضعيفاً. ويأتي في التدليس ما يشبهه، وذلك في صورتين: الصورة الأولى: أن يكون المدلس مكثراً من الرواية عن شيخ له كثرة ظاهرة، ثم يأتي عنه أنه دلس عنه، فقاعدة القلة والكثرة يمكن تطبيقها عليه حينئذٍ، وتكون روايته عنه محمولة على الاتصال أبداً حتى يتبين في حديث معين أنه دلَّسه عنه، وليس هذا بترك للقول المرجح، بل هو موافق له، فالمدلس في شيخه هذا قليل التدليس، لكثرة ما روى عنه في الأصل. وقد نص على هذا الأئمة، قال الحميدي: "وإن كان رجل معروفاً بصحبة رجل والسماع منه، مثل ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدَّث رجلاً غير مسمى، أو أسقطه ـ ترك ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه، ولم يضره ذلك في غيره، حتى يدرك عليه مثل ما أدرك عليه في هذا،

стр. 324

فيكون مثل المقطوع" (١). ومن ذلك أيضاً أن هشيماً أثبت الناس في حصين بن عبدالرحمن، وكان يقدم فيه على سفيان الثوري، وشعبة (٢)، وذكر أحمد أنه لايكاد يدلس عن حصين (٣)، وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي: "كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين" (٤). وقال الذهبي في سليمان الأعمش: "وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم النخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال" (٥). وقد قال عبدالله بن أحمد: "سمعت محمد بن عبدالله بن نمير قال: سمعت أباخالد الأحمر يقول: سمعت الأعمش يقول: سمعت من أبي صالح ألف حديث" (٦)، ورواه أبو زيد بن طريف، عن ابن نمير وزاد فيه: "ثم مرضت فنسيت بعضها" (٧).

стр. 325

ولعل هذا هو مراد أحمد في جوابه على سؤال وجه إليه، قال أبوداود: "سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا - أي إنك تحتج به- " (١). والمفهوم من سؤال أبي داود وجواب أحمد أنَّ الأعمش يقلّ تصريحه بالتحديث، فإذا اشترطنا تصريحه ضاق الأمر، وذهب جلّ حديثه، مع أنه قد سمع شيئاً كثيراً جداً، ولاسيما من شيوخه المشهورين الذين أشار إليهم الذهبي، ولعل قلة تصريحه بالتحديث مراده إلى الطريقة التي تلقى بها تلامذة الأعمش حديثه، فقد يذكر الأعمش الإسناد، ويذكر بعض أصحابه المتن، أو يذكر هو المتن، ويذكر بعض أصحابه الإسناد، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول. فالقولان ـ الأول والثالث ـ في حكم رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة يلتقيان في هذه الحالة. كما تلتقي المذاهب الثلاثة فيما إذا كان المدلس قد سمع من شيخه أحاديث قليلة، ثم روى عنه شيئاً كثيراً بالنسبة لما سمعه، فلابد حينئذٍ من التصريح بالتحديث، والظن الغالب أن ما لم يصرح فيه بالتحديث قد دلّسه عنه. فمن ذلك الأعمش في مجاهد، فقد سمع منه أحاديث قليلة، واختلفوا في

стр. 326

عدها فذكر هشيم أنها أربعة (١)، وكذا قال ابن معين: إنها أربعة أو خمسة (٢). وقال وكيع: "كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية" (٣). وقال يعقوب بن شيبة: "ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة" (٤). وقال أبوحاتم: "الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس" (٥). وأما البخاري فذكر أنه عدَّ له نحواً من ثلاثين حديثاً يصرح فيها بالتحديث (٦). وأيَّا ما كان العدد فتوافقهم على عدِّها وتتبعها يدل على اتفاقهم على مطالبته بالتصريح بالتحديث. ومن ذلك أيضاً الحجاج بن أرطاة في عمرو بن شعيب، فقد قال أبونعيم

стр. 327

الفضل بن دكين: "لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث" (١)، وقد روى عنه أحاديث كثيرة (٢)، إلا أن الحجاج في نفسه مضعف. ومحمد بن إسحاق في أبي الزناد، فقد قال أحمد: "عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد ـ حديث الأعرج ـ ولم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد" (٣). الصورة الثانية: إذا نسب الأئمة راوياً من الرواة إلى التدليس عن بعض شيوخه، وسكتوا عن الباقين، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه يقتصر على من رموه بالتدليس عنه، وأما من عداه فحكمه فيه حكم غير المدلس. ومثلوا لذلك بزكريا بن أبي زائدة، فإن الأئمة قد وصفوه بكثرة التدليس عن الشعبي، ولم يذكروا تدليسه عن غيره (٤). وكذلك إسماعيل بن أبي خالد في الشعبي أيضاً، فإنه يدلس عنه (٥).

стр. 328

ولم أقف على شيء من كلام الأئمة في خصوص هذه المسألة، سوى أن ابن حبان قال في ترجمة محرز بن عبدالله الجزري: "كان يدلس عن مكحول، يعتبر بحديثه ما بين السماع فيه عن مكحول وغيره" (١). فظاهره أنه ثبت لديه تدليسه عن مكحول فطرد الحكم في غيره أيضاً، وابن حبان متشدد في موضوع التدليس كما تقدم في القول الثاني، ويحتمل أنه نص على مكحول لشهرته في شيوخه، ويكون قد عرف تدليسه عن غيره أيضاً. وهذه المسألة ينبغي أن يتأنى فيها، إذ لا ريب أننا لو أدركنا من كلام الأئمة أنه لا يدلس إلا عمن ذكر لانتهى الأمر، كما في تدليس مغيرة بن مقسم، فقد نسبه الأئمة إلى التدليس عن إبراهيم النخعي، وفي كلام أحمد أنه لا يدلس إلا عن إبراهيم (٢). ولكن قد يكون سبب تنصيصهم على بعض شيوخ المدلس لقوته فيه، وشهرته بالرواية عنه، وليس لما ذكر، فإسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة، من كبار أصحاب الشعبي، فقد يكون هذا هو سبب تنصيص النقاد على تدليسهما عنه، وقد قال أحمد في إسماعيل: "يحيى أحسن الناس حديثاً عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخباراً، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر" (٣)، فهذا يدل على أنه كان يدلس عن غير الشعبي. ثم إني رأيت بعض الباحثين توسع جداً في هذه القضية، فذكر قول الحاكم

стр. 329

في قتادة: "وكذلك قتادة بن دعامة ـ وهو إمام أهل البصرة ـ إذا قال: قال أنس، أو قال: قال الحسن، وهو مشهور بالتدليس عنهما" (١)، فأراد الباحث أن يقصر تدليس قتادة على أنس، والحسن، وظاهر جداً أن الحاكم أراد التمثيل بذلك، إذ هو قاله في معرض شرحه لمعنى التدليس. وأبعد من هذا ما فهمه الباحث من قول الذهبي في الوليد بن مسلم: "فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي ـ فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي - تجنبوه" (٢)، ومن قول الذهبي أيضاً: "إذا قال الوليد: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد، لأنه يدلس عن كذابين، فإذا قال: حدثنا فهو حجة" (٣). فقد أخذ الباحث من هذا أن التوقف في عنعنة الوليد بن مسلم خاص بهذين الشيخين ـ الأوزاعي، وابن جريج ـ، وهو تساهل غير مرضي، فالذهبي أراد التمثيل بهذين الشيخين للوليد، لكونه مكثراً عنهما، ومشهوراً بالتدليس عنهما، وحينئذٍ فمطالبته بالتصريح لا تقتصر عليهما، وقد قال الذهبي: "لانزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع" (٤). وقال ابن عبدالهادي: "يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا الأوزاعي،

стр. 330

أو غيره، أو أخبرنا ـ فهو حجة" (١). ثم إن الوليد مشهور بالتدليس عن الكذابين، وبارتكاب أنواع التدليس، فلا ينبغي أن يتسامح معه أبداً، ومقاومة الإسراف في نقد الأسانيد بالتدليس لا يصح أن تخرج إلى حد التساهل فيه، فقد رأيت بوادر هذا في كلام بعض الباحثين على التدليس. والذهبي قد ذكر بقية بن الوليد وعنعنته عن الأوزاعي، فهل يقال فيه أيضاً ما قيل في الوليد؟ الأمر الثالث: يستحضر القارئ وهو ينظر في الأقوال الثلاثة السابقة والموازنة بينها ما تكرر ذكره مراراً، وهو أننا نبحث في وضع قواعد دراسة الأسانيد عن منهج الأئمة في كل قضية معينة يجري بحثها، وربما لا يتضح المنهج تماماً، إما لاختلاف المنقول عنهم، أو لاختلاف اجتهاد الباحثين في تفسير عملهم، وحينئذٍ فالموازنة والترجيح بين الأقوال في مسألة ما ليس معناه البحث في أي الأقوال هو الأرجح في نفسه، والاستدلال لإثبات ذلك، وإنما يكون البحث في ترجيح أي الأقوال هو الذي عليه أئمة النقد، وإذا ترجح ذلك صار هو الراجح في نفسه وإن لم يستدل عليه، والاستدلال عليه حينئذٍ من نافلة القول. والغرض من استحضار القارئ لهذا هنا مهم جداً، يغفل عنه كثير من الباحثين، وذلك أنه إذا افترضنا سلامة ترجيحنا للقول الثالث، وأنه هو الذي

стр. 331

عليه الأئمة، فمن الضروري جداً أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس. فإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثاً واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف على تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، وهذا معنى قول الحاكم وهو يذكر أجناس المدلسين: "الجنس الخامس من المدلسين قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسون ... ، ومن هذه الطبقة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه" (١)، وقوله: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار" (٢). وقال الخليلي في معرض كلامه عن حديث دلسه ابن جريج: "وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ" (٣). ومثل هذا يقال لو تم ترجيح القول الثاني، وأنه هو الذي عليه الأئمة، وقد قال ابن حبان ـ وهو أحد من نسب إليه هذا القول ـ: "إذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" (٤).

стр. 332

ومتى قَدَّرنا غير هذا وأنهم لم يقوموا بتفقد السماع لزمنا أحد أمرين: إما رميهم بالتقصير في نقد الأسانيد، وأنهم سنوا قانوناً لم يطبقوه، ورميهم بهذا لا يرضاه أحد لنفسه، أو إعادة النظر في ترجيح ما نسبناه إليهم، وأنه هو منهجهم، وهذا الثاني لا مفر منه، ويترجح حينئذٍ القول الأول، وهو أنهم إنما يتوقفون فيما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث إذا ظهر لهم أنه قد دلَّس حديثاً بعينه، وهو قول قوي لا يبعد أن يكون هو الراجح، وإنما تَمَّ ترجيح القول الثالث كما تقدم بناء على قرائن أقوى دلَّت على أنه هو الراجح عنهم. ويبقى النظر في جانب آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو ما إذا أعل الأئمة إسناداً بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم ؟ كنت أولاً أميل لهذا، وأرى أنه لو كان منتقداً بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأملت نقدهم للأحاديث بصفة عامة، فرأيت الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث يكتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد. ومن أمثلة ذلك - فيما نحن فيه - أن مسعراً روى عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: "إذا أصبح صائماً تطوعاً ثم أفطر قضى يوماً مكانه" (١) - قال أحمد: " أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان، لأنه يروى عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس [يقول] فيه، خالفوا حبيباً في هذا" (٢).

стр. 333

فلم يتعرض ابن مهدي، ولا أحمد، لتدليس حبيب بن أبي ثابت، وهو مشهور بهذا، فهل يقال: إن روايته بلغتهم بصيغة التحديث فلم يتعرضوا لتدليسه؟ أرى أنه لا يسعنا الاعتماد على هذا، ونص الناقد على علة لا يمنع من التعليل بغيرها متى ظهر ذلك. على أن القول بالمنع من النقد بالتدليس في هذه الحالة له حظ من النظر فيما إذا انضم إليه مانع آخر، كأن ينضم إلى عدم النقد بالتدليس أن يكون الراوي موصوفاً بالتدليس عن شيخ له فقط، ثم يكون الحديث الذي معنا عن شيخ آخر، فقد تقدم في الأمر الثاني أن جمعاً من الباحثين يمنع من الحكم بتدليس راو مطلقاً، إذا كان الأئمة قد نصوا على تدليسه عن شيخ معين، وقدمت هناك أن هذا غير ظاهر بالنسبة لي، فإذا اجتمع في حديث رواية المدلس له عن شيخ لم يوصف بالتدليس عنه، وأعرض الأئمة عن نقده بالتدليس في هذا الحديث، فلا يبعد أن يقال: إن التعليل بالتدليس بعيد حينئذ. ومثاله زكريا بن أبي زائدة، فقد تقدم أن النقاد أكثروا من النص على تدليسه عن الشعبي، وهم في روايته عن أبي إسحاق - مثلاً - لا يتعرضون لتدليسه، حتى مع مخالفته لغيره، ويلجؤون إلى تعليله بتأخر سماعه من أبي إسحاق، والله أعلم. الأمر الرابع: تقدم في الحالة الأولى شرح نوع من التدليس يبقي فيه المدلس شيخه، لكنه يسقط راوياً من وسط الإسناد، وهو ما يعرف بتدليس التسوية. والمرتكب لهذا النوع من التدليس يعامل في بقية الإسناد ومطالبته بالتصريح بالتحديث بمبدأ القلة والكثرة، فمن فعله على سبيل الندرة فروايته محكوم لها بالاتصال، والمكثر منه مطالب بالتصريح بالتحديث في جميع الإسناد.

стр. 334

وقد تقدم أن ممن ارتكبه بقلة: الأعمش، والثوري، وابن جريج، وهشيماً، فهؤلاء لا يتوقف في عنعنة من بعدهم في الإسناد، ما لم يتبين أن فيه تدليس تسوية، كما قال يحيى القطان: "لم أكن أهتم لسفيان أن يقول ـ لمن فوقه ـ قال: سمعت فلاناً، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلاناً، وحدثني فلان" (١). وتقدم أيضاً أن ممن ارتكبه بكثرة: الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، فهذان لا يكتفى بتصريحهما بالتحديث، بل لابد من وجود ذلك في جميع الإسناد. قال ابن حجر في كلام له على إسناد حديث فيه الوليد بن مسلم: "قد صرح بتحديث الأوزاعي له، وبتحديث نافع للأوزاعي، فأمن تدليس الوليد وتسويته" (٢). وقال أيضاً في إسناد حديث بهذه الصفة: "وزال بهذا ما كان يخشى من تدليس الوليد وتسويته" (٣). وقد رأيت من الباحثين المعاصرين بصفة عامة إغفال نقد الإسناد بتدليس

стр. 335

التسوية، فقد نظر أحد المشايخ الفضلاء في الحديث السابق في المبحث الرابع، الذي رواه بقية، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً: " إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة ... "، وحين رأى بقية مصرحاً بالتحديث جعل الإسناد حسناً عند المتابعة، من أجل الكلام في معاوية ابن يحيى، ثم ضم إليه طريقاً آخر إلى أبي الزناد، وحسن الحديث بالطريقين، ثم ضم إليهما متابعة ثالثة صحح بها الحديث. والحديث ضعيف جداً لا يصح، لكن الشاهد هنا أن طريق معاوية بن يحيى هذا قد ارتكب فيه بقية تدليس التسوية، فأسقط عباد بن كثير، بين معاوية وأبي الزناد، كما تقدم ذكره عن أبي حاتم، وعباد متروك الحديث. الأمر الخامس: ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس إذا جاءت روايته بصيغة عن، واحتف بذلك قرينة ترجح أن ذلك الحديث المعين مما دلَّسه وليس مما سمعه، فيحكم حينئذٍ للرواية بالانقطاع على جميع الأقوال، سواء كان المدلس مكثراً من التدليس أو مقلاً منه، وسواء كان مكثراً عن ذلك الشيخ الذي روى عنه أو مقلاً، وسواء كان وصفه بالتدليس قد جاء عن الأئمة في عموم رواياته أو في شيخ معين، يستوي في ذلك التدليس في مبدأ الإسناد، والتدليس في وسطه، وهو المعروف بتدليس التسوية. وهكذا في جميع ما قيل: إن رواية المدلس محمولة على السماع حتى يتبين الانقطاع، فهذا التبين يعني ظهور قرينة تدل على الانقطاع، وعلى الباحث أن يجتهد في التحقق من وجود هذه القرينة أو عدم وجودها.

стр. 336

وعلى القول بأن رواية المدلس بصيغة عن محمولة على الانقطاع فالباحث بحاجة أيضاً إلى البحث في هذه القرائن، حتى وإن كان سيحكم بالانقطاع ولو لم توجد، ذلك أن حكمه بالانقطاع إذا وجدت أقوى وآكد، ويرفع الخلاف بينه وبين غيره. وسأذكر من هذه القرائن ما رأيت الأئمة استخدموه في ترجيح وقوع التدليس، وقد يصادف الباحث أحاديث ليس لهم فيها كلام، فبإمكانه استخدامها إذا وجدت. القرينة الأولى: أن تأتي رواية أخرى صحيحة يروي فيها المدلس ذلك الحديث عن شيخه بواسطة، سواء سماه، أو أبهمه بأن قال: عن رجل، أو قال: بلغني عنه، أو نبئت عنه، ونحو ذلك. ومثله في تدليس التسوية: إذا جاءت رواية أخرى عن المدلس فيها هذه الزيادة في وسط الإسناد. وهذه أهم القرائن وأقواها وأكثرها استخداماً، كما قال ابن القطان: "وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس" (١). ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس حديث قصة اللذين يعذبان في قبريهما (٢)، ورواه منصور بن المعتمر، عن

стр. 337

مجاهد، عن ابن عباس (١). والبخاري مع أنه أخرج رواية منصور ولم يخرجها مسلم، إلا أن البخاري رجح رواية الأعمش (٢)، وكذا رجحها الترمذي (٣)، والدارقطني (٤)، فإما أن يكون الخطأ من منصور، وإما أن يكون مجاهد حين حدث به منصوراً أسقط طاوساً، ورواه عن ابن عباس مباشرة. ومن ذلك أن جمعاً غفيراً روى عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ... " الحديث (٥)، فذهب جماعة من الأئمة منهم سفيان الثوري، وأحمد، وابن المديني، وابن خزيمة، والبيهقي، وغيرهم إلى أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، لأنه كان يقول في طرق أخرى عنه: عن رجل، عن أبي صالح، وفي بعضها: حدثت عن أبي صالح، وفي

стр. 338

بعضها: حدثت عن أبي صالح ـ ولا أراني إلا وقد سمعته ـ (١). وروى جماعة كثيرون منهم الثوري، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي، وأنس بن عياض، وغيرهم، عن حميد الطويل، عن أنس قصة صلاته ﷺ خلف أبي بكر في مرض موته (٢)، ورواها محمد بن طلحة، وسليمان بن بلال، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن هارون، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، قال الترمذي: "ومن ذكر فيه: عن ثابت ـ فهو أصح" (٣). وقال ابن المديني: "سمعت يحيى (يعني القطان) يقول: حديث التيمي، عن الحسن: " أن ابن عباس كان يعرف " ـ لم يسمعه من الحسن، كان يقول: رجل عن الحسن، قال يحيى: فبلغني أنه رواه عن أبي بكر الهذلي" (٤). وقال أحمد في حديث سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود

стр. 339

" أنه كان يقول: اندرايم " ـ: "لم يسمعه سفيان من حماد، في إملاء اليمن: عن جابر، عن حماد" (١). والمقصود بإملاء اليمن ما سمعه عبدالرزاق من الثوري باليمن، وكان أحمد يرى أنه أحكم وأضبط مما سمعه منه بمكة (٢). وقال أحمد أيضاً في حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعاً: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين "، وهو من رواية يونس عن الزهري، جاء ذلك من طرق عن يونس (٣)، قال أحمد: "أفسدوا علينا حديث الزهري ... ، قالوا: عن سليمان بن أرقم ـ يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ـ ... " (٤). وكذا قال غير واحد من الأئمة: إن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة،

стр. 340

معتمدين على هذه القرينة (١). وروى إسماعيل بن علية، وعبدالوهاب بن عبدالمجيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يسترعي الله ﵎ عبداً رعية ـ قلَّت أو كثرت ـ إلا سأله الله ﵎ عنها يوم القيامة ... " الحديث (٢). قال ابن خزيمة: "لم يسمع الحسن هذا الخبر من ابن عمر، حدثنا محمد بن عبدالأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس، عن الحسن قال: نبئت أن ابن عمر قال ... " (٣). وقد تقدم أن الحسن قد سمع من ابن عمر في قول الجمهور، لكن يظهر أنهم إنما يثبتون له سماعه لحديث واحد، كما تقدم شرحه في المبحث الثالث، وعلى هذا فهذه القرينة تأكيد لعدم سماعه منه هذا الحديث المعين، ونفي لاحتمالات أخرى قد تكون قائمة في سماع الحسن من ابن عمر، وعنعنته عنه. وفي هذا المثال يقرب أن حذف الواسطة ليس من الحسن، وإنما هو من الراوي عنه يونس بن عبيد، فالطرق مدارها عليه، فكأنه ربما استبدل العنعنة بقول الحسن: نبئت، بالعنعنة، ويونس مدلس أيضاً كما تقدم في المبحث الثاني،

стр. 341

وقد يكون تسامح في ذلك للعلم بأن الحسن لم يسمعه من ابن عمر. وروى جماعة عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ مرفوعاً: " نضر الله عبداً سمع مقالتي ... " الحديث (١). ورواه عبدالله بن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالسلام بن أبي الجنوب، عن الزهري به (٢)، قال العلائي عن الطريق الأول: "الظاهر أن هذا مما دلسه ابن إسحاق ... ، وعبدالسلام قال فيه أبوحاتم: متروك" (٣). وروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: " من إذاً اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ... " الحديث (٤). وقد رواه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عمن حدثه، عن نافع به، وذكر البخاري أن هذا أشبه (٥). وروى مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر

стр. 342

مرفوعاً: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع "، قال النسائي بعد أن رواه: "لم يسمعه سفيان من أبي الزبير ... "، ثم أخرجه من طريق أبي داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به (١). وروى الدارقطني من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: " زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها فأرغبها في المال ... " الحديث، وقال الدارقطني بعده: "لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه، كذلك رواه إبراهيم بن سعد عنه، وتابعه محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن حسين "، ثم أخرج الطريقين (٢). وروى جماعة منهم أبومعاوية، ويعلى بن عبيد، وجرير بن عبدالحميد، وغيرهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " كم مضى من الشهر ... " الحديث في ليلة القدر (٣). قال الحاكم: "لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح، وقد رواه أصحابه عنه هكذا منقطعاً"، ثم أخرجه من طريق عبيدالله بن سعيد قائد

стр. 343

الأعمش، عن الأعمش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (١). وعبيدالله بن سعيد قائد الأعمش ضعيف (٢)، وكأن الحاكم هنا اعتمد زيادته لأن عنعنة الأعمش عن أبي صالح في جميع الطرق إليه أوجبت ريبة. وكلام الأئمة في الحكم بالتدليس اعتماداً على هذه القرينة كثير جداً (٣). ويمكن للباحث أن يستخدمها في الاستدلال لكلام الأئمة إذا حكموا بوقوع تدليس، ولم يذكروا دليل ذلك، مثاله ما روى معتمر بن سليمان التيمي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: " إن فاجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فصلِّ عليها " (٤)، قال يحيى القطان: "حديث إسماعيل بن أبي خالد: " إذا فجأتك جنازة " ـ ليس هو من صحيح حديثه" (٥)، يعني لم يسمعه من عامر الشعبي. ودليل هذا أن عبدالله بن نمير قد رواه عن إسماعيل، عن رجل، عن عامر الشعبي، قال عبدالله: "هو مطيع الغزال ـ يعني الرجل ـ" (٦).

стр. 344

وروى محمد بن يوسف الفريابي، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً: " ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر " (١)، وسئل عنه أبوحاتم فقال: " ... وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قيس، أراه مدلساً" (٢). وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن يزيد بن أبي خالد، عن قيس بن مسلم، عن طارق مرسلاً (٣). ويمكن للباحث أن يستند على هذه القرينة في الحكم بوقوع تدليس، وإن لم ينص أحد على ذلك، كما في رواية عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: " أن عمر وابن مسعود كانا يصليان في السفر قبل المكتوبة وبعدها " (٤)، فقد رواه ابن مهدي، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن حماد به بمعناه (٥). وروى وكيع، وعلي بن مسهر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي "في المرأة تزوجت رجلاً على أنه حر، فوجد عبداً، قال: تخير "، لفظ وكيع (٦)،

стр. 345

ورواه يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عمن حدثه، عن الشعبي (١). ومما يؤكد أهمية هذه القرينة - أعني إدخال واسطة بين المدلس وشيخه - في الدلالة على وقوع تدليس، أن إدخال واسطة في إسناد معنعن بين راو وشيخه دليل على وقوع انقطاع في الإسناد الذي حذفت منه الواسطة، وإن لم يوصف الراوي بالتدليس (٢)، والفرق بين المدلس وغيره حينئذ أن المدلس يكتفى للحكم بوقوع التدليس منه بأدنى شبهة، ويكون وصف الراوي بالتدليس قرينة مستقلة على ترجيح الزيادة. وقد تقدم في ذكر أخطاء التصريح بالتحديث من المدلسين وعليهم، أن من أهم دلائل ذلك ورود واسطة بين المدلس وشيخه في بعض الروايات. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ليس كل زيادة بين المدلس وشيخه يحكم من أجلها على الراوي بأنه دلس في هذا الحديث، فبعض الزيادات لا تصح، فهذا الأمر يخضع للقرائن، فهو محل اجتهاد إذاً. ومن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - منهم الثوري، وشعبة، وعمر بن عبيد، وغيرهم - رووا عنه، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد

стр. 346

الخدري: "أصبنا سبايا فكنا نعزل عنهن .... " الحديث (١). ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد (٢). فهذه الزيادة لا تصح، لمخالفة أبي بكر بن عياش لأصحاب أبي إسحاق، وفيهم كبار أصحابه، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبي إسحاق على وجه الخصوص (٣). وأيضاً فإن من رواة الوجه الأول عن أبي إسحاق شعبة، وقد تقدم في المبحث الرابع أنه لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما سمعه، وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث في روايته. قال الدارقطني عن رواية أبي بكر: "ليس بمحفوظ، والصحيح: عن أبي إسحاق، عن أبي الوداك " (٤). ويلتحق بذكر الواسطة أن يأتي عن المدلس في بعض الروايات عنه ما يعرف منه صيغة الرواية التي يحدث بها بينه وبين شيخه في الحديث المعين، وأنه لم يصرح بالتحديث، بل روى بصيغة قال، أو ذكر، أو حدث، ونحوها، فقد تقدم أننا إذا عرفنا أن المدلس لم يصرح بالتحديث، وعرفنا صيغة روايته على وجه

стр. 347

التحديد، فنرجح حينئذ أنه لم يسمعه، ويكون حكمنا في ذلك حكم النقاد في عصر الرواية، الذين وقفوا على صيغ رواية المدلس، وقد تقدم في هذا المبحث النقول عنهم فيما يشبه الإجماع على أن المدلس إذا روى بهذه الصيغ فقد دلَّس. ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك حديث: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، الماضي ذكره آنفاً، فقد تقدم أن من قرائن وقوع التدليس فيه إدخال الزهري واسطة في بعض الروايات عنه. ومن القرائن كذلك أنه جاء في بعض الطرق إلى يونس قول الزهري: حدث أبو سلمة، قال أبو داود: "سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة " (١). وقال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق عنبسة بن خالد، عن الزهري كذلك: "هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة " (٢). ومن الأمثلة أيضاً ما رواه سعيد بن أبي عروبة، وعمران القطان - في رواية عنه - عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار، قال:

стр. 348

"قلت: يا رسول الله، رجل من قومي يشتمني، وهو دوني، علي بأس أن أنتصر منه؟ قال: المستبان شيطانان ... " (١). ورواه شيبان بن عبد الرحمن في بعض الروايات عنه، عن قتادة قال: وحدث مطرف، عن عياض بن حمار (٢). فأفادت هذه الرواية أن قتادة لم يسمعه من مطرف، وأنه يدلسه عنه، وأكد ذلك أن الحديث رواه همام بن يحيى، وحجاج بن حجاج، وعمران القطان- في رواية عنه - عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله - أخي مطرف - عن عياض بن حمار (٣). وقتادة يروي عن مطرف بن عبد الله، ويروي عن يزيد بن عبد الله، عن أخيه مطرف، وربما أسقط يزيد (٤). وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: "لما جاء بهن رسول الله ﷺ إلى قومه - يعني الصلوات الخمس - خلى عنهن، حتى إذا زال الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة .... " الحديث (٥).

стр. 349

ورواه شيبان، عن قتادة قال: حدث الحسن (١). فرواية شيبان هذه تدل على أن قتادة قد دلسه عن الحسن. القرينة الثانية: أن يكون في متن الحديث أو إسناده نكارة وشذوذ ، فإن الأئمة يلجؤون كثيراً إلى التعليل بالتدليس، وغرضهم من ذلك تبرئة المدلس الثقة، وجعل العهدة على من أسقطه. مثال ذلك حديث أبي معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر: "كنا نعد ورسول الله ﷺ حي، وأصحابه متوافرون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت" (٢). سئل عنه علي بن المديني فقال: "أنا أفرقه، كان أبو معاوية لا يقول فيه: حدثنا" (٣). وهذا الحديث عن سهيل لا يرويه ثقة غير أبي معاوية، رغم كثرة أصحاب سهيل، وفيهم حفاظ ثقات مكثرون عنه (٤)، وليس لأبي معاوية عن سهيل في

стр. 350

الكتب الستة سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات (١)، وهذا المتن فيه كلام لبعض الأئمة، وخاصة الجملة الأخيرة منه (٢)، فمثل هذا لا تردد في ضرورة مطالبة المدلس بالتصريح بالتحديث فيه، لينظر بعد ذلك في الأمور الأخرى في الإسناد، مثل كون أبي معاوية يهم في غير حديث الأعمش، وما في حفظ سهيل بن أبي صالح من كلام. وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قصة شكوى امرأة صفوان بن معطل، وأنه كان يضربها إذا صلت، ويمنعها الصيام، وأنه كان لا يستيقظ للفجر حتى تطلع الشمس (٣)، قال البزار بعد أن وصفه بالنكارة: "وإنما أتت نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل: حدثنا أبوصالح، فأحسب أنه أخذه عن رجل غير ثقة، وأمسك عن ذكر الرجل، فصار الحديث ظاهر إسناده الحسن ... " (٤). ومن ذلك أن أبا معاوية، وحفص بن غياث، رويا عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي مرسلاً حديث الضحك في الصلاة (٥)، وقد تقدم في المبحث

стр. 351

الثالث أن سفيان الثوري قال: إن الأعمش لم يسمعه من إبراهيم. ومن أهم ما يستدل به على ذلك بالنسبة لنا رواية وكيع، عن الأعمش، ففيها قول الأعمش: أرى إبراهيم ذكره (١)، ولذا قال أحمد: "يقول الأعمش: أرى إبراهيم، يعلم أنه ليس من حديث إبراهيم المشهور، يعني بقوله: أرى" (٢). ولعل هذا من الأحاديث التي قال فيها الأعمش فيما رواه عنه عبدالله بن نمير: "حدثت بأحاديث على التعجب، فبلغني أن قوماً اتخذوها ديناً، لا عدت لشيء منها" (٣). وقال يحيى القطان: "كان الأعمش إذا جاء بإسناد جيد تهلَّل وجهه، وإذا جاء بذاك الآخر فالله أعلم " (٤). وروى ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار: " رأيت النبي ﷺ يخلل لحيته " (٥)، قال أبوحاتم: "لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، لو كان صحيحاً لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث

стр. 352

الخبر، وهذا أيضاً مما يوهنه" (١)، يعني لم يصرح ابن عيينة بالتحديث. وقال البرذعي: "قلت (يعني لأبي زرعة): ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "كلام القدرية كفر "- قال: هذا عندي باطل، إنما روى هذا أبو عصمة نوح بن أبي مريم، ليس هذا من حديث ابن جريج، ابن أبي رواد أخاف أن يكون قد عمل في هذا عملاً، ألا ترى أنه يقول في آخره: "ولا أعلم قوماً خيراً من قوم أرجوا "، قال لي أبو زرعة: ابن عباس يقول مثل هذا؟ " (٢). القرينة الثالثة: أن يخالف المدلس غيره، في الإسناد أو المتن ، فيستدل بهذا على أنه قد دلَّسه، ويبرأ هو من نسبة الخطأ إليه. مثال ذلك قول أبي حاتم في حديث رواه عمر بن علي المقدمي وزاد فيه على غيره رجلاً في الإسناد: "أما عمر فمحله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا إذ جاء بالزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة " (٣). وروى الأعمش، والحسن بن عمرو الفقيمي، وفطر بن خليفة، وغيرهم، عن مجاهد، عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها "، إلا

стр. 353

أن الأعمش جعله موقوفاً على عبدالله بن عمرو (١). قال أبوحاتم حين سئل عنه: "الأعمش أحفظهم، والحديث يحتمل أن يكون مرفوعاً، وأنا أخشى أن لا يكون سمع الأعمش من مجاهد، فإن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يرويه عن مجاهد مدلس" (٢). وقال ابن حجر في معرض كلامه عن "المستخرجات" وشروط تصحيح ما فيها من زيادات على "الصحيحين": "فإذا روى البخاري ـ مثلاً ـ عن علي ابن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري حديثاً، ورواه الإسماعيلي ـ مثلاً ـ عن بعض مشايخه، عن الحكم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، واشتمل حديث الأوزاعي على زيادة على حديث ابن عيينة ـ توقف الحكم بصحتها على تصريح الوليد بسماعه من الأوزاعي، وسماع الأوزاعي من الزهري، لأن الوليد بن مسلم من المدلسين على شيوخه، وعلى

стр. 354

شيوخ شيوخه" (١). هذا ما وقفت عليه من القرائن المستخدمة في ترجيح وجود تدليس، وقد يوقف على غيرها أيضاً. وقد يقول قائل: قد ذكرت في المبحث الثالث أن نص إمام من الأئمة على أن فلاناً لم يسمع الحديث ممن روى عنه ينهي موضوع التدليس، ونحكم على الحديث بالانقطاع، مع أننا نرى الأئمة يصدرون أحكامهم بناءً على القرائن المذكورة هنا، فإما أن نجعل نص الإمام مجرد قرينة، وإما أن نجعل هذه القرائن وإن لم يوجد نص للإمام كما إذا وجدنا نصاً عنه. والجواب: أنني ذكرت أحكام الأئمة هنا مع هذه القرائن لأبين اعتماد الأئمة عليها في الحكم بالانقطاع، فنحن نقتفي أثرهم في استخدامها، ونرجح وجود تدليس إذا وجدت، وإن لم نقف لهم على كلام في الحديث المعين، ويبقى ذلك مجرد قرينة مرجحة، أما إذا كان هناك كلام لإمام من الأئمة فالواجب اتباعه في ذلك، ولا يكون هذا مجرد قرينة، بل يجب متابعته وإن لم يتحرر لنا سبب حكمه هذا، إذ كثير من أحكامهم يظهر أنهم عرفوها من المدلسين أنفسهم، والله أعلم.

стр. 355

المبحث السادس تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس ربما تشتد نكارة الحديث، فيحتاج الباحث إلى الطعن في الإسناد بأمور خفية، وفيما يتعلق بالتدليس، عليه أن يستحضر إذا واجهه مثل هذا ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول عن بعض الأئمة كشعبة بن الحجاج من توقفهم في الإسناد غير المصرح فيه بالتحديث، وإن لم يكن الراوي مدلساً. ويستحضر كذلك ما نقل عن بعض الأئمة من ارتكاب جمع كثير من الرواة للتدليس دون تحديد، كقول شعبة: "ما رأيت أحداً إلا وهو يدلس، إلا عمرو بن مرة، وابن عون" (١)، وقول يزيد بن هارون: "قدمت الكوفة فما رأيت بها أحداً إلا وهو يدلس، إلا مسعر بن كدام، وشريكاً" (٢). وقد تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل أن التدليس والإرسال ربما لجأ إليهما الراوي لعارض، كالمذاكرة، وأن النقاد يرمون الراوي بالتدليس دفاعاً عنه، لئلا يتحمل عهدة ما رواه من أحاديث منكرة، وأن معرفتنا بكون الراوي مدلساً إنما هو بحسب وقوفنا على كلام النقاد، وقد فات الذين جمعوا من رمي بالتدليس جماعة من الرواة، وأن صورة التدليس قد تقع من الراوي دون أن يقصده. وبناء على ما تقدم فقد يلجأ الباحث إلى تضعيف الإسناد باحتمال وقوع
следующие страницы →